Étiquette : عادل الحسني

  • حين تتحول المآسي إلى “ترندات”.. خبير يشرح الوجه النفسي للتفاعل الرقمي مع الحروب

    محمد واحي – صحفي متدرب

    ما إن تندلع حرب أو معركة هنا أو هناك، حتى يشتعل الفضاء الرقمي بمنشورات ومقاطع تعبّر عن الغضب، أو السخرية، أو التضامن. ضجيج إنساني كثيف، لكنه لا يلبث أن يخفت سريعًا مع انحسار الحدث أو ظهور آخر جديد في مكان آخر، ليتحوّل النزاع من حدث إنساني إلى “ترند رقمي”.

    فكيف نفهم هذا الانتقال الجماعي السريع من نزاع إلى آخر؟ ولماذا تبدو ذاكرة المنصات، ومن خلفها الجمهور، قصيرة إلى هذا الحد؟

    يرى الخبير النفسي عادل الحسني، في حديثه لجريدة “العمق المغربي”، أن “الانتقال الجماعي السريع من مأساة إلى أخرى عبر الفضاء الرقمي لا يعني خيانة للذاكرة، بل هو نتاج طبيعي لما يُعرف بـ’اقتصاد الانتباه’. ففي زمن الانفجار المعلوماتي، تصبح النفس البشرية غير قادرة على الاحتمال الطويل لشدة الألم، فتتفاعل بشدة، ثم تنسحب، وكأنها تطلب لحظة تنفّس”.

    ومن زاوية علم النفس الاجتماعي، يصف الحسني هذا النمط بما يسميه “التحول العاطفي اللحظي”، وهو، حسب الخبير: “دفع سرعة الزمن الرقمي الجماعات نحو مأساة تلو أخرى. فالناس لا ينسون، لكنهم لا يملكون رفاهية البقاء طويلًا في ساحة الألم، بينما تفرض المنصات الرقمية وتيرتها التي لا ترحم، فتدفعنا بلا توقف نحو مأساة جديدة”.

    ويوضح الحسني أن ما يُعرف بـ “الترند الإنساني” على مواقع التواصل، هو مزيج معقّد من التعاطف الحقيقي والحاجات النفسية الذاتية. فالتعاطف الرقمي، وإن كان صادقًا في جوهره، إلا أنه غالبًا ما يتشابك مع رغبة في الانتماء، والإفصاح عن الذات، بل وأحيانًا لتهدئة شعور بالعجز أمام قضايا كبرى.

    ويضيف: “ما نراه يمكن تسميته بـ ‘تعاطف الواجهة’، حيث يظهر الناس بمظهر التعاطف النبيل، وفي الوقت ذاته، يسعون – ولو بدون وعي – إلى الظهور بصورة أخلاقية أمام الآخرين، وأمام أنفسهم. وهذه الازدواجية لا يمكن اعتبارها نفاقًا أخلاقيًا، بل تعبّر عن تركيبة معقّدة للذات الحديثة، التي تعيش في فضاء ‘ترندي متقلّب’.”

    كما يشير الحسني إلى أن: “التراجع السريع في تفاعل الناس مع الكوارث المستمرة لا يعود إلى انعدام الشعور، بل إلى ما يُعرف نفسيًا بـ ‘متلازمة الإرهاق العاطفي الجماعي’. ففي ظل التعرّض اليومي المتكرّر لمشاهد العنف، والدمار، والتهجير، ومع غياب الأدوات الحقيقية للتأثير، يبدأ الجهاز النفسي بالدفاع عن نفسه من خلال آلية تُعرف بـ ‘التنميل الشعوري Emotional Numbing’، وهي نوع من إطفاء الحواس تدريجيًا، للحيلولة دون الانهيار النفسي الكامل. فالناس لا يتوقّفون عن الاهتمام، بل عن الإحساس بنفس الشدة، في محاولة لا واعية للنجاة الوجدانية”.

    ويرى الخبير أن “وسائل التواصل الاجتماعي لا تراكم الذاكرة بقدر ما تعيد تشكيلها يوميًا، فآليات هذه المنصات تعتمد على الترندات والمحتويات الرائجة، لا على التوثيق والاستيعاب”، مضيفًا أن: “الفضاء الرقمي يدرب مستخدميه على ‘ذاكرة فورية’ تشبه ذاكرة الاستهلاك، حيث تمر بالمأساة، تتفاعل معها، ثم تنتقل إلى ما يليها. وهي، بالتالي، ذاكرة لا تحفظ التاريخ، بل تستهلكه وتستبدله، كما تفعل مع أي منتج رقمي”.

    ويختم الحسني بالإشارة إلى أن “التفاعل مع الحروب بات شكلًا من أشكال ‘الانتماء الرقمي’. فالمأساة تحوّلت إلى بوابة للدخول إلى الفضاء العام، حيث يصبح التعاطف بمثابة إعلان عن موقف، وتموضع قيمي داخل جماعة معنوية تؤمن بقضية ما، وتعيد إنتاج سرديتها حول الأحداث”، مشيرًا إلى أن هذا الانتماء، رغم رمزيته، لا ينبغي الاستهانة به، فقد يكون أحيانًا الخطوة الأولى نحو التغيير الواقعي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوار.. عادل الحسني يفكك الشيفرة النفسية لظاهرة التشفي في الموتى

    لم يعد الموت عند البعض نهاية تطوى بها الخصومات، ولو مؤقتا، ولا لحظة صمت وتأمل تفرض التريث والاحترام والترحم، بل تحول الرحيل الجسدي، مهما كانت الأسباب، إلى فرصة لتصفية حسابات مؤجلة، وشكل من أشكال التشفي العلني من خصوم غابوا عن الحياة، ولم يعودوا قادرين على الرد.

    بذلك، باتت لحظة الفقد، التي يفترض أن تحاط بحد أدنى من الاحترام والوقار، على غرار ما دأب عليه المغاربة من قول « العداوة ثابتة والصواب أيكون »، مناسبة للتنمر الرمزي والشماتة العلنية بكل المصطلحات، وتستعاد الكراهية بجرأة لم يكن الجهر بها من قبل، ويحسم في مصير الميت الأخروي، وكأن الغياب يسقط كل معايير الحياء والتعقل.

    احترام الموت لا يعني تحصين الأفكار من النقد، ولا تحريم النقاش في ما خلفه الراحل من أثر أو خطاب، بل هو دعوة لاحترام لحظة الوداع، على الأقل في أيامها الأولى، بما يستوجبه ذلك من أخلاق وصمت رمزي وتأمل إنساني.

    ومع اتساع الفضاء الرقمي، أصبحت هذه الظواهر أكثر تنظيما وعلنية، فأنتجت منصات التواصل جماعات افتراضية تتغذى على خطاب الكراهية، وتتحرك وفق منطق الغريزة الجمعية، وفتحت المجال أمام اللاوعي الجمعي لينفجر بلا رقيب، في ظاهرة مركبة تحمل أبعادا أخلاقية ونفسية واجتماعية.

    لفهم هذه الظاهرة المتنامية، يفتح « تيلكيل عربي » حوارا مع الاستشاري النفسي عادل الحسني، مؤلف كتاب « سحر حضرة لملوك: تحليل نفسي-اجتماعي »، لمقاربة هذه المسألة من زاوية التحليل النفسي والاجتماعي، واستكشاف الدوافع العميقة وراء الشماتة والتشفي في الموت.

    الحوار كاملا: 

    بغض النظر عن الصراعات الأيديولوجية السائدة، كيف يمكن أن ينشأ دافع التشفي والتنمر في النفس البشرية تجاه شخص توفي ولم يعد له أي وجود في الحياة؟

    بديهي أن يخاف الناس أو يتهيبوا الموت، لكنهم يتفاعلون معه كظاهرة حية، فهو يحيي فيهم مدح الميت بنعوت كان من الصعب على النفوس أن تمنحها له وهو حي، هم بالتأكيد لا يمدحون الميت بقدر ما يرتقون إلى خطاب يليق بحدث الموت، هكذا شكل المجتمع البشري عموما خطابا يهدئ الأحياء تجاه الموت وليس تجاه الميت.

    إن أول أثر موثق للممارسة الدينية على الأرض كان عبارة عن قبر وبعض التفاصيل المنحوتة التي يمكن وصفها بأنها متخيلات مرسومة للعزاء!

    كلما مات شخص منا، نفعل كل ما يمكن أن يجعلنا نستمر في الحياة، مخففين ذلك الرعب الذي يخلقه الموت في النفوس، عادة ما تسير الأمور على هذا النحو الذي حاول الإنسان تعويد نفسه عليه منذ آلاف السنين، ليستمر في الحياة ويستقبل الموت بسلام، لكن هناك سيناريو مؤسف قد يتفجر في نفوس الأحياء لسبب يتجاوز كل الأخلاقيات، وهو الحقد! فمن المنطقي أن يتلاشى الحقد على شخص توفي نتيجة انتهاء صراع بانتهاء أحد طرفيه، لكن استمرار التعبير عن هذا الحقد، عما يعبر؟

    يعبر عن أن الحاقد لم يكن في صراع مع المتوفى، بل في صراع قاس مع نفسه، لدرجة أن يحمل تجاه الأموات حقدا يخفف به رفضه لمشكلة ما في نفسه!

    لكن لماذا يتجلى هذا التشفي بين المتطرفين المتدينين والملحدين؟

    المتوفى في هذه الحالة مجرد صورة إسقاط، تتحول وفاته إلى طوطم أو صنم يثبت إحساسه بانتصاره على البعد المرفوض في نفسه، قد يكون المتوفى شخصا كان يعلن عن كونه « ملحدا »، وعدم تلاشي الحقد من نفس الحاقد قد يعود إلى كونه شخصا يقاوم دافعا قويا للإلحاد (على سبيل المثال لا الحصر) مرفوقا بإحساس شديد الألم من الذنب، وهذا مثال يمكن إسقاطه أيضا على الملحد الشامت في المؤمن المتوفى، فالقضية هنا ليست صراع الإيمان والإلحاد، بل صراع قبول أو رفض الاختيارات الشخصية الصعبة.

    ما الدور الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل التشفي من سلوك فردي محدود إلى ظاهرة جماعية ذات تأثير واسع؟

    على مدى أكثر من قرن، رصدت الدراسات النفسية-الاجتماعية سببين رئيسيين واضحين لتحول الجماهير إلى كيانات تنهش جثة متوفى، سواء بالفعل المادي أو الرمزي، الأول هو الإيحاء الآمر الذي يوقظ الغريزة البدائية لانتهاك المحرمات، وهو ما لوحظ في سلوك الشعوب القديمة تجاه الزعيم المتسلط على القبيلة.

    الثاني هو فتح المجال أمام هذا الدافع من خلال إحساس الأمان الذي توفره الجماعة، يتحول البشر إلى كائنات بالغة الخطورة عندما يصبح فرد ما فريسة تحريض من قيادة تمارس إيحاء قويا يستهدف الجماهير.

    الإيحاء، كما عبر عنه عالم النفس الاجتماعي جوستاف لوبون في كتابه « سيكولوجية الجماهير » (1895)، هو أداة تخاطب الغرائز المتوحشة الكامنة في النفس البشرية، وتطلقها في حالة من « السكر » النفسي الناتج عن الشعور بالحماية الجماعية. لوبون أشار إلى أن الجماهير، عندما تتحول إلى حالة انفعالية، تفقد قدرتها على التفكير العقلاني وتصبح أداة طيعة في يد من يمتلك القدرة على التحكم بها عبر الإيحاء، هذا الجمهور المتوحش قد يبدو فوضويا للغاية، لكنه يتمتع بانسجام داخلي في حماية أفراده بعضهم لبعض، مما يضمن استمرار طاقة التوحش حتى تنفيذ الأمر أو استنفاد الدافع.

    في سياق وسائل التواصل الاجتماعي، قد لا تكون هذه الساحة واقعية بالمعنى التقليدي، مليئة بالأصوات والمثيرات الحسية المباشرة، لكنها، للأسف، تمتلك القدرة على خلق وحوش افتراضية مملوءة بالحقد، اللغة هنا تصبح وعاء يحمل هذا التوحش، الذي يظل شعورا بدائيا محروما من شرعية التعبير في الحياة الواقعية.

    هل مواقع التواصل الاجتماعي هنا، تشعر المضطربين بالحصانة؟

    دراسات حديثة في علم النفس الاجتماعي، مثل تلك التي أجراها زيمباردو في تجربة سجن ستانفورد (1971)، أظهرت كيف يمكن للبيئات التي توفر إحساسا بالحصانة أو إخفاء الهوية أن تطلق العنان للسلوكيات العدوانية الكامنة، ووسائل التواصل الاجتماعي توفر هذا الغطاء من خلال الحسابات المجهولة أو الدعم الجماعي الافتراضي، مما يعزز من قدرة الأفراد على التعبير عن نزعاتهم المكبوتة دون خوف من العواقب.

    ماذا يعني الإسقاط في التشفي من هذا النوع بالضبط؟

    يمكن الاستناد إلى نظرية « التنافر المعرفي » لليون فستنغر (1957)، التي تفسر كيف يسعى الأفراد إلى تبرير سلوكياتهم العدوانية عبر إسقاطها على هدف خارجي، مثل شخص متوفى، لتخفيف الصراع الداخلي.

    في هذا السياق، يصبح المتوفى رمزا لكل ما يرفضه الحاقد أو يخشاه في نفسه، وبالتالي يتحول التعبير عن الحقد إلى طقس رمزي لتأكيد الذات. هذا السلوك انعكاس لصراع داخلي، ومرآة لاضطراب داخلي عميق، يتغذى على ديناميكيات القوة والخوف التي تحرك الجماهير منذ العصور القديمة وحتى العصر الرقمي الحديث.

    لماذا يصل هذا الانحدار الأخلاقي إلى التشفي في شخصيات معروفة أنها مضطربة نفسيا؟

    هذا السؤال يقربنا لما أردت قوله في الإجابة الأولى، تخيل أن تشتبك في جدال مع شخص غاضب جدا وأنت شديد الغضب، وعياكما لن يتواصلا إلا بقدر ضئيل، التواصل سيكون بين لاوعيك ولاوعيه، بين جزأين قديمين ومتوحشين منكما، ولكونكما شخصين طبيعيين، فستتوقفان عند حد معين وتتراجعان، لكن هذا لا يحدث عند الذين يعانون من « تثبيتات » نفسية مضطربة، أي أنهم مازالوا يعيشون دوامة لامتناهية من محاولة إثبات خاتمة قصة مستحيلة الوقوع.

    عندما نشتبك في جدال مع شخص غاضب بشدة ونحن في حالة غضب مماثلة، فإن التواصل الواعي بيننا يصبح محدودا للغاية، ما يحدث فعليا هو تفاعل بين اللاوعي لدى الطرفين، حيث تستيقظ أجزاء بدائية ومتوحشة من النفس، هذه الأجزاء تعود إلى ما يسميه سيغموند فرويد « الهو » (Id)، وهو الجزء الأكثر بدائية في النفس البشرية، الذي يتحرك بالغرائز ويسعى للإشباع الفوري دون قيود أخلاقية أو عقلانية.

    في حالة الأشخاص العاديين « الطبيعيين »، يتدخل « الأنا » (Ego) و »الأنا الأعلى » (Superego) لاحقا لضبط هذا الانفلات، مما يؤدي إلى التراجع عن الصراع عند حد معين. لكن الأمر يختلف مع الشخصيات المضطربة نفسيا، التي تعاني من « تثبيتات » (Fixations) أو نفسية لم تحل.

    التثبيتات النفسية، تحدث عندما يعلق الفرد في مرحلة معينة من التطور النفسي نتيجة صدمة أو إحباط لم تتم معالجته، هؤلاء الأفراد قد يعيشون في دوامة لا نهائية من محاولة إثبات خاتمة مستحيلة الحدوث.

    على سبيل المثال، شخص مضطرب نفسيا قد يكون عالقا في مرحلة الصراع مع سلطة ما داخل أسرته، فيسقط هذا الصراع على الآخرين في حياته، ويستمر هذا النمط حتى بعد وفاة الطرف الآخر، التشفي هنا فرح هوسي بزوال الخصم، لأنها تقترب من الحصول على تلك الخاتمة المستحيلة، ولن يحصل عليها بالتأكيد إذا قدم تعزية راقية في وفاة خصمه، إن المتشفي مضطرب على هذا الأساس.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • « تيلكيل عربي » تسلط الضوء على التراكمات النفسية التي خلفتها مأساة الطفل ريان – حوار

    تابع المجتمع المغربي والعالمي طوال خمسة أيام مأساة الطفل ريان التي انتهت بخيبة الأمل في إنقاذه، أيام شحنت ضغطا نفسيا كبيرا على المتابعين، وأبرزت مشاعر قوية منها المنسجم ومنها المتناقض، الترقب وتضارب الأخبار والانفعال على بعض السلوكات الإعلامية والتأسف أو الغضب تجاه مستغلي المآسي، والكثير من الظواهر السلبية كما الإيجابية، ساهمت في خلق تراكم نفسي، لا شك أن له تداعيات مستقبلية على النفسية المغربية في المستقبل.

    نطرح أسئلة التحليل، بعد إسدال الستار على قصة ريان، التي هزت الرأي العام الوطني والعالمي، من حيث كونها حدثا إنسانيا استثنائيا، حشّدت الاهتمام بشكل غير مسبوق، ولأنها ستشكل تداعيات نفسية بعيدة المدى نحاول استشرافها.

    في هذا الصدد، أجرّى موقع « تيلكيل عربي » حوارا مع عادل الحسني، الكاتب والباحث في علم النفس الاجتماعي، الفاعل الجمعوي في مجاله، ومدير مركز سند للدعم النفسي، ويدبر موقع الدعم النفسي عن بعد، ومدير مشروع السياحة النفسية.

    يشتغلُ عادل الحسني بمنهج التحليل النفسي والسلوكي المعرفي في عمله، كما أنه يخوض معركة ضد التطرف من خلال مجاله، وله كتاب في الموضوع بعنوان « وعد الآخرة » يحكي مقاربته للموضوع، وتجربته الشخصية كجهادي سابق.

    لاشك، أن المغرب وغيره من البلدان مليء بالمآسي الإنسانية التي تقع يوميا، لكن حدث سقوط الطفل ريان ومتابعة محاولة إنقاذه شدّ انتباه الرأي العام نحوه، بل وامتد هذا للعالم، خصوصا في اليومين الاخيرين، كيف تشكل هذا الاهتمام، رغم أن المغرب والعالم يشهد مآسي مماثلة يوميا؟

    يتشكل الاهتمام الجماعي للبشر نفسيا بحدث محدد، عبر التكرار التدوالي له، وتعاظم ورود التفاصيل حوله، وتزايد وسائل نقل التأثير الخبري والتحليلي للجمهور حوله، وأخيرا، ترقب النهاية من حيث كونها غير ممكنة التكهن وتعاظم الإحساس بالأمل، وهذه الشروط المادية والمعنوية تحققت بشكل غير مسبوق حول مأساة الطفل ريان.

    على مستوى نفسي أعمق، فإن الشروط الموضوعية التي ذكرتها جعلت هذه القصة الإنسانية التي عايش الجميع تشكلها بكل حمولتها العاطفية، جعلتها تثير بألم بالغ إسقاطات نفسية شخصية لكل من تابع الحدث.

    فالحدث أولا خنق أنفاس الكثيرين حول التساؤل عن مدى العذاب الذي يقاسيه الطفل في البئر، وتعاظم الإحساس بالذنب تجاه طفل يتابعه الكثيرون دون حول ولاقوة لإنقاذه رغم توافر وتكاثف الجهود، وأكثر عامل جعل الحدث غير مسبوق من حيث كثافة المتابعة، هو أن مجريات الأحداث كان تحت نظر الحشود والكاميرات، وترقب خروج ريان كان باديا لكل العالم، دون حواجز أمنية منعت المشاهدة بسبب طبيعة التضاريس التي فرضتها أشغال الانقاذ.

    وتبقى إمكانية أن يعيش ريان هي التي لاحقت الضمير الوطني والعالمي حتى آخر لحظة من عمر الأحداث.

     امتد تأثير هذا الحدث ليدفع أحد الأطفال لتقليد الضحية والانتحار، حسب تصريح لفرد من عائلة الطفل، وخلفت هذه المأساة انتشار خيبة نفسية سوداوية تجاه الحياة في الكثير من منشورات رواد مواقع التواصل الاجتماعي، في رأيك، ما مدى التأثير النفسي السلبي في المجتمع بعد هذه المأساة؟

    أتوقع انتشار السوداوية والعدمية على المدى البعيد في النفسيات ذات القابلية لذلك، سواء نفسيات فردية أو نفسيات مجموعات تنتشر فيها هذه الافكار أصلا، لكن هذا الحدث، خلّف في النفسيات البشرية إقبالا أفضل على الحياة، فأكثر الدول التي شهدث أفظع الكوارث النووية تعيش اليوم رفاهية في حماية الحياة وكمالياتها، واليهود الذي تعرضوا للمحرقة وفظاعات شديدة في أوروبا، وانتشرت بينهم الأفكار العدمية نشأت منهم أجيال من المبدعين محبي الحياة.

    أتوقع فعلا تداعيات سلبية قصيرة المدى على مستوى الاستغلال الإعلامي الضيق للحدث في الترويج للكآبة العدمية، سواء النفسية أو السياسية، لكن الأمر على المستوى المتوسط والبعيد سيكون إيجابيا، لأن تجنب تكرار الحدث سيدفع الدولة للاحتياط من إعادة التورط في حرج مماثل، وسيحتم عليها فعل كل ما يجب لتجنب حوارث مماثلة، كما سيكون الحدث حافزا لاستنهاض عدد من الخدمات عرّت المأساة على ضعفها، كالوقاية المدنية وتدخلات الإنقاذ الخاصة وغيرها.

    هل يمكننا الحديث على جوانب نفسية إيجابية حققها الحدث، خصوصا بعد تصاعد التعاطف والتضامن مع أسرة ريان وعمال الإنقاذ؟

    هي أبعاد ظهرت مبكرا خلال الحدث، التضامن الإنساني، والتكاثف لمحاربة الأخبار الكاذبة، ومحاولة الكثيرين لتحرير الحدث من الفقر القيمي الذي يصحب مثل هذه الأحداث عادة.

    في طبقة أعمق من التحليل يمكن ملاحظة بُعد إيجابي جميل، منها أن الخطاب الجماعي تخفف من القابلية للإيحاء السلبي، لم يعد الخطاب العام يتجه لاتهام نظريات المؤامرة بتلك الحدة كان عليها في الماضي، وربما خصوصية الحدث نفسيا جعلت الأكثرية تكثف كلامها عن ضرورة الانقاذ والتضامن أكثر من الانتقاد.

    كما أن الحدث اتسم بالتخفف من قوة الاتهامات وتحميل المسؤولية، خصوصا بعد تعاظم التدخلات الضخمة لفرق الإنقاذ، والاحتضان الرسمي للأسرة.

    أستشرف أن المدى المتوسط والبعيد سيحمل حساسية قوية في التعامل مع موضوع حماية الأطفال من المخاطر، لقد ترك ريان غُصة لا تنسى من إخفاق دولة ومجتمع في إنقاذ طفل ضعيف، وهي عقدة ذنب ستفرض سلطتها في قيم المجتمع والدولة مستقبلا.

    ماهي التوجهات والقيم النفسية-الاجتماعية المتوقع انتشارها بعد هذا الحدث الإنساني الأليم؟

    هذا الحدث عزز من القيمة السوقية للخبر المحلي، ويبدو أن المؤسسات الإعلامية ستتجه أكثر للتقريب صوت الهامش المغربي ويصبح المجتمع مهتما بهامشه.

    من الناحية الإنسانية، فقد لاحظت سلوكات كانت متقلصة وبدأت تنتشر في الطرقات العامة، تدخل بعض أصحاب السيارات بالأضواء لحماية المارة، سيما إذا كان فيهم أطفال وشيوخ، استعمال الحدث كمثال راسخ في النقاشات مع الأطفال والامهات للحماية.

    في التدبير العمومي، أصبحت الحماية من المخاطر وتأمين الفضاءات العمومية، وغيرها في صميم الخطاب السياسي بعد كانت شأنا ليس ذا أولوية.

    يتحدث الكثيرون عن أنهم تأثروا سلبا من الناحية النفسية بعد متابعة الحدث، كيف ترى إمكانية التعافي النفسي بعد متابعة مثل هاته الأحداث؟

    من الطبيعي جدا التأثر النفسي العميق بالحدث ولو امتد ذلك لأيام، لا يمكن أن نسمي الحزن لأيام بعد حادث مماثل هو اضطراب يستدعي التدخل العلاجي، بل هو إشارة عن حيوية الجهاز النفسي لا العكس.

    لكن الذين تأثروا بشكل قوي وامتد التأثير لمدة أطول غالبا يمكن الحديث هنا عن القابلية واشتغال منهك للآليات النفسية، وشبه انهيار لبنية نفسية هشة، ولا يمكن الحكم دون تشخيص دقيق وتحليل معمق.

    ما هي التدابير التي تنصح بها لتجنب التداعيات النفسية الناتجة عن تتبع مثل هذه المآسي؟

    أنصح بالحديث المستمر عن الحدث عن القصة بكافة أطورها من الهلع إلى التعزية والحداد، وليس التحدث عنه كحالة وسواسية سلبية، علينا إغلاق قوس الحدث من أنفسنا بشكل صحي، بتفريغ كل ما كمن في النفس من الحدث، ثم التحليل بعقلانية ثم الوصول لخلاصات صحية، فالغاية كانت إنقاذ الطفل لمواصلة حياته، وحين فشلنا فيجب الإخلاص للغاية مواصلة الحياة التي نرجوها للجميع، بداية من حياة الذات النفسية كي تكون إيجابية في تحقيق استمرارية للجميع.

    إقرأ الخبر من مصدره