عبد المالك أهلال
أكد عبد الوهاب الكاين، الكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، وجود انحياز منهجي وازدواجية صريحة في المعايير داخل التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية لعام 2025، متهما المنظمة بتوفير حماية سياسية للجزائر وجبهة البوليساريو عبر التغاضي عن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بمخيمات تندوف واختزالها في أزمات إنسانية مرتبطة بنقص الغذاء.
وأوضح الكاين، في حوار خاص مع جريدة “العمق” أن المنظمة الدولية تعتمد تأطيرا مزدوجا يضع المغرب تحت مجهر المساءلة الحقوقية الصارمة بتوثيق حالات فردية ضمن فئات قانونية واضحة، بينما تدرج الوضع في تندوف ضمن فصل الجزائر بخلفية إنسانية بحتة. وأضاف أن هذا النهج يغيب المسؤولية السيادية للدولة الجزائرية عما يقع فوق إقليمها، ويخلق فراغا رقابيا يعفي سلطات الأمر الواقع من أية محاسبة قانونية.
وأكد المسؤول الحقوقي أن التحالف سبق أن أبلغ الهيئات الدولية رسميا بقائمة تضم إحدى وعشرين حالة قتل خارج نطاق القضاء ارتكبها الجيش الجزائري في محيط المخيمات، من بينها حالات وقعت في شهر أبريل 2025، غير أن منظمة العفو الدولية تجاهلت إدراجها كليا. وتابع أن المنظمة تمتلك تقنيات متطورة كالاستشعار عن بعد استخدمتها في مناطق مغلقة أخرى، لكنها أحجمت عن توظيفها لرصد استخدام الذخيرة الحية ضد المدنيين الصحراويين تفاديا للاصطدام بالسلطات الجزائرية وحفاظا على ترخيص عملها بالعاصمة.
وأشار الكاتب العام إلى أن مخيمات تندوف تحولت إلى ثقب أسود للمساءلة نتيجة تضافر عوامل بنيوية، أبرزها رفض إحصاء السكان لثلاثة عقود بهدف تضخيم الأعداد لضمان حصص أكبر من المساعدات التي تباع في أسواق مجاورة لتمويل صفقات الأسلحة. وكشف أن المنظمة تقصي التقارير التي ترصد فظاعات القيادة الانفصالية وتعتمد على جهات ذات اصطفاف إيديولوجي، مما يكرس تراتبية تجعل معاناة سكان المخيمات مجرد أرقام تفتقر للشخصية القانونية التي تمنح المرافعة قوتها.
وخلص الكاين في حواره إلى التحذير من التداعيات الخطيرة لهذا التفاوت المنهجي على عملية صنع القرار، موضحا أن تقديم هيئات عالمية لخرائط غير متماثلة عن واقع حقوق الإنسان يضلل مجلس الأمن الدولي الذي أطر النزاع مؤخرا في قراره الأخير بوصف الجزائر طرفا فاعلا. وأردف أن هذا الإخفاق يساهم في بناء تصورات دبلوماسية مغلوطة تخدم الرواية الرسمية الجزائرية وتعيق التوصل إلى تقييم محايد لحقيقة النزاع.
نص الحوار كاملا:
لماذا يصنف التقرير حقوق الإنسان في مخيمات تندوف حصريا تحت العنوان الإنساني “حقوق اللاجئين والمهاجرين” في الفصل الخاص بالجزائر، بينما تعالج أوضاع مماثلة في الفصل الخاص بالمغرب كقضايا “أمن الدولة” و”الحريات المدنية”؟ هل يعمل هذا التأطير بشكل منهجي على حماية الدولة المضيفة (الجزائر) من مسؤوليتها السيادية عن الانتهاكات المتعلقة بالأمن التي تقع على أراضيها؟
تطرح هذه القراءة النقدية لتقرير منظمة العفو الدولية، في الشق المتعلق بالمغرب والجزائر ومخيمات تندوف، إشكالية قانونية وحقوقية جوهرية تتعلق بمسؤولية الجزائر بوصفها الدولة المضيفة لمخيمات تندوف، إذ ترسي اتفاقية وضع اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها والقانون الدولي العرفي مبدأ المسؤولية السيادية الكاملة عما يجري داخل الإقليم الوطني. غير أن المنظمات الحقوقية الدولية، ولا سيما منظمة العفو الدولية، تعتمد تأطيرا مزدوجا إشكاليا يصنف البوليساريو مديرا تنفيذيا يوميا، والجزائر ضامنا سياديا، دون أن يفضي ذلك فعليا إلى مساءلة الأخيرة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان موثقة على أراضيها.
ويترتب على هذا التأطير الإنساني الحصري أثر إجرائي خطير، يتمثل في إقصاء الجزائر من دائرة المساءلة الأمنية السيادية، حيث يتجلى هذا التفاوت بوضوح في المعالجة التوثيقية المتباينة، إذ حين توثق منظمة العفو اعتقال ناشطي حركة “مانيش راضي” داخل العاصمة تسند الانتهاكات صراحة إلى الدولة بالأسماء والتواريخ والمواد القانونية، في المقابل تغيب كليا عن التقارير ذاتها حوادث العنف العسكري الجزائري في محيط مخيمات تندوف وما تخللها من قتل مدنيين صحراويين وتقييد لحرية تنقلهم.
ويرى تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أن هذا التباين ليس مجرد قصور في التركيز، بل هو خيار هيكلي ممنهج، يسهم في تكريسه عاملان رئيسيان، أولهما تفاوت إمكانية الوصول الميداني، إذ تفرض الجزائر والبوليساريو قيودا مشددة على منطقة تندوف تحد من قدرة الباحثين على التحقق الميداني، وثانيهما المحافظة المنهجية في اعتماد معايير إثباتية صارمة تستلزم شهودا موثوقين، مما ينتج بقعا عمياء منهجية حين تكون الدولة محل الفحص هي ذاتها من يشيد عوائق الوصول.
وخلاصة ما توصي به هذه القراءة النقدية، هو معالجة هذا الخلل الهيكلي بإخضاع الجزائر لمعايير الإسناد القانوني ذاتها المطبقة على سلوكها داخل عاصمتها، مع إدراج صريح لأي انتهاكات موثقة تتعلق بالسلوك العسكري الجزائري ضمن أقسام القوات الأمنية وحرية التنقل في التقارير الدولية، ذلك أن الأثر الفعلي للتأطير الراهن، بصرف النظر عن القصد، هو إفلات الجزائر من كل مساءلة سيادية، في تناقض صارخ مع المبادئ التأسيسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
ما الذي يفسر التفاوت في التفاصيل الدقيقة بين توثيق حركة “مانيش راضي” في الجزائر العاصمة، والتجاهل التام لضحايا العنف العسكري في محيط مخيمات تندوف؟ لماذا تمنح الأولوية لأسماء وتواريخ وأرقام القضايا الخاصة بنشطاء الجزائر العاصمة على حساب الهويات الموثقة للصحراويين الذين قتلوا برصاص الدوريات العسكرية؟
يكشف تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2025 عن تفاوت توثيقي صارخ بين معالجته للانتهاكات داخل الجزائر العاصمة وتلك المرتكبة في محيط مخيمات تندوف، إذ يُوثّق الفصل الخاص بالجزائر حالات فردية بدقة إسنادية عالية، تشمل أسماء المعتقلين وتواريخ الاعتقال والتهم والأحكام القضائية، في حين يخلو قسم تندوف كليا من أي توثيق أمني فردي، مقتصرا على مؤشرات إنسانية كمعدلات سوء التغذية وإحصائيات برنامج الأغذية العالمي.
وتقدم هذه القراءة النقدية جملة من التفسيرات الهيكلية لهذا التباين، أبرزها أن انتهاكات العاصمة تمر عبر منظومة قضائية رسمية تنتج سجلات قابلة للتحقق، في حين تقع الحوادث الأمنية في تندوف بمعزل عن الشهود المستقلين والإجراءات القانونية الرسمية. غير أن التحالف يرفض قبول هذا المبرر على علاته، معتبرا إياه ذريعة تخفي وراءها تواطؤا ناجما عن خشية المنظمات الدولية من الاصطدام بالسلطات الجزائرية جراء إجراء رصد مستقل في تندوف.
يتجاوز التحالف التفسيرات المنهجية ليشير إلى بعد سياسي، إذ يرى أن حركة “مانيش راضي” استفادت من تغطية إعلامية واسعة ونشاط رقمي وفر للمنظمة مسارات تحقيق واضحة، في حين تظل حوادث العنف وارتكاب الانتهاكات الجسيمة في تندوف غير مرئية لآليات بناء الملفات المعتمدة لدى المنظمة، على الرغم من أن التحالف أحاط المنظمة علما بتقرير مفصل يوضح ارتكاب قوات الجيش الجزائري لعمليات القتل والإعدام خارج نطاق القضاء منذ عام 2014، حيث شمل واحد وعشرون حالة قتل خارج نطاق القضاء، حالتان منها، وقعت في الفترة المشمولة بالتقرير، مرفقة بأسماء الضحايا وتواريخ التنفيذ وملابسات الجرائم.
وتسجل هذه القراءة تناقضا داخليا في موقف المنظمة ذاتها، إذ سبق لها المطالبة بإضافة مكوّن لمراقبة حقوق الإنسان إلى ولاية المينورسو، معترفة ضمنيا بأن غياب الرقابة المستقلة يولد فجوات توثيقية، بيد أن تقريرها السنوي لا يربط بين هذا الموقف الترافعي وبين الفجوات التي يعكسها، مما يكشف عن عدم اتساق داخلي يضعف مصداقية المنظمة ويقوض حجج التحفظ الإثباتي التي تسوقها.
تنبع الإشكالية في جوهرها من الهندسة التصنيفية للتقرير، التي تمنح أفضلية منهجية للانتهاكات المندرجة ضمن أطر قانونية رسمية، وتهمش تلك الواقعة في المناطق الرمادية كمخيمات تندوف، حيث تتضارب الصلاحيات بين الجزائر التي تحكم السيطرة على الوصول دون أن تتحمل المسؤولية الإدارية، والبوليساريو التي تدير دون أن تحظى بصفة الدولة المعترف بها، والمينورسو التي تراقب دون أن تمتلك تفويضا حقوقيا، مما يفضي إلى فراغ رقابي تعيد فيه المنظمة إنتاج التسوية السياسية عوضا عن تحديها.
وقد خلصنا في تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية إلى أن تأطير تندوف حصريا بوصفه شأنا إنسانيا ليس موقفا محايدا، بل خيار هيكلي يتوافق مع الصورة التي تروج لها الجزائر عن نفسها بوصفها مضيفا كريما لا طرفا سياديا مسؤولا، مما يوجب على المنظمة الإقرار صراحة بأن فجوات التوثيق في قسم تندوف هي نتاج هيكلي لسياسة منع الوصول، وأن تصنف هذه السياسة في حد ذاتها انتهاكا حقوقيا مستقلا، بمعزل عن إمكانية التحقق من الانتهاكات الكامنة وفق معاييرها الإثباتية.
بالنظر إلى أن تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الذي تمثلونه قد أبلغ الهيئات الدولية رسميا في أبريل 2025 بقائمة تضم 21 حالة قتل خارج نطاق القضاء موثقة، بما في ذلك مقتل سيد أحمد ولد غلام والناجم ولد محمود في 9 أبريل 2025، ما هي العتبة الإثباتية التي عجزت هذه الحالات عن بلوغها لكي تدرج في التقرير السنوي لعام 2026؟“
تشترط منهجية الإثبات لدى منظمة العفو الدولية في أعلى درجات صرامتها توافر شهادات مباشرة من ضحايا أو شهود، يجمعها باحثو المنظمة أنفسهم، معززة بمصدر مستقل إضافي كالسجلات الطبية أو الأدلة الرقمية. وعلى الرغم من أن رسالة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الموجهة للإجراءات الخاصة للأمم المتحدة وللمنظمة بشكل متزامن، في 16 أبريل 2025 تضمنت بيانات وافية تشمل أسماء الضحايا وتواريخ الأحداث وأماكنها، فإن المنظمة لم ترقها إلى مستوى المعلومات الموثوقة الكافية للإدراج في تقاريرها الرسمية.
وتبعا لذلك، يقر التحالف بمشروعية اشتراط التحقق المستقل من الادعاءات الصادرة عن أطراف ذات مصلحة سياسية، غير أنه يطعن في تطبيق هذا المعيار بصورة انتقائية، إذ تعتمد المنظمة بانتظام على شهادات منظمات ذات مصلحة سياسية في سياقات أخرى كالقضية الفلسطينية والأزمة الأوكرانية، في حين يبدو المعيار المطبق على المنظمات الصحراوية أشد تقييدا وأكثر تشددا. فضلا عن ذلك، فإن اشتراط الوصول الميداني المسبق كشرط للتوثيق يتحول في حالة تندوف إلى منظومة مكافأة للدول التي تنجح في تقييد الوصول التحقيقي، منتِجا صمتا توثيقيا يخدم مصالح الجزائر.
يكشف التحالف عن بعد زمني بالغ الدلالة، إذ وقعت بعض الإعدامات في التاسع من أبريل 2025، وأرسلت رسالة التحالف في السادس عشر من الشهر ذاته، مما أتاح لمنظمة العفو الدولية أحد عشر شهرا للتحقيق وتقييم استيفاء تلك الحالات لعتبتها الإثباتية. ويؤكد التحالف أن غياب أي إشارة إليها، حتى في صيغة مشروطة تقر بتلقي مزاعم لم يتسن التحقق منها، لا يعد نتيجة قيد منهجي محايد، بل خيارا مؤسساتيا واعيا بالصمت.
وتذهب قراءتنا النقدية للتقرير إلى أن ثمة بعدا سياسيا يفسر، وإن لم يبرر، هذا الصمت المؤسساتي، إذ إن توثيق إعدامات خارج نطاق القضاء منسوبة إلى الجيش الجزائري سيوظَف فورا في دعم ادعاءات أوسع أمام آليات الأمم المتحدة بشأن انتهاكات جسيمة ترتكبها الجزائر بحق سكان المخيمات. وهذا التعقيد السياسي يكشف أن صمت المنظمة ليس محايدا ولا منهجيا بحتا، بل هو موقف ذو أثر سياسي يصب في نهاية المطاف في خدمة الرواية الرسمية الجزائرية.
تستخدم منظمة العفو الدولية بشكل مشهور تقنيات الاستشعار عن بعد، وصور الأقمار الصناعية، والشهادات الرقمية الموثقة لتوثيق الانتهاكات في البيئات المغلقة مثل شينجيانغ أو كوريا الشمالية. لماذا لم تستخدم هذه الأدوات المنهجية ذاتها للتحقيق في الاستخدام الموثق للذخيرة الحية والطائرات المسيرة من قبل الجيش الجزائري ضد المدنيين الصحراويين في مخيمات تندوف؟
تمتلك منظمة العفو الدولية ترسانة تقنية متطورة للتحقق عن بعد، إذ تعتمد على صور الأقمار الصناعية منذ عام 2007، وتضم في هيكلها مختبر أدلة متخصصا يشغله مستشار متخصص في الاستشعار عن بعد منذ عام 2016. وقد وظفت المنظمة هذه القدرات التقنية بفاعلية في حالة شينجيانغ عام 2021، حيث اعتمد تقريرها على صور الأقمار الصناعية والبيانات الرقمية لرسم صورة شاملة عن ظروف معسكرات الاحتجاز رغم استحالة الوصول الميداني. وهو ما يجعل إغفال تطبيق الأدوات ذاتها على وضع تندوف أمرا يستدعي تفسيرا موضوعيا دقيقا.
ونرى أن الظروف الهيكلية التي بررت اللجوء إلى الاستشعار عن بعد في شينجيانغ، تنطبق على وضع تندوف بالقدر ذاته، بل وبقوة أكبر في بعض الأوجه، فالمنطقة محاطة بإغلاق جغرافي يحول دون وصول الباحثين المستقلين، فيما تتوفر شهادات من مجتمعات الشتات الصحراوي المنتشرة في أوروبا وموريتانيا والمغرب، خلافا لحالة شينجيانغ. فضلا عن ذلك، فإن حوادث بعينها كالغارة العسكرية الجزائرية على المنقبين عن الذهب في الحدود الجزائرية الموريتانية في مايو 2024، تركت آثارا فيزيائية قابلة للرصد والتحقق عبر الأقمار الصناعية، لا سيما مع توفر إحداثيات جغرافية محددة.
ويقدم تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية تفسيرا جوهريا لهذا التفاوت، مفاده أن أدوات الاستشعار عن بعد والتحقق الرقمي لم تطبق على تندوف بسبب غياب المحفز المؤسساتي، إذ ينشط مختبر الأدلة عادة استجابة لتغطية إعلامية دولية واسعة أو لطلب تحقيق داخلي رسمي، وكلاهما يفتقر إليهما ملف تندوف. ويزيد من ثقل هذا الإشكال أن مقاطع الفيديو المتداولة لتفريق عائلات ضحايا إعدامات أبريل 2025 على يد جنود جزائريين تمثل بالذات النوع من الأدلة الرقمية الذي يتخصص مختبر الأدلة في التحقق منه عبر تحديد الموقع الجغرافي وتحليل البيانات الوصفية.
كشفت القراءة النقدية للتقرير عن تناقض منهجي بالغ الخطورة في موقف المنظمة ذاتها، إذ تجادل صراحة في موادها الترافعية بأن غياب الرقابة المستقلة في تندوف يشكل في حد ذاته مشكلة حقوقية تستوجب الحل، بيد أنها تمتنع في الوقت ذاته عن تطبيق قدراتها التقنية والتحقيقية المتاحة على الانتهاكات الموثقة في المنطقة. ويلزم هذا التناقض المنظمة الدولية بموجب المنطق الحقوقي، بأن تسعى بمواردها الذاتية إلى سد الفجوة الرقابية التي تقر بوجودها، لا أن تكتفي بالدعوة إلى الإصلاح المؤسساتي مع الإحجام عن التحرك الميداني والتقني.
وتخلص القراءة إلى أن إخفاق منظمة العفو الدولية في توثيق وضع تندوف لا يفسر بقيود الإثبات وحدها، بل يعكس خيارات مؤسساتية تتعلق بأولويات التحقيق والمخاطر السياسية. فالحالات الموثقة، بما فيها إعدامات أبريل 2025 والغارة العسكرية في مايو 2024 وشهادات الشتات أمام الأمم المتحدة، تستوفي بالمعايير التي طبقتها المنظمة في شينجيانغ وميانمار وكوريا الشمالية عتبة إطلاق تحقيق تقني وإدراج مزاعم ذات مصداقية في التقرير السنوي. وغياب هذا التوثيق لا يثبت عدم وقوع الانتهاكات، بل يثبت أن الصمت المؤسساتي ينتج بقعة عمياء ممنهجة تخدم بصورة غير متكافئة، الدولة الجزائرية المسؤولة عن استمرار الظروف التي تجعل التوثيق عسيرا.
هل فعلا فرض المغرب حظرا فعليا على بعثات منظمة العفو الدولية منذ عام 2015 كما يتم الترويج له، وهو ما أدى انتهاج سلوك مفرط في توثيق التظلمات التي يسهل الوصول إليها في المغرب للتعويض عن استبعادها، بينما تقصر في توثيق البيئة التي يصعب الوصول إليها والأكثر خطورة في مخيمات تندوف؟
يرصد التحالف اختلالا منهجيا جوهريا في معالجة منظمة العفو الدولية لملف الصحراء، إذ تعتمد المنظمة حين يتعذر الوصول الميداني إلى الأقاليم الجنوبية للمغرب على ثلاث منهجيات بديلة، تشمل إجراء مقابلات عن بعد مع مصادر غادرت المنطقة، ورصد السجلات القضائية والمراسلات الرسمية، وتوظيف تقارير المنظمات غير الحكومية الشريكة، بغض النظر عن صحة ما تتلقاه من معلومات من عدمها.
غير أن هذه المنهجيات، رغم مشروعيتها الإجرائية، تميل بكفة التوثيق نحو مزاعم بارتكاب انتهاكات منسوبة إلى المغرب تحديدا، لأن النشطاء الصحراويين المساندين للبوليساريو في الأقاليم الجنوبية يسهل التواصل معهم عبر الهاتف أو من المهجر، في حين يواجه سكان مخيمات تندوف الراغبون في الإبلاغ عن انتهاكات البوليساريو مخاطر جسيمة تحول دون إدلائهم بشهاداتهم، مما يغيب فئة كاملة من المظالم بصورة ممنهجة.
ولا تنفي المنظمة إدراكها لهذه الفجوة، إذ سبق لها عام 1996 أن طالبت بالتحقيق في انتهاكات مخيمات تندوف، مقرة بوقوع اعتقالات وتعذيب ووفيات تحت وطأة الاحتجاز، مع إخفاق قيادة البوليساريو في تقديم معلومات محددة بشأنها. ويثبت هذا السجل الترافعي أن المنظمة وثقت انتهاكات في المخيمات في مراحل سابقة، لكن وتيرة هذا التوثيق وعمقه تراجعا تراجعا ملحوظا، في حين ظلت التقارير المتعلقة بادعاءات وقوع انتهاكات بالمغرب أكثر انتظاما وتفصيلا، وهو ما يجسد عدم تماثل واضح في تخصيص الموارد التحقيقية بين الطرفين.
يؤكد تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أن إشكالية التوثيق لا تعود في جوهرها إلى عوائق الوصول الميداني، بل إلى خيارات مؤسساتية في تحديد الأولويات البحثية وتخصيص الموارد. ويستند التحالف في ذلك إلى سابقتين دامغتين، هما على التوالي، بعثة منظمة هيومن رايتس ووتش للمخيمات في عامي 2013 و2014، وعمل منظمة فرنسا للحريات داخلها، مما يثبت أن الوصول المادي يظل ممكنا للمنظمات التي تسعى إليه بإصرار ومنهجية. ويبقى السؤال الجوهري الذي يتعذر الإجابة عنه تجريبيا في غياب بيانات علنية، هو حجم الساعات البحثية التي تخصصها منظمة العفو لملف المخيمات مقارنة بما تخصصه لملف الأقاليم الجنوبية، إذ يكشف هذا الغموض المؤسساتي في حد ذاته عن خيار سياسي يستحق المساءلة.
في ضوء قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي يؤطر النزاع صراحة في سياق إقليمي يشمل الجزائر، لماذا تستمر تقارير منظمة العفو الدولية في التعامل مع دور الجزائر كدولة مضيفة إنسانية سلبية، بدلا من كونها فاعلا سياسيا وأمنيا نشطا له تأثير مباشر على مآلات حقوق الإنسان لسكان المخيمات؟
يدحض تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الرواية الرسمية الجزائرية التي تصور الجزائر مضيفا إنسانيا محايدا، مستندا إلى جملة من الوقائع الموثقة التي تكشف عمق انخراطها الفعلي في ملف الصحراء، إذ تستضيف الجزائر جبهة البوليساريو وتسلحها وتمولها وتوفر لها الغطاء الدبلوماسي، فضلا عن سيطرتها على المحيط الخارجي لمخيمات تندوف. وقد قدم تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية شهادات موثقة أمام مجلس حقوق الإنسان تدين الجزائر بارتكاب انتهاكات مباشرة، تشمل اعتقال معارضين من الشباب وتنفيذ إعدامات خارج نطاق القضاء، داخل المخيمات ومحيطها، مطالبا الأمم المتحدة بمساءلتها بصفتها طرفا مسؤولا لا مجرد وسيط.
ويعزز هذا التوصيف ما أرسته الممارسة الدبلوماسية الدولية من معطيات كاشفة، لا سيما قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي نجحت بموجبه واشنطن في إحضار الجزائر إلى طاولة المفاوضات بعد إصرارها الشديد على موقع المراقب فحسب، وهو ما يشكل اعترافا ضمنيا بأنها طرف لا غنى عن انخراطه في أي تسوية. ومن ثمّ، فإن أي منظمة حقوقية تؤطر الجزائر حصريا بوصفها مضيفا إنسانيا إنما تعمل وفق خارطة سياسية تجاوزتها الأحداث، متجاهلة أن الجزائر تتحكم في الولوج إلى المخيمات وتقرر منح الدعم اللوجستي للمراقبين الدوليين، وأن أي إصلاح في حكامة المخيمات يستلزم موافقتها صراحة.
يرصد التحالف جملة من الحوافز الهيكلية التي تفسر تمسك منظمة العفو الدولية بهذا التأطير القاصر، أبرزها أن التفويض التقليدي للمنظمة يرتكز على إثبات المسؤولية القانونية المباشرة للدولة، وهو ما يعقد الإسناد في الحالات التي تتوسط فيها جهة وسيطة كالبوليساريو. يضاف إلى ذلك حرص المنظمة على صون علاقتها الوظيفية مع الجانب الجزائري، وتأثير السردية السياسية السائدة تاريخيا في أوساط المدافعين الدوليين عن حقوق الإنسان، التي رسخت صورة المغرب منتهكا أصيلا والجزائر ظهيرا للمضطهدين، مما أسبغ على الدولة الجزائرية نوعا من الحصانة الرمزية أمام النقد الحقوقي الجدي.
ويؤكد التحالف أن المقاربة المحايدة منهجيا تستوجب الخروج من هذا القالب الضيق نحو توثيق أفعال الجزائر الملموسة، سواء أفعال القيام أو الامتناع، وتشمل رصد سيطرتها على الوصول إلى المخيمات، ودورها السيادي في تقييد حرية تنقل السكان أو تيسيرها، وفحص علاقتها التمويلية والعسكرية بالبوليساريو وما يترتب عليها من تبعات مباشرة في مجالي الحكامة والحقوق. وخلاصة الأمر أن الإصرار على معاملة الجزائر مضيفا إنسانيا فحسب لم يعد يمثل حيادا حقوقيا، بل هو خيار سياسي مغلَف برداء المنهجية، يتعارض مع التحولات الجذرية في خارطة المسؤوليات التي كرستها الأحداث والقرارات الدولية.
في الفصل الخاص بالمغرب، تحدد الدولة بصفتها المنتهك الرئيسي من خلال جهازها القضائي والأمني. أما في الفقرة الفرعية الخاصة بتندوف، فتعزى المظالم، مثل سوء التغذية إلى عوامل هيكلية وفجوات تمويلية. لماذا يستبدل إطار حقوق الإنسان القائم على ‘التزامات الدولة بإطار إنساني قائم على الندرة فقط عند التعامل مع مخيمات تندوف؟
يسجل التحالف تفاوتا مفاهيميا جوهريا في منهجية منظمة العفو الدولية بين معالجتها لملف المغرب وأقاليمه الجنوبية من جهة، وملف مخيمات تندوف من جهة أخرى. ففي الفصول المتعلقة بالمغرب، تعتمد المنظمة لغة التزامات الدولة بكل صرامتها، محددة الجاني والفعل والقاعدة القانونية المنتهكة، في حين تتحول العدسة التحليلية عند تناول تندوف إلى لغة إنسانية بحتة تقتصر على وصف معدلات سوء التغذية وفجوات التمويل، قاطعة العلاقة السببية التي تربط القرارات السياسية للحكامة بالمآلات الإنسانية عند النقطة التي تستوجب المساءلة.
لا تعكس بيانات سوء التغذية في المخيمات ندرة تجريدية، بل تعبر عن خيارات في التدبير السياسي المتعمد، إذ رفضت جبهة البوليساريو والجزائر منذ أكثر من ثلاثين عاما طلبات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إجراء إحصاء للسكان، وهو رفض مدفوع بالرغبة في تضخيم الأعداد لضمان حصص أكبر من المساعدات. وتبقى مخيمات تندوف الوحيدة عالميا التي تمنع فيها الأمم المتحدة من أداء وظيفتها الإحصائية الجوهرية، مما يحرم السكان من نظام إدارة الهوية البيومتري الضروري لتوجيه المساعدات بصورة سليمة.
تتفاقم هذه الإشكالية بفعل عمليات اختلاس المساعدات الإنسانية الموثقة، إذ كشف المكتب الأوروبي لمكافحة الغش عام 2015 أن قيادة البوليساريو كانت تبيع المساعدات المخصصة للاجئين في أسواق موريتانيا ودول جنوب الصحراء لتمويل مشتريات الأسلحة والإثراء غير المشروع. ومن ثم، فإن تأطير معاناة الأطفال في المخيمات بوصفها نتاجا لفجوات التمويل يشكل إسنادا تبريريا خاطئا يعفي المسؤولين الفعليين من المساءلة، ويحول الانتباه عن الجناة الحقيقيين نحو المانحين الدوليين.
وقد كشف التحالف عن توتر فقهي حقيقي في منهجية المنظمة، إذ إن قانون حقوق الإنسان في تشكيله التقليدي يلزم الدول لا الكيانات شبه الدولتية، غير أن الممارسة السابقة للمنظمة ذاتها أثبتت قدرتها على تطبيق إطار التزامات الدولة على البوليساريو، كما تجلى في مراسلتها بخصوص اعتقال مصطفى سلمى سيدي مولود. وهو ما يجعل التساؤل مشروعا: لماذا تطبق هذه الصرامة بشكل انتقائي لا منهجي؟ مما يرسخ الانطباع بأن التمييز في المعالجة خيار مؤسساتي لا قيد منهجي محايد.
يخلص التحالف إلى أن إخفاق المنظمة في تطبيق لغة الحريات والمساءلة على تندوف لا يعود إلى غياب الوعي بهذه الفجوة، بل إلى عجز هذا الوعي عن الترجمة إلى معالجة تحليلية مكافئة. فالكيان الذي يدير المحاكم والسجون غير النظامية والشرطة ويتحكم في الحدود، يستوجب بالضرورة تقديم كشف حساب عن كيفية معاملته للأشخاص الخاضعين لإدارته بحكم الواقع، وتأطير غير ذلك باعتباره حيادية منهجية لا يعدو كونه خيارا سياسيا مغلفا برداء المنهجية.
هل يؤدي الإغفال المتعمد لممارسات الحكامة الداخلية لجبهة البوليساريو، وتحديدا حظر المجتمع المدني المستقل وغياب الإحصاء إلى خلق ثقب أسود للمساءلة يمنح الحركة ورعاتها فعليا إعفاء من معايير حقوق الإنسان الدولية؟
تؤكد الوثيقة بصورة قاطعة أن ما يجري في مخيمات تندوف يشكل ثقبا أسود للمساءلة الحقوقية، وذلك استنادا إلى شهادات نشطاء المجتمع المدني الصحراوي المقدمة أمام مجلس حقوق الإنسان، والتي تكشف بصورة متواترة أن البوليساريو تقمع كل معارضة بشكل ممنهج، وتحظر الأحزاب السياسية، وتفرض قيودا صارمة على حرية التعبير، وتضايق المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمدونين. ويرى التحالف أن منظمة العفو الدولية تعتمد في هذا السياق معيارا مزدوجا صريحا، إذ توثق بدقة مزاعم تطبيق قيود مفروضة على المجتمع المدني في الأقاليم الجنوبية المغربية، بينما تقصي القيود المماثلة في فضاء البوليساريو من إطارها التحليلي كليا.
وتشكل فجوة الإحصاء السكاني القاعدةَ الهيكلية لهذا الثقب الأسود للمساءلة، إذ تلتزم الجزائر قانونيا بموجب اتفاقية وضع اللاجئين وبروتكولها الملحق بالتعاون مع المفوضية السامية لتيسير عمليات الإحصاء، غير أنها تتهرب من هذه المسؤولية منذ أكثر من ثلاثة عقود، رافضة السماح للمفوضية بإحصاء سكان المخيمات رغم قرارات مجلس الأمن المتعددة.
وليست هذه فجوة تقنية عارضة، بل هي خيار سياسي متعمد تترتب عليه عواقب حقوقية جسيمة، إذ يحول دون توجيه المساعدات بصورة سليمة، ويعسر كشف الاحتيال وتسجيل الحقوق الفردية وحمايتها، فتصنع الدولة الحاضنة للمخيمات والبوليساريو بذلك حصانتها الخاصة من المساءلة.
تتشكل بنية الثقب الأسود للمساءلة في مخيمات تندوف من تظافر ثلاث آليات بنيوية متكاملة ومتعاضدة؛ أولها غياب الإحصاء الذي يجرد المنظومة الحقوقية من خط أساس موثوق للتحقق من الادعاءات، وثانيها القيود الصارمة على المجتمع المدني المستقل التي تحول دون التوثيق الداخلي، وثالثها صعوبة الوصول الخارجي التي تجعل الرقابة الدولية متقطعة ورهينة لإرادة الأمر الواقع. وتفضي هذه الغيابات مجتمعة إلى تحصين ممارسات الدولة الحاضنة والبوليساريو من كل مساءلة فعلية، في مشهد استثنائي لا نظير له في الممارسة الحقوقية الدولية.
وينوه التحالف إلى أن إغفال حظر المعارضة وعرقلة الإحصاء لا يمثل مجرد فجوة معلوماتية عارضة، بل هو فراغ ذو تبعات سياسية عميقة يمنح جبهة البوليساريو وراعيها الجزائري إعفاء فعليا من المعايير الحقوقية الكونية المطبقة إقليميا. ويتحول هذا الإغفال بذلك إلى ميزة بنيوية تكرس توزيعا غير متكافئ للمسؤولية والمساءلة الدولية، مما يفرز واقعا حقوقيا شاذا تخضع فيه جهات بعينها لمعايير أكثر صرامة في حين تتمتع جهات أخرى بحصانة فعلية من الرقابة الدولية، وهو ما يقوض مبدأ عالمية حقوق الإنسان وتطبيقه المتماثل على الجميع.
هل يكرس التقرير عن غير قصد تراتبية للضحايا الصحراويين، حيث يحظى المتضررون والمقدمين لمزاعم انتهاكات في الصحراء المغربية بظهور دولي ومرافعة قانونية، بينما يختزل المقتولون أو المختفون داخل المخيمات التي تديرها الجزائر في مجرد إحصائية إنسانية تتعلق بالأمن الغذائي؟
يكرس تقرير منظمة العفو الدولية في سياق الصحراء تراتبية للضحايا ذات تبعات أخلاقية بالغة الخطورة، إذ تحدد من تجعل معاناتهم مرئية للمجتمع الدولي ومن تبقيهم طي الكتمان. فمن يتمكن من التواصل مع المنظمة عبر قنوات مباشرة أو شبكات وسيطة بادعاءات انتهاكات في الأقاليم الجنوبية المغربية، يستفيد من منظومة حقوقية متكاملة، تذكر أسماؤهم فرديا، وتصنَف حالاتهم ضمن فئات قانونية دقيقة كالاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي والتعذيب، ويصبحون موضوع تحركات عاجلة رسمية ومرافعة قانونية واهتمام مؤسساتي مستدام، بصرف النظر عن التحقق الموضوعي من صحة الادعاءات.
في المقابل، تخضع معاناة سكان مخيمات تندوف لنحو تحليلي مغاير كليا، إذ تتحول وحدة التحليل من الفرد إلى التجمعات السكانية الإحصائية، فيتحول الأطفال إلى نسب مئوية على مقياس سوء التغذية، والنساء إلى أرقام في مسوح فقر الدم، فيما يذوب الجاني المحدد في لغة نقص التمويل والحرمان الهيكلي والطوارئ الإنسانية. ويحرم ضحايا الانتهاكات داخل المخيمات بذلك من العنصر الجوهري الذي يمنح المرافعة الحقوقية الدولية قوتها وفاعليتها، وهو الشخصية القانونية الفردية في سردية انتهاك الحقوق.
يستند التحالف إلى قاعدة بيانات موثقة وآخذة في الاتساع لإثبات أن ما يجري في تندوف ليس تجريدات إحصائية، بل انتهاكات فردية موثقة تستوفي بكل المقاييس عتبة التحرك الحقوقي الدولي، إذ وثق أكثر من 130 حالة اختفاء قسري في مراكز احتجاز سرية تديرها مليشيات البوليساريو، وأكد مقتل أكثر من 21 شابا على يد القوات الجزائرية في محيط المخيمات، فضلا عن إفادات مفصلة لمعتقلين سابقين تصف حالات تعذيب نفسي وجسدي وتهديدات بالقتل، قدمت أمام مجلس حقوق الإنسان واللجنة الرابعة للأمم المتحدة. وهذه حالات من النوع الذي يستوجب في أي فصل يتعلق بالمغرب إطلاق تحرك عاجل وتسمية سجناء رأي.
ويكشف التحالف عن غياب بنية تحتية مؤسساتية للتوثيق الداخلي في مخيمات تندوف، إذ تعمل المنظمة الوحيدة الناشطة في المجال الحقوقي بالمخيمات على ترويج الادعاءات المتعلقة بالأقاليم الجنوبية المغربية حصرا، دون أن تعنى برصد الانتهاكات داخل المخيمات. ويترتب على هذا الغياب المؤسساتي انقطاع في تدفق التوثيق الذي يغذي حملات المرافعة الدولية، مما يعمق الهوة بين فئتين من الضحايا، إحداها مرئية وقابلة للتقاضي، والأخرى مستوعبة في إحصائيات إنسانية لا أسماء فيها ولا مطالب.
وقد خلصنا في هذا الصدد، إلى أن هذا الواقع لا يعد مجرد عدم تماثل تحليلي، بل هو شكل من أشكال التجريد البنيوي من الإنسانية يعمل كإعفاء سياسي ممنهج، فمعاناة فئة من الصحراويين مرئية أخلاقيا وقابلة للتحرك قانونيا، في حين تظهر معاناة فئة أخرى بوصفها ظرفا إنسانيا مؤسفا يستدعي سخاء المانحين لا مساءلة الجناة. وما يفاقم الطابع الأخلاقي لهذه التراتبية أن العواقب ليست تحليلية فحسب، بل تحدد في نهاية المطاف من تمنحه المنظومة الحقوقية الدولية الاعتراف والإنصاف، ومن تحرمه منهما.
لماذا أغفل التوثيق المقدم من تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الذي يقوده صحراويون ويعمل في شمال إفريقيا من التقرير، بينما تم الاستشهاد بكثافة بتوثيق المنظمات غير الحكومية التي تتخذ من أوروبا مقرا لها وتركز على الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية؟ هل هناك انحياز جغرافي أو إيديولوجي في تحديد أصوات المجتمع المدني التي تعتبرها المنظمة موثوقة؟
تكشف أنماط الاستشهاد في تقارير منظمة العفو الدولية المتعلقة بالمغرب وأقاليمه الجنوبية عن انحياز في اختيار المصادر يتبع الاصطفاف الإيديولوجي أكثر مما يتبع جودة الأدلة ونزاهة التوثيق، إذ تعتمد المنظمة بشكل مفرط على منظمات محلية متحيزة لجبهة البوليساريو، توثق حصريا ما تراه انتهاكات في الجانب المغربي بما يتوافق مع توجهها السياسي المناصر للحركة الانفصالية. ويحظى هذا التأطير بدعم دبلوماسي جزائري وجنوب إفريقي استثنائي يعمل على تكريس هذه السردية دوليا، في حين تقصى المنظمات التي توثق انتهاكات داخل مخيمات تندوف من دائرة الاعتماد المؤسساتي رغم استيفائها لشروط المصداقية والنزاهة والاستقلالية.
ويواجه تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، رغم قيادته من قبل صحراويين وتقديمه عشرات التقارير أمام مجلس حقوق الإنسان وهيئات المعاهدات والإجراءات الخاصة، رفضا مؤسساتيا ممنهجا يتجلى في تجاهل مساهماته واختزال ما يرصده من انتهاكات جسيمة في الجوانب الإنسانية البحتة. ويستند هذا الرفض إلى شك مسبق ومغرض مفاده أن توثيق التحالف يخدم مصالح المملكة المغربية، وهو منطق معيب لأن عمل منظمات المجتمع المدني الجادة لا يفقد قيمته الموضوعية لمجرد أن دولة ما توظفه دبلوماسيا، ويرتكب من يعتمده خطأ فادحا يحرم الضحايا من حقهم في الاعتراف والإنصاف.
يفرز هذا الواقع معضلة هيكلية عميقة تمس الصحراويين الذين يسلطون الضوء على فظاعات قيادة البوليساريو، إذ لا تعامل أصواتهم بوصفها إسهامات مجتمع مدني مشروعة، بل ينظر إليهم إما كمنشقين أو أدوات في خدمة جهات معادية لتنظيم البوليساريو وللدولة الحاضنة للمخيمات. ويتمثل الجذر العميق لهذه الإشكالية في توصيف البوليساريو بوصفه الصوت الوحيد المعبر عن الصحراويين، وهو موقف سياسي مسبق يجعل من الصعب منهجيا التعامل مع المعارضة الداخلية له بوصفها تعبيرا مشروعا عن إرادة شريحة من الصحراويين.
يرى تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن إقصاء خطابه الحقوقي من أدبيات منظمة العفو الدولية لا يعكس نتيجة تحريات معمقة تقيم صدق عمله، بل هو نتيجة طبيعية لموقف مسبق من طبيعة النزاع. وتتجلى خطورة هذا التوجه في أن المنظمة تعامل غياب المعارضة المنظمة داخل المخيمات تأكيدا للشرعية بدلا من اعتباره دليلا على القمع، متبنية بذلك تأطير سلطة الأمر الواقع والجزائر بوصفها دولة مضيفة محايدة، في تجاهل صريح لنقاط الظل الكثيرة التي تستدعي مجهودا تحقيقيا وتوثيقيا جادا.
وتخلص القراءة النقدية للتقرير إلى أن الانحياز في اختيار مصادر المجتمع المدني ديدن راسخ لدى منظمة العفو الدولية يعمل على المستويين الجغرافي والإيديولوجي، وتترتب عليه عواقب مباشرة على ما يدخل في السجل الإثباتي وما يقصى منه. ويدعو التحالف المنظمة إلى تطبيق معايير مصداقية موحدة تشمل الاعتماد الأممي الرسمي وشهادات العيان المباشرة والتحقق المتقاطع، مع الإفصاح الصريح عن معايير اختيار المصادر، بمعزل عما إذا كان التوثيق الناتج مريحا أو مزعجا للسردية السياسية لأي طرف من أطراف النزاع، لأن النزاهة الحقوقية الحقيقية لا تنحاز إلى سردية على حساب أخرى.
من خلال عدم الإبلاغ عن الانتهاكات ذات الطابع الأمني في تندوف، هل تعطي منظمة العفو الدولية الأولوية للحفاظ على علاقتها الدبلوماسية المتبقية مع الجزائر العاصمة على حساب تفويضها بتقديم تقييم شامل ومحايد لحقوق الإنسان بمخيمات تندوف بغض النظر عن هوية الجاني؟
يواجه العمل الحقوقي الدولي معضلة حرجة تتعلق بمدى تأثير إمكانية الوصول الميداني على عمق ومستوى المساءلة التي تفرضها المنظمات على الدول، وفي الحالة الجزائرية، يظهر تباين هيكلي صارخ في أداء منظمة العفو الدولية. فبينما تستثمر المنظمة وجودها القانوني وفرعها المسجل في العاصمة الجزائر لانتقاد قمع الحريات الداخلية، كما حدث في موقفها من إغلاق جمعية “عائلات المفقودين” (SOS Disappeared) في مارس 2026، نجدها تتبنى صمتا لافتا وتأطيرا قاصرا تجاه دور الجزائر كدولة مضيفة ومدير فعلي لمخيمات تندوف.
إن هذا التباين يكشف عن خيار منهجي يعامل تدهور أوضاع الصحراويين كواقع مادي معزول، بدلا من كونه نتيجة مباشرة لقرارات سياسية صادرة عن سلطة أمر واقع، مما يؤدي إلى قطع العلاقة السببية التي تقتضي إسناد المسؤولية القانونية للدولة الجزائرية عن الانتهاكات المرتكبة فوق إقليمها السيادي.
وتخضع علاقة منظمة العفو الدولية بالجزائر لما يمكن وصفه بالحافز العكسي الذي يفرض كلفة مؤسساتية باهظة مقابل الحفاظ على تفويض الوصول، فخلافا للحالة المغربية التي تبنت فيها المنظمة نبرة نقدية حادة منذ اختلال علاقتها بالبلد في 2015، نجدها في السياق الجزائري تضطر لمعايرة نقدها ليتناسب مع سقف تحمل السلطات خشية سحب ترخيصها العملياتي. ويظهر هذا الجنوح نحو المهادنة المؤسساتية في استبدال الإطار الحقوقي القائم على المساءلة بإطار إنساني قائم على الندرة عند معالجة ملف تندوف، رغم إدراك المنظمة للبنية القانونية والأمنية المتشددة التي تفرضها الجزائر منذ عام 2024 لتقييد المجتمع المدني وحجب المواقع الإلكترونية، فالتوظيف الانتقائي للأدوات المنهجية يمنح الجزائر إعفاء غير معلن من معايير القانون الدولي، ويحول دون توثيق دورها السيادي في إدارة المخيمات بذات الصرامة المطبقة في عواصم أخرى.
إن جوهر تفويض المنظمات الحقوقية، وفي مقدمتها منظمة العفو الدولية، يرتكز على مبادئ الكونية وعدم الانتقائية، وهو اختبار لا تكمن قيمته في التطبيق حيث يكون الأمر سهلا بلا كلفة، بل حيث يكون مكلفا ومحفوفا بالمخاطر الدبلوماسية. وتشير الأدلة المتوفرة إلى أن منظمة العفو قد آثرت الحفاظ على علاقتها الوظيفية مع الجزائر على حساب التزامها بتقديم تقييم محايد وشامل للوضع الحقوقي لكافة الصحراويين، بغض النظر عن هوية الجاني.
فالتقييم النزيه يقتضي بالضرورة الكف عن معاملة الجزائر كمجرد خلفية إنسانية، والانتقال نحو إخضاعها لإطار المساءلة بصفة المدير المشترك للمخيمات، وربط القمع الممنهج للفضاء المدني الجزائري ببيئة الحكامة المأزومة التي تحيط بتندوف، وهو مسار يتطلب شجاعة أدبية لقبول الكلفة الدبلوماسية للتحليل القانوني الرصين وفاء لقدسية الحقوق والحريات.
كيف يمكن لمجلس الأمن الدولي اتخاذ قرارات مدروسة بشأن المراجعة الاستراتيجية لبعثة المينورسو عندما تقدم المراجع العالمية – مثل التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية – خارطة غير متماثلة لواقع حقوق الإنسان في المنطقة؟
يمثل الربط بين الإخفاق المنهجي في تقارير المجتمع المدني وبين إعاقة عملية صنع القرار الدولي في أروقة مجلس الأمن انشغالا جوهريا يتجاوز الجوانب الإجرائية الشكلية، فبناء على المسار الطويل لمكونات تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية في رصد وتوثيق الحقائق، نؤكد أن استقصاء حالة الحقوق والحريات يعد ركيزة موضوعية لتوجيه السياسات الدولية وتفعيل آليات المساءلة ومكافحة الإفلات من العقاب. فغياب التوثيق النزيه المستند إلى المعايير الأممية يحول المنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة العفو الدولية، من مراجع مرشدة إلى مصادر تساهم في تغييب الأبعاد الحقوقية العميقة للنزاع، مما يضطر آليات الأمم المتحدة للاعتماد على بيانات تفتقر للموضوعية والشمولية المطلوبة لفهم تعقيدات الميدان بتجرد ومهنية.
ونخلص من واقع ممارستنا الحقوقية إلى أن أي تشويه منهجي في هذه التقارير ينعكس بصورة آلية على جودة المداولات في مجلس الأمن والجمعية العامة ولجان المعاهدات وإجراءات مجلس حقوق الإنسان الخاصة. فعندما يختزل تقرير منظمة العفو الدولية مأساة سوء التغذية في مخيمات تندوف في نقص التمويل، متجاهلا قرارات الهيمنة السياسية وقمع الحريات التي ترهن مستقبل الصحراويين في المخيمات، فإنه يقدم مادة مضللة للنظام المعلوماتي الأممي. فهذا التأطير الانتقائي، الذي يصنف المغرب كجاني رئيسي ويعامل سلوك البوليساريو الانتهاكي كهامش إنساني، يساهم في بناء تصورات دبلوماسية مغلوطة تفتقر للصدقية عند مناقشة ولايات البعثات الأممية والمسارات السياسية المرتبطة بها.
إن اضطلاعنا بمسؤولية القراءة النقدية لتقارير المنظمات الدولية ينبع من ضرورة فحص سلوك هذه الهيئات ومدى احترام تقييماتها لشروط النزاهة والحياد المعرفي، لاسيما في ظل تفاوت المعايير المعتمدة لاستقاء البيانات وفحص دقتها المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة المرتكبة من جميع الأطراف.
وتتسم النتائج العملية لهذا الخلل المنهجي بعدم تماثل صارخ، حيث يؤدي تضخيم الانتهاكات في الأقاليم الجنوبية للمغرب مقابل إدراج فظاعات المخيمات ضمن الظروف الإنسانية الهيكلية إلى تكريس استنتاجات زائفة تزعم أن فجوة الحماية تقتصر على الجانب المغربي وحده. إن هذا النهج يخدم بوضوح الأجندات السياسية للجزائر والبوليساريو عبر تحويل معاناة السكان من قضية مساءلة سياسية وقانونية إلى مجرد معضلة إنسانية تستجدي سخاء المانحين.
ولكي تتمكن الآليات الأممية من تبني توصيات تعكس الوضع الحقوقي الفعلي للصحراويين بمخيمات تندوف، يتحتم توفير ركائز إثباتية متطابقة ومنهجية رصد موحدة تستخدم أطرا تحليلية متساوية في كلا الجانبين، مع الرفع الفوري للمنع الذي تفرضه الجزائر على إجراء إحصاء سكاني موثوق للمخيمات، وتمكين شهادات المجتمع المدني الصحراوي المستقل من وزن متساو في المداولات، فتقرير منظمة العفو الدولية، بصفته معيارا عالميا رئيسيا، لا يجوز أن يسقط في فخ إساءة الإسناد أو التهميش الممنهج للضحايا، فمثل هذا الإخفاق يتجاوز القصور الأكاديمي ليتحول إلى مساهمة فعلية في تضليل مراكز صنع القرار المسؤول عن السلم والأمن الدوليين، إذ لا يمكن بلوغ قرارات مستنيرة ما لم تستند المراجع الحقوقية العالمية إلى توثيق محايد، شامل جغرافيا، ومتحلل من الهوية السياسية للجناة.
إقرأ الخبر من مصدره