Étiquette : سعيد الوزان

  • المهنة.. صحفي بروليتاري!.. سعيد الوزان

    ثمة زحف صامت، لكنه مدمر، يلتهم الأنوية الصلبة للمجتمع، كما يلتهم رمل الصحراء كل واحة يجدها في طريقه، ويخنق بحره وهجيره كل ما يصادفه من حياة..

    إنه زحف « البلترة » الذي لم يعد يكتفي بالطبقة العاملة، وبملايين الكادحين الساعين في الأرض، حسب تعبير الأدبيات القديمة،  بل امتد واتسع ليشمل المهن ذات الوضع الرمزي والاعتباري، أو التي كانت كذلك إلى وقت قريب ..

    كيف يرى المغاربة الطبيب ، والمعلم ، والقاضي ، ما هي صورة المحامي في متخيلهم ، كيف ينظرون للأستاذ الجامعي ؟!
    أتذكرون فيلم  » البيه البواب »، الذي أبدع فيه أحمد زكي وفؤاد المهندس .. 

    هي القصة نفسها تقريبا، هذه العجينة الرخوة للمجتمع التي أعيد تشكيلها، فصارت الطبقة الوسطى دنيا، وتسلق أثرياء فاسدون الشجرة، فصارو طبقة برجوازية أعلى، هم كالجراد، لا يعترضهم أخضر ولا يابس.. أو قل .. هم في النهش كالضباع .. واتسعت دائرة الفقراء الشرفاء المعوزين، بينما دائرة الأغنياء الوصوليين المثرين تضيق .. أكثر فأكثر .. وذابت الطبقة المتوسطة كالملح ..  وغدا المشهد سورياليا حقا .. مشهد لم يتخيله سلفادور دالي نفسه .. حتى في أسوأ كوابيسه ..

    اليوم ، بتنا نشهد تفقيرا من نوع آخر ، إلا أنه أشد وأقسى وأمض،  ليس ماديا وحسب، بل هو تفقير معنوي يضرب في مقتل صورة هؤلاء: المحامي، والمعلم، والطبيب، والقاضي، والأستاذ الجامعي ، يجرد هذه الكيانات من هيبتها التاريخية ورأسمالها القيمي، ليحولها في الوعي الجمعي إلى مجرد أدوات خدمية هشة، فاقدة للحصانة الأخلاقية والمجتمعية وللوضعية الاعتبارية التي كانت تتمتع بها..

    وإذا خضنا لعبة المتقابلات فسيصير الأمر كالتالي : محام / سمسار -قاض / مرتش / معلم / كُعلم – طبيب / جزار ..

    في قلب هذا الانهيار، وفي معمعان هذا الانجراف الحاد .. تقف « صاحبة الجلالة الصحافة » نموذجا صارخا لهذا المسار الانحداري.. 

    لقد تم « بلترة » أهل بلاطها بمهارة مأساوية، حتى تحول الصحفي، من « سلطة رابعة » تراقب وتُقَوِّم وتكشف، إلى « بروليتاري رث » يركض وسط حلقة مفرغة ، خلف لقمة عيش مغموسة بالارتهان لليومي العابر ، وبدل أن يطارد سبقا يحققه على نظرائه، ها هو يطارد رغيف الخبز وقنينة الحليب .. وفواتير الماء والكهرباء ..

    المؤكد أن واقع المقاولات الصحفية بالمغرب صار يعكس هشاشة بنيوية مقصودة أو ناتجة عن عجز اقتصادي مستفحل، انعكس تلقائيا على الوضع الاجتماعي للصحفيين المغاربة، وضعية تقترب من حافة الكفاف، وتضعهم تحت رحمة تقلبات سوق شرسة لا ترحم… 

    هذا التفقير الممنهج أفرز مشهدا إعلاميا يضطرم على إيقاع صراع واستقطاب حاد، غابت معه المهنية الرصينة لصالح حروب بالوكالة وتصفية الحسابات،  وغدت الصحافة الجادة مصدر إزعاج حقيقي، ليس فقط للسلطة بمفهومها التقليدي، بل للفاعل السياسي الذي بات يضيق ذرعا بالنقد والتحليل العميق، مفضلا التعامل مع « أشباه صحفيين » يمكن تدجينهم بفتات الموائد..

    والأدهى من هذا وذاك ، هو تغول لوبيات تتحكم في مفاصل القطاع، حولت الصحفيين إلى « رهائن » فعليين، فهم إما أن ينتظروا الإفراج عن مستحقاتهم مقابل « فدية » من الولاء المطلق والصمت المطبق، وإما أن يتم القضاء عليهم وعلى مصادر دخلهم بدم بارد.. وها هم منذ عقود خلت ما زالوا ينتظرون الإفراج عن اتفاقية جماعية تنصفهم ، وما زالوا ينتظرون زيادة هزيلة موعودة .. لم يصلهم إلا نصفها ، حتى يئسوا ..
     
     إن هذا القتل الرمزي والمادي لا يستهدف الفرد فحسب، بل يمتد أثره ليعصف باستقرار آلاف الأسر المغربية التي تعيش من هذا القطاع، مما يجعل من عملية « وأد الصحافة » جريمة اجتماعية متكاملة الأركان..

    إن « بلترة » النخب والمهن الاعتبارية هي مقدمة لخراب قيمي شامل، وحين تصبح الصحافة مهنة « من لا مهنة له » أو « مهنة من لا كرامة له »، يفقد المجتمع بوصلته، ويتحول الفضاء العام إلى ساحة مستباحة للوبيات لا تعترف إلا بلغة الغنيمة، ولو كان الثمن هو ذبح الحقيقة وتشريد حماتها..
      الكاتب: ذ. سعيد الوزان

    إقرأ الخبر من مصدره

  • « العلم » تُخَلِّد الذكرى 7 لرحيل امحمد بوستة: الحكيم الصامت

    *إعداد‭:‬ سعيد‭ ‬الوزان ‭ -‬تصوير‭ :‬حسني‭ ‬والأشعري*

    يوم‭ ‬17‭ ‬فبراير،‭ ‬تحل‭ ‬الذكرى‭ ‬السابعة‭ ‬لرحيل‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬رجالات‭ ‬السياسة‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬والقانون‭ ‬الذين‭ ‬عرفهم‭ ‬المغرب‭ ‬المعاصر،‭ ‬والذين‭ ‬تركوا‭ ‬بصمة‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬مجمل‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬والدستورية‭ ‬والمؤسسية‭ ‬بالبلاد،‭ ‬والتي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬آثارها‭ ‬ماثلة‭ ‬للعيان‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭.‬

    وبفقدانه،‭ ‬خسر‭ ‬المغرب‭ ‬قامة‭ ‬من‭ ‬القامات‭ ‬الشاهقة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تفيئ‭ ‬بظلها‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المدافعين‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬العدالة‭ ‬والحرية‭ ‬والديمقراطية‭.‬

    ووفاء‭ ‬لذكراه‭ ‬الخالدة، ‭ »‬العلم‮ » ‬تفتح‭ ‬جانبا‭ ‬من‭ ‬الصفحات‭ ‬المشرقة‭ ‬من‭ ‬تاريخه‭ ‬الطويل،‭ ‬وتسترجع‭ ‬مجمل‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬أسهم‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القضايا‭ ‬الكبرى‭ ‬لبلاده،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬قضيتي‭ ‬الوحدة‭ ‬الترابية‭ ‬للمملكة‭ ‬وبناء‭ ‬الدولة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الحق‭.‬

    يشارك‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬ثلة‭ ‬من‭ ‬مجايلي‭ ‬الفقيد‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬ترك‭ ‬رحيله‭ ‬فراغا‭ ‬هائلا،‭ ‬ومن‭ ‬ضمنهم‭ ‬الأساتذة‭ : ‬المجاهد‭ ‬محمد‭ ‬السوسي،‭ ‬والقياديان‭ ‬الكبيران‭ ‬محمد‭ ‬سعد‭ ‬العلمي‭ ‬وشيبة‭ ‬ماء‭ ‬العينين،‭ ‬والمناضل‭ ‬الغيور‭ ‬مولاي‭ ‬امحمد‭ ‬الخليفة، ‬والشاعرة‭ ‬المناضلة‭ ‬مالكة‭ ‬العاصمي،‭ ‬ورفيق‭ ‬الدرب‭ ‬المناضل‭ ‬الحاج‭ ‬عمر‭ ‬الشريفي،‭ ‬والمناضل‭ ‬الاستقلالي‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمد‭ ‬المجذوبي،‭ ‬والأكاديمية‭ ‬المعروفة‭ ‬الدكتورة‭ ‬نجاة‭ ‬المريني‭.. 

    ننشر لكم مقدمة عن الملف وباقي المواد تجدونها في « العلم الأسبوعي » في جميع أكشاك الجرائد.


    ذكرى رحيل المجاهد امحمد بوستة عبر ودروس

    عرف الراحل بالحكيم الصامت .. غير أنه لم يكن صامتا تماما .. فقد كان يجيد فن الكلام .. ويتقنه .. حتى ليعرف ماذا و متى وأين وكيف .. ولماذا .. يتكلم. 

    هو ذا محمد بوستة .. إذا قلنا من طينة نادرة فقد أصبنا .. وإذا قلنا من معدن نبيل .. فقد صدقنا .. وإذا قلنا ما أحوج البلاد لمثله اليوم .. فقد استكثرنا .. لأننا نعرف أنه ما عاد النبع مثلما كان .. بعدما خاضت فيه الأرجل حتى الركب .. ونعرف .. أن لكل زمان رجاله .. وفي زمانه .. كان الرجال هم من يصنعون الأزمان .. وهم هم .. من يشعلون الآمال.

    وهو كان صانعا للأحداث موجها لها .. تمرس منذ نعومة الأظافر على خوض محيط السياسة غير هياب من أمواجها العاتيات، فتماهت شخصيته بشكل عجيب مع مساره النضالي العاصف، حتى ليصعب التفريق بين حياته الخاصة وحياته العامة .. منذورا للتضحية وللإيمان العميق بقيم الحرية والعدالة .. ومطبوعا بالمذهب الاستقلالي الأصيل الذي يقترن أيما اقتران بالشخصية المغربية .. بهويتها وإنسيتها الفذة .. بل ولا مشاحة .. كان خير معبر عنها ومجسد لها طيلة حياته الطويلة الزاخرة بالعطاء والسخاء والبذل .. نموذجا ومثالا فريدا متفردا.


    كثيرة هي المحطات الدالة المعبرة في حياته، ونجزم، أنها في المجمل سلسلة متعاقبة من التجارب التي عاشها رفقة رجالات الحركة الوطنية المغربية، حتى كأن القدر اختصه وحده، ليضع في طريقه كل أولئك الذين غيروا، بإرادة من فولاذ، تاريخ المغرب، وصنعوا استقلاله وتحرره، مثلما صنعوا حاضره ومستقبله، الفقيه غازي وعلال الفاسي ومحمد اليزيدي وأحمد بلافريج والهاشمي الفيلالي وعبد العزيز بن ادريس وأبو بكر القادري وعبد الكريم غلاب ومحمد الدويري وعبد الحفيظ القادري وعبد الرحمن بادو وعبد الرحيم بوعبيد واللائحة تطول وتطول.

    والمتمعن لسيرة ومسار الحكيم .. سيندهش لا محالة حين يجد أنه لم يترك حيزا إلا شغله.. ولا موقعا إلا كان له فيه أثر .. ولا جبهة إلا وكان متراسها وخندق دفاعها الأول .. لديه قدرة سحرية في جمع ما تفرق ومن تفرق.. حوله يلتئم المختلف ويأتلف .. فكان بحق .. تصالحيا ووسطيا .. فلعب أدوارا التي من ذهب في كل مرحلة من المراحل  .. جامعا الشتات .. وموحدا له.. تساعده في ذلك شخصيته الديمقراطية جدا وطبعه السمح وروحه البيضاء .. والتي كانت وما تزال محط إجلال وتقدير .. من الخصوم قبل الخلان.. 

    دوره المحوري في مفاوضات إكس ليبان المفضية لعودة محمد الخامس من المنفى وبداية نهاية عهد الحجر والحماية .. بناؤه على حجر مكين الماكينة الدبلوماسية المغربية .. دفاعه المستميت عن قضايا الحرية والأحرار داخل المحاكم، عسكرية أو مدنية، في أزمنة الرصاص والموت،  توليه قيادة حزب الاستقلال خلفا للطود الشامخ علال الفاسي في مرحلة من أحلك المراحل.. انبراؤه للدفاع عن وحدة الأراضي المغربية واستبساله في المطالبة باسترجاع الصحراء إلى وطنها الأم .. داخل كل المحافل والمنتديات .. وفي كل المنظمات الإقليمية والقارية والأممية .. في زمن الحرب الباردة التي كان يعز فيها الأصدقاء ويقلون .. بينما يكثر الأعداء والمتآمرون. 


    حصد الكثير من الصداقات في كل أرجاء العالم .. فانحنت أمام قامته الهامات .. مانديلا وليبولد سنغور وباتريس لومومبا وياسر عرفات وغيرهم كثير كثير .. ملوك وأمراء ورؤساء دول .. قادة تحرر .. زعماء وثوار .. مفكرون ومصلحون. 

    مواقفه تشهد .. وكيف لجاحد أن ينكر عليه الفضل الكبير في نضاله من أجل انتقال ديمقراطي في البلاد .. وبناء مؤسسات دستورية قوية .. ومواجهته لقوى النكوص والفساد. 

    كان ضمن قلة قليلة جدا من الرجالات الأحرار الذين لا شيئ يمنعهم من قول لا .. دون مزايدات ديماغوجية ولا قعقعات شعبوية .. بل تصريفا لمبدأ لا يزيغ عنه ولا يحيد.

    مواقفه تشهد .. وهو في البرلمان .. وهو في الحكومة .. وهو في المعارضة .. بقي هو هو .. متصالحا منسجما مع يقينياته وانتمائه الوطني، ولإيمان راسخ ظل متشبثا به قابضا عليه كالجمر. 


    أعطى النموذج .. والمثال .. والقدوة .. في كل شيء .. في تواضع ونكران ذات ومحبة .. وكان الزعيم السياسي الوحيد الذي ترك كل شيئ ليفسح المجال لآخرين في أوج عنفوانه وعطائه وشعبيته.. وأبى رغم النداءات والرجاء أن يعود .. صائحا بكلمته المضيئة التي سارت بذكرها الركبان .. مخاطبا الشباب الذين كان يؤمن بهم وبقدراتهم على تحمل جسيم المسؤوليات .. هذا الحزب دونكم فخذوه!

    ورغم ارتكانه للظل بعيدا عن الأضواء الكاشفة للسياسة وأحابيلها ..إلا أن نداء الوطن أعاده أكثر من مرة لواجهة الأحداث .. خصوصا في تلك اللحظة الفارقة في تاريخنا الجمعي .. حين انقسم الشارع المغربي إلى فريقين متباينين .. في حمأة إعداد مدونة للأسرة .. واصطف الناس في ضفتين .. الأولى نعتت بالمحافظة والثانية نعتت بالحداثية .. حتى كاد أن يحدث الشرخ .. لولا حكمته وبصيرته واصطباره .. فتدخل معالجا انفتاق الجرح .. دون ألم ولا نزيف .. وبذلك تجنبت البلاد الدخول إلى طريق مسدود .. لم يكن يدري أحد كيف منه الخلاص وإلى أي مجهول يفضي. 

    اليوم تحل ذكرى رحيله .. في 17 فبراير .. وهي مناسبة لا يمكن أن تمر .. دون استحضار مناقبه وأدواره ومساره .. نضاله وكفاحه .. جهاده ومكابداته .. اعترافا ووفاء وامتنانا .. وأيضا .. للاعتبار واستلهام الدروس.



    أقوى خطابات « الحكيم » داخل قبة البرلمان: ما قدو الفيل .. زادوه فيلة

    .. احتج احتجاجا صارما على ما تعرضت له جريدة الرأي « لوبينيون »، في شخص مديرها الأخ محمد الإدريسي وفي شخص رئيس تحريرها الأخ خالد الجامعي، من تهديد وتخويف في وزارة الداخلية، لا لشيء إلا لأن صاحب المقال، خالد الجامعي، يقول:  » إن الانتخابات منذ 63، يدبرها ويسيرها حزب سري، وبذلك تفقد المؤسسات كل مصداقية »، وأنا أقول إن هذا إنما قال الحق، وإنني لا أشاطره في تسمية الحزب السري بالحزب السري، لأنه لم يبق سريا، بل أصبح علنيا ويشتغل في واضحة النهار.

    والصراحة تقضي، سيادة الوزير الأول، أن أقول لسيادتكم، وسيادة وزير الداخلية، عفوا، السيد وزير الدولة في الداخلية والإعلام والباقي.. ما قدو الفيل.. زادوه فيلة.. على كل حال، أقول لكم بكل صراحة، إن الانتخابات في المغرب لن تستقيم ولن تكون لها نتائج صحيحة وسليمة، ما دام نفس الجهاز الذي يقوم بها منذ 30 سنة هو نفسه الذي يقوم بها، خصوصا أنه بعدما كان جهازا إداريا، أصبح الآن، بحمد الله وقوته، جهازا حكوميا، لأن هيمنة وزارة الداخلية تحت غطاء اللامركزية أو غطاءات أخرى أصبحت واضحة وجلية، في كل الأماكن، في الجامعات، في المساجد، وفي كل مكان، وأصبح عندنا 60 حكومة.. 

    إقرأ الخبر من مصدره

  • جثمان الفقيد الكبير الحاج عمر الدركولي يوارى الثرى في جو جنائزي مهيب

    *العلم الإلكترونية*

    شيع الثرى بعد صلاة العصر من يوم الأحد 24 دجنبر 2023 بتمارة، جثمان فقيد الصحافة المغربية الكبير الراحل الحاج عمر الدركولي، رئيس تحرير جريدة « العلم » الذي وافته المنية صبيحة نفس اليوم بعد صراع مرير مع المرض، عن عمر 66 سنة، أفنى جله في خدمة « صاحبة الجلالة » بكل تفان وإخلاص وحب شكل مضرب مثل يحتذى ونموذجا استثنائيا في التضحية ونكران الذات. 

    ورافق المرحوم رحلته الأخيرة إلى دار البقاء في موكب جنائزي مهيب حشد غفير من عائلته ورفاق دربه ومحبيه وتلامذته، يتقدمهم الأمين العام لحزب الاستقلال الدكتور نزار بركة، الذي كان مخفورا بثلة من القيادات الحزبية والنقابية والمنظمات الموازية للحزب، بمعية نخبة من خيرة الأطر السياسية والدبلوماسية والإعلامية والثقافية، في جو من الخشوع والحزن على فقدان رجل كبير ووطني غيور ومهني متمرس وصديق حميم، لم يكن يتورع قيد حياته عن فعل الخير ومد يده بكرم وسخاء لمن كان بحاجة إليه، حتى عرف بمواقفه الثابتة وأخلاقه الرفيعة ونبله السامي المترفع عن الصغائر وسعة ثقافته والتزامه السياسي والفكري النادر، وما بدل تبديلا.

    وميز الجنازة المهيبة الكلمة المؤثرة الأليمة التي ألقاها الزميل عبد الله البقالي، مدير جريدة العلم، ورفيق درب الراحل على مدى عقود من الزمن، حملا فيها معا هم إدارة دفة سفينة العلم في كل المراحل بحكمة وتبصر، محافظين على مجدها التليد غير زائغين ولا منحرفين عن الخط التحريري الذي اختطه الآباء المؤسسون، حتى غدت العلم بحق منارة متوهجة في مشهدنا الإعلامي وموئلا للمهنية والموضوعية والنزاهة، ومرجعا لا محيد عنه في الاسترشاد داخل الوسط الصحفي بالركائز المؤسسة لمهنة المتاعب وقواعدها الأخلاقية، منتزعة احترام وتقدير عموم القراء والنخب الفكرية والسياسية والرسمية على حد سواء.

    وفي كلمته، قال الزميل عبد الله البقالي أن خسارة الحاج عمر الركولي فداحة كبرى، لما يحتله الرجل على المستوى الرمزي من مكانة رفيعة، باعتباره أحد الركائز الكبرى للمشهد الإعلامي الوطني، كيف لا وهو الابن البار لمدرسة « العلم »، المدرسة الولادة التي أنجبت الكبار من النساء والرجال، والدركولى كان واحدا منهم.


    وقال البقالي أنه ما خبر عن رفيق الدرب الشاق طيلة ما يربو عن أربعة عقود إلا التواضع والصدق والإخلاص والأمانة، أمانة رسالة الإعلام، أمانة رسالة جريدة « العلم »، وأمانة حزب الاستقلال، فكان في كل ذلك طودا شامخا وجبلا منيفا للأمانة الوطنية الصادقة.

    وبعد أن عدد خصال الفقيد ومناقبه الرفيعة، والتي كان يميزها روحه المحبة المتواضعة الكريمة الندية المعطاء، ودماثة الأخلاق وكتمان السر وحفظ الود، قال مدير تحرير « العلم »: (اليوم يسقط غصن من الأغصان المورقة للمشهد الإعلامي الوطني.. اليوم يقتلع جذر من الجذور القوية والمتينة للإعلام الوطني والصحافة المكتوبة بالخصوص..)، وأضاف بنبرة يغلبها الشجى والكمد العميق: (في هذه اللحظة، نفقد فقدا يصعب تقدير وزنه في هذه الظروف الحزينة التي نعيشها، وهو فقدان أعتبره فقدانا شخصيا، لما عرفت في الرجل من قيمة ومن أداء مهني، ومن خصال وقيم وفضائل..).

    وشكل رحيل الحاج عمر الدركولي خسارة فادحة وخبرا أليما نزل كالصاعقة على كل من عرفه عن قرب أو عمل إلى جانبه، وهو الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام الوطنية معلنة حدادها على رحيل واحد من أهم الصحافيين المغاربة، الذين عرفوا بحبهم الكبير للمهنة وعشقهم الصوفي لها، باذلين لأجل رفعتها زهرة أعمارهم حتى تتبوأ تلك المكانة الباسقة التي تستحق.

    وهكذا، نعت النقابة الوطنية للصحافة المغربية رحيل عمر الدركولي  منوهة بخصاله ونزاهته ومهنيته العالية، مذكرة بمساره الحافل في حقل الصحافة من خلال اشتغاله في العديد من الصحف الوطنية والعربية قبل التحاقه بالعلم سنة 1979 وتدرجه في أقسامها كعضو هيئة تحريرها، وتحمله مسؤولية رئاسة تحريرها.  

     وقال النقابة في بلاغ لها بهذه المناسبة الأليمة التي لا راد لقضائها إلا الله عز وعلا أن الفقيد، رغم معاناته مع المرض، كان ملتحما بمنبر « العلم » أيما التحام، وكان في ذلك يحمل هم جدة الصحف ويوثرها حتى على أسرته الصغيرة، بل وهو في غمرة المرض بالمصحة كان يطلب نسخة من الجريدة، مضيفة أنه غادر دنيانا وقلبه وعقله معلقان بجريدة « العلم » الغراء.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • إلى عمر الدركولي: فقيد الصحافة المغربية وعاشقها الكبير

    *العلم الإلكترونية: سعيد الوزان*

    عندما يموت الكبار.. نحس نحن الصغار باليتم! 

    عندما يموت الصديق والأخ والمعلم والرفيق والزميل العزيز الطيب الوديع.. يموت العالم..
    تهوي الدنيا بأكملها هويا.. حتى لتكاد عقولنا تطيش.. بينما عيوننا تزيغ.. وقلوبنا تفر.. لفرط الارتطام ودويه.. الزلزلة ورجفتها..

    يتوقف عقرب الوقت.. فيذوب تحت لفح زفراتنا.. ولا يعود ثمة وقت.. ولا ثمة نهار أو ليل.. ولا ثمة قمر ولا شمس يتعاقبا.. ولا فصول.. ولا أي شيء.. إلا هذا الكمد الذي كأفعى تلدغ الصدر وما أخفى.. وما ينفع الأسى ولا الحزن ولا البكاء أسفا..
    عمر وما عمر.. عمر العمر..
    عمر وما عمر.. عمر الطهر..
    عمر وما عمر.. عروة الدهر!
    عمر وما عمر.. الضحكة البكر..
    عمر وما عمر.. الجوهر الجهر.. الياقوت السر.. الذهب التبر..

    آه يا حبيبي..
    خدعتنا.. أوهمتنا أنك لا تموت أبدا.. فمت وواريتنا قبرك.. ونفضت يديك من غبارنا بددا.. وعلا وجهنا التراب.. ورحلت عنا الأيام والأحلام والآمال.. حين رحلت..
    عندما طواها خبرك.. شرقت الجريدة بالدمع.. ذهلت وذهلت الكلمات.. نذرعها كالحمقى.. لا يدري أحد منا ماذا يفعل.. ولا من يواسي.. ولا من يعزي.. وهي مركونة تنتحب.. تعرف كم أحببتها وكم بادلتها الحب.. كيف كنت نديمها الأوحد الذي بادلها نخبا بنخب.. فارسها وفرسها.. أفقها وبيرقها.. وطنها وطريقها الصعب.. دليلها ورفيقها على طول المدى.. حتى آخر الدرب..

    كنت حارسها وملاكها وعاشقها الأوحد الوحيد
    كنت فنارها ونبراسها وقنديلها الفريد..
    كنت تاجها ويتيمتها ودرة عقدها الذي تلفه زهوا حول القلب قبل الجيد.. 
    رائيها وحكيمها.. ملاحها في العصف وتحت الأنواء.. فؤادك فولاذ وبصرك حديد.. من أول السطر حتى آخر الكناية.. يا ابن المجاز ونجله المكابر العنيد!

    لم نفهمك كفاية.. وكنت لا تغضب..
    كنا نتمادى في القسوة عليك.. وما كنت لتعتب
    كنا نجرحك ونجرحك.. وكنت تمسح النزف عنا وتبرؤنا وتسعفنا.. كأننا نحن المتعبون.. وأنت الذي أبدا لا يتعب..

    لكم تصبرت حتى لات مصطبر..
    ولكم تجلدت حتى لات متجلد..
    ولكم أقدمت حتى لات متقدم..
    يا ابن البلاد يا صنو الأطلس وتربه..
    يا غربتنا بعدك..
    يا إفرادنا في الناس..
    يا وحشة الوطن فينا..
    يا غربتنا في هذا الديماس!

    بحرك العلم وأنت حوريتها.. لم تكن رئتاك لتتنفسا إلا حين تتنفسان هوائها.. ولا تسبح رشيقا إلا حين تغرق فيها.. فنعجب ونعجب.. كيف لهذا الرجل أن لا يسأم أو يمل أو يكل.. ولماذا لم يضع سلاحه وقد انتهت الحرب.. وانفض الأعداء عن أعدائهم.. والغرب صار شرقا.. والشرق أصبح هو الغرب.. ولماذا لا يستكين.. ومن أين له هذا القلب الأسدي.. وأي أفق له وقد انسدت الآفاق.. ومن أين حلمه.. وقد اغتيلت الأحلام.. ومن أين حبره ومحبرته.. وقد كسرت الأقلام!
    آه يا عمر.. كل فقد إلا فقدك هين..
    كل غياب إلا غيابك يسير..
    شموخك الشموخ.. إباؤك الإباء.. طيبتك الطيبة.. حنوك الحنو.. بسمتك البسمة..

    فلماذا انسحبت هكذا.. وتركتنا معلقين فوق الجسر.. بلا ضفتين نذهب إليهما أو نعود.. بلا سبيل نرتجيه.. بلا أمل نبتغيه.. لماذا سرقتك منا.. وانسحبت.. ونحن عنك غافلون..
    لماذا.. لماذا..  

    إقرأ الخبر من مصدره