علاء الدين بنهادي
مقدمة تأسيسية وسياق التحولات الهيكلية
يشهد المشهد السياسي المغربي، وهو يقترب بخطى حثيثة من الاستحقاقات التشريعية لعام 2026، دينامية متسارعة تتسم بإعادة التموقع الحزبي وتصاعد المطالب المجتمعية في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية مركبة. ففي قلب هذه التحولات، يلاحظ بروز حزب الحركة الشعبية كفاعل ديناميكي يسعى إلى إعادة صياغة هويته السياسية وتجديد عرضه الانتخابي عبر ما أسماه مشروع “البديل الحركي”.
منذ تأسيسه في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1957، شكل الحزب قوة سياسية مبنية على مواجهة هيمنة الحزب الواحد، حزب الاستقلال، والدفاع عن التعددية السياسية واللغوية، مع التركيز العميق على قضايا العالم القروي والجبال والأمازيغية، ضمن إطار إيديولوجي يُصنف ضمن “الليبرالية المحافظة” والفلسفة الزراعية، كما اختار قادة الحركة الشعبية التحالف مع الملكية مبكرا وبإرادة وطنية ورؤية استراتيجية انطلاقا من فهمه للتناقضات المرجعية والإيديولوجية بين قطبي حزب الاستقلال، التيار البورجوازي المحافظ، والتيار البورجوازي اليساري، الذي أصبح فيما بعد، مع عوامل التعرية الانتخابية والمصلحية، متياسرا وفي أقصى اليمين مع القيادة الاتحادية الحالية، إلا أن الحركة، وللأسف، لم تنتبه للشراك الذي نصبه لها اليسار منذ تأسيسها، حينما وصفها بـ “الحزب الإداري”، وكان الهدف من ذلك جعلها في عين المغاربة حزبا مخزنيا لا مشروع له ولا استقلالية في القرار خلال مشاركاته في مختلف الحكومات مثل “أرنب السباق” أو “رمانة القبان” للحفاظ على التوازنات أو إخلالها حسب الهندسة الملكية لكل مرحلة سياسية.
إن السياق الراهن يفرض على حزب الحركة الشعبية، بقيادة أمينه العام محمد أوزين، تجاوز مربع المعارضة التقليدية التي تكتفي برصد الاختلالات، نحو بلورة نسق اقتراحي متكامل. هذا التوجه تأكد بشكل ملموس منذ المؤتمر الوطني الرابع عشر للحزب المنعقد في نوفمبر 2022، والذي أسس لقطيعة منهجية مع أساليب الاستقطاب المتجاوزة، معلناً الانتقال من الامتداد الأفقي إلى التدرج المؤسساتي في صناعة القرار. بناءً على ذلك، تعمد هذه الورقة التحليلية إلى تفكيك مضامين مشروع “البديل الحركي”، كحالة دراسية في المشهد الحزبي ضمن الأحزاب الكبرى، وتحليل آليات عمله وإمكانية تنزيله، مع تقديم هندسة دقيقة لكيفية ترويجه في الحملة الانتخابية المقبلة لدى مختلف الفاعلين المحليين والدوليين، استناداً إلى دراسة مقارنة مع العروض السياسية للأحزاب المنافسة وتحليل معمق لعناصر القوة والضعف الكامنة في البنية التنظيمية للحزب.
تفكيك هندسة مشروع البديل الحركي ومضامينه
إنه يلاحظ بأن مشروع البديل الحركي لا يطرح، حسب أمينه العام، كبرنامج انتخابي رقمي زائل، بل كتعاقد مجتمعي استراتيجي يتجاوز لغة الأرقام التي أثبتت، حسب قراءات الحزب للبرنامج الحكومي الحالي، عجزها عن التحقق على أرض الواقع، حيث لا تزال مؤشرات التضخم وغلاء المعيشة تضغط بقوة على المواطن. وتتأسس البنية الهيكلية لهذا البديل على مصفوفة زمنية وموضوعاتية تُعرف بـ (10+10+10)، والتي تم الإعلان عن خطوطها العريضة خلال فعاليات الجامعة الشعبية لأكاديمية لحسن اليوسي، حيث تشمل هذه المصفوفة عشرة إجراءات آنية للتدخل السريع، وعشرة تدابير على المدى المتوسط، وعشرة إصلاحات استراتيجية بعيدة المدى.
ويتصدر الشق الاقتصادي والاجتماعي هذه الهندسة من خلال التركيز على إنقاذ القدرة الشرائية للمواطنين كأولوية قصوى. وفي هذا الصدد، يقترح البديل الحركي اللجوء إلى آليات دستورية وتشريعية مبتكرة، مثل تعبئة هوامش الميزانية عبر إصدار مرسوم بقانون لضخ سيولة مالية سريعة تدعم الفئات الهشة، وهو إجراء سبق أن استُعمل لتعبئة 16 مليار درهم لدعم صندوق المقاصة والمكتب الوطني للماء والكهرباء. وبالموازاة مع ذلك، يطالب المشروع بالتسقيف المؤقت لأسعار بعض المواد الأساسية كالمحروقات والزيوت والحبوب من خلال تفعيل الوجه الإيجابي لقانون حرية الأسعار والمنافسة، ولا سيما المادتين الثانية والرابعة منه، مع إعمال آليات التضامن الوطني المستلهمة من تجربة تدبير جائحة كورونا لضمان استدامة الدعم الاجتماعي المباشر بعيداً عن تعقيدات منظومة الاستهداف الحالية التي شابتها عدة نواقص.
على المستوى الهيكلي والقطاعي، يقدم البديل الحركي مراجعة جذرية للسياسات العمومية المعتمدة، خصوصاً في القطاع الفلاحي، ويوجه الحزب انتقادات لاذعة لمخططي “المغرب الأخضر” و”الجيل الأخضر”، معتبراً إياهما سياسات موجهة أساساً لخدمة التصدير وتلبية احتياجات الأسواق الخارجية على حساب الأمن الغذائي والمائي للمغاربة. وبناءً عليه، يدعو المشروع إلى إعادة توجيه الاستثمارات نحو الزراعات الأساسية كاللحبوب والنباتات الزيتية، التي تعاني بلادنا من تبعية قاسية فيها إذ لا يتعدى الإنتاج المحلي منها نسبة 1.3٪، كما يشدد على ضرورة وضع مخطط جهوي للزراعات يتكيف مع التغيرات المناخية، وبلورة نموذج تنموي خاص بالمناطق الواحية، وجعل المورد البشري المتمثل في الفلاح الصغير والمتوسط محوراً مركزياً للسياسة الفلاحية بدلاً من التركيز الحصري على الإنتاجية التصديرية التي تستنزف الفرشة المائية. ويمتد هذا التصور ليشمل المطالبة بوقف مؤقت لتصدير الخضروات الأساسية لضمان تموين السوق الوطنية وكبح جماح التضخم، مع إعادة النظر في اتفاقيات التبادل الحر وتطويرها بما يحمي السيادة الغذائية الوطنية.
أما على صعيد التشغيل والإصلاح الضريبي، فيلاحظ أن مشروع البديل الحركي يرفض استمرار العمل بالبرامج الحكومية الظرفية والعابرة مثل “أوراش” و”فرصة”، معتبراً إياها أقرب إلى واجهات للدعم الاجتماعي المؤقت منها إلى سياسات تشغيل بنيوية. ويقترح مشروع “البديل الحركي”، عوضاً عن ذلك، بناء سياسة ناجعة للتشغيل ترتبط بإصلاح شامل للنظام الأساسي للوظيفة العمومية ومنظومة الأجور. وفي خطوة تعكس الفلسفة المجالية للحزب، يطرح المشروع مقترحاً بالغ الأهمية يتمثل في المراجعة البنيوية للنظام الضريبي والجنائي، متجاوزاً التدخلات الجزئية السنوية في قوانين المالية، ليقر مبدأ “توطين المشاريع”. ويعني هذا المقترح إدراج المعيار المجالي في تحديد النسب الضريبية، بحيث تُمنح تحفيزات ضريبية كبيرة للاستثمارات التي تتوطن في المناطق القروية والجبلية والهوامش، مما يساهم في خلق فرص عمل محلية ويحد من الهجرة القروية، انسجاماً مع المطالبة برفع وتيرة تنزيل الجهوية المتقدمة وتمكين الجماعات الترابية من أدوار تنموية حقيقية لضمان اللاتمركز في اتخاذ القرار.
آليات التنزيل والعمل المؤسساتي
يدرك مهندسو البديل الحركي، حسب ما يلاحط، أن قوة الطرح النظري تتطلب آليات تنفيذية واقعية. ولتحقيق ذلك، يعتمد الحزب على تنزيل المشروع تنظيمياً وسياسياً من خلال توسيع قواعده الانفتاحية وتأسيس روابط ومنظمات موازية جديدة. ويُعد المؤتمر التأسيسي لهيئة المتصرفات والمتصرفين الحركيين، الذي انعقد تحت شعار “البديل الحركي لتحقيق الحكامة والإنصاف الإداري”، خطوة استراتيجية في هذا الاتجاه. فهذه الهيئة، التي تُعد أول تنظيم مهني من نوعه تترأسه متصرفة في سابقة تنظيمية داخل الحزب، تهدف إلى إشراك الأطر الإدارية في صياغة الرؤية التنموية للحزب لمغرب 2056، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الإدارة العمومية هي المحرك الأساس لأي خيار تنموي أو سياسة عامة.
إلى جانب ذلك، يعزز الحزب قوته التفاوضية والتنظيمية عبر سياسة الانفتاح واستقطاب فصائل وتكتلات سياسية تشترك معه في نفس الرؤية. فقد فتح الحزب أبوابه للتكتل الديمقراطي المغربي، الذي يضم شخصيات منشقة عن أحزاب أخرى مثل جبهة القوى الديمقراطية وحزب الاستقلال، بالإضافة إلى استقبال الهيئة التأسيسية لحزب البديل الاجتماعي الديمقراطي، وتنظيمات حزبية أخرى تبحث عن بيئة عمل أفضل ومشروع مجتمعي أقرب لهموم واحتياجات المغاربة. وتصب هذه التحركات في مسعى الحزب لتوحيد الرؤى والحد من التشتت والبلقنة السياسية التي تطبع المشهد الحزبي المغربي، وخلق دينامية حقيقية تواجه “حالة الجمود والبؤس السياسي” الناجمة عن رهن الحياة السياسية بالمواسم الانتخابية فقط.
دراسة مقارنة: التميز الإيديولوجي للبديل الحركي أمام المنافسين
لا يمكن فهم القيمة الاستراتيجية للبديل الحركي دون وضعه في ميزان المقارنة مع الطروحات السياسية والإيديولوجية للأحزاب المنافسة، حيث يحاول حزب الحركة الشعبية التموقع في مساحة سياسية فريدة تجمع بين “الليبرالية المحافظة” والنزعة الاجتماعية الترابية، وهو ما يخلق تمايزات واضحة مع باقي الفاعلين في المشهد استشرافاً لاستحقاقات هذا العام.
ففي مواجهة حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود التحالف الحكومي الحالي، تتجلى فروقات جوهرية في المقاربة الاقتصادية، حيث يتبنى التجمع الوطني للأحرار ليبرالية براغماتية تميل نحو التحديث الاقتصادي الماكرو-اقتصادي، مركزا على دعم الاستثمار الرأسمالي الكبير والمقاولات الضخمة كقاطرة للنمو وتحديث قطاعات الصحة والرقمنة. في المقابل، يرى البديل الحركي أن هذه المقاربة النيوليبرالية قد أدت إلى إقصاء المقاولات الصغرى والمتوسطة وإفقار الطبقات المتوسطة، مقدماً نفسه كمدافع عن “الاقتصاد الاجتماعي الترابي” الذي يضع الفلاح الصغير والمقاولة المحلية في صلب اهتماماته التنموية، بعيداً عن اقتصاد الشركات العابرة للقارات.
أما في مقارنته مع حزب الأصالة والمعاصرة، وهو أحد أقطاب حكومة أخنوش، الذي يقدم نفسه كحزب ديمقراطي اجتماعي ذي مرجعية حداثية تستوعب التكنوقراط وتدافع عن الطبقات المدينية، فإن حزب الحركة الشعبية يستثمر في عمقه التاريخي ليميز نفسه. ويعتمد البديل الحركي على جذوره النابعة من التربة المغربية العميقة “تمغربيت”، مؤكداً أن مشروعه لم يستورد من الشرق أو الغرب ولم يؤسس لغايات مرحلية ظرفية، بل ولد من رحم القرى والجبال. هذا الارتباط العضوي بالهوامش يمنح الحركة الشعبية مصداقية أكبر عند الحديث عن التوازن المجالي ومكافحة التهميش القروي، مقارنة بخطاب الأصالة والمعاصرة الذي يميل أحياناً إلى النخبوية الحضرية.
وبالنظر إلى حزب الاستقلال، وهو أيضا عضو في الحكومة الحالية، الذي يتقاطع مع الحركة الشعبية في بعض الجوانب المحافظة والتقليدية، فإن البديل الحركي يتميز بكونه يطرح مرونة أكبر وتجديدا في النخب مبتعدا عن الارتباطات الأسرية أو النقابية التقليدية التي طبعت مسار حزب الاستقلال تاريخيا. وقد استغل الحزب الحركي بعض التصدعات داخل الاستقلال لاستقطاب قيادات وتكتلات سياسية بحثا عن فضاءات أكثر انفتاحا للممارسة الديمقراطية.
على جبهة اليسار، المتمثلة في حزب التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فإن الاختلاف الإيديولوجي يبدو أكثر وضوحاً. فرغم تواجد الحركة الشعبية إلى جانب هذه الأحزاب في خندق المعارضة، ومحاولات التنسيق البرلماني لتقديم تعديلات مشتركة، إلا أن التنسيق لم يصل إلى مستوى التحالف الاستراتيجي بسبب التباين في المرجعيات، حيث تنطلق أحزاب اليسار من أدبيات الاشتراكية الديمقراطية التي تنادي بالتدخل الشامل للدولة في الاقتصاد والملكية العامة لوسائل الإنتاج، في حين يتمسك البديل الحركي بليبراليته، مؤمناً باقتصاد السوق المنظم الذي يحفز المبادرة الحرة ولكنه يتدخل بقوة عبر آليات إعادة التوزيع والعدالة الضريبية لحماية الفئات الهشة، معتبراً أن الصراع الحقيقي ليس طبقيا محضا بل هو صراع مجالي بين المركز والهامش.
وأخيراً، في مواجهة حزب العدالة والتنمية، يقدم البديل الحركي رؤية للهوية الوطنية تتجاوز الانغلاق أو التوظيف الديني، وفيما يستمد الحزب ذو التوجه الإسلامية مشروعيته، كشعار، من المرجعية الدينية والخطاب الدعوي، قإن الحركة الشعبية تطرح مفهوماً للهوية الوطنية يعتمد على “تعدد الروافد” المنصوص عليها دستورياً، والتي امتزجت فيها عبر القرون عدة عوامل عرفية واجتماعية وأخلاقية وحضارية وشرعية، صنعت الشخصية المغربية المرتبطة بقوة وإرادة بالإسلام الوافد عليها من جزيرة العرب في عهد الفتوحات.
تحليل استراتيجي لعناصر القوة والضعف في المشروع
أولاً: عناصر القوة
يمتلك مشروع البديل الحركي مقومات ذاتية تجعله رقماً صعباً في الاستحقاقات القادمة، وأبرز هذه المقومات هي المشروعية التاريخية والرمزية للحزب كصوت للفئات القروية والجبلية المنسية، مما يمنحه قدرة طبيعية على تأطير الغضب الاجتماعي في هذه المناطق وتوجيهه نحو صناديق الاقتراع.
ثانياً، يتمتع الحزب حالياً بدينامية تنظيمية نشطة يقودها الأمين العام محمد أوزين، والتي تمثلت في إعادة هيكلة الروابط المهنية وتأسيس أذرع جديدة قادرة على اختراق الإدارة والمجتمع المدني، إضافة إلى نجاحه في استقطاب قوى سياسية صغرى للاندماج في هياكله.
ثالثاً، يقدم الحزب من خلال “البديل الحركي” وثيقة سياسية وعملية شديدة الوضوح تتجاوز الخطاب الاستنكاري للمعارضة لتطرح حلولاً دقيقة للسياسات العامة، مثل المقترحات المتعلقة بهوامش الميزانية وقوانين المنافسة، إلا أنه يحتاج إلى تقديم وجوه فريق سياسي منسجم وخبير يعد لمهام سياسية وتدبيرية دخل الحكومة القادمة، فريق ملفات المرحلة مثل تنزيل مقترح الحكم الذاتي والجهوية الموسعة وبرنامج الدولة الاجتماعية والتموقعات الجيوسياسية الجديدة للدولة المغربية في محيطها الإقليمي والقاري والمشاريع الاقتصادية والاستثمارية الكبرى كراكزة استراتيجية لهذه التموقعات في الشمال والشرق والأقاليم الجنوبية أمام الحروب والصراعات المسلحة الجارية والقادمة التي ستجعل من الموقع الجيواستراتيجي للمغرب فاعلا نافذا ومؤثرا وطرفا قويا في النظام العالمي الجديد الذي يجري بناؤه على أنقاض هذه الحروب والصراعات في إيران وأوكرانيا والشرق الأوسط والقرب الإفريقي والمغرب العربي والساحل جنوب الصحراء وأوروبا خلال العشر سنوات القادمة، أو قبلها.
ثانياً: نقاط الضعف والتحديات البنيوية
لا يخلو مسار الحزب من عقبات جوهرية، إذ التحدي الأبرز هو الصراعات الداخلية المتكررة والحركات الانشقاقية. وقد تجلى ذلك مؤخراً في سعي مجموعة من الغاضبين لتأسيس حزب جديد يحمل اسم “الحركة الديمقراطية الشعبية”، احتجاجاً على ما اعتبروه تهميشاً للهياكل وتفرداً بالقرار. ورغم الرفض القضائي الأولي لتسمية الحزب الجديد، وهي ظاهرة تأتي دائما عشية الانتخابات، إلا أن استمرار هذه التحركات يهدد بتشتيت الكتلة الناخبة الحركية ويشوش على صورة التماسك التنظيمي. ضعف آخر يتمثل في الانضباط الهيكلي لبعض منتخبي الحزب في المجالس الترابية الذين يعقدون تحالفات خارج التوجهات المركزية، مما اضطر الأمانة العامة لإصدار توجيهات صارمة تلوح بتفعيل المادة 60 من النظام الأساسي لتوقيع العقوبات التأديبية على المخالفين. علاوة على ذلك، يواجه الحزب صعوبة تاريخية في اختراق الحواضر الكبرى والتأثير في النخب المدينية المعقدة، خاصة المحافظين والشباب المتواجدين في مختلف التنظيمات الحزبية والحركية والمجتمعية والجمعوية أو خارحها، ناهيك عن الإرث السياسي المرتبط بمشاركاته الطويلة في الحكومات السابقة، مما قد يعرض خطابه المعارض الحالي للتشكيك من قبل الخصوم السياسيين. كما أنه على الحزب أن يميز بين الرهان على الشخصيات ذات المهمة الانتخابية داخل الحزب، وربما خارجه، وهذه دورها تاريخيا يتحدد في ضمان المقاعد داخل المؤسسة التشريعية، وولاؤها للحزب وظيفي واستثماري، وبين شخصيات ذات مهمة سياسية وعملياتية وتنفيذية، هؤلاء رجال الملفات الكبرى والمعقدة، وعلاقتهم بالحزب تقوم على الولاء الإيديولوجي والفكري والتاريخي لا على المكاسب والتزكيات الانتخابية. الأولى طيور مهاجرة تمارس الترحال الحزبي منذ أول انتخابات تشريعية عام 1963، والثانية متشبثة بالأرض لا تغادرها مهما كانت الظروف والمناخ السياسي.
ثالثاً: آليات معالجة نقاط الضعف وتوظيف القوة في الحملة
لتجاوز هذه التحديات، يجب على القيادة الحزبية تحويل نقاط الضعف إلى فرص من خلال صرامة مؤسساتية، وذلك عبر تفعيل آليات المراقبة الداخلية وتطبيق مقتضيات النظام الأساسي بحزم لمنع التسيب المحلي، مع فتح قنوات حوار موازية لاحتواء الغاضبين قبل تحولهم إلى كتل انتخابية مضادة. ولمعالجة الضعف في المدن، يمكن توظيف “هيئة المتصرفين والأطر الإدارية” المستحدثة كرافعة لاستقطاب الطبقة المتوسطة الحضرية وموظفي القطاع العام من خلال تبني مطالبهم المتعلقة بإصلاح منظومة الأجور والعدالة الضريبية. كما يتعين على الحزب استغلال موقعه المريح في المعارضة اليوم للتنصل من إخفاقات الحكومات السابقة، مؤكداً أن المؤتمر الرابع عشر دشن مرحلة سياسية جديدة تعتمد على تقييم نقدي للمسار وتجديد للخطاب يتماهى مع تطلعات الأجيال الشابة.
استراتيجية الترويج الانتخابي المستهدفة للبديل الحركي (أفق 2026)
لتحويل البديل الحركي إلى نصر انتخابي، يتوجب صياغة رسائل سياسية دقيقة وموجهة بعناية نحو كل شريحة مجتمعية ومؤسساتية، تأخذ بعين الاعتبار تطلعات ومخاوف كل جهة على حدة.
1. الشرائح الجماهيرية والشعبية والمحافظة
هذه هي القاعدة الصلبة والامتداد الطبيعي للحزب، حيث يجب أن يتركز الخطاب الموجه لهذه الفئة حول المعيش اليومي وحماية المائدة المغربية. كما يتعين على الحزب أن يروج لبديله الفلاحي والاقتصادي بلغة مبسطة، محملاً الحكومة مسؤولية غلاء المعيشة بسبب تفضيلها تصدير المنتوجات الفلاحية على تأمين السوق المحلي، مع تسليط الضوء على إخفاقات برامج التدخل الحكومي، مثل أزمة استيراد الأغنام بكلفة تجاوزت 23 مليار سنتيم، والتي استفاد منها الكساب الأجنبي، بتعبير أمين عام الحزب، ولم تنعكس إيجاباً على المستهلك أو الفلاح المغربي الصغير. ويجب أن يؤكد الخطاب الجماهيري على وعود ملموسة مثل الوقف المؤقت للتصدير عند الأزمات، والدعم المباشر للأسر المعوزة استناداً إلى بيانات شفافة، وإعادة الاعتبار للمنظومة القروية.
2. النخب السياسية، الأكاديمية، والمهنية
تتطلب مخاطبة النخب لغة تعتمد على العقلنة والمؤسساتية، كما ينبغي تسويق البديل الحركي كـ”تعاقد مجتمعي” وليس مجرد وعود انتخابية جوفاء، وإبراز القصور في التنزيل الحكومي للأوراش الاستراتيجية الكبرى، مثل ورش الحماية الاجتماعية وقطاعات التعليم والصحة، حيث يشير الحزب إلى تفاوتات صارخة (تمركز الأطباء في محور سطات-القنيطرة، وتكريس الفوارق التعليمية عبر تنويع غير متكافئ للمدارس). هكذا، ستجد النخبة الوطنية الجديدة في طرح “الليبرالية المجالية” وتوطين الضرائب وتعميق الاندماج الصناعي الوطني للخروج من دائرة الصناعات التجميعية نحو السيادة الصناعية، خطاباً اقتصادياً ناضجاً يلامس الإشكالات الهيكلية للاقتصاد المغربي.
3. المؤسسة الملكية والمراكز السيادية المحافظة
يعي حزب الحركة الشعبية جيداً قواعد اللعبة السياسية ببلادنا، ولذلك فإن خطابه الموجه للمؤسسة الملكية يتسم بالولاء المطلق والانسجام التام مع التوجيهات الاستراتيجية للدولة ومنذ تأسيسه. في هذا السياق، يروج الحزب لموقفه الداعم بقوة للنجاحات الدبلوماسية في ملف قضيتنا الوطنية والمبادرة الأطلسية، مقدماً نفسه كدرع سياسي متين يدعم التوجهات الملكية الكبرى نحو البعد الإفريقي والمغاربي. كما يستثمر الحزب في انفتاحه الثقافي ليؤكد أنه تيار محافظ مستنير، يضمن التوازن والاستقرار بعيداً عن الطروحات الإيديولوجية المستوردة أو الاستقطابات المتطرفة التي تتبناها تيارات أخرى.
4. قطاع الأعمال والمؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد والبنك الدوليين)
يمثل التعامل مع الفاعلين الاقتصاديين الدوليين تحدياً دقيقاً، حيث تشير تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد المغربي أظهر مرونة بتسجيل نمو بنسبة 3.2% في عام 2024 وتوقعات بلوغ 3.6% في 2025، مع انخفاض التضخم وبدء تخفيف السياسة النقدية، رغم استمرار التحديات المرتبطة بخلق فرص الشغل واستيعاب نمو الساكنة النشطة. بناءً على هذه المعطيات، يجب أن يكون الخطاب الحركي الموجه لهذه المؤسسات والمستثمرين عقلانياً، حيث إن “البديل الحركي لا يهدد التوازنات الماكرو-اقتصادية ولا يدعو لانفلات مالي، بل يسعى إلى استدامة النمو من خلال توسيع قاعدته جغرافياً”. سيتم التركيز على أن العدالة الضريبية (توطين المشاريع) هي أداة لتخفيف الضغط الديموغرافي على الحواضر وتقليل معدلات البطالة التي تحذر منها المؤسسات الدولية.
5. العواصم الغربية والعربية المؤثرة
في تواصله غير المباشر مع العواصم المعنية بالشأن المغربي، سيسوق الحزب مشروعه كضامن للاستقرار السياسي في منطقة مضطربة. فليبراليته المحافظة تلتقي مع تطلعات القوى الغربية في وجود شركاء ديمقراطيين معتدلين يحترمون التزاماتهم في ملفات الهجرة والاستثمار المشترك، بينما تمثل هويته المتجذرة في القيم التقليدية رسالة طمأنة للعواصم العربية المحافظة بأن ابلادنا يحافظ على ثوابته المؤسساتية دون السقوط في شرك تيارات الإسلام السياسي التي فشلت خلال ولايتين حكوميتين، 2012-2021، أو اليسار المتشدد الذي فشل هو أيضا خلال حكومة التناوب، 1998.
معالم الآليات التواصلية للمرحلة القادمة: التصور التشغيلي
للانتقال بهذا التصور من المستوى الاستراتيجي إلى الممارسة الميدانية، نقترح في هذه الورقة التحليلية حزمة من المعالم التشغيلية لتنشيط الحملة الانتخابية لعام 2026 وما يسبقها من محطات، إذا كان طموح الحركة هو تصدر الاستحقاقات الانتخابية القادمة بناء على إرادة الناخبين وعلى مقتضيات المادة (47) من الدستور ووفق الهندسة الملكية لتدبير المرحلة السياسية والجيوسياسية القادمة والاستحقاقات الكبرى:
أولاً: في الندوات والمناظرات السياسية
يجب أن تستمر “أكاديمية لحسن اليوسي” و”الجامعة الشعبية” في لعب دور العقل المدبر والمصنع للأفكار (Think Tank) لتزويد قيادات الحزب بالذخيرة المعرفية. ففي المناظرات المتلفزة، يتعين على القيادات الحركية الانتقال من موقع الدفاع إلى الهجوم الاستباقي المدروس. على سبيل المثال، عند مناقشة حصيلة الحكومة في التشغيل، يجب مواجهة الخصوم بالأرقام الموثقة حول العجز عن تحقيق وعد “مليون منصب شغل”، بل وفقدان مناصب قائمة. كما يفترض توظيف مخرجات وتوصيات “النموذج التنموي الجديد” والإحصاء العام للسكان والسكنى لعام 2024 لإثبات استمرار الفوارق المجالية كدليل دامغ على فشل السياسات الترابية للأغلبية، ولتبرير حتمية تطبيق المخطط الوطني لتنمية المناطق القروية والجبلية الذي يقترحه البديل الحركي.
ثانياً: التصريحات الصحفية والمقاربة الإعلامية
يجب أن يتسم القاموس اللغوي لقيادات الحزب بالحدة الإيجابية والابتعاد عن المصطلحات الكلاسيكية المستهلكة. سيشكل استخدام مصطلحات مثل “فراقشية الإعلام” للتنديد بالاستقطاب الإعلامي، ومصطلح “حكومة مونديال 2026” لانتقاد تركيز الأغلبية على الواجهة والفعاليات الكبرى وتجاهلها للاحتقان الاجتماعي والمشاكل البنيوية، سيشكل مادة جذابة للصحافة تصنع الحدث (Buzz) وتضع الحكومة في موقف المدافع. كما يجب أن تركز التصريحات دائماً على فكرة أن الحركة الشعبية لا تمارس “معارضة من أجل المعارضة” بل تقدم بديلاً جاهزاً وقابلاً للتطبيق الفوري، كما أن أمينها العام لا يقدم نفسه كرجل حزب، ولكن كرجل دولة تنتظر منه الدولة، والملكية تحديدا، أن يكون رجل مرحلة سيبعث روحا جديدة في الحياة السياسية المتأزمة وأملا كبيرا في مجتمع أعيته الوعود الكاذبة.
ثالثاً: المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي
بالنظر إلى الدينامية الديموغرافية واعتماد شريحة واسعة من الكتلة الناخبة على الإعلام الرقمي، تشكل “استراتيجية التواصل الرقمي” التي أطلقها الحزب أداة محورية للمعركة القادمة، كما ينبغي تكثيف إنتاج المحتوى المرئي القصير (Reels وShorts) الذي يقارن بشكل سريع ومبسط بين الأسعار قبل الولاية الحكومية الحالية والأسعار في نهايتها، مع طرح الحلول البديلة للحزب في الثواني الأخيرة من المقطع. إضافة إلى ذلك، يمكن استثمار برامج البودكاست المعمقة (مثل “نوافذ”) لخلق مساحات حوارية طويلة تتيح للأمين العام وقيادات الحزب شرح فلسفة البديل الحركي بهدوء وتفكيك القضايا المعقدة بعيداً عن تشنجات البرلمان والصحافة المكتوبة، وهو ما يجذب فئة الشباب والطلبة والطبقة المتوسطة المهتمة بالشأن العام. كما على الحزب أن ينظم قافلة القرب لشرح مشروعها لمختلف الشرائح في مختلف المدن والقرى، يصاحبها تغطية رقمية وحوارات ميدانية مع مختلف الفاعلين الحزبيين والأكاديميين وعموم المواطنين.
رابعاً: الإصلاحات الانتخابية كأرضية للمعركة الديمقراطية
لا يمكن إغفال المعركة القانونية التي يقودها الحزب لضمان شروط تنافسية عادلة في استحقاقات 2026، حيث يطرح الحزب حزمة من المقترحات الرامية إلى تخليق العملية الانتخابية، من بينها اعتماد البطاقة الوطنية لتسجيل الناخبين تلقائياً عند بلوغ 18 سنة لتوسيع قاعدة المشاركة وتقليل نسب العزوف، ورقمنة اللوائح والمحاضر لضمان الشفافية وتسريع الإعلان عن النتائج، مع تشديد العقوبات على الفساد الانتخابي. كما يدعو إلى التخلي عن تقييد استعمال الرموز الوطنية كالعلم والنشيد في الحملات لتعزيز الارتباط الوجداني بالوطن، والاحتفاظ بأوراق التصويت إلى حين البت النهائي في الطعون. وسيمنح الدفاع الشرس عن هذه المطالب الحركة الشعبية صورة الحزب الساعي بصدق نحو تكريس مسار ديمقراطي شفاف ونزيه.
خاتمة تقييمية
يمثل مشروع “البديل الحركي” قفزة نوعية في الأداء الاستراتيجي لحزب الحركة الشعبية، محاولاً نقله من صورة الحزب التقليدي المرتبط بالأعيان والمشاركة الحكومية التكميلية، إلى حزب مؤسساتي يمتلك فريق عمل سياسي محترف وحصيف، ورؤية فلسفية وعملية بديلة للتدبير النيوليبرالي القائم. من خلال هيكلة مشروعه عبر حزم متدرجة (آنية، متوسطة، استراتيجية)، وبتركيزه الشديد على مفهومي السيادة (الغذائية والمائية) والعدالة المجالية والضريبية، سيقدم الحزب نفسه كدرع واق للطبقات الهشة والطبقة المتوسطة التي تأثرت بعمق جراء الأزمات المتتالية.
إن نجاح الحركة الشعبية في تسويق هذا البديل خلال المحطة الانتخابية لعام 2026 سيظل رهينا بمدى قدرة مؤسساته القيادية على فرض الانضباط التنظيمي الصارم واحتواء أي انشقاقات داخلية، بالتوازي مع قدرتها على ترجمة هذا المتن الفكري والأكاديمي إلى خطاب سياسي وإعلامي مرن وشعبي يصل إلى الناخب في أعماق جبال الأطلس، ويقنع التكنوقراطي في العاصمة والمستثمر الدولي على حد سواء. وإذا تم تفعيل آليات العمل المذكورة وتوظيف التكنولوجيا الرقمية بكفاءة، فإن “البديل الحركي” لن يكون مجرد وثيقة معارضة ظرفية، بل سيشكل قوة جذب انتخابية قادرة على إعادة ترتيب التوازنات وإفراز خارطة سياسية جديدة لبلادنا في أفق الاستحقاقات القادمة.
* دبلوماسي سابق / باحث في العلوم السياسية والجيوسياسية
إقرأ الخبر من مصدره