Étiquette : عبد الله البقالي

  • بسبب “كرسي” رئاسة مجلس الصحافة.. نقابة الصحافيين المغاربة تعيش على وقع تصدعات داخلية

    إسماعيل الأداريسي

    تعيش النقابة الوطنية للصحافة المغربية، الهيئة التاريخية والأكثر تمثيلية للصحفيين في المملكة، على وقع أزمة متعددة الأوجه تهدد وحدتها وتطرح تساؤلات حول دورها في الدفاع عن المهنة ومنتسبيها، فبين تصدعات داخلية وصلت حد إقالة / انسحاب قياديين وتجاذب حاد مع الحكومة واللجنة المؤقتة المسيرة للمجلس الوطني الصحافة، تجد النقابة نفسها في عاصفة من المشاكل المتعددة.

    وتشير مصادر من داخل المكتب التنفيذي إلى وجود “تصدّعات داخلية” لم تعد صامتة، إذ أقدم أعضاء قياديون على مقاطعة اجتماعات الهيئة التنفيذية احتجاجا على ما وصفوه بـ “تدابير” تسيير النقابة الانفرادي، حيث تجسد هذا الانقسام في إعلان يونس مجاهد، عضو المجلس الوطني الفيدرالي للنقابة ورئيس اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون المجلس الوطني للصحافة، انسحابه التنظيمي من النقابة في نونبر 2025.

    وعزا مجاهد قراره إلى “خرق القانون الأساسي للنقابة” فيما يتعلق بآجال انعقاد المجلس الوطني الفيدرالي وعدم إحداث لجنتي الأخلاقيات والتحكيم والمراقبة المالية، معتبرا أن هذه الخروقات تجرد القرارات المتخذة من شرعيتها، مشيرا إلى أن خلافه الأساسي مع رئيس النقابة يتمحور حول عدم احترام القانون والالتزامات المتعلقة بالحكامة والشفافية المالية.

    وفي المقابل، قالت مصادر أخرى، تحديث إليها جريدة “العمق”، إن النقابة هي من بادرت إلى تجميد وضعية يونس مجاهد، عضو المجلس الوطني الفيدرالي، وإحالته على لجنة الأخلاقيات للنظر في المنسوب إليه، بسبب “تنكره” لتاريخ النقابة ولرمزيتها داخل المشهد الإعلامي الوطني، بالإضافة إلى”تجاوزه الخطير لمبادئ العمل النقابي، وميله نحو تبني توجه الحكومة والجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بشأن مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة”.

    وأضافت المصادر ذاتها، أن استهداف مجاهد للعمل النقابي الذي بموجبه تولى رئاسة المجلس الوطني للصحافة، بلغ حد استهداف النقابيين في مشروع قانون يهدف لإبعاد ممثلي النقابات المهنية للصحافة من أي دور قيادي في المجلس الوطني للصحافة على حساب فئة الناشرين، حيث اقترح المشروع 9 مقاعد لفئة ممثلي الناشرين و7 فقط لممثلي فئة الصحافيين، وهو الشيء الذي رفضته النقابة الوطنية للصحافة المغربية بشدة، حيث تم تجميد مشروع القانون المذكور.

    وفي السياق ذاته، اتهمت مصادر أخرى تحديث إليها الجريدة رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية عبد الكبير اخشيشن، بتدبير شؤون النقابة بشكل انفرادي أو برفقة مقربين منه فقط، بينهم نقابيين عن القطب الإعلام العمومي، في حين تم استبعاد ممثلي القطاع الخاص سواء من صحافة الكترونية أو ورقية من أي دور داخل النقابة منذ ترأسه للنقابة أواخر سنة 2023.

    وعابت المصادر على اخشيشن، عدم تحقيقه لأي مكسب لفائدة صحافي الصحافة الورقية والالكترونية، في مقابل تحقيق مكاسب مادية مباشرة لصحفيي القطب العمومي عبر الزيادة في أجورهم، في حين ظلت أجور الصحافيات والصحافيين المهنيين بالقطاع الخاص مجمدة رغم توقيع اتفاق اجتماعي بين النقابة الوطنية للصحافة المغربية والجمعية الوطنية للإعلام والناشرين سنة 2023.

    وخلصت مصادر الجريدة إلى أن الصراع داخل النقابة الوطنية للصحافة المغربية يتمركز حول إيجاد موطئ قدم في تشكيلة المجلس الوطني للصحافة المقبل، حيث يطمح الرئيس الحالي عبد الكبير أخشيشن إلى رئاسة المجلس أو على الأقل إلى الحصول على منصب قيادي، في حين، يسعى خصماه، يونس مجاهد وعبد الله البقالي، إلى قطع الطريق عليه عبر التحالف الاستراتيجي مع الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، التي يرأسها إدريس شحتان، وذلك للحفاظ على نفوذهما وضمان استمراريته في قيادة المجلس.

    وتكشف المصادر أن النزاع بأسره يتركز على صراع على “الكراسي”، حيث تطغى الطموحات الشخصية والمصالح الضيقة على كل ما عداها. في المقابل، تتوارى القضايا الجوهرية، التي يفترض أن تشكل جوهر أي عمل نقابي، خلف معركة تحسين الأوضاع المادية والاجتماعية للصحافيين. كما تغيب أولوية معالجة الانحرافات المهنية الخطيرة التي هزت القطاع، والتي أبرزتها أزمة “جيل زيد”، مما يعكس بوضوح أجندة جميع الأطراف المتصارعة، سواء في قيادة النقابة الحالية أو في التشكيلة المرتقبة للمجلس الوطني للصحافة.

    إلى ذلك، اتخذ الصراع بعدا آخر في علاقة النقابة مع الهيئات الرسمية، وتحديدا “اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر”، حيث وصل الخلاف ذروته مع إعلان النقابة طعنها في شرعية بطاقة الصحافة المهنية لسنة 2025، بسبب تغييب النقابة عن لجنة دراسة ملفات طلبات الحصول على البطاقة، وهو ما اعتبرته تأويلا خاطئا للقانون.

    ونددت النقابة بما وصفته بـ “غياب الشفافية والتمييز” في معالجة الملفات، مشيرة إلى حجم الشكايات اليومية التي تتوصل بها بخصوص رفض منح البطاقة دون مبررات قانونية واضحة، منتقدة عمل لجنة الأخلاقيات والتأديب التابعة للجنة المؤقتة، معتبرة أن معالجتها لملفات تأديبية بحق صحفيين شابتها خروقات قانونية ومسطرية وعكست “نية انتقامية”.

    على صعيد أخرى، تتهم النقابة الوطنية للصحافة المغربية الحكومة بـ “التجاهل” المتعمد لمقترحاتها في مشاريع القوانين الجديدة المتعلقة بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة والنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، معربة عن امتعاضها من استبعاد مقترحاتها وتضمين المشاريع مواد تناقض مطالبها، مثل توسيع عدد الناشرين وتجميد حصة الصحافيين.

    وإلى جانب هذه الصراعات الهيكلية، لا تزال المطالب الاجتماعية والاقتصادية للصحافيين تشكل حجر الزاوية في عمل النقابة، حيث انتقدت مؤخرا القرارات الحكومية المرتبطة بتدبير الدعم العمومي للقطاع، معتبرة أنها أقصت المقاولات الصغرى والمتوسطة وكرست التمييز بين الصحافيين في الأجور.

    وفي ظل هذه التحديات المتشابكة، من الانقسامات الداخلية إلى الصراع مع السلطات والمطالب الاجتماعية الملحة، تجد النقابة الوطنية للصحافة المغربية نفسها عند مفترق طرق حاسم، يختبر قدرتها على الحفاظ على وحدتها وفعاليتها كصوت موحد للدفاع عن الصحافة والصحافيين في المغرب.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ما كل هذه الوقاحة ؟

    العلم – بقلم عبد الله البقالي

    مجرد التفكير في معاقبة هيئة قضائية دولية يحفل بالإشارات والدلائل، التي تكشف عن حقيقة قناعات مختلف الدول والجهات بمشروعية العدالة الدولية وبمساواة الجميع أمامها، بغض النظر عن أعراقهم وألوانهم وانتماءاتهم الجغرافية وقناعاتهم السياسية. ذلك أن الخطوة تؤشر على أن نظام العدالة العالمي يواجه تحديا كبيرا، إن لم نقل خطيرا، تصبح فيه الهيآت القضائية الدولية عرضة لعقوبات من طرف الأوساط السياسية والاقتصادية. وأن القرارات القضائية الدولية، بغض النظر عن الجهة المصدرة لها، تصبح خاضعة لتقديرات جهات ودول، والتعامل والتفاعل معها يصير حسب تناسقها وخدمتها للمصالح السياسية والاقتصادية لجهات معينة. فإذا كانت هذه القرارات منسجمة مع هذه التقديرات تكون في هذه الحالة صالحة وسليمة، وإذا ما كانت غير ذلك تواجه، ليس بالرفض فقط، بل وبإصدار قرارات أحادية الجانب تفرض زجرا وتأديبا على الجهة القضائية الدولية المصدرة لها. وهكذا تعكس القاعدة التي بني عليها نظام العدالة الدولية، أن الهيآت القضائية وُجِدت لفرض القواعد والأسس القانونية التي اتفق المجتمع الدولي على اعتمادها في سريان العلاقات الدولية، وزجر أي خروقات تنتهك هذه القواعد، وبذلك تكون هذه الجهات القضائية العالمية المختصة الوحيدة بالقيام بهذا الدور، إلى أن تنتقل سلطة تنظيم قواعد العلاقات الدولية إلى جهة سياسية أو اقتصادية لا تقتصر على معارضة القرارات القضائية الدولية، بل تتجاوزها إلى مستوى فرض عقوبات زجرية ضدها، بما يجعلها خاضعة للحسابات السياسية وللمصالح الاقتصادية. 

    وهكذا، لن يكون غريبا فيما سيأتي من أيام أن تتنطع جهات ما إلى ما قد يصدر عن المنظمات القضائية الدولية، خصوصا من طرف القوى المتنفذة في العالم، التي تتحكم بقوة في مصادر قرارات الشرعية الدولية في منظمة الأمم المتحدة من خلال آليات امتلكتها منذ أمد طويل، مكنتها من فرض رقابة صارمة على هذه المصادر، وهي بذلك مطمئنة ومتفاهمة فيما بينها على تقاسم الأدوار بداخل المنظومة الأممية. وبما أنه تبين عدم قدرتها على فرض نفس التحكم والضبط في الهيآت القضائية، فإنها تتصرف في مواجهة قراراتها القضائية بما خوله لها موقعها القوي في النظام الدولي السائد، بهدف ترهيب هذه الهيآت وإجبارها على الدخول في بيت الطاعة والخضوع الشامل لإرادتها ولما تفرضه مصالحها.

    في هذا الصدد، قال خبراء أمميون في بيان نشر للعموم مؤخرا في إطار تفاعلهم مع خطوة السعي نحو فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، بعدما أصدر المدعي العام فيها قرارا قضائيا ضد شخصين توصل إلى قناعة راسخة بأنهما اقترفا جرائم حرب في منطقة معينة من جغرافية العالم، إنه « من المذهل أن نرى دولة تعتبر نفسها بطلة لسيادة القانون تحاول إحباط تصرفات محكمة مستقلة ومحايدة أنشأها المجتمع الدولي، لإعاقة المساءلة ». وأضاف الخبراء وهم على التوالي مارغاريت ساترثويت المقررة الخاصة باستقلال القضاء وفرانشيسكا ألبانيزي المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وجورج كاتروجالوس الخبير المستقل المعني بتعزيز النظام الدولي الديموقراطي والعادل بالقول: « إن التهديدات ضد المحكمة الجنائية الدولية تعزز ثقافة الإفلات من العقاب وتسخر من السعي منذ عقود لوضع القانون فوق القوة والفظائع ». واعتبروا ذلك انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان وضربا في صميم استقلال القضاء وسيادة القانون. كما وصفوا الخطوة بالنقطة العمياء للعدالة. 

    والحقيقة، أن ما جرى يتجاوز مستوى هذه القراءات الخفيفة، التي تدرج الخطوة في إطار المحاولات العادية والبسيطة الهادفة إلى التأثير على مصادر القرارات القضائية الدولية وعلى القضاء العالمي فيها مما اعتدناه طويلا بمختلف الأشكال الإعلامية والدبلوماسية، ويتجاوز بكثير حتى ما اعتاده الرأي العام العالمي فيما يتعلق باعتماد معايير مختلفة في التعاطي مع القضايا المستجدة في مختلف مناطق العالم وإعمال انتقائية مكشوفة، بل إن الأمر يتعلق هذه المرة بمحاولة إصدار قرارات زجرية عقابية ضد جهة قضائية هي المختصة بإصدار مثل تلك القرارات، وبالتالي يتعلق الأمر بمحاولة إخضاع مؤسسات وهيآت العدالة الدولية لحسابات ومصالح سياسية معينة.

    ونختم بالقول، إنه ليس من قبيل الصدفة أن يتم التخلي عن هذه المحاولة في منتصف الطريق، بتسخير جزء من المؤسسة التشريعية لإبطال المحاولة، وليس لأن الجهة المبادرة بالخطوة المذكورة أدركت حجم الخطيئة، بل ربما أن الهدف من الخطوة في الأصل كان يقتصر على توجيه رسائل معينة، ليس للمحكمة الجنائية الدولية فحسب، بل إلى جميع الهيآت والمنظمات القضائية والحقوقية العالمية، يتمثل مضمونها في التنبيه من الخطورة البالغة التي يكتسيها مجرد الاقتراب مما يتعارض مع سياسات ومصالح دولة تصنف نفسها الأقوى في العالم. 

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أزمة التباين بين الأقوال والأفعال..

    العلم – بقلم عبد الله البقالي

    لا ندري ما إذا كانت لا تزال للتقارير التي تصدرها جهات علمية متخصصة في قضايا التغيرات المناخية أهمية تذكر، وما إذا كانت لا تزال لها جدوى تبرر الإمكانيات المالية واللوجستية والعلمية والبشرية الهائلة التي تخصص لها؟

    مبرر هذا السؤال الهام والجوهري ما يلاحظ من تناقض كبير وتفاوت شاسع بين مضامين التقارير المتخصصة الصادرة في هذا الصدد، والتي تستعرض مؤشرات خطيرة تتعلق بتدهور الأوضاع المناخية في العالم، بما أضحى يشكل تهديدا حقيقيا على مستقبل البشرية جمعاء، وبين ما يبدو من جهود يبذلها المجتمع الدولي لمواجهة هذا الخطر والتصدي له، وتنظم بسببه مؤتمرات ومنتديات ولقاءات وندوات دولية كبرى، وتوقع من أجله اتفاقيات ومعاهدات، ويعلن عن تخصيص مبالغ مالية ضخمة لتمويل ما يُعرض أمام كاميرات المصورين.

    فبالقدر الذي تكتظ فيه رزنامة المجتمع الدولي بالأنشطة من أجل الحد من الخطر الحقيقي الذي يتربص بمستقبل البشرية، بالقدر نفسه، أو بأكثر منه، يزداد هذا الخطر تغولا، حيث لا تعدو الجهود الدولية أن تكون مجرد أمان وتطلعات يكون لها أثر المسكنات التي تخفف من حدة الألم خلال الأيام القليلة التي يتم التعبير خلالها عن تلك الجهود.

    المثال هذه المرة جاء من تزامن حدثين يمثلان نموذجا حقيقيا، كاشفا هذا التناقض بين الحقيقة كما هي سائدة في الواقع المعيش وبين الحقيقة الأخرى التي تمثلها الجهود المعلنة.

    فبعد أيام قليلة جدا من اختتام أشغال أكبر قمة للمناخ (كوب 29) التي احتضنتها العاصمة الأذربيجانية، باكو، والتي شارك فيها مسؤولون رسميون من رؤساء دول وحكومات ووزراء من مختلف دول العالم، وحضرها مسؤولو كبريات الشركات العالمية وممثلون عن هيآت مجتمع مدني، وقيل إن القمة بحثت السبل الكفيلة بوقف مؤشر ارتفاع درجة حرارة الكون ومنعه من تجاوز معدل معين، لأن وتيرة زحف هذا المؤشر نحو الصعود يزيد من خطورة تأثير ذلك على مصير الحياة على وجه الأرض. وبعده بأيام قليلة من ذلك التأم حشد آخر لا يقل أهمية من حيث الكمية والنوعية عن نظيره السابق بالعاصمة السعودية، الرياض، وسوق لهذا الحدث الدولي باسم (الدورة 16 لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر). وعلى غرار سابقه استغرقت أشغاله أسبوعين كاملين، بهدف التصدي لأحد أخطر مظاهر التغير المناخي والمتمثل في الجفاف والتصحر. وتميز الحدث الثاني عن سابقه بتجلي الحقيقة كما هي، وليس كما يتم التسويق والترويج لها، حيث تأكد أن مراعاة المصالح المالية لبعض الأطراف تتجاوز بكثير ما يتم الإعلان عنه فيما يتعلق بمواجهة تداعيات التغير المناخي. وهي قضية موضوعية ومنطقية كان بالأحرى أن تمثل جوهر النقاش والتداول والبحث عن حلول فعلية لها، بحيث يتم التوصل إلى استراتيجية متوازنة فيما يخص مواجهة هذا الخطر بما يضمن من جهة، نجاح هذا التصدي، ويحفظ من ثانية، المصالح المالية والاقتصادية لمختلف الأطراف، بحيث تكون التكلفة جماعية متضامنة، وتكون الاستفادة عادلة.

    هكذا، وقبل أن يجف الحبر الذي كتبت به توصيات وقرارات هاتين القمتين العالميتين، طالعتنا المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بتقرير جديد، صنفت فيه سنة 2024 التي لفظت أنفاسها قبل أيام (الأكثر دفئاً على الإطلاق). وحذرت المنظمة الأممية من خطورة استمرار مستويات الغازات المسببة للانحباس الحراري في مسارها القياسي، مما سيؤدي إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة في المستقبل. وفي هذا السياق، قالت المنظمة في تقريرها الصادم، إن « ثمة احتمالا بنسبة 50 بالمائة لارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار 1,5 بالمائة فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية ولو لفترة وجيزة بحلول سنة 2026 ».

    تزامنا مع ما حدث، دق خبراء آخرون ينتمون إلى الوكالة اليابانية الحكومية لعلوم وتكنولوجيات المحيطات والأرض ناقوس الخطر، بأن أكدوا في تقرير حديث اختاروا بدقة موعد نشره (أن مساحة الغطاء الجليدي في قارة القطب الجنوبي ستنخفض بمقدار الربع بحلول عام 2100، إذا ما ظلت انبعاثات الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي عند مستوياتها الحالية). وكشفوا أن مساحة الغطاء الجليدي في قارة القطب الجنوبي تبلغ الآن حوالي 12 مليون كيلومتر مربع، وقد بدأ في الانخفاض منذ عام 2016. ويعتقدون أن سبب ذلك يتمثل في ارتفاع درجة الحرارة الناتج عن ظاهرة الاحتباس الحراري. ونبهوا إلى الخطورة الكبيرة لاستمرار الانبعاثات الحالية لأن ذلك سيتسبب في زيادة محتوى ثاني أوكسيد الكاربون في الغلاف الجوي بمقدار مرة ونصف بحلول سنة 2100 مقارنة بالمستوى الحالي.

    هكذا إذن، لا نملك إلا أن نعاين هذا التباين بين الحقيقة السائدة التي تعمق المخاوف والقلق وبين الإرادات الكثيرة والمتعددة المعبر عنها من مختلف المستويات والجهات بتوجس وحيرة، والذي يمكن تفسيره بموضوعية بحالة عجز عن التوصل إلى حلول وتسويات متوازنة تضمن مصالح جميع الأطراف، على أن تتصف كثير من هذه الأطراف بالواقعية والنزاهة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أوروبا التي تشبه قادتها

    العلم – بقلم عبد الله البقالي

    لم يكن الأمر مفاجئا بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي التي وجدت نفسها في مواجهة حالة لايقين اقتصادي تنعدم فيها الرؤية وتسود فيها شكوك حقيقية حول المستقبل المنظور في هذه الدول. لم يكن الأمر مفاجئا لأن عوامل كثيرة تواترت خلال السنين القليلة الماضية أشرت على أن دول منطقة اليورو ستواجه تداعيات كبيرة وعميقة ناتجة عن أحداث خارجة عن إرادات واضعي السياسات الأوروبية الخارجية من جهة، ومن جهة ثانية، عن أحداث أخرى انبثقت من صلب هذه السياسات.

    فقد هزت جائحة كورونا عروش الاقتصاديات الأوروبية، بعدما كشفت عن هشاشة قوية لهذه الاقتصاديات، إذ لم تقو على مواجهة الظروف الطارئة التي تسببت فيها هذه الأزمة، بعدما فرضت تدابير العزل والغلق وتوقف سلاسل الإنتاج والتسويق، وتعرض الاتحاد الأوروبي، الذي كان يقدم نفسه كأحد أكبر القوى الإقليمية والجهوية في العالم، إلى لحظة اختبار عسير جدا. ولم تقتصر تداعيات الأزمة الصحية العالمية على زمن الأزمة فقط، بل لم تكن مرحلة ما بعد الأزمة أقل تأثيرا وسوءا من المرحلة التي اشتدت فيها هذه الأزمة. والخلاصة الرئيسية التي لم تكن خافية في هذا الصدد تتمثل في أن الوضعية الاقتصادية لدول منطقة اليورو لم تكن قادرة على مواجهة طارئ عالمي معين.

    وإذا كان هذا العامل خارجا عن إرادة مراكز القرار السياسي والاقتصادي في الدول الأوروبية، فإن عوامل أخرى كانت نتيجة حتمية لطبيعة السياسات الخارجية التي تقررت في مختبرات صناعة القرار في القارة العجوز، يبقى أهمها ما يمكن تسميته بافتقاد دول الاتحاد الأوروبي لسيادة القرار تجاه أحداث عالمية كبرى، خصوصا ما يهم الحرب الروسية الأوكرانية التي اشتعلت في عمق القارة نفسها، وكان من المنطقي أن تواجه بسياسة أوروبية محضة تراعي المصالح الأوروبية أولا وأخيرا، والحال أن حكومات الدول الأوروبية اختارت مواجهة هذا التطور الخطير في إطار تكتل سياسي وعسكري يمثله الحلف الأطلسي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي مثلت الحرب الروسية الأوكرانية بالنسبة إليها فرصة كبيرة وسانحة لإضعاف منافسها الكبير وتثبيت الأحادية القطبية في النظام العالمي السائد، ووافقت حكومات دول منطقة اليورو على أن يقتصر دورها بنسبة كبيرة جدا على توفير السيولة المالية والدعم الإعلامي والديبلوماسي لحرب تمثل لحظة صدام حقيقية بين القوى الرئيسية الفاعلة في النظام العالمي السائد. ولذلك لم يكن غريبا ولا مفاجئا تدهور كثير من المؤشرات الاقتصادية في القارة العجوز بعدما توقف التموين الطاقي والغذائي من دولتين تستحوذان على إنتاج جزء كبير من سلة الغذاء والمخزون الطاقي في العالم.

    ولم تقتصر التطورات على هذا المستوى، بل امتدت التداعيات وانتشرت في مساحات شاسعة أخرى، بأن وجدت دول الاتحاد الأوروبي نفسها على الهامش في المنافسة الاقتصادية الحادة والعنيفة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين التي انتهزت حالة التوتر السائدة في العالم والمواجهة المحتدمة بين القوتين التقليديتين لتحقيق مكاسب اقتصادية استراتيجية كبرى.

    كل هذه العوامل والتطورات وغيرها كثير، كشفت عن مستجدات جديرة بالانتباه إليها وقراءتها في سياقها الحقيقي، فقد كشفت أن ما كان يدعى (مناعة اقتصادية أوروبية) تجتاز فعلا مرحلة صعبة وعصيبة نقلتها من مستوى المناعة المعلنة إلى وضعية هشاشة وتبعية. كما أنها كشفت عن حالة ضعف كبير في مراكز صناعة القرار الأوروبي، وأن صانعي القرار في منطقة اليورو لم يعودوا بالكاريزما والقوة اللتين ميزتا قادة سياسيين أوروبيين كبارا كانوا مؤثرين في الأوضاع العالمية.

    تقرير صادر عن البنك المركزي الأوروبي قبل شهرين من اليوم يؤكد هذه الحقائق، بأن نبه إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يواجهها ويعيشها الاقتصاد الأوروبي، وحذر مما وصفه بـ(المعاناة البطيئة) للاقتصاد في القارة العجوز، وأشار إلى أن الإنتاجية الصناعية الأوروبية تتقدم ببطء كبير مقارنة بالمنافسين الكبار منذ ربع قرن، وإلى أن المقاولات الأوروبية تستثمر في التكنولوجيات الحديثة بنسبة قليلة مقارنة مع المنافسين الآخرين. كما أن بيانات صادرة عن وكالة عالمية متخصصة، سجلت قبل شهور قليلة من اليوم، أن دولا أوروبية في حجم ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، واجهت انخفاضا في إنتاجها من السلع الرأسمالية المعمرة والسلع الاستهلاكية. كما استدلت جهات أخرى في هذا الصدد بما وصفته بـ(نداء الاستغاثة) الصادر عن مصانع أوروبية كبرى، كما هو عليه الحال بالنسبة لمصانع السيارات الأوروبية التي أعلن بعض منها عن إغلاق عدد من وحداته الصناعية الكبرى في دول أوروبية بسبب الصعوبات المالية الكبيرة التي تواجهها بعد احتدام المنافسة في هذه الصناعات وتوجهها للطاقات البديلة. كذلك، ذكرت هذه الأوساط بأن الصناعات الأوروبية تعاني بشكل خاص من تباطؤ الطلب المحلي ونقص العمالة المؤهلة ومن تأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية، وأكدت في هذا الصدد أن دول الاتحاد الأوروبي تواجه متوسط أسعار طاقة يبلغ ضعف نظيره في الولايات المتحدة والصين. كما أعرب الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي السيد ماريو دراغي في تقرير قدمه إلى المفوضية الأوروبية عن قلقه مما سماه بـ »تباطؤ الاتحاد الأوروبي مقارنة بالصين والولايات المتحدة ». واعتبر أن الدول السبع ومجموعة العشرين محكوم عليها بـ »الموت البطيء » إذا لم تتحرك.

    هكذا تكون السياسات الأوروبية التي صاغتها طبقة سياسية جديدة في القارة العجوز، قد خفضت مستوى ووزن الاتحاد ليساير حجم وقوة الطبقة السياسية الصانعة له، وتتحول بذلك دول منطقة اليورو إلى مجموعة ضعيفة التأثير في الأوضاع العالمية، وإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، فإن تراجع الدول الأوروبية في موازين القوى العالمية سيزداد سرعة، منذرا بتحولها في المستقبل القريب إلى مجرد تابع وموال لقوى عالمية معينة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • إلى اللقاء في قمة جديدة

    العلم – بقلم عبد الله البقالي

    تحدثت وسائل إعلام غربية عما سمته بـ(الفصل الأخير من مسرحية كوب 29) التي اختتمت أشغالها بالعاصمة الأذربيجانية، باكو، في إشارة منها إلى أن قمة المناخ الجديدة انتهت إلى ما انتهت إليه قمة المناخ الثامنة والعشرين التي انعقدت بدبي قبل سنة، وقبلها جميع الدورات السابقة من هذه القمة التي يقع الحرص على انتظام انعقادها لبحث سبل مواجهة خطر التداعيات المناخية، لكنها طيلة حوالي ثلاثين سنة، لا تزال في نقطة البداية من ناحية التعاطي مع هذه القضية الخطيرة التي تشغل اهتمامات الشعوب في مختلف بقاع المعمور. 

    والواضح، أن قمة المناخ لم تنجح في تحديد وصفة علاجية دقيقة وفعالة لمواجهة آفة التغير المناخي، وكشف أحد الخبراء أن الدول الغنية والقوية، جاءت إلى باكو هذه المرة، للمشاركة في القمة دون طرح أي بديل حقيقي للإشكاليات الكبرى، التي يتجدد طرحها في كل قمة، ولم تقدم أي مخططات مناخية جديدة ولا استراتيجيات طموحة، رغم أن الإجماع حصل على أن سنة 2024 عرفت تراجعات في السياسات البيئية، وشهدت انفجارات مناخية خطيرة من قبيل استمرار الارتفاع المهول في درجات الحرارة في الكرة الأرضية، والفيضانات، وحرائق الغابات، وغيرها كثير من الكوارث المناخية، وأن الدول الأوروبية لم تقدم التزامات واضحة فيما يتعلق بالعهد الأوروبي الأخضر الذي أقره الاتحاد الأوروبي في مجال الحفاظ على البيئة والتصدي للتغيرات المناخية، ولا حتى تقييم مسار اعتماد الطاقات البديلة فيما يخص انبعاثات الغازات.

    وهكذا، عرفت قمة المناخ أشواطًا ساخنة في المواجهة بين الدول العظمى والغنية والدول الفقيرة والنامية، فيما يتعلق بأهم الإشكاليات التي تتجدد فيها المواجهات في كل مرة بين هذه الأطراف، وتتعلق بالتمويل، حيث ألحت الدول الفقيرة والنامية على تحديد القيمة المالية الكفيلة بضمان حدود دنيا لمواجهة التغيرات المناخية والتصدي لتداعياتها وآثارها فيما بين 500 و1300 مليار دولار، في حين أحجمت الدول العظمى عن مناقشة هذه القضية بما يكفي من منسوب الجدية والمسؤولية، وتسترت في تبريرها لذلك بضرورة صياغة توضيحات دقيقة فيما يتعلق بتخفيض الانبعاثات، وطرق صرف هذه التمويلات وتحديد مصادرها وأشكالها ومجالات صرفها، وهربت بالنقاش إلى ما يهم تقوية اتفاق قمة المناخ التي انعقدت قبل سنة من اليوم في دبي بالإمارات العربية المتحدة.

    وغاص النقاش العام فيما غاص فيه المرات السابقة، حيث أكد ممثلو الدول الفقيرة والنامية، على أنه يصعب الحديث عن تحقيق أية نتائج مرجوة في مجال مواجهة التغيرات المناخية، والتحكم في معدلات الارتفاع المهول في درجات الحرارة بالكون، ويكون من العبث التداول في المخططات والبرامج والاستراتيجيات المتعلقة بكل ذلك دون ضمان التمويل الكافي لذلك، بينما نحت الدول العظمى، أو بالتحديد الغالبية الساحقة منها، نحو التركيز على البرامج والمخططات والسياسات المتعلقة بهذه القضية، وتعضيد اتفاق دبي حول المناخ. ولم تنجح القمة مرة أخرى في التوصل إلى اتفاق نهائي فيما يتعلق بالتفاصيل المتعلقة بالتمويلات، ولذلك لم يكن غريبا ولا مثيرا أن يلاحظ المراقبون أن القمة ركزت بشكل كبير على قضية التمويلات إلى أن وصفتها كثير من وسائل الإعلام الغربية بـ(قمة التمويلات) التي انتهت إلى العموميات التي انتهت إليها جميع القمم المناخية السابقة.

    والحقيقة أن جوهر الخلافات التاريخية في جميع القمم السابقة ركزت، بل تكون قد اقتصرت على قضية التمويلات، ورغم الاتفاقات المتكررة التي وقع عليها الجميع، خصوصا في قمة المناخ بباريس، التي التزمت فيها الدول الغنية بتوفير غلاف مالي بقيمة 100 مليار دولار سنويا لمساعدة الدول الفقيرة والنامية على تمويل برامج مواجهة التغيرات المناخية، بما يشبه تعويضها ماليا عن الأضرار البليغة التي تتسبب فيها الأنشطة الصناعية والتجارية والطاقية التي تمارسها شركات عملاقة تابعة ومملوكة للدول الغنية، ورغم أن قمما مناخية لاحقة ركزت على ضرورة تنفيذ هذا الاتفاق، إلا أنه لم يسجل تحقيق أي تقدم على هذا المستوى، ليتكرر النقاش وتعود القمم الأخيرة لتلوك نفس الكلام، بما يكشف غياب الإرادة الحقيقية لدى الدول العظمى في معالجة الظواهر المناخية الخطيرة، إذ يقتصر الأمر في النهاية على ما يمكن تسميته بالديبلوماسية المناخية، التي يوجه فيها الاهتمام إلى إبداء الآراء والمواقف والبحث عن تقريب وجهات النظر بين الفرقاء المتباعدين.

    وإلى اللقاء في قمة مناخية جديدة ستنعقد بعد سنة من اليوم في البرازيل لمواصلة تكريس هذه الديبلوماسية الجديدة. 

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حقوق الإنسان في خدمة سياسات خارجية معينة

    العلم – بقلم عبد الله البقالي

    ربما لم يكن الرأي العام العالمي في حاجة إلى تقرير جديد يعكس حالة أوضاع حقوق الإنسان في أرجاء المعمور، لأن ما يعيشه العالم حاليا من انتكاسات حقيقية وخطيرة لحقوق الإنسان مما تتناقله مختلف وسائل الإعلام العالمية يغني عن تقرير جديد لا يضيف معطيات وحقائق جديدة، مهما كانت خطورتها ومهما اتصفت تداعياته بمخاوف وتهديدات مباشرة على مستقبل البشرية. ولكن مع ذلك، فإن الأصوات القليلة التي ما تزال تمتلك منسوبا ضئيلا من الجرأة دفعها للبوح بجزء من الحقيقة كما هي سائدة في الواقع دون مساحيق، يمثل دليلا جديدا على أن أوضاع حقوق الإنسان في العالم تتعرض إلى انتهاكات تصل خطورتها إلى مستويات غير مسبوقة.

    وهكذا حينما يكشف المفوض السامي لحقوق الإنسان السيد فولكر تورك، في تقريره السنوي الذي استعرضه قبل أيام قليلة من اليوم في أشغال الدورة 56 لمجلس حقوق الإنسان بجنيف عن معطيات صادمة، فإنه من جهة يعمق المخاوف من مصير حقوق الإنسان في مختلف أرجاء العالم، ويفضح بطريقة مباشرة تورط حكومات دول، لم يفتر حماسها في يوم من الأيام في الدفاع عن حقوق الإنسان في أقطار معينة بالعالم. 

    المفوض السامي لحقوق الإنسان رسم صورة في تقريره الجديد قاتمة جدا عن أوضاع حقوق الإنسان في العالم، بسبب ما سماها (النزاعات المسلحة واتساع الفوارق التنموية في العالم)، وقال في هذا الصدد إن « البيانات المتعلقة بعام 2023 تفيد بأن عدد الوفيات بين المدنيين في النزاعات المسلحة ارتفع بنسبة 72 بالمائة » والمثير للرعب حسب المسؤول الحقوقي العالمي أن نسبة النساء القتيلات في سنة 2023 تضاعفت، كما تضاعفت نسبة الأطفال الذين طالهم القتل ثلاث مرات مقارنة بالعام الماضي. كما أبرز من جهة أخرى أن « عدم المساواة عرف أكبر زيادة منذ ثلاثة عقود، حيث تلقت البلدان الفقيرة ضربة اقتصادية أعنف من جائحة كوفيد 19 مقارنة بالدول الأكثر ثراء، بل أصبح 4,8 مليار شخص أكثر فقرا مما كانوا عليه سنة 2019 « . ونبه المسؤول الحقوقي العالمي إلى أنه « بالإضافة إلى التسبب في معاناة إنسانية لا تطاق، فإن للحرب ثمنا باهظا يتمثل في أثرها بعيد المدى على البيئة من حرق الأراضي والتلوث الكيميائي للهواء والماء والتربة وتدمير البنية التحتية المدنية، وحتى وقوع كارثة نووية ». وخلص إلى التأكيد على أن « المجتمع الدولي بعيد كل البعد عن وعد أجندة 2030، حيث يعيش ما يقارب نصف البشرية (3,3 مليار شخص) في بلدان تنفق حكوماتها على خدمة ديونها أكثر مما تنفقه على الاستثمار في أنظمة الصحة والتعليم لفائدة شعوبها ». 

    وبغض النظر عن التفاصيل المملة والمقلقة التي تضمنها التقرير الجديد، فإن المرء لا يحتاج إلى كبير جهد لاستخلاص ما يمكن ويجب استخلاصه من مضمون هذه الوثيقة المديدة ومن مضامين مراجع أخرى ذات مصداقية.

    ذلك، أنه يبدو واضحا أن الانتهاكات الخطيرة التي تطال حقوق الإنسان في العالم، وأن عشرات الآلاف من القتلى من المدنيين، من نساء وأطفال و شيوخ، ومن تدمير لأبسط معالم الحياة، سببها القوى العظمى بدرجة رئيسية، إن كان ذلك بصفة مباشرة من خلال النزاعات المسلحة التي وصلت حدود الحروب المباشرة، مما يمثل لحظات صدام حقيقية بين هذه القوى، على خلفية حسابات مصالح اقتصادية واستراتيجية، بل تعدت ذلك في حالات معينة إلى اقتراف جرائم إبادة حقيقية وجرائم ضد الإنسانية بتوفير جميع أشكال ومظاهر الدعم المباشر، المالي والعسكري والتقني والديبلوماسي والإعلامي من هذه القوى وبتمويل مباشر منها، أو على المستوى الاقتصادي حيث تنتهز الأوساط الاقتصادية المملوكة لهذه القوى أو التابعة لها استغلال المآسي والكوارث والصعوبات الاقتصادية لمراكمة الأرباح المالية الطائلة.

    ومع كل ذلك، وما يخلفه من تداعيات سلبية على الحياة فوق سطح الكرة الأرضية، تتجرأ بعض الأوساط الغربية لانتقاد خروقات بسيطة لحقوق الإنسان في أقطار بعينها، لكنها تبتلع لسانها حينما يتعلق الأمر بانتهاكات خطيرة تطال حقوق الإنسان في المواقع التي تصطدم فيها مصالح القوى الكبرى، أو حينما يتعلق الأمر بتصريف سياسات خارجية لحكومات الدول القوية، خصوصا الغربية منها.

    والأكيد، أنه بالقدر الذي يسود فيه القلق الحقيقي على واقع ومستقبل حقوق الإنسان في العالم من جراء النزاعات المسلحة وتغول المصالح الاقتصادية للقوى العظمى، بالقدر نفسه الذي يتأكد فيه زيف شعارات الغرب الذي يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم، حيث جردتها التطورات الخطيرة الحاصلة في مواقع معينة من لبوسات المصداقية والنزاهة وقدمتها مجرد أدوات تنفيذ لسياسات خارجية معينة. 

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عبد الله البقالي يكتب حديث اليوم..

    العلم – بقلم عبد الله البقالي

    الحديث عن أعداد الوفيات التي سجلت هذه السنة في موسم الحج بالديار المقدسة لم تخل من وجود خلفيات أخرى، بعضها سياسي محض يرتهن إلى مواقف إيديولوجية وسياسية، بينما يكتسي بعضها الآخر خطورة أكثر لأنه يرتبط بالدين الإسلامي الحنيف.

    وهكذا أبدت بعض الأوساط اهتماما كبيرا بما حدث في موسم الحج هذه السنة بشكل غير مسبوق في غياب أدنى شروط الموضوعية والنزاهة الفكرية، وركزت على نزعة التحامل خدمة لأغراض معينة.

    طبعا ليست المرة الأولى التي ينظم فيها موسم الحج في الديار المقدسة، وليست المرة الأولى التي تسجل فيها وفيات ، فقد سبق في مواسم سابقة تسجيل أعداد وفيات كبيرة بسبب أحداث تقنية أو حتى سياسية في زمن بعيد. لكن أحداث هذه السنة حظيت باهتمام إعلامي استثنائي، خصوصا من طرف بعض وسائل الإعلام الغربية التي لم يتردد بعضها في ربط أسباب ما وقع بالإسلام و بممارسة إحدى أهم شعائره الدينية.

    من الضروري التذكير في هذا الصدد بأن قضية إدارة الحشود البشرية يجب أن تخضع إلى شروط  ومعايير محددة تراعى فيها قضايا الأعداد والمساحة التي تدار فيها الحشود وسبل التأطير التقني وتأهيل الموارد البشرية المكلفة بالتأطير الفني والأمني والصحي والنفسي، لذلك يجب التركيز في هذا الصدد على شبكات مافيات وكالات الأسفار والوسطاء والتجار الذين يراكمون أموالا طائلة في الاتجار بالبشر من خلال تهريبهم مما يتسبب في اختلالات كبيرة وقوية، فيما يتعلق بالتحكم في إدارة حشود الحجاج. لأن الأعداد المهربة تخل بظروف الاستقبال والتأطير، وتهدد بوقوع مآسي .

    ثم هناك قضية أخرى بالغة الأهمية تتعلق بأن الإشكال لا ينحصر في إدارة الحشود البشرية فقط، بل أساسا في تأطير نسبة كبيرة من هذه الحشود من ذوي الهشاشة خصوصا كبار السن الذين وصلوا سن الشيخوخة، وتزداد أخطار هذه الهشاشة مع عامل المناخ حيث تكون هذه الفئة معرضة بشكل خطير للإجهاد الحراري .

    لذلك كله وغيره كثير فإنه يجب الانتباه إلى أن بعض الأوساط الإعلامية الغربية تعمدت تجاهل كل  هذه العوامل، وركزت على العامل الديني، بينما استغلت أوساط أخرى الأحداث لتصفية حسابات سياسية ضد السعودية .
      للتواصل مع الأستاذ الكاتب : [email protected]

    للتواصل مع الأستاذ الكاتب : [email protected]

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عبد الله البقالي يعرض أقوى مضامين وثيقة لجنة الوحدة الترابية والجهوية المتقدمة والحكامة الترابية والشؤون السياسية

    *العلم: بوزنيقة – تـ / حسني*

    شكلت وثيقة لجنة الوحدة الترابية والجهوية المتقدمة والحكامة الترابية والشؤون السياسية التي نسق وأدار أشغالها الأستاذ عبد الله البقالي، عصب النقاش داخل المؤتمر الثامن عشر للحزب حول القضايا المصيرية التي تهم بلادنا، لما حبلت به من محاور هامة احتلت فيها قضية الوحدة الترابية للمملكة مكان الصدارة باعتبارها القضية المركزية الوجودية الأولى، إضافة إلى محور الشؤون السياسية الذي استعرض جل انشغالات الطبقة السياسية، والتي تقع الإصلاحات في صلبها، ومحور ورش الجهوية راهنها ومآلاتها، وأيضا، محور منظومة الحكامة في المغرب.

    وفيما يخص المحور الأول المتعلق بقضية الوحدة الترابية، ذكرت وثيقة لجنة الوحدة الترابية والجهوية المتقدمة والحكامة الترابية والشؤون السياسية بالمواقف التاريخية لحزب الاستقلال ودفاعه عن الوحدة الترابية للبلاد، مؤكدة مواصلة الحزب وفائه للنهج النضالي للحركة الوطنية المغربية وفي مقدمتها الزعيم علال الفاسي، وانخراطه في التعبئة الوطنية دفاعا عن الوحدة الترابية لبلادنا، وفي مقدمتها مغربية الصحراء، وراء جلالة الملك محمد السادس نصره الله.

    وأثناء العرض الذي قدمه الأستاذ عبد الله البقالي، رئيس لجنة الوحدة الترابية والجهوية المتقدمة والحكامة الترابية والشؤون السياسية، نوه هذا الأخير بالأداء الجيد لأعضاء اللجنة المذكورة خلال مرحلة التهييء، وهو الأداء الذي انعكس على القيمة العالية لمضامينها، حتى تصبح بحق مرجعا لا غنى عنه في الاسترشاد بمواقف الحزب وتصوراته في هذا الباب.

    وقال البقالي إن وثيقة الوحدة الترابية والجهوية المتقدمة والحكامة الترابية والشؤون السياسية تتطرق لقضايا تتميز بحساسية مفرطة، مؤكدا أن قضية الوحدة الترابية للمملكة ظلت دوما بالنسبة لحزب الاستقلال وللشعب المغربي في صدارة انشغالاته ونضاله، مذكرا بالموقف التاريخي الاستباقي للزعيم علال الفاسي حول الوحدة الترابية، وقدرته الفائقة على التنظير لها، محيلا على كتابه القيم: « دفاعا عن وحدة البلاد »، وكذا موقف الانسجام والتكامل بين نضالات حزب الاستقلال على هذه الواجهة مع القيادة الرشيدة للمؤسسة الملكية.

    وذكر رئيس اللجنة بدعوة حزب الاستقلال المستمرة إلى تشكيل جبهة وطنية شعبية للدفاع عن وحدتنا الترابية، مستعرضا تسلسل الأحداث من الاعتراف الدولي بشرعية الحكم الذاتي ومواقف الدول المساندة، وبقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، وبالإشادة الأممية والدولية بإنجازات بلادنا المتمثلة في الأوراش التنموية وحقوق الإنسان بأقاليمنا الجنوبية، وفي النهوض بالتنمية في هذه الأقاليم، وبالبرنامج التنموي الخاص بها، وبتخصيص غلاف بقيمة 80 مليار مكن من إطلاق دينامية جديدة، وبدفاع المغرب عن عمقه الإفريقي، مشيرا في هذا الصدد إلى المحاولات الجزائرية البائسة تاريخيا لقطع المغرب عن عمقه الإفريقي، سياسيا وجغرافيا من خلال خلق كيان وهمي، مقابل سياسة اليد الممدودة التي ينهجها المغرب.

    وحول مقاربة حزب الاستقلال في التعامل مع ملف القضية الوطنية، أكد رئيس لجنة الوحدة الترابية والجهوية المتقدمة والحكامة الترابية والشؤون السياسية على تثبيت مغربية الصحراء على أساس لا تفاوض حول السيادة وإنما التفاوض حول حل سلمي قاعدته الوحيدة الأساس مبادرة الحكم الذاتي، مع دعوة الشعب المغربي إلى التحلي باليقظة، ودعوة الجارة الشمالية لتفهم الموقف المغربي الشرعي في المطالبة باستعادة سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما، ومواصلة النضال لاسترجاع الصحراء الشرقية,

    وفيما يخص ورش الجهوية بالمغرب، قال الأستاذ البقالي إنها منظومة اللامركزية المبنية على أقطاب جغرافية واقتصادية، موردا أن الوثيقة ذكرت بتفصيل تاريخي بمسار الجهوية في المغرب، بدءا من اللجنة الملكية الاستشارية في سنة 2010، تنزيل الجهوية 2015/2020، والذي كان تنزيلا متعثرا في البداية، برز من خلال انتخابات وهياكل الجهات في غياب البرامج والرؤى، ومن خلال تحقيق نتائج هزيلة، حتى إن الجهة لم تتحول إلى قاطرة حقيقية للتنمية، وكذا، عدم إفراز نخب محلية وجهوية، قادرة على تدبير الشأن الجهوي، مع عجز في التمويل.


    وفيما يخص الحكامة، قال عبد الله البقالي أن الحكامة بالنسبة لحزب الاستقلال هي منظومة قيمية وسياسية ومؤسساتية بمقتضاها تدبر المجتمعات شؤونها، وقياسها هو مجال المشاركة الشعبية وسيادة القانون والشفافية والتوجه نحو التوافق ومحاربة الفساد والمحاسبة والاستقرار السياسي، ليخلص إلى أن الحكامة بهذا المنطوق هي منظومة متكاملة.

    وتقييما لتقدم بلادنا على هذا الصعيد، أكد البقالي أن المغرب عرف تطورا مهما على المستوى المؤسساتي منذ 1960، إلا أن النتائج لم تكن في مستوى الطموحات، ما يعكسه تراجع المغرب في مؤشر الفساد.

    وعن أسباب تدني أداء الحكامة قال رئيس اللجنة أنها تكمن في تداخل وتعدد أدوار المتدخلين، وفي بطء الإصلاح الإداري، وفي الإشكاليات المرتبطة بالقضاء وإضعاف دور البرلمان في المساءلة والتشريع، وفي سيادة مظاهر الفساد الانتخابي، وفي الضعف السياسي والديمقراطي مقابل التكنوقراطي، تفشي ظاهرة الشعبوية وتدني منسوب الثقة في المؤسسات، وضعف مشاركة المرأة والشباب، وفي تفشي الفساد بصفة عامة.

    وفيما يتعلق بمحور الشؤون السياسية قال رئيس لجنة الوحدة الترابية والجهوية المتقدمة والحكامة الترابية والشؤون السياسية أنه من الطبيعي أن تحافظ المطالب بالإصلاح السياسي والدستوري على الراهنية، منوها إلى أنه ليس هناك من حيث المبدأ إصلاح سياسي ودستوري نهائي، دائم وحاسم، مذكرا أن الغرب عرف تجربة سياسية قاسية في الممارسة السياسية، حيث مرت التجربة السياسية بمنعرجات صعبة وصلت في بعض الأحيان إلى المنغلق، حيث ظل الإصلاح السياسي محط تجاذب قوي بين فريقين، أولهما موالي يمثل الحاكمين وطيف من الطبقة السياسية المصنوعة، يصر على الإبقاء على حالة اللا إصلاح، وفريق ينادي بالإصلاح السياسي والدستوري.

    وأضاف أن الماضي أنتج مؤسسات سياسية ودستورية ضعيفة، ونفور من العمل السياسي، واقتران السياسة بالنفعية والانتهازية والوصولية والترقي الاجتماعي غير المشروع، كما تم تجفيف الحقل السياسي من الأفكار والبرامج وبلورة المواقف، ليخلص إلى ضرورة استخلاص الدروس من الماضي لتجنب إعادة إنتاجه.

    وعرج الأستاذ البقالي على تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي على الديمقراطية، مع الإقرار بأجواء ثقة جديدة تنسج من خلال الإصلاح التدريجي وتقرير الخمسينية الذي حدد أعطاب التنمية، والمفهوم الجديد للسلطة، وتجربة العدالة الانتقالية وتحقيق المصالحة، وإصلاح مدونة الأسرة، ودستور 2011، وإصلاح الحقل الديني في إطار مؤسسة إمارة المؤمنين، وفتح آفاق عريضة من خلال أوراش التنمية وإعمال المقاربة التشاركية.

    وبالنسبة للمطلوب حاليا تحقيقه على المستوى السياسي هو إصلاح دستوري يطال المجالس الجهوية لمؤسسات الحكامة، واللجنة الوطنية المستقلة للإشراف على الانتخابات، تطهير الحقل السياسي من الأعطاب البنيوية، وتخليق الحياة السياسية، من خلال اقتراح الحزب سن ميثاق وطني لأخلاقيات العمل السياسي، وتحقيق انفراج سياسي جذري وحقيقي وتسوية كثير من الملفات السياسية والحقوقية العالقة من خلال إطلاق سراح جميع معتقلي الحركات الاحتجاجية ببلادنا، وتعديل القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، وربط قوي بين المسؤولية والمحاسبة، وإبرام تعاقد سياسي قوي جديد، وتعزيز التعددية السياسية وإصلاح منظومة الإعلام، وتبسيط مساطر وسبل الديمقراطية التشاركية من خلال تبسيط إجراءات تقديم العرائض.

    وفيما يتعلق بالحقوق والحريات أبرز البقالي التطور الذي عرفته المسألة الحقوقية ببلادنا، وجعل احترام حقوق الإنسان وكفالة الحريات الأساسية كمدخل مركزي وأساسي، مبرزا اقتراح الحزب إبرام تعاقد جديد على المستوى الحقوقي لتكريس الحقوق والحريات فيما يتعلق بالصحافة والتجمع والاحتجاج والإضراب كمدخل رئيسي بالنسبة للإصلاح السياسي ببلادنا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • شرعـيات متناقضة في الأمم المتحدة

    العلم – بقلم عبد الله البقالي

    لا نخال أن الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتريش واجه ظروفا صعبة ومعقدة طيلة ولايته على رأس أكبر منظمة دولية، كتلك التي عاشها خلال الشهور القليلة الماضية، ويمكن الجزم أن قلة من سابقيه الذين يعدون على رؤوس الأصابع عاشوا فترة قاسية من ولاياتهم  كتلك التي عاشها خلفهم، ويمكن المجازفة بالقول أكثر إن منظمة الأمم المتحدة يمكن أن تكون خبرت طوال حياتها لحظات قليلة ونادرة ظروفا صعبة كتلك التي لا تزال تجتازها في المرحلة الراهنة .

    غوتريش ابن اليسار الأوروبي التقليدي لم تنجح الإكراهات الصعبة التي تحيط بمهمة الأمين العام للأمم المتحدة والتي فرضتها إرادات القوى الكبرى شروطا رئيسية في تولي هذا المنصب الأممي، في كبح جماح الرجل فيما يتعلق بتفاعله مع ما يجري فوق أراضي غزة. وكان لافتا أن تمرد الرجل على الإكراهات وأعلن جهارا اختلافه مع القوى الكبرى فيما يتعلق بالتطورات هناك، ويكاد يكون الأمر سابقة في تاريخ هذه المنظمة التي تميز مسار أمنائها العامين السابقين بالتوافق المطلق مع إرادات معينة، إلا في حالات نادرة وقع الاختلاف بشأنها في التقييم .

    القوى العظمى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وعلى يمينها و يسارها ومن خلفها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا، وكل من تبقى من حلف الغرب، لم تدخر جهدا في تعطيل الشرعية الدولية لمعالجة قضية إنسانية كونية تتعلق بجرائم إبادة حقيقية تقترف ضد الإنسانية في جزء من خريطة العالم .و لم تكتف هذه الأطراف بتوفير التغطية الدولية لما يقترف ضد البشرية، بل وفرت لذلك جميع أدوات الإبادة من مال وسلاح وجند وذخيرة بسخاء كبير جدا، وطوقت مجتمعاتها بقرارات طارئة تمنع التفاعل و حتى التعبير عن الرأي، وأحكمت قبضتها على وسائل الإعلام. وبكل هذا الدعم غير المشروط تكون هذه القوى قد وفرت عن وعي وعن سبق إصرار وترصد وعن عمد  الظروف المناسبة والمريحة لاقتراف جرائم إبادة حقيقية ضد البشرية. وكان لافتا أن الأمين العام للأمم المتحدة بدا عصيا على التطويع من طرف هذه القوى وجهر بمواقف مختلفة ومناقضة، لإرادة الجهات التي تحسم في الشخص الذي يجلس على كرسي المسؤول الاول عن منظمة الأمم المتحدة، بأن انتقل بآلاف الكيلومترات إلى حيث يمنع الماء والهواء والدواء على المواطنين ليعلن معارضته الواضحة لسياسات الحصار والتجويع، ومن مقر الأمم المتحدة أعلن غير ما مرة عن معارضته للحرب و طالب بوقف فوري لها وبإطلاق سراح جميع الرهائن. وحينما توقف الآذان أخرج سلاح القانون بأن استخدم مقتضى من ميثاق الأمم المتحدة يتيح له استثناء ، مخاطبة مجلس الأمن الدولي وإثارة انتباهه إلى أمر يضر بالإنسانية ، في سابقة لم تتكرر في تاريخ الأمم المتحدة إلا مرتين. و مع كل ذلك لم تتغير الحقائق التي فرضتها القوى العظمى التي بحكم كل ما سبق متورطة فيما يقترف من جرائم إبادة حقيقية ضد الإنسانية .

    هذه التطورات الكبرى كشفت الوجه الآخر لمنظمة الأمم المتحدة، وساهمت في ذلك بقوة كبيرة الأحداث المتسارعة في غزة من جهة، ولكن الذي زاد في وضوح مشهد هذه الصورة الجديدة هي مواقف الأمين العام للأمم المتحدة المؤتمن على سير وتحقيق العدالة بالنسبة للشرعية الدولية .

    صورة تكشف التباين بين مفهومين مختلفين للشرعية الدولية، مفهوم داخلي يتمثل فيما يجب أن تقوم به الأجهزة الأممية ومسؤولوها، وهذا ما تجلى من خلال ما صدر عن الأمين العام للأمم المتحدة تجاه ما يقترف في غزة، ومفهوم خارجي تمثل في مواقف وتصرفات  القوى الغربية العظمى، التي فرضت صيغة معينة لهذا المفهوم وقراءة واحدة ووحيدة له، ولم تجد صعوبة، و لا أدنى حرج، في إخضاع أجهزة الأمم المتحدة، خصوصا مجلس الأمن الدولي لهذه القراءة  والامتثال للصياغة الأحادية لمفهوم الشرعية الدولية .

    في خضم هذه التفاعلات الصعبة يجد العامل الأخلاقي موقعا متقدما له، متجسدا في إمكانية التعايش بين مفهومين متعارضين و مختلفين للشرعية الدولية، وفي استمرارية المسؤول الأول عن منظمة الأمم المتحدة في ممارسة مهامه بما يتعارض مع قناعاته المعبر عنها، ليس فقط فيما يتعلق بشخصه، ولكن أيضا فيما إذا كان المفهوم الخارجي للشرعية الدولية لا يحتمل أمينا عاما من هذه الطينة يتمرد في الوقت الذي يطلب منه الامتثال وتنفيذ الإرادات المملاة. وحتى وإن وقع التريث في إلغاء هذا النموذج، فإن  مرحلة الحسم قريبة، وآنذاك ستلقي الشرعية الخارجية بنظيرتها الداخلية خارج بناية مقر الأمم المتحدة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حديث الأسبوع: حينما يتفق الأعداء على أن يتفقوا.. بقلم // عبد الله البقالي

     

    باعدت السياسة بينهم لمسافات طويلة، وفرقت بينهم المصالح الاقتصادية، واحتدم بينهم الصراع حول النفوذ في العديد من مناطق العالم. وكاد الرأي العام يستسلم لقناعة ثابتة، فحواها أنه لم يعد هناك ما يجمع بين الكبار الأقوياء في العالم، بعدما وصل مستوى الخلافات والتباينات إلى مواجهات مسلحة تخوضها بعض الأطراف نيابة عن القوى الكبرى الحقيقية، التي تتحاشى لحد الآن المواجهة المباشرة، ربما لأنها تدرك أنها ستكون النهاية التي لا يرغب فيها أحد من هذه الأطراف، وأنه لن يكون هناك منتصر، ولكن المؤكد أنه سيكون هناك منهزمون.

    لكن وبصفة مفاجئة شد مسؤولو أكثر من 28 دولة، وعشرات من ممثلي الشركات التكنولوجية العملاقة الرحال إلى مدينة بليتشي في بريطانيا بدعوة من رئيس وزرائها للاجتماع في قمة، قيل إنها بحثت السلامة في استعمالات الذكاء الاصطناعي.

    ويبدو أنه تم اختيار مكان انعقاد هذه القمة بدقة متناهية، لأن مدينة بيلتشي البريطانية كانت تحتضن مركز فك الشفرات خلال الحرب العالمية الثانية، وهم جاؤوها هذه المرة في محاولة لفك شفرات الذكاء الاصطناعي المتطور.

    ومن حيث المبدأ، لم يكن طبيعيا ولا مستساغا أن تجالس جمهورية الصين الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، للتوقيع على تفاهم ما، بسبب التطاحن العنيف الذي يجري بين هؤلاء في السياسة كما في الاقتصاد كما على مد النفوذ في العالم، ولكنهم هذه المرة جلسوا وأنصتوا إلى بعضهم البعض، وخلصوا في زمن قياسي إلى اتفاق، ربما لإدراكهم أن التهديد الكبير الذي يحدق بهم لن يفرق بين الجنسيات ولا الملل ولا الديانات ولا الألوان، وهكذا وقعوا في سابقة خلال العقود الماضية بنفس الحبر،  وعلى نفس الوثيقة، على ما سموه بـ »إعلان بليتشي، من أجل تطوير آمن للذكاء الاصطناعي » وقيل إن الهدف منه يكمن « في وضع ناظم عالمي للذكاء الاصطناعي وإيجاد إطار عمل لتقييم الأخطار بصفة جماعية » في أفق صياغة اتفاقية دولية وإنشاء جهاز عالمي يتكفل بالتقييم والمتابعة.

    ما الذي أقنع الكبار المختلفين والمتصارعين على أن يضعوا كل خلافاتهم وأسلحتهم جانبا ويجلسون على طاولة واحدة في هذه الظروف الدقيقة والصعبة التي يجتازها العالم؟ 

    الجواب في غاية البساطة، ويكمن في أنهم استشعروا حقيقة الأخطار المحدقة بالتطور المهول في برمجيات الذكاء الاصطناعي، والذي سيقود بالضرورة إلى حالة انفلات تهدد مصير الكون برمته، خصوصا وأن المجتمع الدولي يفتقد إلى تشريعات وطنية أو عالمية، وأن الأمر متروك لتقديرات الحكومات القطرية و للفاعلين المتخصصين الذين قد يقودهم هوس مراكمة الأرباح المالية إلى ما من شأنه أن يسرع بنهاية محتملة للعالم المعاصر. 

    تخيفهم الأخطار والتهديدات التي يلقي بها التطور في مجال الذكاء الاصطناعي، لأنهم يدركون ويقتنعون أن له نماذج جديدة ومتجددة توفر فرصا كبيرة وسانحة للمجموعات الإرهابية، للإعداد لهجمات كيماوية  وتنفيذها في المواقع التي ينتقونها بدقة، وجعل الهجمات السيبرانية ممكنة على نطاق واسع وبفعالية لا حدود لها، وأنها تمكن المجموعات الصغيرة والكبيرة من فرص لا حدود لها للتلاعب بالرأي العام وشحنه بالمحتويات التي تخدم مصالح معينة، قد يكون كثير منها سياسيا واقتصاديا وعسكريا، ولكن قد يكون بعضها الآخر أيضا قيميا واجتماعيا، وأيضا تتيح الانفلات مما رسموه بدقة وخططوا له بإتقان فيما يتعلق بالسيطرة البشرية، ناهيك عن تداعيات أخرى مترتبة بصفة تلقائية عن تطور هذه النماذج،  تتعلق بارتفاع معدلات البطالة والفقر والهشاشة الاجتماعية.

    وإجمالا، فإنهم تنازلوا عن أنانياتهم المفرطة التي تصرفوا بها في باقي مختلف القضايا التي تهم البشرية، لأنهم يعون جيدا حجم التهديدات والأخطار التوليدية والمتجددة المتقدمة جدا والتي لا يمكن لأي أحد أو جهة اليوم، معرفة طبيعتها ولا أعدادها ولا حدود تأثيراتها. لذلك شدوا حقائبهم على وجه السرعة إلى مدينة تتوافق أبعادها الجغرافية مع ما هم بصدده للاتفاق على فك شفرات ما قد يكون قادرا على مواجهة التحديات المنتظرة والمتوقعة.

    والواضح، أنهم رغم توقيعهم على وثيقة مرجعية كخطورة أولى في مسار هذه المواجهة المنتظرة والتي ستمتد في الزمان، فإنهم لا يزالون في حالة ارتباك. فمنهم من يسارع الوقت لإنشاء معهد متخصص لدراسة ورصد وتقييم ما يتولد عن الذكاء الاصطناعي، كما هو عليه الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، بينما يطالب الآخرون، خصوصا من دول القارة العجوز بأهمية تشكيل مجموعة خبراء عالمية تشرع  في العمل بإنجاز تقرير مفصل حول أخطار الذكاء الاصطناعي كعملية تشريح ضرورية قبل الانتقال إلى مرحلة العلاج من خلال حلول فعالة، بيد أن فريقا ثالثا يقترح البداية بتجميع وحصر نماذج الذكاء الاصطناعي في سجل واحد في محاولة لضبطها والتحكم في إمكانيات تطورها.

    ومع ذلك، فإن هذا الاتفاق بين الكبار يخفي في طياته تنافسا مستترا بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين اللتين تستحوذان على الجزء الكبير من التكنولوجيات الحديثة، وهي الحاضنة الرئيسية للأخطار التي يجري الحديث عنها، ويقع التخطيط لمواجهتها.

    وفي هذا الصدد، هناك من ينبه إلى الخطورة البالغة التي يكتسيها تمكن هاتين القوتين الكبيرتين من تركيز وتجميع الصلاحيات والسلط والبرامج المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والأخرى التي تهم ترشيد هذا الذكاء وجعله آمنا في أياديها، ويطالبون بحتمية التعدد والتنوع.

    هكذا حينما تقتضي مصالحهم الاقتصادية والاستراتيجية الجلوس على طاولة البحث عن حلول، لا يترددون ولا يتأخرون، لكن حينما يتعلق الأمر بالأوضاع الإنسانية في العالم، وبإيقاف الحروب الفتاكة التي تمارس فيها إبادة البشرية، فإنهم يتضرعون بالخلافات وتباين التقديرات، وإن اقتضى الأمر تعطيل الشرعية الدولية إلى حين انتهاء المجرمين من تنفيذ جرائمهم ضد الإنسانية. 

    إقرأ الخبر من مصدره