Étiquette : الوعي

  • الطالب: الإعلام الرسمي “مبهرج” وفقد مصداقيته.. والمغرب بحاجة لـ”ثورة مهنية” تنقذه من السطحية

    زينب شكري

    يتواصل الجدل حول واقع الإعلام العمومي بالمغرب، في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة إلى القنوات التلفزية الوطنية، التي يرى متابعون ونقاد أنها باتت عاجزة عن مواكبة التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع المغربي، سواء على المستوى الاجتماعي أو الثقافي أو الرقمي.

    ومع كل موسم برامجي جديد، تتجدد مطالب مراجعة “دفاتر التحملات” وتصحيح مسار القطب العمومي، وسط شعور متزايد بعدم الرضا عن مضمون البرمجة وطبيعة القضايا التي يتم تناولها على الشاشة الرسمية.

    وفي هذا السياق، اعتبر الناقد الفني، مصطفى الطالب، أن المشهد التلفزي المغربي يعيش اليوم أزمة حقيقية تستدعي إطلاق “حملة جديدة وجدية” لإعادة بناء الإعلام العمومي شكلا ومضمونا، بما ينسجم مع الثورة الرقمية والإعلامية التي غيرت طريقة تلقي المغاربة للمعلومة ومتابعتهم للنقاش العمومي.

    واستحضر الطالب، في قراءته النقدية، حملة “التلفزة تتحرك” التي أطلقت ما بين سنتي 1986 و1987، بهدف تغيير صورة التلفزيون المغربي آنذاك، وكسر النمطية التي كانت تميز البرمجة في فترة القناة الواحدة، من خلال تقديم صورة “أكثر حيوية وقربا من المواطن”، وإضفاء دينامية جديدة على البرامج والبلاطوهات التلفزيونية.

    ورغم أن تلك الحملة -بحسب تعبيره- “أجهضت” في ذلك الوقت، إلا أنها مهدت لاحقا لظهور القناة الثانية “دوزيم” سنة 1989، التي جاءت -وفق قوله- بحلة أكثر عصرنة ومهنية، واعتمدت فلسفة قائمة على القرب من المواطن والانفتاح على أنماط جديدة في التناول الإعلامي، قبل أن تنحرف تدريجيا عن الأهداف التي أُحدثت من أجلها.

    ويرى المتحدث، أن القناة الثانية تحولت مع مرور السنوات إلى نموذج آخر من “النمطية والسطحية”، خاصة في ظل أزماتها المالية المتكررة، معتبرا أن المحاولات التي جرت لإنقاذها لم تنجح في إعادة بناء مشروع إعلامي قادر على استعادة ثقة الجمهور أو إنتاج محتوى يعكس التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

    ويعتقد كثير من المتابعين أن أزمة الإعلام العمومي لم تعد مرتبطة فقط بالإنتاج أو نسب المشاهدة، بل بطبيعة الخط التحريري والخيارات البرامجية التي أصبحت -بحسب منتقديها- بعيدة عن انشغالات المواطن اليومية.

    فبدل فتح نقاشات حقيقية حول قضايا التعليم والصحة والبطالة والتحولات القيمية والاجتماعية، تتجه البرمجة -وفق هذه الانتقادات- نحو محتوى ترفيهي يوصف في أحيان كثيرة بـ”السطحي” أو “المستهلك”، دون قدرة على خلق نقاش عمومي جاد أو ممارسة دور التوعية والتأطير.

    وفي هذا الإطار، شدد مصطفى الطالب في تدوينة على “فيسبوك” على أن المغرب، بعد أكثر من أربعة عقود على حملة “التلفزة تتحرك”، ومرور 23 سنة على تحرير المشهد السمعي البصري سنة 2003، أصبح بحاجة إلى “ثورة مهنية” جديدة تساير التطور الرقمي والإعلامي الذي يشهده العالم، وتعيد الاعتبار لمفهوم الإعلام القريب من المواطن وقضاياه الحقيقية.

    وأشار الناقد الفني، إلى أن المنصات الرقمية وعلى رأسها “يوتيوب” و”تيك توك” و”فيسبوك”، تحولت اليوم إلى المصدر الرئيسي للمعلومة وفضاء للنقاش العمومي بالنسبة لفئات واسعة من المغاربة، في وقت فقد فيه الإعلام الرسمي -بحسب تعبيره- جزءا كبيرا من “مصداقيته الاجتماعية والسياسية والفنية”، باستثناء بعض البرامج القليلة التي ما تزال تحافظ على حضور مهني ومصداقية لدى الجمهور.

    ويعكس هذا التحول -وفق متابعين- حجم الهوة التي باتت تفصل بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي، خاصة في ظل السرعة التي تتحرك بها المنصات الجديدة، وقدرتها على ملامسة القضايا اليومية للمواطنين بشكل مباشر وفوري، مقابل بطء القنوات الرسمية في التفاعل مع التحولات المجتمعية والرقمية.

    وفي خلاصة قراءته، اعتبر مصطفى الطالب أن المغرب “يسير اليوم بإعلامين مختلفين”، الأول إعلام رسمي مرئي وصفه بأنه “بطيء ومبهرج” من حيث البرمجة والشكل، والثاني إعلام رقمي سريع وحيوي يعكس دينامية المجتمع ويستفيد من هامش أوسع من حرية التعبير ودمقرطة الوصول إلى المعلومة.

    وتعيد هذه الانتقادات النقاش مجددا حول مستقبل القطب العمومي، وحدود قدرته على استعادة ثقة الجمهور، في زمن تغيرت فيه عادات المشاهدة، وأصبح فيه المتلقي أكثر وعيا وانتقائية، وأكثر بحثا عن محتوى يعكس واقعه الحقيقي ويناقش قضاياه اليومية بجرأة وعمق ومهنية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • كرة القدم المدرسية ..منظمة الصحة و »الكاف » يراهنان على إدماج الوعي الصحي ضمن برامج التنمية

    جددت منظمة الصحة العالمية ضمن الشراكة التي تجمعها مع الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف)، واتحاد شمال أفريقيا لكرة القدم، التأكيد على أهمية تعزيز الصحة من خلال الرياضة بين صفوف المراهقين، وذلك ضمن مبادرة « حماية الحلم » التي أطلقها الاتحاد الأفريقي بهدف تثقيف اللاعبين بشأن الموضوعات الصحية الرئيسية، وذلك ضمن التزام الكاف والمنظمة المشترك بإدماج الوعي الصحي في برامج التنمية.

    دعوة منظمة الصحة العالمية تزامنت مع بطولة كرة القدم الأفريقية للمدارس تحت سن 15 سنة ، التي احتضنتها القاهرة خلال الفترة الممتدة من 24 إلى 27 يناير 2026، والتي عرفت مشاركة المغرب كممثل…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الخرتيت.. والخرتتة..!.. قاسم حول

    “الخرتيت” هو وحيد القرن “الكركدن”. هو أيضاً إسم لمسرحية كتبها “أوجين يونسكو” الكاتب المسرحي الفرنسي أحد رواد مسرح اللامعقول. تعتبر “الخرتيت” أهم مسرحياته وأشهرها. ترجمت للعديد من اللغات ومنها العربية.

    تدور فكرة المسرحية حول إشاعة سرت في المدينة بأن خرتيتاً وحيد القرن قد دخلها. بدأ الخوف يساور الناس من أن الخرتيت قد يهاجم المواطنين في أية لحظة، وقد يقتل أطفالهم. وقد ينطح بيوتهم فيهدمها.

    فكرة المسرحية تقول أن المدينة ليس فيها غابة ولا حديقة حيوان، ولم تعرف المدينة عروض السيرك التي تلعب فيها الحيوانات مشاهد مع المهرجين.. فمن أين يا ترى دخل الخرتيت تلك المدينة؟ 

    فكرة الخرتيت هي “الوهم” الذي ينسج الواقع.. الوهم الذي يتسرب إلى عقول الناس ويحولهم بالضروة بسبب عامل الخوف والقناعة الزائفة، يحولهم إلى خراتيت.. الخرتيت هو “هتلر” وهو الفكرة التي حولت بالعامل السيكولوجي شعب ألمانيا بأكمله إلى خراتيت وصاروا يصرخون باللا وعي “هايل هتلر – هتلر العظيم” ويسحقون كل كائن لا يصرخ بهذا الصوت ولا يرفع يده مثلما ترتفع يد الخرتيت “هتلر”.. حقبة من تاريخ الشعب الألماني حولتهم إلى خراتيت حين أصبحت “الخرتتة نظرية وإيديولوجيا”. نفس الظاهرة تسربت إلى إيطاليا، ودخل المدينة الإيطالية، ذات المدينة الألمانية الخالية من الغاب والسيرك وحديقة الحيوان، خرتيت آخر إسمه “موسوليني” وحول الشعب الإيطالي إلى خراتيت وتسرب المرض المخيف إلى أثيوبيا في شخص “منغستو هيلا ميريام” وإلى “باتستا” في كوبا وإلى “أنور السادات” في مصر، وإلى البلدان العربية دونما إستثناء وبأشكال صغيرة وكبيرة منفوخة أو شبه ميتة وجافة، حتى إستقر بهم المقام في العراق في خرتيت هائج مائج مريض معذب ومعقد ومخبول، ينطح بيوت الناس ويكسر زجاج نوافذ بيوتهم ويقتل الذي يحبه مثل الذي لا يحبه أو يكرهه ويتساوى الجميع أمام همجية الخرتيت، وهو البشع المشوه الذي لايعرف إسم شبيه لإسمه عراقيا “صدام بن أبيه” مثل “زياد بن أبيه” في التاريخ الإسلامي، وهذا الإسم الفريد الكريه سرعان ما إنتشر بقايا بلاد ما بين النهرين، موسوم بالولادات التي نفقت بعد السابع عشر من شهر تموز 1968 بدافع الخرتتة..!

    أحد مثقفي المدينة الذي يمثل الوعي في المسرحية يناقش الناس ويقول لهم، أن ما يحصل في مدينتا لا أساس له من الصحة فهو ليس سوى وهم في رؤوسكم. إذ لا يمكن أن يدخل الخرتيت مدينتا وعليكم مقاومة هذه المخاوف، لأن إستمرار الحديث عن الخرتيت يعني صناعته. وهو غير موجود سوى في رؤوسكم وفي ذواتكم المرعوبة! 

    يشير “أوجين يونسكو” بذلك إلى النازية دون أن يذكرها بالإسم. هو يرمز ليس فقط للنازية، إنما إلى أية فكرة طارئة فاشية أو دكتاتورية أو أية حركة تسير بعكس إتجاه حركة الواقع كما حصل في العراق في الحقبة ما بين السابع عشر من تموز 1968 وحتى التاسع من أبريل 2003 والتي لن يوقفها عن النخر في المجتمع سوى الوعي. لذلك يبقى بطل المسرحية يقاوم هذه الإشاعة وحده، ضمن شعب خائف مرعوب، “إنسان” واحد يرمز إلى الوعي. الناس وبغياب الوعي تساورهم المخاوف وتبدأ فكرة الخرتيت تسيطر عليهم ليل نهار، وتتحول إلى أحاديث في بيوتهم وفي محلات عملهم. ومع الوقت يتحولون فيه إلى خراتيت، بمعنى ينتمون إلى هذه الفكرة الغريبة وتصبح المدينة كلها مكتظة بالخراتيت ويطلبون من المثقف الذي يرمز وحده إلى الوعي، أن يتحول هو الآخر إلى خرتيت مثلهم، فيرفض محتفظاً بإنسانيته ويبدو غريباً بينهم. يحقدون عليه ويخافون منه لأنه نقيضهم. فهم الخوف وهو الشجاعة. هم الإنتهازية وهو التوازن. هم التخلف وهو الوعي. كان بطل المسرحية يؤمن بأن الوعي هو الضمانة الوحيدة للحياة. يتجمع أهالي المدينة ويحيطون بداره ويبدأون بنطح داره وتهديمها مستهدفين قتله والتخلص منه، وكان يتقدم جموع الخراتيت، كتاب قصيدة الشعر ومنشدو الغناء، وشغيلة الصحافة ومهرجو المسرح والتلفاز والسينما!

    هؤلاء ما يطلق عليهم الماركسيون شغيلة الفكر، قد خرجوا من حديقة الحيوان التي سيجها الدكتاتور الخرتيت لهم، كي يدبكوا الجوبية ويرقصوا الهجع، وحين شعروا بأن السياج قد تهدم وتهدمت أسوار حديقة الخراتيت العراقية، إنتشرت الخراتيت بعد سقوط الخرتيت خرافي الشكل والمضمون، وإنتشرت جحافل الخراتيت وصغارها في شوارع المدينة. وتناثرت دواوين شعر الخرتتة في شارع المتنبي وتسربت أناشيد الخرتتة إلى منصات الإنترنت، وبقيت تلوح لهم ويختفون في جلباب الخراتيت الخرافية المتكاثرة والمتناسلة وهم كما الحيوانات الهجينة المتناسلة حين يتم إقتران القرود بوحيد القرن أو العكس، فينتج حيوانا جديداً لا هو بالقرد ولا هو بالخرتيت، ويبقى الإنسان الوعي واقفا فوق سطح داره في بلاد الفرنجة ينظر من البعيد إلى الحيوانات الغريبة، وهم في جلباب الخراتيت الهجينة، يمشون كما السائر في نومه وأمامهم أطفال فلسطين يموتون في غزة من البارود والعطش والجوع والبرد وعواصف الطبيعية وجاوز عددهم ربع المليون، وهم يستغيثون ولا من مغيث عربي واحد، ينحرهم خرتيت الخراتيت “نتنياهو وزمرته أحفاد الخرتيت هتلر وموسوليني وستالين ومنغستو هيلا ميريام وباتستا وأنو السادات وصدام حسين ومن لف لفهم تنتظرهم مزبلة التاريخ الخرافية..في يوم ليس ببعيد!
    قاسم حول – سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

    إقرأ الخبر من مصدره

  • دراسة:الفاعلون الدينيون بالمغرب أقل تأثيرا في تشكيل الوعي البيئي

    كشف نتائج دارسة المؤشر الأخضر 2025، الصادرة عن المعهد المغربي لتحليل السياسات، أن وسائل التواصل تشكل المصدر الأول للتوعية بقضايا التغير المناخي، وذلك بنسبة بلغت 30 في المائة من المستجوبين،يليها المدارس والمؤسسات التعليمية بنسبة 27 في المائة، ثم الإعلام العمومي بنسبة 23 في المائة، بينما اعتبرت المساجد والفاعلون الدينيون أقل تأثيرا في تشكيل الوعي العمومي بنسبة 12 في المائة، والإعلام الخاص في نسبة لا تتجاوز 5 في المائة.

    وقال 81 في المائة من المستجوبين أنهم لم يسبق لهم المشاركة في أي نشاط يتعلق بالعمل المناخي، بينما قال 18 في المائة فقط أنهم شاركو في أنشطة…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • « الحرب غير المرئية » .. كيف تتم إعادة تشكيل العالم أمام وجوه مبتسمة؟

    عبد الفتاح لحجمري

    كنت أتابع نشرات الأخبار مساءً، كما اعتدت، مأخوذًا بتلك الطقوس اليومية التي تجمع بين التلقين الإعلامي والتحليل الظاهري للأحداث، حيث يتعاقب على القنوات الإخبارية محللون سياسيون وخبراء في الاقتصاد، وأحيانًا فلاسفة يشرحون ويعلقون على ما يجري في العالم من أحداث واختلالات وتحوّلات. كان المشهد مألوفًا في صيغته، مُطَمْئِنًا في رتابته، حتى خطر ببالي سؤال ليس من فحوى النقاش، بل من هامشه الصامت: أليس ما نُسميه تحليلًا عقلانيًا للواقع ما هو في جوهره إلا حجابا جماعيا نتواطأ على نسجه، إخفاءً لعجزنا عن الاعتراف بأن ما نراه ليس سوى سطحًا هشًّا يخفي وراءه نظامًا أعمق، لا ينكشف إلا لمن يمتلك شجاعة التوقف عن الكلام، والانصات بصمت إلى ما يتجاوز ظاهر الأشياء؟

    في تلك اللحظة، شعرت أن النقاشات التي يفترض أن تكون مصدر فهم وإيضاح، تتحول في أغلب الأحيان إلى أدوات تخدير للأسئلة العميقة، بدلاً من أن تكون حافزًا لإثارتها والتعمق فيها.

    هكذا، انقلبت نشرة الأخبار من كونها نافذة على العالم إلى مرآة تعكس خواءً خطابيًا متكرّرًا، يُعيد إنتاجه عقل مأزوم يظن أنه يُمسك بالحقيقة، فيما هو لا يكاد يلامس حوافّها.

    في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تهزّ العالم اليوم، يغدو التساؤل عما إذا كنّا نشهد ما يُسمى بـ”حرب عالمية ثالثة” مجرد تعبير عن شعور جماعي آخذ في التنامي، مفاده أن العالم لم يبرح قطّ منطق الحرب، وإن كان قد غيّر أدواتها وأقنعتها، متنقلًا من المواجهات الصريحة إلى صيغ أكثر التواءً وتعقيدًا. لم يعد مفهوم الحرب العالمية الثالثة منحصرا في النزاعات العسكرية التقليدية أو الجبهات الواضحة، لعله تحوّل إلى واقع يرتكز على “اليقين غير المرئي”، حين تُختبر الوقائع وتُعاش تأثيراتها قبل أن يتمّ الإعلان عنها رسميًا على المستويات السياسية. هكذا، يتمّ اليوم إعادة تعريف فكرة الحرب ذاتها، فهناك:

    حرب اقتصادية تُدار بأدوات الأسواق والعملات والعقوبات.

    حرب معلومات تُخاض بخوارزميات الذكاء الاصطناعي والمجالات السيبرانية.

    حرب ثقافية تُشن عبر السيطرة على سرديات الشعوب والهويات الرمزية.

    حرب بيئية يجري فيها تدمير الأرض ببطء، وكأنّ الفاعلين الكبار يُتقنون فن القتل بالتقسيط.

    الحرب الشبحيّة: يقين العالم الذي يُدمَّر بأدب

    بهذا المعنى، لا نحيا مُقدّمات حرب عالمية ثالثة، بل نحن في صميمها، ولكنها تتخفى وراء مصطلحات أكثر تهذيبًا: “الأزمة”، “المنافسة الجيوسياسية”، “التنافس الاقتصادي”، أو حتى “التحولات العالمية الكبرى”. ما يُدهش في هذه الحرب هو طابعها الشّبحي: لا إعلان رسمي، لا جبهة محددة، بل تعدد في الأعداء وتبدّل في المواقع، بحيث أصبح كل طرف يُقاتل الجميع تحت عناوين متناقضة في ظاهرها، بيد أنها تصب جميعًا في مشروع واحد: السّيطرة على مُستقبل الإنسان.

    يقين هذه الحروب، إذن، غير مرئي لأن أدواتها تعمل في الخفاء، في البورصات، في مراكز البيانات، في القرارات السياسية المعلنة بوصفها “إصلاحات”، وفي المختبرات البيولوجية حيث يُعاد تشكيل المستقبل على نحو يتجاوز كلّ مداركنا الأخلاقية والسياسية.

    السؤال الأشد قسوة والذي ينبغي أن نواجهه ليس: هل هناك حرب عالمية ثالثة؟ وإنما: ماذا لو لم يعد مفهوم “الحرب” نفسه صالحًا لفهم ما يجري؟ وماذا لو كان شكل الحرب الجديد هو ذوبان مفهومها ذاته في الحياة اليومية، بحيث نُقتل رمزيًا، واقتصاديًا، وثقافيًا دون أن ندري، في حرب غير مُعلنة، وبلا نهاية مرتقبة؟ وهل نحتاج إلى انفجار ذرّي حتى نُسمّيَ الأشياء بأسمائها، أم أن الحرب الآن أكثر ذكاء من أن تحتاج إلى انفجار؟ هل أصبح الدمار الناعم أكثر فعالية من العنف الصريح؟ وهل نحن شهود على نهاية العالم القديم أم على أعتاب شكل جديد من الحروب لا يُعلن عن نفسه إلا بعد فوات الأوان؟

    ما دفعني إلى طرح هذه الأسئلة ليس حدثًا بعينه، وإنما ذاك الشعور المتنامي بأن العالم يرزح تحت وطأة ازدواجية لا فكاك منها: ظاهره طمأنينة يومية، وباطنه تصدعات هائلة تتهدد وجود الإنسان نفسه. في هذه اللحظة من التأمل، تكشّف لي أن أخطر ما نعيشه اليوم ليس شبح الحرب بوصفه حدثا، وإنما غياب الشعور بالحرب، كأن الإنسانية أصبحت تمارس فن الإنكار الجماعي، تمضي في حياتها اليومية بينما الأسس التي تقوم عليها هذه الحياة تنهار بصمت. ليس ما يحدث حولنا مجرد أخبار سياسية أو اقتصادية، بل هو تحلُّل تدريجي للمعنى، وخسارة جماعية لبوْصلة الإدراك.

    حين يصير العنفُ هواءً نسْتنشقهُ

    لم تعد الحروب في زمننا الحديث تُخاض على تخوم الخرائط والجغرافيا وحدها، كما كان عليه الأمر في الأزمنة السابقة، لعلها انتقلت إلى تخوم أكثر خفاء وتعقيدًا: حدود الوعي ذاته. لقد تحوّلت الجبهات من خطوط واضحة تفصل بين الدول، إلى خطوط باهتة تفصل بين الحقيقة والوهم، بين الإدراك والتضليل، بين ما نراه وما يُراد لنا أن نراه. هكذا، أصبح مسرح الحرب هو العقل، وأضحت أدواتها لا تقتصر على السلاح والدمار، وإنما تمتد إلى السيطرة على الإدراك، وتوجيه الانتباه، وإعادة تشكيل العالم وفق خرائط ذهنية لا جغرافية.

    إنها حرب على الوعي قبل أن تكون حربًا على الأرض: من ضياع المَعْنى، وتصدُّع الرّوابط، إلى اختفاء الأمَان الرّوحي، وتسليع كلّ شيء، حتى المشاعر؛ ها نحنُ قد أصبحنا أمام حرب خفية ومستترة تشبعت في تفاصيل الحياة إلى درجة جعلت الواقع نفسه يتماهى معها، وبات التمييز بين ما هو طبيعي وما هو مدبَّر ضربًا من الوهم. وعندما يغدو الاستثناء هو القاعدة، والمأساة مجرد إيقاع يومي مألوف، والانهيار منظومة محكمة تُدار بوعي وسبق إصرار، نكون أمام حرب بلغت ذروة براعتها وحققت أعظم أشكالها قسْوة: أن تمحُوَ أثرها في العَلن، وأن تحيا مُختبئة في اليَوْمي.

    هذا شكل جديد من العداء، أكثر خطورة من الصراعات التقليدية، لأنه يفتك بنا من أكثر مناطق الذات هشاشة؛ العنفُ إرهاق مُمنهج للوعي، واستنزاف بطيء لقدرتنا على الإحساس، وعلى الفهم، وعلى الحُلم. إنها حروب تستهلك أعصابنا الأخلاقية، وتُفكك قدرتنا على التعاطف، وتُضعف ذلك الخيط الخفيّ الذي يشدّ الإنسان إلى الزمن والمستقبل، حتى نغدو في النهاية غرباء عن أنفسنا، شهودًا صامتين على تآكل ذواتنا، كما لو كنا نراقب انهيار بيتٍ نقطنهُ دون أن نحرّك ساكنًا.

    في حضرة يقين الحرب القادمة

    وأنا أتتبع الأخبار وتداعياتها، وأصغي لعبارات المحللين التي تغلّف الكارثة بلغة الأرقام والتحليلات الباردة، باغتني يَقينٌ خافت كمَنْ يتذكّر حُلمًا منسيًا: لا شك أن هذه هي الحرب العالمية الثالثة، لكنها لا تشبه الحروب القديمة… لأنها تُخاض بهدوء قاتل، كأن العالم يُدمَّر بصوت خفيض كي لا يوقظ أحدًا.

    نعم، لعلنا نحيا حربًا عالمية ثالثة تدور رحاها على مستوى الوجود لا على رقعة الأرض كما أسلفتُ، وسلاحها الأشد فتكًا هو التفاهة المنظمة والتآكل البطيء للمعنى. ما نشهده اليوم هو حروب بطيئة لكنها منهكة، تهدف إلى تفكيك البنية الرمزية للوجود ذاته؛ إذ تُفرغ اللغة من معانيها، والكلمات من ثقلها الدلالي، فتتخذ أدواتها شكل الخطابات الناعمة، وشاشات التلفاز، وآليات التسلية المُبرمجة بعناية لإعادة تشكيل الوعي بشكل خفي، بعيدًا عن كلّ مقاومة جليّة أو مواجهة مباشرة.

    حين تصير الحرب هندسةً للموْت النَّاعم

    لست بطبعي من هواة التشاؤم، ولا ممن يتتبعون أخبار الحروب، فلدي من مشاغل الحياة وهواجسها ما يكفي لاستنزاف ما تبقّى من طاقتي كل يوم: هموم الوقت، وهشاشة الأحلام المؤجلة. ومع ذلك، لا أجد بُدًّا من التوقّف أمام ما يحدث من حولنا، لا بدافع فضول سياسي عابر، ولا رغبةً في تأويل مظاهر الانهيار، وإنما لأن إحساسًا خفيًّا يلحّ عليّ بأن ما يجري يتسلّل بصمت إلى تفاصيل حياتنا الصغيرة، ويعيد تشكيلها من الداخل على مهل، دون أن ننتبه. ليس الأمر نزوعًا نحو التشاؤم، ولا مجرد اتخاذ موقف إزاء الواقع، بقدر ما هو “وعي” بأننا إزاء حرب خفية وصاخبة تُدار عبر آليات ناعمة تخترق انشغالاتنا الفردية، فتُعيد توجيهها لخدمة هذا الخراب العام، بأساليب أكثر خفاءً، وأشد وطأة:

    أليس الأدهى أن تكون هذه الحروب قد نجحت في نزع الشعور بالحرب ذاته من وعي الأفراد؟ ماذا لو كان أكبر انتصار تحققه القوى المهيمنة اليوم هو تحويل الإنسان إلى مشارك صامت في تحلُّل عالمه، دون مقاومة، ودون أيّ إحساس بالخسارة؟ وهل يمكن للإنسان أن يستعيد وعيه بحقيقة العنف وقد أصبح جزءًا من حياته اليومية، ومن تطلعاته، ومستقبله؟ وإذا كان العالم يحتضر فعلاً دون إعلان، فهل سيكون المستقبل للذين يرَوْن هذا الاحتضار، أم لأولئك الذين يُواصلون الرقص فوق رماده دون أن يلتفتوا للخسارة القادمة؟

    لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ‘‘الفقيه التطواني‘‘ تناقش دور القراءة في إحياء الوعي

    قال بوبكر التطواني رئيس  مؤسسة الفقيه التطواني  » أن ملتقى شغف القراءة يعرف دورته الثالثة التي تحظى بشرف تنظيمها في رحاب كلية علوم التربية بكل دلالات المكان والروابط البنيوية التي تجمع مابين الثقافي من جهة والعلمي التربوي من جهة أخرى. حيث يتحقق هذا التعاون الثقافي من خلال تقاسم نفس الاهتمام والشغف بالقراءة  والوعي بدورها الأساسي والمؤسس في بناء أي نموذج تنموي سليم ومندمج يراهن على المستقبل من خلال  رهانه على الشباب . »

    وأضاف  المتحدث خلال افتتاح الدورة  الثالثة لملتقى شغف القراءة الذي نظمته مؤسسة الفقيه التطواني بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة…

    إقرأ الخبر من مصدره