Étiquette : سياسة خارجية

  • المصالحة “المفاجئة”.. هل استسلمت الجزائر أمام إصرار مدريد على دعم مغربية الصحراء؟

    عبد المالك أهلال

    أعلنت الجزائر عن تجاوز أزمتها الدبلوماسية مع إسبانيا وإعادة تفعيل معاهدة الصداقة المجمدة منذ عام 2022، في خطوة مفاجئة تأتي رغم عدم تغيير مدريد موقفها الداعم للمغرب في قضية الصحراء المغربية، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول تحول في أولويات السياسة الخارجية الجزائرية. وكشف وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، أمس الخميس 26 مارس 2026، أن البلدين اتفقا على تعزيز التعاون في مجال الطاقة، في زيارة تهدف إلى ترسيخ المصالحة.

    وأوضح ألباريس، في تصريح صحفي، أن الجزائر تعد “شريكا استراتيجيا وموثوقا” في إمدادات الغاز، فيما نقلت وكالة بلومبيرغ أن الحكومة الإسبانية تدرس زيادة وارداتها من الغاز الجزائري بأكثر من 12%، خاصة في ظل اضطراب أسواق الطاقة العالمية وارتفاع الأسعار بنسبة 60% منذ بدء الصراع في الشرق الأوسط.

    وأضافت صحيفة “إلباييس” الإسبانية، نقلا عن وكالة رويترز، أن شركة ناتورجي تسعى لتعزيز علاقتها مع شركة سوناطراك الحكومية الجزائرية، موردها وشريكها الرئيسي، مذكرة بأن واردات الغاز الجزائري شكلت نحو 30% من استهلاك إسبانيا في أول شهرين من العام.

    ولفت المصدر الإعلامي إلى أن رئيس الدبلوماسية الإسبانية تجنب في تصريحاته الخوض في مسار الحوار حول الصحراء الذي أطلقته واشنطن مؤخرا بمشاركة جزائرية، أو التطرق إلى ملف الهجرة غير النظامية، مكتفيا بالحديث عن “تعزيز العلاقات” و”المصلحة المشتركة في استقرار المتوسط”، وهو ما يفسره مراقبون كتركيز على المصالح العملية وتجاوز للخلافات السياسية.

    وتابع ألباريس أنه تم الاتفاق على “إعادة إطلاق الزيارات والاجتماعات على جميع المستويات”، دون تحديد موعد لاجتماع حكومي رفيع المستوى هو الأول منذ 2018. وخلصت “إلباييس” إلى أن الجزائر، وللسنة الثالثة على التوالي، ظلت المورد الأول للغاز الطبيعي لإسبانيا لعام 2025، بحصة تقارب 35% من إجمالي وارداتها، الأمر الذي يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذا التعاون.

    واعتبر المحلل السياسي أحمد نور الدين أن الجزائر تحاول فك الحصار عنها وتخفيف العزلة الدولية بسبب قضية الصحراء المغربية التي تلقت فيها “هزائم دبلوماسية نكراء”، مؤكدا أن عودتها في مارس 2026 لتفعيل اتفاقية الصداقة مع إسبانيا دون أن تغير مدريد موقفها، لا يحتمل أي تأويل آخر غير “رفع الجزائر الراية البيضاء والاستسلام أمام إسبانيا بعد عنتريات كلفتها عزلة دولية وخسائر اقتصادية بالمليارات دون جدوى”.

    وأوضح نور الدين في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون هو من أعلن رسميا تجميد اتفاقية الصداقة والتعاون مع إسبانيا الموقعة منذ 2002، بسبب الدعم الإسباني للموقف المغربي، مضيفا أن الجزائر سحبت سفيرها من مدريد في 19 مارس 2022، أي يوما واحدا فقط بعد رسالة رئيس الحكومة الإسبانية إلى العاهل المغربي في 18 مارس 2022، والتي أعقبها توقيع خارطة طريق بين الرباط ومدريد تضمنت الموقف الإسباني الجديد من مغربية الصحراء، مشيرا إلى أن الموقف الجزائري تجاوز ذلك إلى “الابتزاز الاقتصادي” عبر التضييق على الشركات الإسبانية والتهديد بمراجعة أسعار الغاز التفضيلية.

    وأضاف أن وزير الخارجية الجزائري آنذاك اشترط لعودة السفير سحب مدريد اعترافها بمغربية الصحراء أو تغيير رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، وهو ما اعتبره جزءا من سياسة “التضليل والكذب” التي تروج لسردية مفادها أن الموقف الإسباني “شخصي” وليس موقف دولة، وهي “مغالطات سوريالية” سبق للجزائر أن روجتها مع الاعتراف الأمريكي سنة 2020، بحسب تعبيره.

    وأشار إلى أن الجزائر عادت وأعادت سفيرها بعد سنتين تقريبا دون أن يتحقق شرطها، وهو ما وصفه بأنه “إذلال وتمريغ لأنف الدولة الجزائرية”، كما تراجعت عن استعمال سلاح الغاز بعد تهديد الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات، لافتا إلى أن الوزير الأول الجزائري نذير العرباوي “توسل” زيارة بيدرو سانشيز للجزائر خلال مؤتمر للأمم المتحدة في مدينة إشبيلية الإسبانية في يوليوز 2025 في “منظر مذل ومثير للشفقة”، لم يعره رئيس الحكومة الإسبانية أي اهتمام.

    وتابع نور الدين أن الجزائر تثبت أنها “مستعدة للتنازل عن كرامتها وتقبل كل الإهانات” من أي دولة، لكنها غير مستعدة لقبول الصلح أو الوساطة أو اليد الممدودة من المغرب الذي دعم استقلالها، مدللا على ذلك بسحب سفيرها من باريس بعد اعتراف فرنسا بمغربية الصحراء سنة 2024، وليس بسبب “جرائم الاستعمار الفرنسي” كمزاعم مقتل 5 ملايين جزائري أو التجارب النووية أو احتجاز الجماجم أو إنكار الرئيس الفرنسي وجود دولة جزائرية قبل فرنسا.

    وأكد أن الجزائر مستعدة لتقديم تنازلات في مواردها الطبيعية مقابل حياد بسيط في نزاع الصحراء، مستشهدا بتصريح لسفيرها الحالي في واشنطن صبري بوقادوم، كما أنها تسعى للمصالحة مع كل الدول “بما في ذلك الدول الضعيفة مثل النيجر ومالي رغم الإهانات المتكررة من مسؤوليهما” إلا المغرب، وذلك “للتفرغ للعداء والكراهية” تجاه من تعتبره في عقيدتها الرسمية “العدو الاستراتيجي والكلاسيكي”.

    واعتبر أن حجة التطبيع ودعم القضية الفلسطينية “تتهاوى أمام الوقائع”، حيث أن العداء الجزائري للمغرب عمره ستة عقود بينما الاتفاق الثلاثي عمره أقل من ست سنوات، كما أن الجزائر ترفض فتح مكتب لحركة حماس “ولا تجرؤ على تقديم دولار واحد لها”، وغابت عن دعم المدنيين في غزة عكس المغرب الحاضر بمستشفياته ومساعداته، وختم بالقول إن الجزائر خلال عضويتها بمجلس الأمن لم تنسحب من أي قرار ضد المقاومة الفلسطينية لكنها انسحبت مرتين احتجاجا على قراري الصحراء المغربية، بل “والأخطر” أنها صوتت في نونبر 2025 على قرار يقضي “بتصفية سلاح المقاومة في غزة وإدخالها تحت وصاية أمريكية” متجاهلة نداءات الفصائل الفلسطينية.

    وخلص المحلل السياسي إلى أن الجزائر تتخذ المغرب عدوا، مستدلا بما وصفه بهجومها قبل يومين فقط على الطريق التي تربط قرية إيش بباقي إقليم فكيك، بعد أن “دنست أجزاء منها” خلال هذه السنة وبعد أن “اقتطعت واحة العرجا في مارس 2021″، متسائلا في ختام تصريحه إلى متى سيظل المغرب يتخذ الجزائر “أخا”، في وقت أثبتت فيه تجربة نصف قرن من المهادنة أنها لم تزدها غير “التعنت والهجوم وقتل الآلاف من المغاربة في الصحراء وعلى طول الحدود”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ترتيب الأولويات الاستراتيجية يرسم ملامح السياسة الخارجية المغربية في 2026

    هسبريس- توفيق بوفرتيح

    مع مطلع سنة جديدة مثقلة بالتحولات الجيوسياسية العميقة وتسارع الصراعات الجيوسياسية واحتدام التنافس على النفوذ والموارد، تدخل السياسة الخارجية المغربية هذه السنة وهي محكومة، وفق مهتمين، بمنطق ترتيب الأولويات لا التكيف الاضطراري؛ ذلك أن المغرب لا يتحرك داخل هذا المشهد بمنطق ردّ الفعل، بل وفق قراءة استراتيجية دقيقة تعي حجم التحولات الجارية وتداعياتها على الأمن والاقتصاد وموازين القوى الإقليمية والدولية، وتضع حماية المصالح العليا للمملكة في صدارة القرار الدبلوماسي.

    وتكشف قراءات باحثين في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية أن المملكة ستراهن على دبلوماسية متعددة الأبعاد، تمزج بين الواقعية الجيوسياسية والبراغماتية الاقتصادية، عبر التأسيس لشبكات شراكة متقدمة تتجاوز منطق المواقف السياسية الظرفية نحو مصالح متبادلة يصعب التراجع عنها؛ من خلال تحصين المواقف الدولية من قضية الصحراء المغربية، وتعميق العلاقات مع الدول الإفريقية والأوروبية، والحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الدولية، بما يرسم معالم سياسة خارجية تسعى إلى التموضع الذكي وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية في عالم تتزايد فيه الضغوط والتجاذبات.

    ثوابت سيادية وشراكات متعددة

    في هذا الصدد، قال هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية، إن “مقاربة الأولويات الاستراتيجية للمغرب في سياسته الخارجية لعام 2026 يمكن أن تتم من زاوية تدبير النفوذ الهادئ لا منطق التمدد الصاخب، حيث تتقاطع الواقعية الجيوسياسية مع ثوابت السيادة؛ فالمغرب يتجه، أولا، إلى تعميق حضوره الإفريقي ليس بوصفه فاعلا عابرا، بل كشريك بنيوي في مسارات الأمن والتنمية”، مؤكدا أن “قضية الصحراء المغربية ستظل هي الإطار الناظم لهذه المقاربة، إذ لم تعد تُدار كملف نزاع؛ بل كمنصة لإعادة تعريف الاندماج الإفريقي عبر الاستثمار والربط الطاقي والبنيات التحتية العابرة للحدود، بما يحوّل الاعتراف السياسي إلى مصالح اقتصادية وأمنية مشتركة يصعب التراجع عنها”.

    في البعد الأوروبي، أشار معتضد، في تصريح لهسبريس، إلى أن “أولوية الرباط ستنصبّ على تثبيت منطق الشراكة المتقدمة الواقعية بدل العلاقات الظرفية؛ فالمغرب يسعى إلى تحصين مكتسبات الاعترافات الأوروبية بمغربية الصحراء عبر نقلها من مستوى المواقف السياسية إلى مستوى السياسات العمومية الأوروبية، خاصة في مجالات الهجرة والأمن الطاقي وسلاسل التوريد والدفاع الساحلي”.

    وتابع الباحث في الشؤون الاستراتيجية: “أما على مستوى الموازنة بين الطموح الإقليمي والضغوط الجيوسياسية، فإن المقاربة المغربية تقوم على توسيع هامش الحركة دون استفزاز مراكز الثقل؛ فالرباط تدرك أن تعاظم نفوذها الإقليمي، خصوصا في غرب إفريقيا والساحل الأطلسي، يفرض عليها إدارة دقيقة لملفات حساسة مثل التنافس الدولي في إفريقيا والتحولات الأمنية في الساحل والتجاذبات حول الممرات البحرية. لذلك، تعتمد سياسة التقدم المحسوب عبر تعزيز الحضور الاقتصادي والأمني، مع تجنب الخطاب التصادمي أو الانخراط في محاور صلبة”.

    وشدد المتحدث عينه على أن “الدبلوماسية الاقتصادية تمثل أداة توازن أساسية، إذ توظف المملكة الاستثمار والبنوك واللوجستيك والطاقات المتجددة كوسائل نفوذ ناعمة تقلّص كلفة الصراع وتُحوّل المنافسة إلى شراكات متقاطعة”، لافتا إلى أن “هذا الخيار يسمح للرباط بتعزيز دورها الإقليمي دون أن تُقرأ خطواتها كتهديد مباشر، سواء من قِبل قوى إقليمية منافسة أو فاعلين دوليين كبار”.

    وذكر معتضد أن “المغرب يرسّخ نموذجا يقوم على تعدد الشراكات لا ازدواج الولاءات، إذ ينفتح على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا والقوى الصاعدة، من منطلق المصالح المتبادلة والملفات القطاعية لا من منطق التحالفات المغلقة”.

    وأبرز الباحث في الشؤون الاستراتيجية أن “صانع القرار المغربي يدرك أن منطق الاصطفاف في السياق الدولي الراهن يحمل مخاطر استراتيجية طويلة الأمد؛ لذلك يحرص على الحفاظ على استقلالية القرار، مع إرسال إشارات طمأنة متوازنة لكل الشركاء”.

    وخلص إلى أن “السياسة الخارجية المغربية في 2026 ستكون دون شك امتدادا لخط استراتيجي ناضج، يقوم على تحويل الجغرافيا إلى فرصة، والسيادة إلى رافعة دبلوماسية، والتوازن إلى أداة قوة؛ من خلال دبلوماسية لا تسعى إلى الهيمنة، بل إلى التموضع الذكي داخل نظام دولي مضطرب، حيث تُقاس القوة بقدرة الدولة على الصمود والمناورة، لا فقط بحجم النفوذ الظاهر”.

    علاقات اقتصادية واستراتيجية هادئة

    في سياق متصل، أوضح جواد القسمي، باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي، أنه “من خلال تتبع السياسة الخارجية المغربية والدينامية التي تعرفها، وكذا التحولات الجيوسياسية الكبرى المتسارعة، يمكن القول إن استراتيجية المغرب لعام 2026 لا يمكن إلا أن تكون استكمالا للأوراش والخطوات الكبيرة والناجحة التي حققتها المملكة؛ حيث ستكون قضية الصحراء المغربية على رأس الأولويات، وسيسعى المغرب سنة 2026 إلى توسيع دائرة الاعتراف بمغربية الصحراء واستهداف دول أخرى مؤثرة في مناطق معينة، مثل أمريكا اللاتينية وبعض الدول الإسكندنافية مثلا”.

    وزاد القسمي في تصريح لهسبريس: “في المناطق الجنوبية للمملكة، سيعمق المغرب علاقاته الاقتصادية مع مجموعة من الشركاء، في خطوة تعكس تزكية الخطوات الدبلوماسية؛ كفتح القنصليات، بتشجيع الاستثمارات الكبرى في المنطقة، خاصة في مشاريع واعدة كالهيدروجين الأخضر والبنية التحتية، مثل الميناء الأطلسي بالداخلة، لتكريس الاعترافات وجعلها واقعا اقتصاديا معاشا”.

    وسجل الباحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي أن “سنة 2026 قد نشهد كذلك بداية أجرأة المبادرة الأطلسية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي؛ من خلال التمويل والبنية التحتية واللوجستية. بالإضافة إلى أن هذه السنة قد نرى فيها تحولا في وتيرة مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، خاصة في ظل التنافس الدولي على موارد الطاقة والحاجة الأوروبية المتزايدة وعدم الثقة في مواقف بعض الأطراف المصدّرة. كما قد نشهد زيادة في استثمارات المكتب الشريف للفوسفاط في القارة الإفريقية، باعتباره ذراعا دبلوماسية ناعمة تقوي مكانة المملكة في القارة لضمان الأمن الغذائي الإفريقي”.

    ورجح المتحدث ذاته أن “يسعى المغرب جاهدا إلى استثمار الزخم الإيجابي بينه وبين فرنسا وإسبانيا لتقوية شراكاته الاقتصادية والأمنية مع هاتين الدولتين، مع التأكيد على أن أية شراكة لا يمكن أن تكون انتقائية، بل عبارة عن حزمة واحدة (تجارة وأمن وهجرة)، وتشمل كل التراب المغربي بما فيه الأقاليم الجنوبية للمملكة”.

    وعلى المستوى الإقليمي، أكد الباحث سالف الذكر أنه “بالرغم من التحديات التي يواجهها المغرب في محيطه، من توتر مع الجزائر وعدم استقرار منطقة الساحل؛ فإن المغرب سيبقي على نهج الموازنة بين طموحه على المستوى الإقليمي والضغوط الجيوسياسية، عبر استراتيجية هادئة وحازمة في الآن ذاته؛ إذ سيبقي على سياسة اليد الممدودة مع الجار الشرقي، مقابل الحفاظ على الجاهزية الدفاعية والتنسيق الأمني والاستخباراتي ومحاربة التطرف في الساحل، والاهتمام بالتنمية الداخلية بدل السقوط في فخ مجاراة الاستفزازات”.

    وذكر القسمي أن “المغرب سيحافظ، على المستوى الدولي، على سياسته الناجحة عبر تعدد الشركاء؛ شراكة استراتيجية مع الغرب وأمريكا، وشراكة براغماتية مع الصين عبر دعم وتشجيع الاستثمارات الصينية في قطاع السيارات والبنية التحتية، بالإضافة إلى شراكة متنامية مع روسيا في الفلاحة والصيد البحري وقطاعات أخرى، ومواقف متوازنة في قضايا حساسة لموسكو، كالحرب الأوكرانية، تضمن حياد روسيا في قضية الصحراء”.

    إقرأ الخبر من مصدره