Étiquette : الدكتورة أسماء لمسردي

  • قانون في الرفوف..

    *العلم الإلكترونية: الدكتورة أسماء لمسردي*

    تبدو القوانين المؤطرة لحماية المستهلك، كما لو أنها مرتبة بعناية داخل رفوف عالية في الإدارة، تستحضر في الخطاب حينا، وتغيب في الواقع حين يتعلق الأمر بامتحان السوق في لحظاته الحساسة، خاصة خلال المواسم والأعياد التي يفترض أن تكون مناسبات للفرح الجماعي لا لمحطات ضغط معيشي خانق.

    غير أن هذا الإطار القانوني، حين يستحضر فعليا، يكشف عن منظومة واضحة في قانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة. فمقتضياته المرتبطة بضبط السوق لا تترك مجالا للبس بخصوص دور السلطات العمومية، إذ تمنح المادة 4 للإدارة إمكانية التدخل في مواجهة الارتفاعات الفاحشة في الأسعار الناتجة عن اضطرابات السوق أو ظروف استثنائية، بينما تتيح المادة 5 للحكومة اتخاذ تدابير مؤقتة كلما ظهر اختلال واضح في ثمن مادة معينة، وهو ما يجعل من حماية التوازن السعري والقدرة الشرائية مبدأ مؤسسا لليقظة المؤسساتية، وليس مجرد خيار ظرفي أو شعار ظرفي.

    لكن هذا الإطار، مهما بلغت دقته القانونية، يظل محط سؤال ملح كلما دخلت الأسواق مرحلة الضغط الموسمي: أين تتجسد هذه المقتضيات حين تتحول لحظات الاستهلاك إلى فضاءات مفتوحة للمضاربة، وترتفع الأسعار خارج منطق القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين؟

    بمناسبة عيد الأضحى، ورغم ما رافق هذه الفترة من مجهودات معلنة شملت دعما مهما لمربي الماشية وتعبئة مالية معتبرة لتوفير القطيع وضمان وفرة العرض، وجد المواطن نفسه أمام واقع مغاير؛ أسعار مرتفعة للأكباش والأغنام، تفوق بكثير قدرات الأسر المتوسطة والبسيطة، لتتحول فرحة العيد إلى معادلة صعبة بين الرغبة والإمكانيات.

    وفي قلب هذا المشهد، يطفو إشكال إضافي لا يقل أهمية، يتمثل في محدودية انعكاس هذا الدعم العمومي على السعر النهائي الموجه للمستهلك، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى فعالية آليات تتبع السوق، وإلى أي حد يتم تفعيل المقتضيات القانونية المتعلقة بمحاربة المضاربة والادخار السري، باعتبارهما من السلوكات التي يفترض أن تكون خاضعة للزجر في إطار نفس القانون.

    هنا يبدو أن الحلقة الأخيرة في مسار السوق تترك في كثير من الأحيان دون مراقبة فعالة، وكأن الدعم العمومي يتوقف عند حدود الإنتاج، بينما تُرك مرحلة التسعير النهائي لتوازنات لا تعكس بالضرورة واقع العرض أو القدرة الشرائية، بل تخضع لمنطق وسطاء ومضاربين يعيدون تشكيل الأسعار في لحظات الذروة.

    المفارقة أن المواطن الذي كان ينتظر أن يلمس أثر الدعم في السعر النهائي، يجد نفسه أمام وضع تتحول فيه بعض المناسبات إلى عبء اقتصادي ونفسي، بدل أن تكون فضاء للفرح الجماعي، وهو ما يعيد طرح سؤال جدوى آليات ضبط السوق في فترات الضغط الاستهلاكي.

    وفي المقابل، لا يمكن تجاهل نماذج أخرى في أسواق عالمية مختلفة، حيث تتحول المواسم والأعياد إلى فترات تخفيضات واسعة، حتى على المنتجات الراقية، في إطار فلسفة تجارية تقوم على تنشيط الطلب وتوسيع قاعدة الاستهلاك، بدل استغلال اللحظة لرفع الأسعار. وهنا يبرز الفارق بين سوق يدار بمنطق التوازن، وسوق يترك فيه المستهلك وحيدا أمام تقلبات لا ترحم.

    إن الإشكال ليس في غياب النصوص القانونية، بل في حضورها على مستوى التشريع وغيابها على مستوى التفعيل، حيث تبقى مواد حماية المنافسة والأسعار رهينة ظرفية التطبيق، في حين يظل المواطن هو الحلقة الأضعف في كل موسم.

    وبين دعم عمومي يصرف لتأمين وفرة العرض، وسوق لا يعكس تلك الوفرة في الأسعار، تتشكل فجوة عميقة تضع الثقة في الوساطة الاقتصادية على المحك، وتعيد طرح سؤال جوهري حول من يحمي فعليا المستهلك في لحظات الضغط الموسمي: النص القانوني أم منطق السوق المنفلت؟

    في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بارتفاع الأسعار، بل بقدرة المنظومة ككل على ضمان أن تبقى المناسبات كما يفترض أن تكون: لحظات فرح جماعي، لا مواسم ثقل معيشي متكرر وقلق اقتصادي ثقيل.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب‭ ‬و«أرتميس»‭.. ‬رهان‭ ‬استراتيجي‭ ‬للتموقع‭ ‬داخل‭ ‬اقتصاد‭ ‬الفضاء‭ ‬العالمي

    *العلم الإلكترونية: الدكتورة أسماء‭ ‬لمسردي‬*

    لم‭ ‬يعد‭ ‬الفضاء‭ ‬الخارجي‭ ‬مجرد‭ ‬مجال‭ ‬للإنجازات‭ ‬العلمية‭ ‬أو‭ ‬الاستعراض‭ ‬التكنولوجي‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬بل‭ ‬تحول،‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬جديدة‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬موازين‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬والنفوذ‭ ‬الجيوسياسي. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يندرج‭ ‬انضمام‭ ‬المغرب‭ ‬إلى‭ ‬Artemis Accords،‭ ‬باعتباره‭ ‬خطوة‭ ‬تتجاوز‭ ‬بعدها‭ ‬الرمزي‭ ‬والدبلوماسي،‭ ‬نحو‭ ‬تموقع‭ ‬استراتيجي‭ ‬داخل‭ ‬منظومة‭ ‬دولية‭ ‬ناشئة‭ ‬ترتبط‭ ‬بالتكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬واقتصاد‭ ‬الفضاء.‬

    ويرى‭ ‬الدكتور‭ ‬بدر‭ ‬زاهر‭ ‬الأزرق‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬تعكس‭ ‬تحولا‭ ‬عميقا‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬الدولة‭ ‬المغربية‭ ‬لموقعها‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد،‭ ‬موضحا‭ ‬أن‭ ‬التنافس‭ ‬الدولي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬أو‭ ‬الصناعة‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬مرتبطا‭ ‬بمجالات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والفضاء‭ ‬الخارجي.‬

    وأوضح‭ ‬الأزرق‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يتجه‭ ‬تدريجيا‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«اقتصاد‭ ‬الفضاء»،‭ ‬وهو‭ ‬اقتصاد‭ ‬مرشح‭ ‬لأن‭ ‬تبلغ‭ ‬قيمته‭ ‬تريليونات‭ ‬الدولارات‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬المقبلة،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الصناعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأقمار‭ ‬الاصطناعية‭ ‬والاتصالات‭ ‬والملاحة‭ ‬الفضائية،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬استغلال‭ ‬الموارد‭ ‬الفضائية‭ ‬والصناعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالبعثات‭ ‬الفضائية.‬

    واعتبر‭ ‬أن‭ ‬أول‭ ‬مكسب‭ ‬استراتيجي‭ ‬للمغرب‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬«الدخول‭ ‬إلى‭ ‬نادي‭ ‬الدول‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬قواعد‭ ‬النظام‭ ‬الفضائي‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد»،‭ ‬مشددا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬اتفاقية‭ ‬«أرتميس»‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬التعاون‭ ‬العلمي،‭ ‬بل‭ ‬تشكل‭ ‬إطارا‭ ‬سياسيا‭ ‬وقانونيا‭ ‬واستراتيجيا،‭ ‬يحدد‭ ‬مستقبلا‭ ‬كيفية‭ ‬تنظيم‭ ‬استغلال‭ ‬الموارد‭ ‬الفضائية،‭ ‬ومن‭ ‬يحق‭ ‬له‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها.‬

    وأضاف‭ ‬أن‭ ‬انضمام‭ ‬المملكة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬يمنحها‭ ‬موقعا‭ ‬داخل‭ ‬دائرة‭ ‬صناعة‭ ‬القرار‭ ‬العالمي،‭ ‬بدل‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬المتلقي‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬المراقب‭ ‬الخارجي‭ ‬للتحولات‭ ‬الدولية‭ ‬المتسارعة.‬

    وفي‭ ‬الجانب‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬أكد‭ ‬الأستاذ‭ ‬الجامعي‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تفتح‭ ‬آفاقا‭ ‬مهمة‭ ‬أمام‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الأقمار‭ ‬الاصطناعية‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬المرتبط‭ ‬بالفضاء،‭ ‬وأنظمة‭ ‬الملاحة،‭ ‬وتحليل‭ ‬البيانات‭ ‬الفضائية،‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬الاستشعار‭ ‬عن‭ ‬بعد.‬

    وأشار‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬يمتلك‭ ‬قاعدة‭ ‬أولية‭ ‬مهمة،‭ ‬بفضل‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬راكمها‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الأقمار‭ ‬الاصطناعية،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬تجميعها‭ ‬أو‭ ‬تصنيعها‭ ‬أو‭ ‬إطلاقها،‭ ‬ما‭ ‬يعني،‭ ‬بحسب‭ ‬تعبيره،‭ ‬أن‭ ‬المملكة‭ ‬«لن‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬الصفر»،‭ ‬بل‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬استعمال‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬إنتاجها‭ ‬وتطويرها.‬

    وأوضح‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬المغربي‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬صناعية‭ ‬مثل‭ ‬النواصر‭ ‬وطنجة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬المنظومات‭ ‬الصناعية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بصناعة‭ ‬الطيران‭ ‬والميكانيك،‭ ‬يعكس‭ ‬توجها‭ ‬متدرجا‭ ‬لتحويل‭ ‬المملكة‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬صناعية‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬مرتفعة،‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬الطيران،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬أيضا‭ ‬نحو‭ ‬الصناعات‭ ‬الفضائية.‬

    وأكد‭ ‬أن‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬سيمكن‭ ‬الباحثين‭ ‬والمهندسين‭ ‬المغاربة‭ ‬من‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬شبكات‭ ‬تعاون‭ ‬دولية،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬بحث‭ ‬مشتركة‭ ‬وبرامج‭ ‬تدريب‭ ‬متقدمة‭ ‬مع‭ ‬وكالات‭ ‬ومختبرات‭ ‬عالمية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سيساهم،‭ ‬وفق‭ ‬تقديره،‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الكفاءات‭ ‬المغربية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬دقيقة‭ ‬واستراتيجية.‬

    أما‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬السياسية‭ ‬والجيوسياسية،‭ ‬فقد‭ ‬اعتبر‭ ‬الأزرق‭ ‬أن‭ ‬انضمام‭ ‬المغرب‭ ‬إلى‭ ‬اتفاقية‭ ‬«أرتميس»‭ ‬يحمل‭ ‬دلالات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بطبيعة‭ ‬العلاقات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬الرباط‭ ‬بواشنطن،‭ ‬موضحا‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تعتبر‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬رؤيتها‭ ‬لقيادة‭ ‬النظام‭ ‬الفضائي‭ ‬العالمي.‬ 

    وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬انضمام‭ ‬المغرب‭ ‬يعكس‭ ‬مستوى‭ ‬متقدما‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬والشراكة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬العلمية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬الأبعاد‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأمن‭ ‬والتعاون‭ ‬الاستراتيجي.‬

    وفي‭ ‬ختام‭ ‬تصريحه،‭ ‬شدد‭ ‬الدكتور‭ ‬بدر‭ ‬الأزرق‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬توقيع‭ ‬الاتفاقية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬المغرب‭ ‬على‭ ‬استثمارها‭ ‬لبناء‭ ‬منظومة‭ ‬وطنية‭ ‬متكاملة،‭ ‬تشمل‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬والجامعة،‭ ‬وتمويل‭ ‬الابتكار،‭ ‬وتشجيع‭ ‬المقاولات‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬وربط‭ ‬صناعة‭ ‬الطيران‭ ‬بالفضاء.‬

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • القضاء يواجه الفساد المالي ويعزز تخليق الانتخابات وحماية المال العام

    *العلم الإلكترونية: الدكتورة أسماء لمسردي*

    يشكل تخليق الحياة العامة ومكافحة الفساد خيارا استراتيجيا للمملكة المغربية، وفق ما أكده مسؤولون قضائيون وخبراء في المالية العمومية، الذين شددوا على أن حماية المرفق العام وترسيخ المسار الديمقراطي يقتضيان تفعيل آليات الزجر والوقاية، وربط المسؤولية بالمحاسبة ضمن منظومة قانونية ومؤسساتية متكاملة.

    وجاءت هذه المواقف خلال ندوة علمية نظمها الرواق المشترك بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، في إطار برنامج يهم قضايا الحكامة وتعزيز دولة الحق والقانون، حيث تم التوقف عند دور القضاء في تخليق الحياة العامة ومكافحة الفساد المالي وتعزيز الشفافية.

    وفي هذا السياق، اعتبر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمراكش، خالد كردودي، أن الجرائم المالية تمثل تحديا مركزيا للاقتصاد الوطني لما لها من انعكاسات مباشرة على سير المرافق العمومية وتعطيل البرامج التنموية. وأبرز في هذا الإطار انخراط المغرب في الجهود الدولية لمحاربة الفساد، خاصة عبر المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة ذات الصلة، وتطوير الترسانة القانونية الوطنية، لاسيما في ما يتعلق بغسل الأموال وحماية المبلغين.

    وأوضح المسؤول القضائي أن فعالية التصدي لهذا النوع من الجرائم تستلزم اعتماد مقاربة متكاملة تقوم على التكامل بين الحجز والمصادرة والبحث المالي الموازي، باعتبارها حلقات مترابطة في مسار تتبع الأموال غير المشروعة. وأضاف أن المصادرة كعقوبة مالية ترتبط بنتائج البحث المالي الموازي وإجراءات الحجز، بما يسمح بتحديد الممتلكات المتحصلة من أنشطة غير قانونية واسترجاعها لفائدة الدولة.

    كما شدد على أن البحث المالي الموازي يمثل أداة أساسية لكشف الامتدادات الخفية للجريمة المالية، من خلال تتبع حركة الأموال وتحليل مصادرها وتحديد المستفيدين الفعليين، اعتمادا على معطيات المؤسسات المالية والتصريحات بالاشتباه والسجلات الرسمية والمصادر المفتوحة، مؤكدا أهمية تعزيز التنسيق بين النيابة العامة والشرطة القضائية والهيئات المالية، إلى جانب تطوير التعاون الدولي بالنظر للطابع العابر للحدود لهذه الجرائم.

    من جهته، أكد عبد العزيز الغزاوي، رئيس شعبة القضاء الإداري بقطب القضاء المتخصص، أن تخليق الممارسة الانتخابية يعد رهانا دستوريا يعكس مستوى الثقة في المسار الديمقراطي. وأوضح أن القضاء الإداري يضطلع بدور أساسي في تأطير مختلف مراحل العملية الانتخابية، من القيد في اللوائح الانتخابية إلى إعلان النتائج، استنادا إلى اجتهادات قضائية رسختها محكمة النقض.

    وأضاف أن هذا الدور يشمل ضبط شروط الترشح وضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين، إلى جانب مراقبة سير الحملات الانتخابية. كما أشار إلى اعتماد مقاربة متوازنة في التعامل مع الطعون الانتخابية، بحيث لا يتم إلغاء النتائج إلا في الحالات التي يثبت فيها تأثير المخالفات على مخرجات الاقتراع، خصوصا في حالات التدليس.

    ويمتد دور القضاء، وفق المتدخل، إلى ما بعد إعلان النتائج، من خلال مراقبة سلوك المنتخبين وتفعيل آليات العزل والتجريد في حالات الإخلال بالواجبات أو تضارب المصالح، بما يهدف إلى تعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة.

    وفي ما يخص الرقابة المالية، أوضح شفيق البهوي، رئيس فرع الغرفة الرابعة بالمجلس الأعلى للحسابات، أن تخليق الحياة العامة لا يقتصر على غياب المخالفات، بل يشمل ترسيخ قواعد الاستقامة في التدبير العمومي. وبين أن الرقابة المالية تقوم على شقين: قضائي زجري، وآخر يرتكز على مراقبة التسيير وتقييم الأداء.

    وسجل أن آليات مراقبة التسيير والتصريح بالممتلكات تشكل أدوات وقائية أساسية لرصد الاختلالات وتعزيز الشفافية، مبرزا دور المجلس في مراقبة تمويل الأحزاب السياسية ونفقات الحملات الانتخابية وتتبع تنفيذ التوصيات.

    من جانبه، حذر جمال حاحو، المحامي العام بالمجلس الأعلى للحسابات، من مخاطر « التسيير بحكم الواقع » الذي يتم خارج الإطار القانوني ويؤدي إلى تبديد المال العام، مؤكدا إمكانية مساءلة مرتكبيه وإلزامهم بإرجاع الأموال المختلسة، فضلا عن إمكانية إحالة بعض الأفعال على القضاء الجنائي.

    واعتبر عبد الرحمن الشرقاوي، أستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن تخليق الحياة العامة يمثل خيارا استراتيجيا مؤطرا بدستور 2011 وخطابات ملكية سابقة، مبرزا أن هذا الدستور كرس استقلال القضاء وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع تعزيز أدوار مؤسسات الرقابة. وأضاف أن التحدي الأساسي يظل أخلاقيا ومجتمعيا، ويتطلب ترسيخ ثقافة النزاهة عبر التربية والإعلام والتكوين

    إقرأ الخبر من مصدره

  • جدل حاد تحت قبة البرلمان.. شروط الولوج إلى المحاماة بين هاجس الجودة ومطلب تكافؤ الفرص

    *العلم الإلكترونية: الدكتورة أسماء لمسردي*

    تحول مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة إلى محور نقاش سياسي وقانوني محتدم داخل مجلس النواب بالرباط، خلال اجتماع لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان المنعقد اليوم الأربعاء 29 أبريل 2026، بعدما فجر مقترح تحديد سن أقصى للولوج في 40 سنة واشتراط شهادة الماستر موجة اعتراضات واسعة من مختلف الفرق البرلمانية. وبين من يرى في هذه المقتضيات خطوة نحو تأهيل المهنة، ومن يعتبرها تضييقا غير مبرر، برزت إشكالية التوازن بين جودة التكوين وضمان الولوج العادل.

    وخلال أشغال لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، عبر عدد من النواب عن تخوفهم من أن تؤدي هذه الشروط إلى تكريس نوع من الإقصاء، خاصة في صفوف الشباب الذين لم تتح لهم ظروفهم استكمال مسارهم الأكاديمي في الزمن المعتاد. في هذا السياق، شدد النائب عن الفريق الاستقلالي الدكتور نور الدين مضيان على خصوصية مهنة المحاماة باعتبارها مهنة حرة تقوم على التنافس، لا على منطق الوظيفة العمومية، معتبرا أن فرض قيود عمرية يتنافى مع طبيعتها. وأبرز أن العديد من الكفاءات قد تختار الالتحاق بالمحاماة بعد مسارات مهنية مختلفة، وهو ما يستوجب الإبقاء على باب الولوج مفتوحا أمام جميع المؤهلين، مع ترك آلية الفرز لقواعد السوق والكفاءة المهنية.

    أما بخصوص شرط الماستر، فقد اعتبر مضيان أن النقاش لا ينبغي أن ينحصر في مستوى الشهادة، مذكرا بأن عددا من الأسماء البارزة في المهنة ولجت إليها بشهادة الإجازة، داعيا في المقابل إلى إصلاح منظومة التكوين الجامعي بدل تشديد شروط الولوج بشكل قد يحمل طابعا إقصائيا.

    وفي الاتجاه نفسه، ذهبت النائبة عن فريق التقدم والاشتراكية، لبنى الصغير، حيث اعتبرت أن المشروع يتضمن شروطا ذات طابع انتقائي قد تمس بجوهر مبدأ تكافؤ الفرص، محذرة من أن يتحول شرط الماستر إلى آلية فرز اجتماعي بدل أن يكون معيارا حقيقيا للكفاءة.

    وانتقدت المتحدثة ذاتها اشتراط سن أقصى لاجتياز مباراة الولوج، معتبرة أنه يفتقر إلى أساس موضوعي واضح، وقد يكرس تمييزا غير مبرر على أساس العمر، وهو ما قد يحد من تنوع المسارات داخل مهنة المحاماة ويؤثر على تجديدها.

    من جانبها، نبهت النائبة الاتحادية الدكتورة مليكة الزخنيني إلى أن تحديد سقف السن قد يقصي فئات واسعة من خريجي كليات الحقوق، لا سيما أولئك الذين واجهوا صعوبات اجتماعية أو جغرافية أخرت مسارهم الدراسي. كما لفتت إلى إشكال آخر يرتبط بعدم انتظام مباريات الولوج، معتبرة أن هذا العامل قد يجعل فرص الولوج رهينة بظروف تنظيمية لا يتحكم فيها المترشحون.

    في المقابل، دافعت النائبة عن فريق الأصالة والمعاصرة، نجوى كوكوس، عن خيار اعتماد شهادة الماستر، معتبرة أنه يندرج ضمن توجه يروم الرفع من جودة التكوين القانوني ومواكبة تعقيد القضايا المعروضة على القضاء. غير أنها شددت في الآن ذاته على ضرورة عدم تحويل هذا الشرط إلى عائق اجتماعي، بما يحفظ مبدأ تكافؤ الفرص.

    وفي ختام المداخلات، أثارت النائبة البرلمانية عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، ربيعة بوجة، ملاحظات ذات طابع تقني، مسجلة وجود ارتباك في صياغة المادة المتعلقة بشروط الولوج، نتيجة الخلط بين وضعية المترشح والممارس. كما دعت إلى توضيح آليات تنظيم مباريات الولوج وضبط دوريتها، بما يضمن التوازن بين عدد المترشحين والطاقة الاستيعابية للهيئات المهنية.

    في المقابل، أبدى وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، مرونة لافتة إزاء الانتقادات المثارة، معبرا عن استعداده لرفع سقف السن إلى 45 أو حتى 50 سنة دون تحفظ. كما أوضح أن شرط الشهادة خضع لتعديل خلال مسار إعداد المشروع، بعدما كان في صيغته الأولى يكتفي بالإجازة، قبل أن يتم اعتماد الماستر في ضوء مشاورات مع مهنيي القطاع.

    ويعكس هذا النقاش، في عمقه، رهانا مزدوجا يواجه المشرع المغربي: تحديث مهنة المحاماة والارتقاء بجودة ممارستها، دون الإخلال بمبادئ العدالة الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى إحدى أهم المهن المرتبطة بمنظومة العدالة.

    إقرأ الخبر من مصدره