Étiquette : عمر نجيب

  • عمر نجيب يكتب: التكتل الغربي أمام خطر التفكك وواشنطن تفتح بوابة الحرب على حماس وإيران

    هل يتطور التاريخ البشري بمعادلات ثابتة أو متبدلة؟ هذا سؤال يطرح كثيرا خاصة عندما يشهد العالم مواجهات كبرى بين أنظمة ودول تصنف بين الأقوى في حين ينتظر الأقل قوة معرفة الفائزين. التطور التاريخي هو عملية تراكمية من التغيرات غير العشوائية في المعارف، السلوكيات، والنظم، تتطور عبر الزمن.
    ولكن الموضوعية في كتابة التاريخ تصطدم بمقولة « المنتصرون يكتبون التاريخ » والتي تعني أن الفائزين في الحروب والنزاعات يفرضون روايتهم الخاصة للأحداث، ويصوغون السردية الرسمية التي تبرر أفعالهم وتهمش وجهة نظر المهزومين. تعكس هذه العبارة، التي ارتبطت بـونستون تشرشل ونابليون بونابرت، انحيازا تاريخيا، لكنها تواجه تحديات من التاريخ الشفوي والوثائق البديلة.
    تتلخص معادلة انهيار القوى العظمى، كما يوضحها المؤرخ بول كينيدي في كتابه « صعود وسقوط القوى العظمى »، في حدوث « تمدد إمبراطوري مفرط » (Imperial Overstretch)، حيث تتجاوز الالتزامات العسكرية والأمنية الدولية للدولة قدراتها الاقتصادية والإنتاجية، مما يؤدي إلى إنهاك الموارد، وضعف الاستثمار الداخلي، والأفول النسبي.
    عناصر معادلة الانهيار الرئيسية:
    التمدد المفرط: كثرة الحروب، والتدخلات الخارجية، والحفاظ على قواعد عسكرية واسعة النطاق مما يستهلك الخزينة.
    الاقتصاد المنهك: عدم القدرة على الموازنة بين الإنفاق العسكري (البنادق) والاستثمار الاقتصادي الداخلي ومستوى معيشة الشعوب.
    الأفول النسبي: صعود قوى منافسة اقتصادياً وتكنولوجيا، مما يقلل من نسب القوة الشاملة للدولة العظمى. عوامل داخلية: ضعف الشفافية في الأنظمة أو تزايد النزاعات الداخلية.
    يمكن تلخيص هذه الديناميكية في أن الدولة تنهار عندما تصبح تكلفة حماية مصالحها العالمية أكبر من العوائد الاقتصادية التي تجنيها، مما يمهد الطريق لفوضى داخلية أو ظهور قوى عظمى جديدة.
    في عالم مضطرب يتأرجح على حافة هاوية الصراع بين قوى حول شكل النظام العالمي الذي يمكن أن يسود العالم لفترة إبتداء من النصف الثاني من العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تتبدل الأوليات والاهتمامات بالنسبة للبعض، وتسود وسائل الإعلام الطاغية بفضل دعم المال على المشهد، ويتلاعب بعضها بالواقع ويقدم الأكاذيب كحقائق، وهكذا تتدحرج الأغلبية المغلبة على أمرها نحو مستقبل يحمل في طياته أخطارا لا يستطيع أحد قياس أبعادها.
     توارت اهتمامات وسائل الإعلام الأكثر تأثيرا وانتشارا على الصعيد الدولي، بحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة والاستيطان الصهيوني المتوسع فيما تبقى من أرض فلسطين التاريخية، وأساليب التعامل مع قرارات الأمم المتحدة بشأن حق الشعب الفلسطيني في دولته، وذلك رغم أن منطقة الشرق الأوسط تبقى المحور الأكثر ترشحا ليكون موقع المواجهة الأخطر بين الغرب والشرق.
     انتقل الاهتمام مرحليا نحو فنزويلا، ثم إلى المواجهة الأمريكية مع إيران وفرص اندلاع حرب محدودة أو عامة في المنطقة بمشاركة إسرائيل ومدى ارتباطها بالحرب في وسط شرق أوروبا، ثم جاءت المواجهة داخل التحالف الغربي ليس فقط بسبب رغبة الرئيس الأمريكي ترامب ضم جزيرة غرينلاند وكندا إلى الولايات المتحدة الأمريكية والامتداد ابعد منهما، بل لأنه يريد نهج أسلوب علاقات جديدة مع الحلفاء التقليديين يقوم على الهيمنة الكاملة وأولوية مصالح أمريكا بشكل مطلق حتى على حساب من تتحالف معهم.
    تسعى استراتيجية ترامب، القائمة على مبدأ « أمريكا أولاً »، إلى إعادة تشكيل التحالفات عبر الضغط على أوروبا لتتخلى عما بقي لها من استقلال وتحقيق تبعية استراتيجية واقتصادية كاملة ولتحويل ثقل كل قدراتها العسكرية والاقتصادية لتصبح مكملا للقوة الأمريكية، لأن ساسة البيت الأبيض يرون أن هذا الحشد للقوة وحده القادر على مواجهة التحالف الرباعي المتوسع الذي يضم الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران. وجهود واشنطن لضم كندا وغرينلاند هي خطوة أولية لتحقيق هذا الهدف.
    تطلب واشنطن من أوروبا زيادة مساهماتها العسكرية إلى ما يفوق 5 في المئة من دخلها القومي متجاهلة الأخطار التي ستنتج عن ذلك على المجتمع الأوروبي.
     هذه التطورات ولدت حتى الآن شرخا في علاقات التحالف الوثيقة التي سادت عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
     الرأي انقسم بين من يقدر أن الشرخ سوف يتسع ويولد تحالفات وتوازنات جديدة على الصعيد العالمي ومن يقدر أن أوروبا الغربية عاجزة حاليا خاصة سياسيا وبنخبتها الحاكمة الحالية عن مقاومة الإملاءات الأمريكية وأنها ستخضع وتساير الركب الأمريكي في مواجهته المصيرية مع القوى المنافسة.



    غزو أمريكي ومقاومة أفغانية

     يوم الثلاثاء 20 يناير 2026 أفادت صحيفة « ذا غلوب آند ميل » الكندية أن الجيش الكندي وضع نموذجا عسكريا يحاكي مواجهة غزو أمريكي افتراضي، مع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى التلميح بإمكانية ضم كندا.
    ونقلت الصحيفة عن مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى لم تسمهما أن « سيناريو الرد الكندي يرتكز على تكتيكات شبيهة بتلك التي استخدمها المجاهدون في أفغانستان لمقاومة القوات السوفيتية ثم الأمريكية لاحقا ».
    وبعد إعادة انتخابه عام 2024، أشار ترامب مرارا إلى كندا، الجارة الشمالية للولايات المتحدة، باعتبارها الولاية الأمريكية الـ51، مؤكدا أن الضم سيعود بالنفع على الكنديين.
    وأوضح المسؤولان لصحيفة « ذا غلوب » أنه في حال وقوع غزو، ستتمكن القوات الأمريكية من السيطرة على المواقع الكندية برا وبحرا في غضون يومين فقط.
    ونظرا لافتقار كندا للموارد العسكرية اللازمة لمقاومة الولايات المتحدة، فإن ردها سيكون على غرار حملة تمرد، تشمل الكمائن وتكتيكات الكر والفر، وفقا للتقرير.
    وذكرت الصحيفة أن النموذج الذي يتم تطويره « هو إطار تصوري ونظري، وليس خطة عسكرية، بل هو توجيه عملي وخطوات محددة لتنفيذ العمليات ».
    وذكرت الصحيفة أن الجيش الكندي يتوقع ظهور مؤشرات واضحة إذا خططت الولايات المتحدة لغزو كندا، بما في ذلك اتخاذها قرارا بإنهاء التعاون الثنائي في قيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية « نوراد ». وأضافت « ذا غلوب » أن كندا ستلجأ على الأرجح إلى بريطانيا وفرنسا لطلب المساعدة.



    شرخ تاريخي

    جاء في بحث كتبته إيليا ج. مغناير على الشبكة العنكبوتية يوم السبت 24 يناير 2026:
    في المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026 في دافوس، ألقى قادة غربيون خطابات تشير مجتمعة إلى شرخٍ تاريخي في النظام عبر الأطلسي. فقد عبر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في غضون ساعات قليلة، عما يمكن اعتباره إعلانا ضمنيا عن إعادة تموضعٍ ما بعد الهيمنة.
    اختلفت رسائلهما في الأسلوب والتركيز الوطني، لكنها اتفقت على تشخيصٍ واحد: النظام القائم على القواعد لم يعد فعالا، وأصبحت الولايات المتحدة تعامل حتى حلفاءها كأدوات للإكراه لا كشركاء في التبادل.
    يدرك الغرب أخيرا أنه عندما تدعوه الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات، فإنه ليس شريكا بل مجرد قائمة طعام.
    قد يبدو الأمر غير واقعي، لكن بعض القادة الأوروبيين يظهرون الآن مستوى من الانفصال الاستراتيجي يقارب الإنكار المؤسسي. ردا على تهديد دونالد ترامب الصريح بالاستيلاء على غرينلاند بالقوة، صرح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، خلال اجتماع دافوس لعام 2026: « ستدافع ألمانيا عن غرينلاند ضد التهديد الذي تشكله روسيا مهما كلّف الأمر ».
    لا مجال هنا لزلة لسان وليس مجرد ارتباك في الكلام، بل هو تناقض معرفي يكشف مدى انغماس بعض أفراد الطبقة السياسية الأوروبية في عقلية الحرب الباردة، حتى في مواجهة تحد مباشر وغير مسبوق من حليفهم المفترض.
    مع ذلك، تحدث كارني في دافوس عن « شرخ في النظام العالمي، ونهاية وهم جميل وبداية واقع مرير »، إنه واقع لم تعد فيه الجغرافيا السياسية مقيدة بحدود أو قواعد. لكن الحقيقة الأعمق هي أنه لم يكن هناك نظام عالمي حقيقي قط. لم يكن هناك سوى تحالف غربي يطلق على أسلوب هيمنته المفضل اسم « النظام العالمي ».
    إن « الواقع المرير » الذي يشير إليه كارني ليس انهيار القواعد، بل انهيار عدم التكافؤ. لم يخضع الغرب نفسه لحدود أو قيود عندما كانت مصالحه أو مصلحة حلفائه على المحك. لطالما تم تبرير الحروب والجرائم وتغيير الأنظمة والتوسع الإقليمي والانتقائية في تطبيق الشرعية، أو التغاضي عنها، أو محوها عندما ارتكبها أعضاء هذا النظام الغربي.
    ما قيل لريكس تيلرسون، بحسب التقارير، عندما تولى منصب وزير الخارجية الأمريكي – أن حقوق الإنسان والديموقراطية والقيم تنطبق على الأعداء لا الأصدقاء – لم يكن انحرافا عن الواقع. لقد انقلبت الأمور رأسا على عقب. القواعد التي كانت تفرض على الخصوم تفرض الآن داخل المعسكر الغربي نفسه. لم يعد الصراع محصورا بين الغرب ومنافسيه الخارجيين، بل بين « الأصدقاء » السابقين أنفسهم، إذ تسعى القوة الأقوى إلى نبذ الوهم المتعدد الطرف القديم وفرض قواعدها الأحادية على الحلفاء والمنافسين على حد سواء.
    أولئك الذين بنوا ما يسمى « النظام الدولي القائم على القواعد » واستفادوا منه، يعلنون الآن بهدوء نهاية التزامهم به، ويكشفون زيفه. عندما تقر شخصيات مثل مارك كارني وإيمانويل ماكرون بأن النظام كان يطبّق في شكل انتقائي و »مزيف جزئيا »، فإن هذا اعتراف بالانهيار. لم يكن نفاق الغرب وليد الصدفة، بل كان المنطق المتبع للنظام. ما تغير هو اتجاه تطبيقه.
    فالآلية التي كانت تستخدم ضد الجنوب العالمي والخصوم توجه الآن ضد أوروبا والقوى الغربية المتوسطة نفسها. لم ينهار النظام لأنه كان ظالما، بل لأنه غير متكافئ لصالح من صمموه.
    كان خطاب ماكرون أكثر حدة من الناحية السياسية. فبينما تحدث كارني بمصطلحات نظرية، سمى الرئيس الفرنسي آليات الإكراه وحدد الخصم. أعلن أن العالم يدخل مرحلة بلا قواعد، حيث يداس القانون الدولي ويسود قانون الأقوى. اتهم القوى الكبرى بإضعاف الحوكمة الجماعية وتفريغها من مضمونها.
    المؤسسات متعددة الطرف. وفي قطيعة حاسمة مع عقود من الخطاب الدبلوماسي عبر الأطلسي، وصف الولايات المتحدة علنا بأنها مصدر عدوان اقتصادي على أوروبا.
    يشكل هذان الخطابان معا حربا أهلية غربية حول معنى التحالف والسيادة والتكامل. هذا الواقع يجبر « أوروبا على الاستقلال »، كما صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلايين.



    نهاية حصانة التحالفات

    صور القادة انهيار النظام القائم على القواعد لا على أنه فشل في التنفيذ، بل على أنه تحول بنيوي. أقر كارني بأن النخب الغربية كانت تعلم دائما أن النظام يطبق بشكل انتقائي، لكن نفاقه كان يتسامح معه لأنه يحقق فوائد ملموسة. ذهب ماكرون أبعد من ذلك، معلنا أن النظام نفسه يتفكك الآن، ليحل مكانه تنافس لا هوادة فيه، وطموحات إمبريالية، وحرب اقتصادية. الجديد ليس تشخيص الفوضى، بل الاعتراف بأن الولايات المتحدة أصبحت الآن أحد مهندسيها الرئيسيين.
    اتهم ماكرون واشنطن صراحة بالسعي وراء اتفاقيات تجارية تهدف إلى تقويض مصالح التصدير الأوروبية، والمطالبة بأقصى قدر من التنازلات، وفرض تعريفات جمركية غير مقبولة، واستخدام الضغط الاقتصادي كوسيلة ضغط ضد السيادة الإقليمية. وهو لم يخف هذا الاتهام بلغة مبهمة أو يعزوه إلى سوء فهم، بل وصفه بالتبعية.
    وتجنب كارني، بأسلوب أكثر دبلوماسية، تسمية الولايات المتحدة، لكن نقده كان موجها في شكل لا لبس فيه إلى سلوك واشنطن. ويتطابق وصفه للتكامل الذي أصبح مصدرا للتبعية، والترابط الاقتصادي الذي تحول إلى إكراه، تماما مع سياسة العقوبات الأمريكية، وتصعيد التعريفات الجمركية، والامتيازات المالية خارج الحدود، وحرب السياسة الصناعية. ويمثل هذا التقارب نقطة تحول حاسمة. فللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، يقر كبار القادة الغربيين علنا بأن التحالف لم يعد يحمي من العنف الاقتصادي الأمريكي.



    غرينلاند كخط أحمر للسيادة

     
     إن أكثر الأحداث واقعية ورمزية وإثارةً للجدل التي تربط بين الخطابين هي قضية غرينلاند. إن إصرار ترامب العلني على ضم غرينلاند – أولا عن طريق الشراء، ثم عن طريق الترهيب، وأخيرا عن طريق التهديدات المبطنة باستخدام القوة وفرض تعريفات جمركية عقابية – حول قضية القطب الشمالي الراكدة منذ زمن طويل إلى نقطة تمزق جيوسياسي.
    أشار ماكرون صراحة إلى استخدام التعريفات الجمركية كوسيلة ضغط على السيادة الإقليمية، وأكد انضمام فرنسا إلى مناورة عسكرية مشتركة في غرينلاند لدعم الدنمارك. لم يكن هذا تضامنا كلاميا، بل كان إشارة إستراتيجية.
    عارض كارني في شكل مباشر التعريفات الجمركية المرتبطة بنزاع غرينلاند، وأكد مجددا التزام كندا بحلف الناتو وسيادة الحلفاء، محذرا في الوقت نفسه من أن التكامل الاقتصادي يستخدم الآن كسلاح للضغط.
    حققت قضية غرينلاند ما عجزت عنه أعوام من النقاش الاستراتيجي، إذ أظهرت في شكل ملموس أن الولايات المتحدة تتعامل الآن مع أراضي الحلفاء على أنها قابلة للتفاوض، وأن التزامات التحالف مشروطة. لم تناقش غرينلاند كشريك، بل كأصل. لم يكن لشعبها أي أهمية، وسيادة الدنمارك مجرد عائق. كان الأهم هو السيطرة على طرق النقل في القطب الشمالي، والمعادن الأرضية النادرة، والمواقع العسكرية، وبسط النفوذ المستقبلي. بالنسبة لأوروبا، كانت غرينلاند بمثابة كشف الحقيقة. أظهرت أوكرانيا ثمن التحالف، وكشفت غرينلاند عن طبيعتها.



    الحرب الجيو- اقتصادية


    كسر رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر عقودا من الخضوع عبر الأطلسي عندما رد بصراحة غير معهودة على تهديدات ترامب في شأن غرينلاند وابتزازه بالتعريفات الجمركية: « يجب أن نرد على هذا، لا جدوى من التساهل بعد الآن ». إذا قال أحدهم: « أريد أن آخذ منكم أراضي الناتو، وإلا سأبدأ حربا تجارية، فسنبدأ حربا تجارية ». لم يكن هذا تصعيدا كلاميا. كان ذلك بمثابة اعتراف بأن التحالف لم يعد يشكل درعا واقية من الإكراه. يشير تصريح دي ويفر إلى أن القادة الأوروبيين باتوا يستوعبون حقيقة طالما رفضوا الاعتراف بها: الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام التعريفات الجمركية والضغوط التجارية والإقليمية كسلاح حتى ضد حلفاء الناتو، ولم يعد بإمكان أوروبا الصمود بتحمل الإذلال في صمت. ولأول مرة، ينظر إلى الرد على الإكراه الأمريكي علنا على أنه دفاع مشروع عن النفس، وليس خرقا غير مقبول لقواعد التحالف.
    من جانب واشنطن، التصعيد واضح لا لبس فيه. فقد هددت الدول الأوروبية بفرض تعريفات جمركية بسبب غرينلاند، وما زالت أنظمة العقوبات سارية. أدت إعانات السياسة الصناعية بموجب قانون خفض التضخم إلى هروب رؤوس الأموال وتراجع الصناعة في أوروبا. وما زالت الحصانة المالية خارج الحدود الإقليمية تقيد الشركات والحكومات الأجنبية. من جانب الصين، حدد ماكرون فائضا هائلا في الطاقة الإنتاجية، وتدفقا صناعيا هائلا، وضوابط على الصادرات، وممارسات مشوِهة تهدد بإغراق القطاعات الأوروبية.
    والنتيجة هي أن أوروبا تجد نفسها الآن عالقة في حركة كماشة بين قوتين تتعاملان معها كأداة. هذا تحول مفاهيمي حاسم. لم تعد أوروبا تصنف كشريك في بناء النظام الغربي، بل يعاد تموضعها كساحة تابعة في صراع القوى العظمى.



    التظاهر الأخلاقي

    من أكثر الفقرات دلالة في خطاب ماكرون رفضه لمسارين: القبول السلبي لقانون الأقوى الذي يؤدي إلى التبعية، والتعليق الأخلاقي البحت الذي يؤدي إلى التهميش. هذا اعتراف بقدر ما هو وصفة.
    يقر ماكرون بأن أوروبا بدأت بالفعل بالانزلاق نحو التبعية. كما يقر بأن عقودا من الخطاب الأخلاقي حول القيم والقانون الدولي قد حلت مكان الاستقلال الاستراتيجي، ما سمح باستمرار التبعية الهيكلية دون مقاومة.
    ويشير كارني إلى الفكرة نفسها بأسلوب مختلف، إذ يتحدث عن المشاركة الشكلية، والامتثال الظاهري، والصمت المتعمد. ويقر بأن القوى الغربية المتوسطة قد دعمت عن قصد وهما لأنه كان مفيدا. كانت الشرعية مرتبطة بالمعاملات، لا بالأخلاق. ويقول هذان الزعيمان معا إن رد الفعل القديم المتمثل في الاختباء وراء اللغة المعيارية مع استيعاب الخسائر المادية لم يعد مجديا.



    السيادة الاقتصادية كضرورة وجودية


    تعد وصفة ماكرون الاستراتيجية صريحة وجذرية وفقا للمعايير الأوروبية. فهو يدعو إلى الحماية، وتفضيل المنتجات الأوروبية، واتخاذ تدابير مماثلة، ونشر آلية مكافحة الإكراه، وأدوات الدفاع التجاري، والتمييز الاستراتيجي في الوصول إلى الأسواق، وتقليل مخاطر سلاسل التوريد. ويعلن صراحة أن أوروبا كانت ساذجة بشكلٍ فريد، إذ تركت أسواقها مفتوحة بينما حمى الآخرون أسواقهم. هذا ليس خطاب دافوس النيوليبرالي، بل هو قومية صناعية ما بعد ليبرالية. ماكرون يضفي الشرعية على الرد ليس فقط على الصين، بل على الإكراه الاقتصادي للحلفاء أيضا. ولأول مرة، يصرح زعيم أوروبي بارز علنا بأن أوروبا يجب أن تكون مستعدة لمواجهة حتى حلفائها عندما تنتهك قواعد اللعبة.
    يعترف ماكرون صراحة بأن أوروبا أضعف هيكليا من الولايات المتحدة، ويقر بفجوة الناتج المحلي الإجمالي للفرد، وعجز الابتكار، ونقص الاستثمار، وهروب رؤوس الأموال، والهشاشة المزمنة، وتآكل القدرة التنافسية. ويعزو معظم فجوة الدخل بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى اختلافات الابتكار وعدم تناسق الاستثمار. هذا ليس تراجعا دوريا، بل هو تدهور بنيوي.
    لم يتآكل النظام عبر الأطلسي، بل انهار. ويؤكد تحليل كارني هذا ضمنيا. لم يعد التكامل يحقق التقارب، بل يرسي التسلسل الهرمي. ولم يعد الترابط يوزع المكاسب، بل ينقل الإكراه. معا، يصفان الواقع نفسه من ضفتي الأطلسي: أوروبا تنقل من مركز قوة إلى تبعية مدارة. نهاية للصفقة المهيمنة الغربية. ولا لبس في توليف الخطابين. يعلن كارني أن الصفقة القديمة لم تعد مجدية. ويعلن ماكرون أن الخضوع يفضي إلى التبعية. ويتفق كلاهما على أن التعددية لم تعد إطارا للحكم، بل أداة دفاعية متبقية للضعفاء. إنهما لا يدافعان عن النظام القديم، بل يؤرخانه.



    نهاية تحالف


    جاء في تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية تحت عنوان هل انتهى تحالف الغرب؟.
     شكل التحالف الغربي بين الولايات المتحدة وأوروبا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إحدى الركائز الأساسية للنظام الدولي. بيد أن هذا التحالف التاريخي أصبح اليوم محل شك متزايد، وتساءلت الصحيفة في تقرير أعده ديفيد لونو رئيس مكتب الصحيفة في المملكة المتحدة، وماركس ووكر رئيس مكتب جنوب أوروبا، عما إذا كان قد وصل إلى مرحلة الانهيار. واستهل الكاتبان تقريرهما بالإشارة إلى تصريح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، خلال لقاء مع قادة أعمال في برلين، الذي قال فيه إن « ما كنا نسميه سابقا الغرب لم يعد موجودا »، مضيفا أن الأمريكيين منشغلون بتحقيق أولوياتهم وأن على أوروبا فعل ذلك أيضا. وقد تزايد التوتر بين الطرفين بعد صدور أحدث نسخة من إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية، التي انتقدت فيها واشنطن الاتحاد الأوروبي واتهمت قادته بالفشل، وأشارت إلى سياسات الهجرة بوصفها تهديدا للهوية الأوروبية. وجد كثيرون في أوروبا الوثيقة « ورقة طلاق »، وفق الصحيفة، ووصفها المؤرخ البريطاني تيموثي غارتون آش بأنها « إعلان حرب سياسية على الاتحاد الأوروبي ».
    واستعرضت وول ستريت جورنال أسباب هذا التحول المفاجئ ظاهريا، مشيرة إلى تحولين رئيسيين في نظرة الولايات المتحدة إلى أوروبا والعالم.
    ويتمثل العامل الأول في تراجع الوزن الاقتصادي والعسكري والديمغرافي لأوروبا مقارنة بآسيا، مما دفع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، منذ عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، إلى تحويل تركيزها الإستراتيجي نحو الصين.
    أما التحول الثاني فيكمن في ازدراء إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمؤسسات متعددة الأطراف، إذ ترى القيادة الأمريكية في قواعد هذه المنظمات عائقا أمام تحقيق مصالح الولايات المتحدة.
    وفي هذا الصدد أكدت لوريل راب، الباحثة المسؤولة عن ملف أمريكا الشمالية في تشاتام هاوس، للصحيفة أن العلاقة السابقة القائمة على « الديمقراطية وحقوق الإنسان » تحتضر.
    وأوضحت أنه على أوروبا الآن التفاوض على اتفاق جديد تماما مع الولايات المتحدة قائم على « التجارة والصفقات ».
    بجانب توجه الإدارة الأمريكية الحالية، أشارت وول ستريت جورنال إلى أن جزءا كبيرا من التوتر الحالي يعود إلى خلاف جوهري حول تعريف « الغرب » والقيم الأساسية التي قام عليها التحالف الغربي منذ الحرب العالمية الثانية.
    وأضافت أن هناك مسؤولين في إدارة ترامب يرون أن أوروبا تقوض الحضارة الغربية من خلال سياسات الهجرة المنفتحة، ويعتبرون أن النخب الأوروبية تفرض أجندات تنوع ثقافي على حساب حرية التعبير و »الهوية الغربية التقليدية ».
    في المقابل -تتابع الصحيفة- يرد قادة أوروبيون على هذه الانتقادات بأن القيم الديمقراطية لا تقاس بالعرق أو الدين، ويشيرون إلى أن دولهم تحقق اليوم نتائج أعلى من الولايات المتحدة في مؤشرات الديمقراطية.
    وحسب ما نقلته وول ستريت جورنال عن جورجيوس فاروكساكيس، مؤلف كتاب « الغرب: تاريخ فكرة »، فإن مفهوم « الغرب » غير ثابت، وشهد تحولات عميقة عبر التاريخ، وظل موضع جدل وإعادة تعريف مستمرة أوصلته إلى شكله الحالي.
    ويرى الباحث أن التحولات الاجتماعية المتراكمة في الولايات المتحدة وأوروبا جعلت من غير الممكن اليوم حصر الهوية الغربية في إطار عرقي أو ديني، وقال: « لقد فات الأوان للقول إن الغربي يجب أن يكون أبيض ومسيحيا ».



    تبدل القيادة في واشنطن

    وتؤكد وول ستريت جورنال أن التحالف الغربي لا يزال يحظى بداعمين داخل الولايات المتحدة.
    ويرى مراقبون أن حدوث تغيير في القيادة الأمريكية كفيل بتخفيف حدة التوتر، حتى لو لم تعد الأولويات السياسية متطابقة كما في العقود السابقة. لكن بعضهم، مثل المؤرخ آش، يرون أنه لا يمكن استعادة ثقة أوروبا بأن « الولايات المتحدة تقف دائما إلى جانبنا ».
    وخلص التقرير إلى أن العداء الأمريكي للاتحاد الأوروبي يصب عمليا في مصلحة موسكو، التي سعت تاريخيا إلى إقصاء واشنطن عن أوروبا وتفكيك وحدتها السياسية.
     نشرت صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية، مقال رأي كتبه جون ثورنهيل بعنوان « شكراً دونالد، أوروبا ستتولى الأمر من الآن »، ويستهله الكاتب مشيرا إلى ضرورة أن تسعى القارة الأوروبية جاهدة لفك ارتباطها بالولايات المتحدة.
    ويقول الكاتب « إنه قد يحين وقت ما يشكر فيه الأوروبيون ترامب على أنه دفعهم إلى اتخاذ ما كان ينبغي لهم اتخاذه منذ زمن طويل »، أي « إعادة تأكيد استقلالهم العسكري والتكنولوجي ».
    ويضيف أنه على مدى سنوات، اتسم الموقف الاستراتيجي الأوروبي بالتفاؤل والاستعداد لأفضل السيناريوهات، بيد أن رسالة ترامب في منتدى دافوس مؤخرا جاءت صريحة مفادها « أنه يتعين على أوروبا أن تستعد للأسوأ »، ورغم تراجع ترامب الظاهري عن الخيار العسكري ضد غرينلاند وعن فرض تعريفات جمركية عقابية على مؤيديها الأوروبيين، « ظل عداءه تجاه أوروبا حادا، وقد آن الأوان أن تستوعب أوروبا هذه الرسالة، « وأن تقطع ثمانية عقود من التبعية، وتسلك طريق الاعتماد على الذات حيثما أمكن ».
    ويرى الكاتب أن سعي أوروبا إلى تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة يمثل تحديا بالغ التعقيد، فكثيرون يرون استحالة ذلك، في ضوء عمق الروابط الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والعسكرية العابرة للأطلسي، إلا أن هذا المسعى يظل ضرورة حتمية، وأن كندا قدمت نموذجا يحتذى به.
    ويقول الكاتب إن الاتحاد الأوروبي بدأ بالفعل استنساخ النهج الكندي، من خلال تعزيز الاستثمار في التكنولوجيا، والعمل على توسيع شراكات تجارية مع أمريكا الجنوبية والهند، بغية موازنة الثقل الأمريكي، وهو ما دفع رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في دافوس إلى التصريح بأنه « حان الوقت لاغتنام الفرصة وبناء أوروبا جديدة مستقلة ».
    وعلى الرغم من ذلك يلفت الكاتب إلى أنه سيكون من الصعب على أوروبا أن تفك ارتباطها بالمنظومة التكنولوجية الأمريكية، فوفقا لأحد التقديرات، تهيمن ثلاث شركات أمريكية على نحو 65 في المئة من سوق الحوسبة السحابية في أوروبا، كما تسيطر الشركات الأمريكية على تقنيات الذكاء الاصطناعي الأساسية، وأشباه الموصلات، ومحركات البحث، ومنصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة داخل القارة.
    ويرى الكاتب أنه حتى إن تعذر على أوروبا إحلال جميع هذه الخدمات محل البديل الأمريكي، فبإمكانها اتّخاذ خطوات أوسع لتعزيز قطاعها التكنولوجي، ويقول إن تعميق السوق الموحدة أكبر إسهام يمكن أن يقدمه القادة الأوروبيون في هذا السياق، كما يمكنهم العمل على تعبئة مزيد من رؤوس الأموال الخاصة الداعمة للنمو، لدعم الشركات الناشئة، وتشجيع الحكومات والشركات على تبنّي سياسة « الشراء الأوروبي أولا ».
    ويقول لويس غاريكانو، أستاذ الاقتصاد في كلية لندن للاقتصاد، إن أوروبا « كانت في أمس الحاجة إلى صدمة خارجية »، مضيفا أنه إذا نجحت سياسة ترامب في جمع أوروبا حول إصلاحات عملية وحكيمة، « ستكون المنطقة في وضع أقوى بعد 20 عاما ».
    ويختتم الكاتب ثورنهيل مقاله مشيرا إلى أنه في ظل تنامي الإرادة الأوروبية للتغيير، تظل التحديات الكبيرة قائمة، فترامب غير محبوب إطلاقا في أوروبا، ومع ذلك فإن مواجهته قد تساعد في تقويض نفوذ القوميين الشعبويين، الذين يتمتعون بحضور قوي في القارة، وكما أجبرت الضغوط الشرقية أوروبا على توحيد جبهتها خلال الحرب الباردة، قد تجبر التهديدات القادمة من الغرب اليوم أوروبا على تجديد نفسها وتحقيق نهضة جديدة.



    غزة وإيران

    بعيدا عن ساحة المواجهة غير الدامية والسياسية حتى الآن بين الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تغاضت وسائل الاعلام الغربية عن ساحات الصراع الأكثر خطرا التي تتشكل في الشرق الأوسط.
    يوم 21 يناير 2026 هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ »تدمير » حركة حماس في حال رفضت التخلي عن سلاحها، مؤكدا أن الساعات المقبلة ستكون حاسمة لمعرفة موقف الحركة من هذا الشرط، وذلك خلال كلمته في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي.
    وقال ترامب إن إدارته « ستعرف قريبا ما إذا كانت حماس ستوافق على نزع سلاحها »، مضيفا أن رفض ذلك سيقود إلى « نهاية حماس بالكامل ». وزعم ترامب أن ما وصفه بـ »نزع السلاح » يمثل شرطا أساسيا لأي مسار سياسي أو أمني مقبل في المنطقة، مؤكدا أن هذا المسار هو « الطريق الوحيد لحماية السلام العالمي ».
     في نفس التوقيت تقريبا قالت هيئة البث الإسرائيلية، السبت 24 يناير 2026، إن « تقديرات للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية تشير إلى أن زيادة الانتشار العسكري الأمريكي الأكثر كثافة منذ سنوات قد يكون مقدمة لهجوم على إيران، أو كتهديد عسكري ذي مصداقية مصمم للضغط على إيران.
    ونقلت الهيئة البث عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إنه « في حال وقوع هجوم على إيران سيتم إبلاغ المواطنين مسبقا وبشكل كاف ».
    والخميس، قال ترامب، إن « قوة عسكرية هائلة تتجه نحو إيران »، التي قال إنه « يراقبها عن كثب ».
    وأوضح ترامب: « لدينا الكثير من السفن في طريقها إلى المنطقة. كما أن لدينا حاملة طائرات متجهة إلى هناك أيضا. وأكد ترامب أن على إيران تفكيك برنامجها النووي وإزالة صواريخها.
     وذهب الرئيس الأمريكي إلى التهديد بإن الولايات المتحدة ستقوم بـ »محو إيران من على وجه الأرض » في حال تعرضت حياته لأي تهديد، في تصعيد غير مسبوق في لهجته تجاه طهران.
    وجاءت تصريحات ترامب ردا على سؤال لقناة « نيوز نيشن » بشأن تهديدات إيرانية محتملة تستهدفه، حيث قال: « لا ينبغي لهم فعل ذلك، لكنني حذرتهم: إذا حدث أي شيء، فستنفجر الدولة بأكملها (إيران)… لدي تعليمات واضحة جدا، إن حصل أي شيء فسيتم محوهم تماما ».
    وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من تحذير أطلقه رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، أكد فيه أن إيران مستعدة لتلقين ترامب « درسا لا ينسى » في حال اتخذ قرارا بمهاجمة الجمهورية الإسلامية.
     تحذير لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني جاء في ظل تصاعد غير مسبوق في التوتر بين إيران والولايات المتحدة، على خلفية تبادل تهديدات مباشرة بين الجانبين. فقد لوّح مسؤولون إيرانيون، بينهم الرئيس مسعود بزشكيان، بأن أي استهداف للمرشد الأعلى علي خامنئي سيعد إعلان حرب شاملة، ويستدعي ردا واسعا.
      عمر نجيب

    [email protected]

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عمر نجيب يكتب: العالم يواجه خيارا بين السلم والحرب مع نهاية نظام القطب الواحد..

    بخطى حثيثة تزداد تسارعا ينتقل العالم من نظام أحادي القطب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية إلى وضع جديد قد يكون متعدد الأقطاب، أو نظام مختلف ينبعث مما سيتبقى من عالم بعد حرب عالمية ثالثة.

    في المرحلة الحالية مع حلول الربع الأخير من سنة 2025 يظهر أن قادة الغرب الحاليين في غالبية دول أوروبا والولايات المتحدة غير مستعدين أو غير مقتنعين بأن استمرار النظام الأحادي القطب محكوم عليه بالزوال، ويؤمنون أنه من الممكن تعديل المسار وإلحاق الهزيمة بالقوى التي تسعى للتغيير ولو كان ذلك بركوب مخاطر حرب نووية عالمية.

     حرب إسرائيل على الشعب الفلسطيني ومشروع إسرائيل الكبرى، والحروب المباشرة أو بالنيابة في سوريا ولبنان وإيران والسودان وليبيا واليمن وجهود زعزعة الاستقرار في الساحل الأفريقي والمغرب العربي، والمجازر البشرية التي تمولها الشركات المتعددة الجنسية التي تستغل ثروات ما يوصف بدول أفريقيا السوداء ليست سوى جزء من استراتيجية الغرب لمنع انهيار هيمنته ومواصلة اغتنائه على حساب الشعوب الأخرى.

     تعتبر السياسات الحمائية التي اعتمدتها الإدارة الجمهورية في ظل رئاسة ترامب مدخلًا لمواجهة مباشرة بين بكين وواشنطن، مما قد يؤدي إلى صراعات لحسم انتقال النظام العالمي. 

    كما أن هناك توقعات بتصاعد المخاطر الجيوسياسية، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط، بسبب الصدام المحتمل بين واشنطن مع كل من موسكو وبكين. 

     النظام العالمي الأحادي القطب الذي ساد بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي في بداية عقد التسعينيات من القرن العشرين قام على تفوق القدرات العسكرية والاقتصادية الأمريكية المعززة بالتحالفات الأوروبية، ولكن هذه الوضعية لم تكن مستدامة، حيث استطاعت روسيا بقيادة بوتين الخروج من مسار الانحدار والتفسخ، وخلال ثلاثة عقود تمكن الكرملين من استعادة معادلة الردع العسكرية مع الغرب. الصين واصلت صعودها الهادئ اقتصاديا وعسكريا متجاهلة محاولات استدراجها إلى مواجهات مكلفة اقتصاديا عسكريا في انتظار اكتمال عناصر القوة التي تمكنها من خوض مواجهة مصيرية مع الغرب.

     دول ما يسمى بالعالم الثالث سواء في الشرق الأوسط أو أفريقيا وأمريكا الجنوبية شرعت في الكثير من الأحيان بخجل وبطء في التحرر من إملاءات البيت الأبيض. سياسة الهيمنة والتسلط الأمريكية تجاه بقية دول العالم حتى مع من كانوا يعتبرون حلفاء لها كانت مكلفة اقتصاديا، وقد سقطت واشنطن هنا في وهم القوة المطلقة فأنفقت مئات بل آلاف ملايير الدولارات ولكن على حساب دول العالم بأوراق خضراء تطبع بدون تغطية أو في شكل سندات دين.

    وقد تجاوز إجمالي الديون الأمريكية رسمياً حاجز الـ37 تريليون دولار لأول مرة في التاريخ، بحسب بيانات وزارة الخزانة الأمريكية. ويرفع هذا إجمالي الديون الأمريكية إلى 780 مليار دولار منذ رفع سقف الدين عقب توقيع قانون «مشروع القانون الكبير الجميل» في 4 يوليو 2025.

    وأصبح على الولايات المتحدة سداد 9000 مليار دولار من الديون وفوائدها خلال السنة المالية 2024 – 2026. وحسب تقرير لمكتب إدارة الدين في وزارة الخزانة، ورد أنه اعتباراً من الثلاثين من أبريل من عام 2025، تبلغ نسبة الديون التي تستحق السداد خلال عام 2026 من إجمالي الدين العام 31.4 في المئة. يعادل مقدار الديون المطلوب إعادة تمويلها حوالي 11 تريليون دولار. مع العلم أن الحكومة الأمريكية تضيف كل 100 يوم 1000 مليار دولار إلى ديونها.

    الدين العام العالمي تجاوز 100 تريليون دولار بنهاية عام 2024، وفقا لصندوق النقد الدولي، وهو أعلى من القيمة الإجمالية للأموال المسجلة عالميا المقدرة بـ 80 تريليون دولار وفقا لمنصة « وورلد ببيوليشن ريفيو ». ويتوقع الصندوق أن ترتفع الديون إلى مستوى يعادل 100 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2030.

    وتشكل ديون الولايات المتحدة الجزء الأكبر من هذه الديون، حيث بلغت في عام 2024، ما يعادل 34.6 في المئة من الإجمالي العالمي، استنادًا إلى بيانات وزارة الخزانة الأمريكية.

    وعلى الرغم من تحذير وزيرة الخزانة الأميركية السابقة جانيت يلين في يناير 2023 من مخاطر استمرار ارتفاع الديون، إلا أن الحكومة الأمريكية واصلت الإنفاق الجنوني.



    صعود الصين

    جاء في تقرير نشرته وكالة « دي فيلت » الألمانية في برلين يوم السبت 6 سبتمبر 2025:

     قمة ثلاثية جمعت الرئيس الصيني بنظيريه الروسي والكوري الشمالي، اختتمت بعرض عسكري مهيب في بكين، رسم ملامح نظام عالمي جديد يتحدى الهيمنة الأمريكية. فكيف نجحت الصين في صعودها المذهل وخداع الغرب بهدوء خلال ثمانية عقود؟.

     « لا يمكن إيقاف الصين »، تحذير كان من أبرز ما قاله الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال عرض عسكري ضخم توسط خلاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، توج أسبوعا من النشاط الدبلوماسي للرئيس شي وحلفائه في مواجهة الغرب. الرسالة كانت واضحة وضوح الشمس في النهار واستعراض للقوة يتحدى الهيمنة الأمريكية في وقت حساس تجتازه العلاقات الدولية. ففي صورة مثيرة، توسط الرئيس شي نظيريه من كوريا الشمالية كيم جونغ أون، والروسي فلاديمير بوتين أثناء العرض العسكري في بكين الثالث من سبتمبر 2025 

    وأظهرت مشاهد غير مسبوقة، لشي وهو يتحدث إلى ضيفيه أثناء المشي على السجادة الحمراء في ساحة تيان أنمين في بكين. المناسبة كانت إحياء ذكرى مرور ثمانين عاما على انتهاء الحرب العالمية الثانية، استغلتها الصين لبعث رسالة لا يشوبها الغموض وهي نهاية هيمنة الأحادية القطبية للغرب على العالم، حيث حذر شي في مستهل خطابه، من أن العالم « يواجه خيارا بين السلم والحرب ». مشاهد بالغة الرمزية تُسرع إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية الكبرى في العالم. إنه تحالف جديد في طور التبلور، قد يطبع هذا العقد وربما يترك بصمته على القرن الحادي والعشرين برمته. فالأمر لم يكن مجرد استعراض للقوة، بل إعلانا صريحا عن تعاظم الروابط بين أنظمة تقف في مواجهة صريحة ضد الهيمنة الأمريكية. 

    صحيفة « سيدني مورنينغ الأسترالية في الثالث من سبتمبر رأت في هذا المشهد « تجسيدا حيا لما بات يوصف بين المحللين الغربيين بـ »محور الاستبداد »، حيث تجتمع قوى معاقبة ومنبوذة من الغرب في جبهة واحدة، محور يقوم على العداء المشترك للولايات المتحدة ونظامها الدولي الليبرالي. ولمن يجدون أنفسهم على هامش النظام العالمي الحالي، من دول وقادة وشعوب، تبدو الصين كقوة ملهمة، أو ربما كمرشد جديد لعالم تتعدد فيه الأقطاب وتتراجع فيه سطوة القوة الأمريكية التقليدية. صعود بكين لا يعِد فقط بنظام عالمي جديد، بل بمنظومة قِيَمية مختلفة، تتحدى النموذج الديمقراطي الغربي، وتطرح بديلا قد يبدو أكثر جذبا لبعض الدول التي تبحث عن الاعتراف والدعم خارج المظلة الأمريكية. ومع ذلك، لا تزال الأسئلة مطروحة بشأن مدى عمق هذا التحالف الجديد: هل كان العرض العسكري مجرد استعراض بصري للقوة، أم أنه يمثل نقطة تحول استراتيجية حقيقية؟ المستقبل وحده، تقول الصحيفة، هو من سيجيب على هذا السؤال ».



    كيف أصبحت الصين قوة عظمى؟

    صعدت الصين بهدوء وصمت مثيرين إلى مصاف القوى العظمى العالمية، من خلال استراتيجية شاملة ومدروسة بعناية فائقة، بدأت أواخر سبعينيات القرن العشرين، حين شرعت في فتح اقتصادها تدريجيا على الاقتصاد الحر بقيود منظمة، وركزت على التصدير وجذب رؤوس الأموال الأجنبية. هذه الخطوات لم تؤد فقط إلى نمو اقتصادي مذهل، بل أرست أيضاً أسس قوة شاملة تتجاوز الاقتصاد إلى التأثير السياسي، الدبلوماسي والثقافي على الصعيد العالمي. فقد تمكنت الصين بسرعة فائقة من الاندماج في طرق التجارة العالمية، قبل الشروع في بناء شبكتها الخاصة من النفوذ عبر مشاريع بنى تحتية طموحة مثل مبادرة « الحزام والطريق ».

    مبادرة عززت مكانتها كقوة تجارية عالمية مع ضمان الوصول الاستراتيجي إلى الموارد الحيوية وأسواق الطاقة حول العالم. وبات الغرب يعتمد اليوم بشكل واسع النطاق على الصين في قطاعات حيوية مثل الاتصالات وأشباه الموصلات والمعادن النادرة والأدوية وعدد من القطاعات الأخرى، فتحولت خلال بضعة عقود من دولة نامية مقلدة للمنتوجات الغربية إلى قوة عظمى. فالأمر لا يتعلق فقط بصعود اقتصادي وإنما أيضا بإعادة رسم هادئة لنظام النفوذ العالمي. مشاهد استعراض القوة الذي أظهرته الصين للعالم يتجاوز مجرد ذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية. صواريخ فرط صوتية عابرة للقارة ومسيرات حربية وآلاف الطائرات المروحية برسالة واضحة تقول: « لا أحد بإمكانه إيقافنا ».



    أي وزن لأوروبا في المعادلة الجديدة؟

      

    سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى اتهام نظيره الصيني بـ »التآمر » ضد بلاده مع الرئيسين الروسي والكوري الشمالي. وكتب في منشور على منصته « تروث سوشال » « أتمنى للرئيس شي ولشعب الصين العظيم يوما رائعا من الاحتفالات (..) « أرجو منكم إبلاغ أطيب تحياتي لفلاديمير بوتين وكيم جونغ-أون بينما تتآمرون ضد الولايات المتّحدة ».

    وذهبت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كايا كالاس في نفس الاتجاه ووصفت المشهد بأنه « تحد مباشر للنظام العالمي القائم على القواعد »، محذرة من بناء « نظام عالمي بديل » معاد للغرب. وأضافت « أوروبا أمام تحد وجودي. علينا أن نبني قوتنا الجيوسياسية ونستخدمها. شئنا أم أبينا، نحن في معركة من أجل الحرية ».

    ومن نيودلهي التي انضمت إلى التحالف الصيني الروسي الكوري الشمالي والإيراني، صرح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديبول تضامن بلاده مع دول أخرى « في ضرورة الدفاع عن النظام الدولي القائم – حتى لو استدعى الأمر مواجهات مع الصين ».

     وبهذا الصدد كتبت صحيفة « لا كروا » الفرنسية في الثالث من سبتمبر متسائلة « هل ستصبح الصين محور نظام عالمي جديد يمكن أن يوحد الجنوب العالمي ضد الهيمنة الغربية؟ كان هذا هو الهدف المعلن لرئيس الدولة الصيني شي جينبينغ في عطلة نهاية الأسبوع خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون. في هذا الصراع الذي يذكر بالحرب الباردة، والذي تتواجه فيه أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، الصين والولايات المتحدة، تظهر أوروبا بمظهر باهت. (فعلى سبيل المثال لا لحصر) فرغم كل الجهود لتأمين مكان لها على طاولة المفاوضات، تظل غير مسموعة الصوت في صراع أوكرانيا، وقد تم بالفعل كبح طموحها في فرض عقوبات على البرنامج النووي الإيراني ».



    تحدي للنظام الغربي

    تيان أنمين، الساحة التي ارتبط اسمها غربيا بما سمي قمع الاحتجاجات الطلابية في الصين عام 1989، تحولت إلى منصة لاستعراض تحالف عسكري- سياسي يتحدى الغرب بشكل واضح، فيما يشبه حربا باردة جديدة. كما أن قمة تيانجين، التي عقدت خلال يومين بحضور نحو عشرين من رؤساء الدول وحكومات من أوراسيا، تأتي في إطار لعبة جيوسياسية شاملة، تلوح بتعددية قطبية غير غربية، غير أنها تخفي أيضا مساع لأحادية صينية، تقوم اقتصاديا على مبادرة « الحزام والطريق ». ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي لم يكن الاستقطاب العالمي بهذا الوضوح.

    وبهذا الصدد كتبت صحيفة « لي ديرنيير نوفيل دو لالزاس » الفرنسية في الثاني من سبتمبر معلقة « كان من السهل على شي جينبينغ وفلاديمير بوتين مهاجمة الغرب مباشرة. فقد ندد الرئيس الصيني بـ′عقلية الحرب الباردة′ و′محاولات التخويف′ من قبل واشنطن، بينما أعاد نظيره الروسي اتهام الغرب بأنه هو من أدى لاندلاع الصراع في أوكرانيا. وبما أن استعراض القوة لا معنى له دون وجود خصم، فإن الصين تسعى إلى الاستفادة من المشاعر المعادية للغرب، التي تنتشر في الجنوب العالمي والدول غير المنحازة. وهي تفعل ذلك بهدف الإطاحة بالولايات المتحدة، وإعادة تشكيل التجارة الدولية، ومراجعة النظام القيمي الغربي لدى نصف سكان العالم ».



    على ترامب أخذ رسالة الرئيس الصيني بجدية

     

    العرض العسكري الذي ترأسه الرئيس شي سبقته قمة منظمة شنغهاي للتعاون، كان عنوانها تكريس الشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا وبقية دول بريكس ومن بين فصولها تأسيس تكتلات موازية للتحالفات الغربية على شاكلة حلف الناتو. وإلى جانب الرئيسين الروسي والكوري الشمالي، حضر العرض زعماء دول أخرى، بينهم قادة إيران وباكستان والهند ورئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو.

    وزارة الخارجية الصينية أكدت أنها لا تستهدف أي طرف ثالث أثناء تطوير العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأخرى، ردا على تعليق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الصين وروسيا وكوريا الشمالية تتآمر ضد الولايات المتحدة.

    وبهذا الصدد كتبت صحيفة « وول ستريت جورنال » الأمريكية في الرابع من سبتمبر معلقة « إن قرار بكين إظهار قوتها العسكرية في الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية أمر لافت للنظر. فمحور الخصوم يسعى إلى إعادة كتابة تاريخ العالم منذ عام 1945، والتقليل من الدور الفريد الذي لعبته الولايات المتحدة في إنهاء تلك الحرب وبناء النظام العالمي الذي تلاها. إن هذا التفسير التاريخي المراجع هو جزء من هدف أوسع يتمثل في إعادة ترتيب ميزان القوى العالمي لكن، ما هي استراتيجية ترامب؟ إنه يأمل، من خلال دبلوماسيته الشخصية مع مختلف الديكتاتوريين، في إبرام اتفاقات بشأن قضايا متعددة. غير أن خصوم الولايات المتحدة متفقون فيما بينهم، بينما يغرق ترامب حلفاء أمريكا بسيل من الرسوم الجمركية. إذا لم يأخذ ترامب الأمر على محمل الجد، فإنه يضع الولايات المتحدة في موقف قد تخسر فيه صراعا مسلحا، يبدو أن هذا المحور من الخصوم مستعد له بشكل متزايد ».



    صعود الصين العسكري

    نشرت مجلة « فورين بوليسي » الأمريكية مقالا تناول صعود الصين العسكري والتكنولوجي وتحولها من دولة تتهم بتقليد الغرب وسرقة ابتكاراته إلى قوة رائدة ومبتكرة في مجالات متعددة، بما فيها التكنولوجيا العسكرية.

    وجاء في المقال: يقر الجميع الآن على نطاق واسع بأن السردية التي اعتادت الدول الغربية أن ترويها لنفسها حول تطور التكنولوجيا في الصين، بأنها مجرد مقلد للتكنولوجيا الغربية، وأنها تسرق الملكيات الفكرية، وأن نجاحاتها نتيجة لدعم حكومي غير فعال، لَم تعد كافية، فالصين اليوم تعد مبتكرة وقائدة تكنولوجية في مجالات الروبوتات، والمركبات الكهربائية، والمفاعلات النووية، والطاقة الشمسية، والطائرات المسيرة، والسكك الحديدية والقطارات الفائقة السرعة، إضافة إلى الذكاء الاصطناعي.

    وإذا كانت هناك حاجة إلى التأكد من ذلك، فإن العرض العسكري الذي جرى في بكين يوم 3 سبتمبر 2025 يحسم وجوب إضافة التكنولوجيا العسكرية إلى القائمة السالفة. ولم يعد كافياً القول إن جيش التحرير الشعبي يحاول اللحاق بالركب أو أنه ينسخ تصاميم المعدات العسكرية الأجنبية، فالصين الآن تبتكر، وهي تقود. ونتيجة لذلك، فإن ميزان القوى العسكرية الإقليمي، الذي ظل لعقود يميل إلى مصلحة الولايات المتحدة وشركائها، يشهد الآن تغيراً لا رجعة فيه.

    كان عرض يوم النصر، الذي يصادف الذكرى الـ80 لـ »مقاومة الشعب الصيني للعدوان الياباني الفاشي خلال الحرب العالمية الثانية »، استعراضا لقوة الصين العسكرية المعاصرة، ورسالة عن اتجاهات تطورها المستقبلي، فبعدما كانت الصين متحفظة في السابق عن الكشف عن أحدث معداتها العسكرية، أزيحت الستارة الآن، ولو بشكل انتقائي، خلال هذا الحدث.

    ومن أبرز ما عرض المقاتلات التي ستلحق بمتن أسطول حاملات الطائرات الصينية المتنامية، والتي تضم الآن 3 حاملات، ولكن من المرجح أن تنضم إليها في السنوات المقبلة حاملة طائرات عملاقة تعمل بالطاقة النووية، توازي حجم وقدرات حاملة الطائرات الجديدة من طراز جيرالد فورد التابعة للبحرية الأمريكية. كما كشف عن 4 أنواع جديدة من طائرات « لويال وينغمان » المسيرة، وهي طائرات خفية مصممة للمهمات إلى جانب الطائرات المأهولة، وتلقي أوامر المهام منها. وعرضت الصين أيضا 4 أنظمة صاروخية مضادة للسفن والهجمات الأرضية لم يسبق رؤيتها من قبل، إضافة إلى غواصة جديدة بدون طاقم وطوربيدات جديدة.

    قدم العرض العسكري أحدث الكشوفات في عام حافل بالأحداث بالنسبة إلى مراقبي المجمع الصناعي العسكري الصيني. وقد بدأت في عام 2024 تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو وصور غير واضحة لطائرتين مقاتلتين جديدتين خفيتين في رحلات تجريبية. وبعد بضعة أسابيع، أفادت « نافل نيوز » بأن الصين تقوم ببناء نوع فريد من البوارج المزودة بمحركات وجسور طرق يمكن تمديدها، وتسمح للقطع البحرية بتفريغ حمولتها في مواقع ساحلية غير مجهزة. وأكدت الصور اللاحقة للبوارج في أثناء اختبارها أنها مناسبة بشكل مثالي لنقل الدبابات الثقيلة إلى الشاطئ في حال غزو تايوان.

    وفي أواخر يناير الماضي، نشرت صحيفة « فاينانشال تايمز » صوراً ملتقطة بالأقمار الصناعية تظهر أن الصين تقوم ببناء مركز قيادة عسكرية جديد خارج بكين يبلغ حجمه 10 أضعاف حجم البنتاغون على الأقل. وفي مايو، كانت باكستان تخوض مع الهند معركة جوية شاركت فيها 125 طائرة فوق إقليم كشمير المتنازع عليه، واستخدم سلاح الجو الباكستاني طائرات صينية كما يبدو بناءً على أدلة محدودة، لكنها أدت مهماتها بموثوقية عالية.

    وتظهر الصين الكثير من المؤشرات عن رغبتها في إنشاء مجمع صناعي عسكري محلي بالكامل. وقد تعهدت القيادة الصينية علناً عن طموحها في بناء جيش من الدرجة الأولى على النطاق العالمي بحلول منتصف القرن الجاري.



    وثيقة سرية

    بينما تمطر تل أبيب وواشنطن العالم بالتصريحات عن النصر على المقاومة الفلسطينية في غزة ومشاريع تهجير سكان القطاع تنكشف حقائق تعكس المأزق الإسرائيلي.

     أفادت القناة الـ12 الإسرائيلية يوم الأحد 31 يوليو 2025، بأن وثيقة سرية داخلية في الجيش أقرت بفشل عملية عربات جدعون 1 في قطاع غزة، وأن أهدافها بإخضاع حماس وإعادة الأسرى لم تتحقق.وقال المصدر ذاته أن الوثيقة تكشف أن من بين أسباب فشل العملية هو التخطيط العشوائي للعملية، وعدم ملاءمة هذا النوع من العمليات لأسلوب قتال حماس.وأشارت القناة إلى أن الوثيقة تؤكد أن إسرائيل ارتكبت كل خطأ ممكن لاسيما عدم تحديد وقت لهذه العملية.وكان المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر « الكابينت » قد أقر في مطلع مايو 2025 خطة عملية « عربات جدعون » بهدف تحقيق حسم عسكري وسياسي في القطاع، عبر عملية منظمة من 3 مراحل.

    وأقرت الخطة استخدام 5 عوامل ضغط ضد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في محاولة لإرغامها على القبول باتفاق لتبادل الأسرى، وتفكيك بنيتها العسكرية. واستدعى الجيش الإسرائيلي لغرض تنفيذها عشرات الآلاف من جنود الاحتياط.

    من جانبه وصف المحلل العسكري لصحيفة معاريف الإسرائيلية آفي أشكنازي، إدارة حرب غزة بأنها “فشل ذريع”، بعد 628 يوما من القتال و1905 قتلى. وبحسب المحلل، حققت إسرائيل إنجازات عسكرية في سوريا ولبنان، لكن الأمر ليس كذلك في غزة. ليس لإسرائيل أهداف واضحة للحرب في غزة ».

    وطرح أشكنازي تساؤلات حول الهدف النهائي للحرب في غزة. وقال في مقال بمعاريف “حان الوقت لنعيد حساباتنا ونقول بصوت عال: إن إدارة الحرب في غزة فشل ذريع للحكومة ونتنياهو. في غزة، إسرائيل لا تنتصر، بل تغرق في الوحل ». وأضاف الكاتب أن “الضغط على حماس لإطلاق سراح الأسرى ليس هدفا للحرب، بل هو مجرد أمنيات”.

    وذكر المحلل إن الجيش الإسرائيلي دفع ثمنًا باهظًا ولم نشهد معنى النصر الكامل، الشعار الذي حاول نتنياهو تسويقه منذ يناير 2024.

    وأضاف أن الجيش لم يكن مستعدا للحملة على غزة، وقال “فوجئت إسرائيل في السابع من أكتوبر. لكنها لم تكن مستعدة أيضًا لحرب طويلة تستمر عامين. لم تكن مستعدة لقدرات حماس، ولا لحجم الأنفاق والتحصينات تحت الأرض، ولا لصمود حماس والسكان الذين يدعمونها في غزة”.

    وقال أشكنازي إن الجيش الإسرائيلي يعاني من نقص حاد في المعدات الحديثة، ويضطر إلى استخدام آليات قديمة تعود إلى القرن الماضي في غزة.

    وأضاف “لا بد من إضافة استنزاف المعدات، وهو استنزاف حاد. يعاني الجيش من نقص حاد في الوحدات والجنود. وقصة مقاتلي الهندسة القتالية المؤلمة توضح هذا الوضع”، في إشارة إلى كمين المقاومة في خان يونس، الذي أدى إلى مقتل 7 جنود.

    وأشار إلى انسحاب فرقة عسكرية من غزة نحو الجبهة الشمالية واستدعاء جنود الاحتياط لجولات قتالية متكررة رغم الإرهاق، وقال “هناك جنود يخوضون قتالًا مستمرا لأشهر متواصلة، في غزة فقط، بدون تدريب، وبدون أي نشاط عملياتي على خطوط أقل عملياتية”.



    فعالية الصمود

     

    جاء في تقرير أعده للجزيرة أحمد حافظ و ديانا جرار ونشر يوم الأحد 7 سبتمبر 2025:

    في تصعيد جديد يؤكد استمرارية فعالية المقاومة الفلسطينية رغم العدوان والمجازر التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي منذ نحو عامين، أعلنت سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي صباح الأحد 7 سبتمبر 2025 إطلاق صاروخين باتجاه منطقة نتيفوت داخل الأراضي المحتلة.

    ويتزامن ذلك مع تنفيذ جيش الاحتلال عمليات اجتياح وتدمير واسعة بمدينة غزة، ضمن خطة « عربات جدعون 2″ التي تهدف حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب قضائيا لمحكمة العدل الدولية إلى محاولة اجتياح المدينة وتهجير سكانها.

    ووفق التحليل العسكري، فإن قدرة المقاومة الفلسطينية على إطلاق الصواريخ وتنفيذ هجمات نوعية تستهدف قوات الاحتلال دليل واضح على فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها العسكرية المعلنة، لاسيما ما يتعلق بإنهاء قدرات المقاومة المسلحة.

    كما تبرز قدرات المقاومة من خلال تكريس واقع الحرب طويلة الأمد التي استطاعت أن توقع الجيش الإسرائيلي في حرب استنزاف، مع وجود مؤشرات على قدرات ما زالت المقاومة تتمتع بها في تصنيع أسلحتها المحلية وتطوير تكتيكاتها رغم الحصار والتهجير والإبادة الجماعية المستمرة منذ أكتوبر 2023.

    وتصعيد العدوان وتكرار قصف أهداف متنوعة للمقاومة، سواء عبر قصف الأبراج السكنية أو اجتياح المناطق المكتظة، لم يمنحا إسرائيل التفوق المنشود في ميدان المعركة. فبعد عامين من استخدام أقسى أساليب القوة والحصار، تظل عمليات المقاومة متواصلة ولا تزال القدرة على إطلاق الصواريخ قائمة.

    وهو ما يثبت -حسب تصريحات الخبير العسكري حسن جوني- أن أحد أهم أهداف الحرب الإسرائيلية، والمتمثل في تدمير القدرة القتالية لحركة المقاومة الإسلامية حماس وفصائل المقاومة لم يتحقق رغم الضربات المتكررة.

    ويؤكد جوني -في تصريحات أن إطلاق الصواريخ اليوم والأيام السابقة يضع إسرائيل أمام حقيقة إخفاقها في تحقيق تحرير الأسرى أو إنهاء نشاط المقاومة النوعي، مشيرا إلى أن جيش الاحتلال يواجه وضعا ميدانيا غير مسبوق من الفشل والاستنزاف.



    حرب استنزاف ونفس طويل

    هذا المشهد الميداني المتجدد والقدرة المستمرة على إيقاع الخسائر بقوات الاحتلال يعكسان أيضا دخول إسرائيل في حرب استنزاف فرضتها المقاومة وتكتيكاتها المرنة، حسب ما قاله جوني.

    وأشار الخبير العسكري إلى أن استمرار المواجهات وعودة الصواريخ -رغم العمليات العسكرية المكثفة مثل « عربات جدعون 2 »- يعد دليلا على طول نفس المقاومة، وفي الوقت ذاته تآكل القدرة الإسرائيلية على فرض الحسم.

    ويضيف الخبير الأمني والعسكري أسامة خالد أن الحرب المستمرة والسياسات المطبقة من قبل الاحتلال الإسرائيلي لم تثمرا جدوى حتى الآن، إذ تعيد المقاومة ضبط تكتيكاتها الدفاعية بما يتواكب مع التطورات الميدانية رغم الاستنزاف الشديد الذي تعرضت له.

    وأضاف خالد أن التغيرات في نسق المواجهة وتواصل إطلاق الصواريخ يعكسان قدرة المقاومة ونجاحها في فرض إيقاع ميداني طويل الأمد، كما حافظت على إمكانات الرد رغم كل المحاولات المستمرة لسحقها.



    المقاومة تصنع سلاحها

    وتواصل المقاومة الفلسطينية صمودها خلال سنوات الحصار الممتدة منذ نحو عامين، وتتصدى لكل محاولات تفكيك بنيتها العسكرية، إذ أظهرت الأحداث الأخيرة -وفق تصريحات الخبراء تمكن المقاومة من تصنيع سلاحها ذاتيا، واعتمادها على خبرات محلية في إنتاج الصواريخ والعبوات الناسفة.

    وفي ظل منع إدخال المواد الخام واستمرار الحصار، تبرز قدرة المقاومة على تطوير ترسانتها العسكرية، الأمر الذي يعده جوني دليلا على استقلالية الصناعات العسكرية للمقاومة.

    أما خالد فيرى أن استمرار تصنيع السلاح داخليا يعد أحد المرتكزات الأساسية لصمود المقاومة وبقائها طرفا فاعلا في مواجهة الاحتلال، حتى وإن كان ذلك بكميات محدودة وبإجراءات تقنين مدروسة تفرضها ظروف الحصار والاستهداف.

    وفي ظل اشتداد العمليات العسكرية، ينفذ الجيش الإسرائيلي عمليات تدمير واسعة في مدينة غزة، ويستهدف مربعات سكنية كاملة ويهدم الأبراج المتبقية، في إطار خطة اجتياح باسم « عربات جدعون 2 » التي تهدف إلى تهجير السكان والسيطرة على المدينة.

    وفي المقابل، أطلقت كتائب القسام عمليات « عصا موسى » للتصدي لقوات الاحتلال، ونفذت عدة هجمات نوعية على الدبابات والآليات العسكرية في مناطق متفرقة بالقطاع.



    نكسة على الجبهة اللبنانية

    على الجبهة اللبنانية تواجه تل أبيب مع واشنطن وحلفاء آخرين إنتكاسة في محاولاتهم نزع سلاح حزب الله اللبناني واستغلال الضعف الذي أصابه خاصة على مستوى القيادة بعد اغتيال عدد من كبار قادته وعلى رأسهم حسن نصر الله يوم الجمعة في 27 سبتمبر 2024، إثر عشر غارات إسرائيلية على مقر الحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت.

     حيث تخلت الحكومة اللبنانية رغم الضغوط الأمريكية عن السقف الزمني لحصر السلاح في يد الدولة.

    فرغم إقرار الحكومة اللبنانية في جلستها يوم 5 سبتمبر لخطة الجيش بحصر السلاح في يد الدولة، فإنها حرصت على تهدئة التوتر مع حزب الله، من خلال تمسكها بحصر السلاح دون سقف زمني محدد، وربطها تنفيذ لبنان لمقتضيات الورقة الأمريكية بالتزام إسرائيل هي الأخرى بها.

    وأجلت صيغة البيان الصادر عن جلسة مجلس الوزراء يوم الجمعة جوهر الخلاف، مما جعل وزراء الثنائي حزب الله وحركة أمل، يقرون بإيجابية البيان، لاسيما في إشارته لمسؤوليات الجانب الإسرائيلي. وجاء ذلك رغم أن 5 وزراء من حزب الله وحليفته بالإضافة إلى وزير مستقل انسحبوا من جلسة الحكومة أثناء عرض قائد الجيش خطته.

    ويقول حزب الله إنه يرفض نزع سلاحه تحت أي ظرف من الظروف، لأن المسألة تتعلق بوجود ومستقبل لبنان، ويؤكد أيضا إنه في حال تم تجريد لبنان من المقاومة، فإن إسرائيل يمكن أن تنفذ الاعتداءات تحت أي متغير سياسي لاحقا، فضلا عن أن الرهان على الشرعية الدولية بات نكتة في ظل ما يحدث في قطاع غزة.

    وتصر الولايات المتحدة الأمريكية على نزع سلاح حزب الله لأنه قادر وكما ثبت عمليا على ردع تل أبيب وقدمت واشنطن ورقة للسلطات اللبنانية في هذا السياق، ويقر الباحث في الدراسات الإستراتيجية والأمن الدولي، كينيث كاتزمان في حديثه لبرنامج « ما وراء الخبر » أن واشنطن تدفع باتجاه تحديد سقف زمني لنزع سلاح حزب الله ومنعه من استجماع قوته.



    ضربة يمنية

    على بعد 2000 كيلومتر تقريبا جنوب غزة تواصل القوات اليمنية توجيه ضربات إسرائيل. فيوم الاحد 7 سبتمبر 2025، أفاد الجيش الإسرائيلي بإصابة مسافرين جراء انفجار مسيرة أطلقت من اليمن على قاعة المسافرين القادمين بمطار رامون في النقب جنوبي إسرائيل، في حين تحدث الجيش عن أخطاء خطيرة حالت دون رصد المسيرة.

    ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن تحقيق عسكري أن « أخطاء خطيرة » حالت دون رصد المسيرة التي أطلقتها جماعة أنصار الله من اليمن ودخلت المجال الجوي لإسرائيل وضربت هدفها دون أن يتم اعتراضها أو اكتشافها.

    وفي السياق، أفادت سلطة المطارات الإسرائيلية بإغلاق المجال الجوي ووقف الرحلات في مطار رامون، والعمل لإعادة العمل « في أقرب وقت ». وفي السياق، أفادت سلطة المطارات الإسرائيلية بإغلاق المجال الجوي ووقف الرحلات في مطار رامون، والعمل لإعادة العمل « في أقرب وقت ».

    وتعليقا على الهجمات، قال الناطق العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع « نؤكد تصعيد عملياتنا ولن نتراجع عن مساندة غزة مهما كانت التبعات والعواقب، وعلى شركات الملاحة الجوية مغادرة مطارات فلسطين المحتلة لأنها أصبحت غير آمنة ». وعن هذه الهجمات الجديدة، قال نصر الدين عامر نائب رئيس الهيئة الإعلامية للحوثيين إن الهجمات ضد إسرائيل والتحالف الداعم لها « ألحقت أضرارا كبيرة بالعدو على عكس ما يدعي » مشيرا إلى أن أكبر خسارة تتمثل في إغلاق ميناء إيلات الرئيسي والوحيد على البحر الأحمر، ومنع الملاحة التي تخدم إسرائيل في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن والبحر العربي. وعن ضرب المطارات تحديدا، أوضح عامر أنها « تمثل شريانا أساسيا للعدو، ويبقى هدفنا الرئيسي عزل العدو عن العالم قدر الإمكان بهدف الضغط عليه لوقف العدوان ورفع الحصار عن غزة ».

    وأكد عامر أن إسرائيل « تنتهج سياسة تقليل الخسائر وتفرض رقابة عسكرية صارمة وتعتيما إعلاميا على خسائر الضربات التي تتعرض لها » متسائلا « لو لم يكن هدفها تقليل الخسائر، فلماذا تفرض هذه الرقابة العسكرية؟ ».

     

     للتواصل مع الكاتب  والمحلل السياسي عمر نجيب

    [email protected]


    إقرأ الخبر من مصدره

  • عمر نجيب يكتب: هل يشهد العالم النهاية الكاملة للهيمنة الغربية..


    الإنكار تحول إلى سلوك أساسي لجزء كبير من الطبقة السياسية خاصة تلك التي تمسك بمقاليد السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية وجزء كبير من دول الغرب.
     سياسة الإنكار، في سياق العلاقات الدولية والعمليات السرية، تشير إلى ممارسة إخفاء الحقائق أو التنصل من المسؤولية عن عمل أو حدث معين، خاصة عندما يكون هذا العمل أو الحدث مثيرا للجدل أو يتعارض مع القيم المعلنة للدولة أو المنظمة.
     إن مجريات الأحداث التي نعيشها اليوم تؤشر إلى نهاية المركزية الغربية، على الرغم من رفض الدول الغربية هذه الفكرة، وتصرفاتهم وتصريحاتهم التي تشي بالوهم الذي ما زال يعتري عقولهم بأنهم هم مركز الكون.
    تقول الباحثة تيريزا كرم أن الإنكار هو إحدى الآليات النفسية التي يلتجأ إليها للتهرب من مواجهة الحقائق غير المريحة، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع. يتمثل الإنكار في رفض الإعتراف بحقائق مهددة أو مؤلمة، ويعتبر نوعا من الحماية النفسية التي تسمح للفرد بالتكيف مع الواقع بطرق قد تكون غير صحية على المدى الطويل. ومع مرور الزمن، تطور الإنكار ليأخذ أشكالًا أكثر تعقيدا، ليصبح أداة أيديولوجية تستخدم لأغراض سياسية أو اجتماعية لتشويه الحقائق أو تحريفها. وبذلك، يتحول الإنكار إلى آلية تؤثر في المجتمعات والسياسات بشكل أوسع. وقد أثبت العديد من الدراسات النفسية والإجتماعية أن الإنكار ليس مجرد ظاهرة فردية، بل إنه يمكن أن يصبح ظاهرة جماعية، تؤثر على مجموعة من الناس أو حتى على دول بأكملها.
    إلى جانب كونه آلية فردية، يتحول الإنكار في بعض الأحيان إلى ظاهرة جماعية. وتظهر الأبحاث أنّ المجتمعات أحيانا تنكر الحقائق الكبيرة تحت ضغوط سياسية أو إجتماعية.
     منذ أكثر من 22 شهرا تشن إسرائيل التي جندت عشرات الألاف من الجنود وحشدت مئات الدبابات والمدرعات وأحدث الطائرات بدعم غربي، حرب إبادة ضد سكان غزة ولكنها لم تستطع رغم مئات التصريحات والبلاغات من كسر شوكة المقاومة الفلسطينية، ومع انتصاف صيف 2025 خرجت تل أبيب بمشروع احتلال غزة بالكامل وكأنها كانت طوال الأشهر الماضية لا تحاول غير ذلك.
     في لبنان تضغط واشنطن ولندن وباريس وبرلين على بيروت من أجل نزع سلاح حزب الله بدعوى أن ذلك سيقود إلى ترسيخ الأمن، رغم أنهم يدركون أنه لولا قوة حزب الله لما ظل لبنان ساحة صعبة ومكلفة لتل أبيب منذ ربع قرن رحلت القوات الإسرائيلية تحت جنح الظلام من جنوب لبنان في 25 مايو 2000 تحت تأثير ضربات المقاومة اللبنانية الإسلامية وأفواج المقاومة اللبنانية في حركة أمل مما تسبب في انهيار جيش لبنان الجنوبي العميل ودخول حزب الله إلى مناطق الجنوب وتشكيل خط دفاعي حمى لبنان من البطش الإسرائيلي.
     في سوريا يتخبط المحافظون الجدد في مخططات التقسيم وإشعال الصراعات الطائفية ويسعون إلى احتلال مزيد من الأراضي بواسطة إسرائيل، ولكنهم يدركون أن مساعيهم تصطدم بمصاعب كبيرة.
     عن إيران تحدثوا في تل أبيب وواشنطن عن النجاح في تدمير قدرات طهران النووية بعد الغارات الإسرائيلية الأمريكية التي بدأتها تل أبيب فجر 13 يونيو 2025 واستمرت 12 يوما، ولكن بعد وقف اطلاق النار بأيام كشفت الخديعة وتبين حسب مصادر غربية وثيقة أن طهران لا تزال قادرة على صنع سلاح نووي وأنها ربما أنجزت ذلك.
     في وسط شرق أوروبا حيث دخلت الحرب بين روسيا وحلف الناتو سنتها الرابعة وأصبحت موسكو تسيطر على الساحة وتتقدم على طول جبهة طولها 1000 كيلومتر، لا يزال بعض الساسة الغربيين يتحدثون عن هزيمة روسيا. الرئيس ترامب أعطى مهلة 50 يوما للكرملين لقبول وقف إطلاق النار مع كييف، ثم عدل التوقيت إلى 10 أيام انتهت في 8 أغسطس 2025، ولكن الصورة تبدلت وأصبح هناك مخطط لقمة روسية أمريكية في ولاية ألاسكا منتصف شهر أغسطس.
     هددت واشنطن كل من يتعامل اقتصاديا وتجاريا مع الكرملين ويشتري نفط روسيا، فلم تلق سوى التجاهل والرفض خاصة من جانب الهند 1451 مليون نسمة والبرازيل 212 مليون نسمة والصين 1409 مليون نسمة وغالبية دول بريكس 3625 مليون نسمة.
     في واشنطن تسود فوضى التصريحات والتهديدات التي تتبدل وتتقلب من ساعة إلى أخرى.
     توعدت واشنطن بتدمير الصين اقتصاديا وشنت حرب التعريفات الجمركية وفي النهاية تراجعت وتسعى لحل، في وقت يستمر اليمين الأمريكي في الدعوة إلى حرب كبرى للحفاظ على النظام العالمي الذي يتحكم فيه الغرب.



    فخ استراتيجي

    أفادت القناة « 13 الإسرائيلية » أن الحكومة الإسرائيلية صادقت يوم الأحد 10 أغسطس على تجنيد عشرات الآلاف من جنود الاحتياط، بعد مصادقتها في وقت سابق على خطة لاحتلال غزة، في حين يسابق الوسطاء الزمن بحثاً عن اتفاق جديد.
    وذكرت القناة أن خطة توسيع العملية تتضمن استخدام نيران كثيفة وتنفيذ عمليات قضم لأحياء بمدينة غزة.
    وأضافت أن كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي وجهوا انتقادات حادة للعملية العسكرية المرتقبة في غزة، في حين نقلت القناة 12 عن ضباط كبار بالجيش أن الحرب عالقة وأصبحت مثل عربة تغوص في الرمل.
     وبدورها، قالت صحيفة « يديعوت أحرونوت » إن كل قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية رفضوا خطة احتلال قطاع غزة خلال اجتماع مجلس الوزراء الأمني يوم الجمعة 8 أغسطس، بينما أكدت صحيفة « وول ستريت جورنال » الأمريكية أن الخطة تواجه عدة تحديات.
     وأشارت الصحيفة إلى أن اجتماع المجلس الأمني امتد 10 ساعات، وشهد نقاشاً حاداً عبّر خلاله قادة الأجهزة الأمنية عن معارضتهم لاحتلال غزة بدرجات متفاوتة، مؤكدين وجود « خيارات أكثر ملاءمة » لتحقيق الأهداف نفسها.
     وأكدت أن الاجتماع كان مسرحاً لخلافات بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير، كما واجه بعض الوزراء أيضا زامير بسبب موقفه.
    وذكرت تقارير إسرائيلية أن زامير وصف خطة احتلال غزة بـ »الفخ الإستراتيجي »، مؤكداً أنها ستنهك الجيش لسنوات، وتعرض حياة الأسرى للخطر.
    ووفقا ليديعوت أحرونوت، قال رئيس مجلس الأمن القومي تساحي هنغبي خلال اجتماع الجمعة إن الصور التي نشرت مؤخراً لأسرى إسرائيليين تبدو عليهم آثار الهزال والمعاناة من الجوع لا تسمح له بدعم خطة « كل شيء أو لا شيء »، مضيفا « لست على استعداد للتنازل عن فرصة إنقاذ ما لا يقل عن 10 أسرى… وقف إطلاق النار سيمكننا من محاولة التوصل إلى اتفاق بشأنهم ».
     من جانبها، نقلت صحيفة « وول ستريت جورنال » عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن نقص القوى العاملة من بين قيود رئيسية تواجه إسرائيل للسيطرة على غزة، وأوضحت أن العميد المتقاعد أمير أفيفي يرى أن التقدم السريع سيتطلب عدة فرق عسكرية تضم عشرات آلاف الجنود، وهو ما دفعه لترجيح اختيار عملية أكثر تدرجا تقلل الضغط على القوى البشرية.
     وأوضحت أن جنودَ احتياط في الجيش الإسرائيلي هددوا بعدم العودة للقتال في غزة إذا تم استدعاؤهم مرة أخرى، في ظل حالة إرهاق واستنزاف يشهدها جيش الاحتلال بسبب طول أمد الحرب.



    بحث عن اتفاق جديد

    وفي السياق، قالت هيئة البث الإسرائيلية إن الولايات المتحدة والوسطاء يمارسون ضغوطاً على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وإسرائيل للعودة إلى طاولة المفاوضات.
     وبدوره، نقل موقع « أكسيوس » أيضا عن مسؤول إسرائيلي كبير قوله إن الخطة الهجومية على غزة لن تنفذ على الفور، وإنه لم يحدد الجدول الزمني الدقيق لبدء العملية ما يترك مزيدا من الوقت للتوصل إلى حل دبلوماسي.
    وبحسب المسؤول الإسرائيلي الكبير فإن نتنياهو تحدث بشكل غامض خلال اجتماع مجلس الوزراء، تاركاً الباب مواربا لوقف العملية، إذا استؤنفت المفاوضات للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب وإطلاق سراح الأسرى.
    كتب الصحفي الإسرائيلي يوآف ليمور في يسرائيل هيوم:
     ربما يتضح أن قرار الكابينيت احتلالَ مدينة غزة نقطة مفصلية، على الرغم من أنه ليس واضحا إلى أين سيؤدي، فبينما يهدف نتنياهو ووزراء الكابينيت إلى حسم مصير حركة «حماس»، يتزايد الخوف من أن القرار يمكن أن يحسم مصير إسرائيل نفسها.
     وقد ظَهَرَ دليلان على ذلك في نهاية الأسبوع: الأول، قرار ألمانيا – أفضل وأقرب أصدقاء إسرائيل في أوروبا – فرضَ حظْرٍ على بيع الأسلحة التي يمكن أن يستخدمها الجيش الإسرائيلي في الحرب على غزة. والمعنى العملي للقرار محدود، لأن السلاح الأساسي الذي تشتريه إسرائيل من ألمانيا هو الغواصات، لكن معناه الحقيقي أكبر كثيراً، لأنه يمكن أن يقود إلى تسونامي خطِر.
    بعكس الرأي السائد، أن إسرائيل يمكنها الاعتماد على السلاح الأمريكي وحده، فإن المنظومة الأمنية الإسرائيلية تعتمد أيضاً على العديد من الدول الأُخرى لشراء مكونات حيوية للمنظومات الاستراتيجية وتوريدها، وهذه الآن يمكن أن تكون في خطر، وهو ما يعني ضمنياً إضعاف القدرة الهجومية والدفاعية لإسرائيل.
    أما الدليل الثاني، فكان في لقاء جرى في إيبيزا، في إسبانيا، بين الوسيط الأمريكي ستيف ويتكوف ورئيس وزراء قطر، الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني. ووفق التقارير، فقد ناقش الطرفان صفقة شاملة تؤدي إلى الإفراج عن جميع الأسرى وإنهاء الحرب، بهدف عرضها خلال أسبوعين على الأطراف المعنية، إلاّ إذا كان الأمر عبارة عن مؤامرة ذكية من بنيامين نتنياهو كي يجنب نفسه تعميق الحرب، ويمكن أن تجد إسرائيل نفسها أمام مطالبة من الرئيس ترامب بالتوصل إلى حل فوري.
    إلى جانب الضغط الدولي المتزايد، الذي سيؤدي شهر سبتمبر المقبل إلى اعتراف متوقَع من دول رئيسية في العالم بدولة فلسطينية، ستسمع المطالبة بفرض إنهاء الحرب على إسرائيل، لكن ليس بالشروط التي تناسبها. وقد حذّر مسؤولون في المنظومتين الأمنية والدبلوماسية في الأيام الأخيرة من أن هذا يمثّل خطراً استراتيجياً على إسرائيل، لكن يبدو أن نتنياهو والوزراء تجاهلوا ما سمعوه، تماماً كما تجاهلوا الخشية من أن قرارهم يمكن أن يكلّف حياة أسرى وعدد كبير من الجنود. كما أنهم لم يتأثروا، على ما يبدو، بالتحذيرات بشأن تآكُل القوى البشرية في الجيش النظامي والاحتياط، وتراجع المخزون التسليحي، وطالبوا الجيش بأن يكون مطيعاً كالشرطة، وكان ذلك أحد التصريحات المذهلة التي قيلت في تلك الجلسة، إلى جانب توبيخ منسق شؤون الأسرى والمفقودين، غال هيرش، بسبب مطالبته بأن تبقى إعادة الأسرى هدفاً أساسياً للحرب.



    حرب لا نهاية لها


    هذه المهمة بقيت فعلا ضمنَ المبادئ الخمسة التي حددها الكابينيت، وجاءت في المرتبة الثانية بعد نزع سلاح «حماس»، وتلي ذلك بنود كنزع سلاح القطاع، والسيطرة الأمنية الإسرائيلية على كل القطاع، ووجود إدارة مدنية بديلة في غزة لا تشمل «حماس» ولا السلطة الفلسطينية. هذه القرارات تمنح الحكومة مساحة كافية للاستمرار في حرب لا نهاية لها في غزة باسم الحاجة إلى جمع كل بندقية وقتل كل مقاتل، كما يمكن أن تقود إسرائيل إلى إدارة عسكرية مباشرة في القطاع، في غياب آلية إدارة بديلة.
    في المبادئ التي حددت، لا توجد مكونات كـ «الاحتلال»، و«الطرد»، و«المدينة الإنسانية»، وهي مصطلحات ترددت مؤخرا بكثرة على لسان وزراء في الحكومة، ولا يعرف ما إذا تم حذفها بناءً على نصيحة قانونيين كبار حذروا في الأيام الأخيرة من أن إسرائيل تسير بوعي نحو وضع ستتهم فيه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وربما إبادة جماعية، أو نتيجة ضغط أمريكي. أما مَن لم يؤثروا في القرار، على ما يبدو، فهم رؤساء المنظومة الأمنية، الذين عارضوه بالإجماع، وحصلوا حتى على دعم نادر من رئيس مجلس الأمن القومي، تساحي هنغبي، الذي خرج هذه المرة عن صفوف جوقة التشجيع لنتنياهو.
    وعلى ما يبدو، فإن تحفُّظات قادة المنظومة الأمنية تقلق نتنياهو أقل من انتقادات وزراء اليمين، الذين يهددون دائما استقرار حكومته. واستنادا إلى التقارير، فقد اشتبك نتنياهو مع رئيس هيئة الأركان زامير في الجلسة، بعدما قال الأخير إن خطة نتنياهو (التي اعتمدت في النهاية) يمكن أن تكون «فخاً مميتاً». وزامير على حق طبعاً، فهذا لن يكون فخاً مميتاً فقط للأسرى، ولعدد كبير من الجنود، ولآلاف الفلسطينيين، بل أيضاً يمكن أن يكون مميتاً لدولة إسرائيل. ونتنياهو، كعادته، مقتنع بأنه سيعرف كيف يخرج من الورطة هذه المرة أيضاً، لكنه ربما يكتشف أنه ليس هاري هوديني، وأن إسرائيل ليست ساحة سيرك (حتى وإن كانت تتصرف أحياناً كأنها كذلك).



    التعلُّم من التاريخ

    أشار كبار المسؤولين في المنظومة الأمنية في بداية أغسطس إلى تجاهل الخبرة التاريخية المتراكمة للأمريكيين في فيتنام، وأفغانستان، والعراق، وللروس في أفغانستان، وحتى للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان. لم تنجح أي دولة في القيام بما يدعي الكابينيت أنه سينفذه الآن، وخصوصاً أن وراءنا فعلا عامين من الحرب التي أنهكت الجيش، بينما المجتمع منقسم، والشرعية الدولية في أدنى مستوياتها على الإطلاق.
    زامير، صاحب الموقف الرافض بوضوح، يمكنه تأخير العملية بصورة كبيرة، فالجيش سيحتاج إلى عدة أسابيع للتخطيط، ثم إلى أسابيع إضافية لإجلاء سكان مدينة غزة (نحو مليون مدني) ولتجنيد قوات الاحتياط التي ستضطر إلى العودة مجدداً في فترة الأعياد، خلافاً للوعود بتقصير الخدمة. كما أن اعتقال المتهربين من الخدمة من الجمهور الحريدي يمثّل دائماً ورقة ضغط في يد زامير ورئيس شعبة القوى البشرية، اللواء دادو بار كليفا، من أجل الوقوف في وجه المنظومة السياسية.
    الوقت الطويل والتحديات العديدة في الطريق – إلى جانب الضغط الدولي المتوقَع – سيوفران كثيراً من الفرص لتغيير الاتجاه، كما يشتبه وزراء اليمين في أن نتنياهو يعتزم القيام بذلك. وربما يطرح من جديد على الطاولة إمكان التوصل إلى اتفاق جزئي، على الرغم من أن إسرائيل تبدو وكأنها وضعت نفسها في موقف «الكل أو لا شيء»، وإذا لم يتراجع نتنياهو ويستمع إلى مَن يسعون لمصلحة إسرائيل في الداخل والخارج، فيمكن أن يقود إسرائيل في النهاية إلى أن تبقى بلا شيء.



    توزيع مهام


    جاء في بحث نشر على الشبكة العنكبوتية:

     لضمان استمرار تفوقها، دعمت واشنطن قيام نمط اقتصادي عالمي جديد، يحتاج إلى طاقة من الشرق الأوسط، وصناعة منخفضة التكلفة من شرقي آسيا. وضمن هذا النظام، احتفظت الولايات المتحدة لنفسها بالموقع التكنولوجي والإداري والمالي، مما أبقى على هيمنتها المركزية.
    أدى هذا الترتيب إلى اعتماد عالمي على منظومة تقودها واشنطن، واستخدمت فيه مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية كأذرع ناعمة لترسيخ النفوذ. لاحقًا، لعبت دول كاليابان، وكوريا الجنوبية، دورا في تحقيق توازن صناعي يخدم الرؤية الأمريكية الشاملة، بينما بقي الشرق الأوسط مركزا للطاقة، وميدانا دائما للصراعات التي تضمن الحاجة إلى الهيمنة الغربية.
      أثبت النموذج الصيني قدرته على تحقيق التنمية الاقتصادية السريعة والفعالة، دون الحاجة إلى تبني الديمقراطية الغربية. هذا الطرح يمثل تحديا جوهريا للأسس الفكرية والسياسية التي قامت عليها الهيمنة الغربية، لأنه يقوض الثقة بأن الرأسمالية والازدهار مرتبطان حتما بالنموذج الديمقراطي الليبرالي. الصين بهذا تقدم بديلًا مغريا للعديد من الدول النامية التي تسعى إلى التطور السريع دون الخضوع لتكاليف التحول الديمقراطي.
    فببراعتها في استغلال حاجة الرأسمالية العالمية إلى التكاليف المنخفضة، أصبحت الصين اليوم اللاعب الأكثر تهديدا للمكانة الأمريكية، فهي لا تنافس الولايات المتحدة من خارج النظام العالمي، كما فعل الاتحاد السوفياتي سابقا، بل من داخله، مسخرة آلياته لتحقيق صعودها الخاص.
    والأخطر من ذلك، أن الصين قد تحولت من مجرد « مصنع العالم » إلى منافس جاد في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، والابتكار الرقمي، مما يزعزع التفوق التاريخي للولايات المتحدة في هذه الميادين، وهذا يشكل خطرا كبيرا على الهيمنة الغربية الأمريكية على العالم ككل، وليس فقط على المجالات الاقتصادية أو التقنية المحددة.
    وهي لا تستنزف نفسها في الحروب والصراعات العسكرية المباشرة. بدلا من ذلك، تراكم قوتها بهدوء عبر النمو الاقتصادي، ومبادرات مثل « الحزام والطريق »، وبناء شبكة واسعة من الشراكات العالمية التي تمتد إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية، مؤسسة بذلك لنظام عالمي مواز ونفوذ متنام.
    بما أن الصين تمثل المنافس الحقيقي والأكثر جدية في الصراع العالمي على الهيمنة، فإن الولايات المتحدة تسعى على الأرجح إلى حسم الصراعات في مناطق أخرى قبل خوض هذه المعركة الكبرى في تايوان
     يظهر أن معركة ترامب ليست فقط حول رئاسة أو حزب، بل حول هوية دولة ودور عالمي.. إننا أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن تكون هذه اللحظة بداية نهاية الحقبة الأمريكية بصورتها القديمة، أو بداية إعادة تموضع عنيف تحاول فيه واشنطن، عبر شخصية ترامب أو غيره، إعادة رسم قواعد اللعبة الدولية على أسس جديدة أكثر قسوة وأقل تسامحا.
    أفتكون رئاسته رقصة النهاية لإمبراطورية آيلة للسقوط، أم بداية لحقبة جديدة من السيطرة، بأدوات أكثر خشونة وأقل نفاقًا؟.



    قمة قد لا تحل شيئا

    أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الاجتماع مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين سيعقد في ولاية ألاسكا الأمريكية يوم الجمعة 15 أغسطس.
     توقعات كثيرة تطرح حول نتائج اللقاء ومنها أنها قد لا تحل الصراع الأساسي في وسط شرق أوروبا وقد يتم فيها فقط الاتفاق على قضايا متنوعة وتمديد اتفاقيات خاصة بالأسلحة النووية.
     يوري أوشاكوف مساعد الرئيس الروسي أكد أن التحضيرات للقمة ستكون صعبة. وشدد على أن كلا الجانبين سيعملان بجد للوصول لنتائج في هذه القمة. وأضاف: “من المؤكد أن الرئيسين سيناقشون سبل تحقيق تسوية سلمية طويلة الأجل حول الأزمة الأوكرانية”. وأشار أيضا إلى أن المصالح الاقتصادية لكلا البلدين تتلاقى في ألاسكا والمنطقة القطبية الشمالية. وهناك فرص واضحة لتنفيذ مشاريع كبيرة تعود بالفائدة على الجانبين.
    وذكر أوشاكوف: “ستركز موسكو وواشنطن، خلال الأيام القليلة المقبلة، على وضع معايير عملية وسياسية محددة لقمة ألاسكا” ولكنه لم يتطرق إلى العقوبات التي يهدد بها ترامب موسكو، حسب ما نشرت تقارير إعلامية.
     في موسكو أكد رئيس لجنة الشؤون الدولية بمجلس الدوما ليونيد سلوتسكي أن فرض عقوبات ثانوية واستخدام بكين ونيودلهي كأدوات للضغط على روسيا سيؤدي إلى هزيمة الولايات المتحدة في المواجهة السياسية.
    وكتب النائب في قناته على « تلغرام »: « سعي الأطلسيين لتحويل بكين ونيودلهي إلى ‘أداة ضغط’ على موسكو عبر فرض عقوبات ثانوية ورسوم جمركية محكوم بالفشل. من المستبعد أن تلعب الأغلبية العالمية وفق قواعد الأقلية الغربية. سيكون هذا ضربا من العبث ».
    وأشار سلوتسكي إلى أن الهند والصين ترفضان علنا الضغوط الأمريكية. فقد أكد وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار أن العلاقات مع روسيا لها قيمتها المستقلة ولا يجب النظر إليها من منظور دول ثالثة. كما أن بكين ترفض باستمرار أي تدخل خارجي في علاقاتها الاقتصادية مع موسكو.
    ويرى النائب أن العالم أحادي القطبية والنفوذ الغربي الهائل أصبحا من الماضي. وأكد سلوتسكي: « لا الصين ولا الهند ترغبان في دفع جزية للمتطلعين إلى الهيمنة أو التضحية بسيادتهما على مذبح ‘الاستثناء الأمريكي’ ».
    وفي وقت سابق، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه لا يبالي بما يجري اقتصاديا بين روسيا والهند وصرح بأن كل ما يرغبه هو رؤية اقتصاد هاتين الدولتين في الحضيض.
    ومن خلال التصريحات الرسمية الأخيرة، يبدو أن ترامب قد وضع على جدول أعماله روسيا والهند لاستهدافهما باستراتيجيته التي تشغل اقتصاد العالم منذ وصول الأخير إلى البيت الأبيض عبر فرض الرسوم الجمركية.
    وقال إنه « يحب الشعب الروسي » ولا يرغب في اللجوء إلى فرض قيود بسبب الوضع في أوكرانيا، لكنه أكد عزمه على فرض عقوبات ثانوية على موسكو في حال تعذر التوصل إلى اتفاق بشأن النزاع الأوكراني.
    وعلى صعيد متصل، أعلن ترامب عن عزمه فرض الرسوم الجمركية بنسبة 25 في المئة على الهند.
     من جانبه صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن الغرب الجماعي يسعى إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا باستخدام نظام كييف أداة للحرب، لكنه لن ينجح في ذلك.
    وأضاف لافروف: « نشهد مواجهة غير مسبوقة لبلدنا مع الغرب الجماعي، الذي قرر مرة أخرى خوض حرب ضدنا وإلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا، مستخدما النظام النازي في كييف لتحقيق ذلك ».
    وأضاف: « لم ينجح الغرب في ذلك قط – وسيفشل هذه المرة أيضا. ربما بدأوا يدركون ذلك ».
     في مقال بمجلة « ذا أمريكان كونسيرفاتيف » رأى الكاتب الأمريكي تيد سنيدر، ، أن حرب أوكرانيا ما كان يجب أن تندلع أصلا، فالولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي كان بإمكانهما تفادي الحرب عبر التفاوض المبكر مع روسيا، لكن بدلا من ذلك، اختارا التصعيد، و »إغراء » كييف بوعود لم تتحقق، أبرزها الانضمام إلى الناتو والاتحاد الأوروبي، وهزيمة موسكو ميدانياً.
    وبحسب الكاتب، فإن واشنطن ضغطت على كييف لرفض اتفاق سلام كان مطروحا في بداية الحرب، ليستبدَل بـ »نضال طويل » على أساس وعود لا تزال بعيدة المنال، بينما تدفع أوكرانيا الثمن الأكبر إنسانياً واقتصاديا واستراتيجيا.



    صمود الاقتصاد

    في بحث نشر في مجلة American Conservative نهاية شهر يوليو 2025 أشار دوغ باندو مساعد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان إلى أن الاقتصاد الروسي صمد أمام العقوبات الغربية ونما خلالها، محذرا من أثرها على من فرضوها.
    وأشار باندو إلى أن العقوبات الجديدة ضد روسيا التي أعلن عنها الرئيس ترامب ستضر بواشنطن نفسها.
    ففي 14 يوليو، هدد ترامب بأنه سيفرض رسوما جمركية بنسبة 100 في المئة على البضائع الروسية، بالإضافة إلى عقوبات ثانوية على الدول التي تشتري النفط الروسي، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا خلال 50 يوما. 
    وأضاف باندو: « لقد صمد الاقتصاد الروسي في وجه العقوبات الغربية، بل وشهد نموا منذ بداية الحرب. إن تهديد ترامب بمعاقبة الدول التي تشتري النفط الروسي، وخاصة الصين والهند والبرازيل، من شأنه أن يضر بالولايات المتحدة لأنه من المستبعد أن تستسلم هذه الدول لضغوط واشنطن ».
    ويعتقد باندو أيضا أن مثل هذه الإجراءات التي يتخذها ترامب من شأنها أن تقوض العلاقات الآخذة في التحسن بين الولايات المتحدة والهند، وتقلل من فرص التوصل إلى اتفاق تجاري مع الصين، وتفاقم تناقضات واشنطن مع البرازيل.
    وفي تعليقه على تهديدات ترامب بفرض تدابير تقييدية جديدة، قال المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، إن الاقتصاد الروسي قد اكتسب بالفعل مناعة ضد العقوبات الغربية.



    الجغرافيا تقاتل مع روسيا

    تعد روسيا أكبر دولة مساحة في العالم، بامتداد جغرافي يبلغ نحو 17 مليون كيلومتر مربع، مما يمنحها قدرة استثنائية على المناورة الإستراتيجية من أوروبا الشرقية إلى سواحل المحيط الهادي. وهي تتشارك حدودا برية أو بحرية مع 16 دولة، بعضها من الحلفاء النوويين، وأبرزهم الصين، ثاني أقوى قوة اقتصادية وعسكرية في العالم، بحدود يصل طولها إلى 4200 كيلومتر، إضافة إلى كوريا الشمالية، ثم إيران التي لا تشترك مع روسيا بحدود برية، لكنها ترتبط بها جغرافيا عبر بحر قزوين، وهو امتداد إستراتيجي لا يقل أهمية عن الحدود البرية من الناحية اللوجستية.
    ومن ثم فلا يمكن إغفال الدور المحوري الذي أدته الجغرافيا في تعزيز قدرة روسيا على الصمود في وجه الحصار الغربي. فالدول المجاورة لها مباشرة، مثل الصين وكوريا الشمالية ومنغوليا، أو تلك التي ترتبط بها عبر حدود وسيطة، وفرت لها دعما متنوعا، سواء عبر الإمداد المباشر أو عبر توفير نقاط عبور إستراتيجية، بدوافع تتراوح بين المصالح الذاتية والعداء للغرب. هذا الامتداد الجغرافي الواسع، الذي يشمل قلب أوراسيا، يجعل من المستحيل عمليا فرض حصار شامل وفعال على روسيا.
    ورغم أن بعض هذه الدول ليست داعمة لروسيا بشكل كامل، فإن امتناعها عن المشاركة في العقوبات الغربية، واحتفاظها بعلاقات اقتصادية وتجارية مع موسكو، يجعلها فعليا « حليفة بحكم الجغرافيا »، وكان التجلي الأبرز لهذا العمق الجغرافي هو مشاركة كوريا الشمالية بأكثر من 10 آلاف مقاتل لإسناد الجيش الروسي في استعادة منطقة كورسك.



    الردع النووي

    منذ الأيام الأولى للحرب، خيم شبح الخوف من التصعيد النووي على كل قرارات الغرب في معايرة الردود الممكنة على موسكو. وعلى الرغم من الإدانات والعقوبات والدعم العسكري الغربي الواسع لكييف، بقيت هناك « خطوط حمراء غير مرئية » تقيد السلوك الغربي، لمنع وقوع الخطر النووي.
    تمتلك روسيا أكبر ترسانة نووية في العالم، وأكثر من 6 آلاف رأس نووي. ومنذ بداية الحرب، لمح الرئيس فلاديمير بوتين ومسؤولون روس إلى إمكانية استخدام السلاح النووي في حال « تهديد وجودي ». هذا التهديد، وإن لم يكن صريحا، أجبر صناع القرار في واشنطن وبروكسل على التعامل مع موسكو بوصفها قوة ذات « حواجز خطيرة ».
     وإجمالا يمكن القول بأن الخوف من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع قوة نووية، قيد خيارات الدول الغربية. فالولايات المتحدة والناتو كلاهما رفضا إقامة منطقة حظر جوي، أو إرسال قوات برية، أو تسليم أوكرانيا صواريخ بعيدة المدى (في بداية الحرب) لضرب العمق الروسي. وحتى حين قدمت واشنطن لكييف صواريخ طويلة المدى (ATACMS)، فرضت شروطا حول استخدامها داخل الأراضي الروسية.
    ربما كان توقع التهديد النووي مبالغا فيه، لكن احتمال استخدامه ليس صفرا، ويبدو أن بوتين راهن على أن مجرد التهديد بالغموض النووي كاف لشل إرادة الغرب في بعض الاتجاهات، وقد نجح.



    أزمة الغرب

    الأزمة السياسية في الغرب مصطلح واسع يشير إلى مجموعة من التحديات والتوترات التي تواجه الدول الغربية في الوقت الحالي. تشمل هذه التحديات: تأزم الوضع الاقتصادي وتزايد الشعبوية، والانقسامات الاجتماعية والسياسية العميقة، وتراجع الثقة في المؤسسات، وتزايد عدم المساواة، وتغير المناخ، وتداعيات جائحة كوفيد-19، والحرب في أوكرانيا. هذه العوامل مجتمعة تساهم في زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي في الغرب. ومن الملفت أن النخب السياسية في الدول الغربية، وكذلك دارسو العلوم السياسة يقفون عاجزين أمام فهم هذه الأزمة، وذلك ربما لأنهم كانوا يؤمنون لفترة طويلة بأن الديمقراطية الليبرالية كما نشأت في الدول الغربية تمثل « نهاية التاريخ » أو النموذج الذي تتطلع له جميع دول العالم كما أدعى عالم السياسة الأمريكي « فرانسيس فوكوياما » بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.
     أحد أهم دعامات القوى الغربية عالميا هي السيطرة المالية، والدولار الأمريكي هو أحد اعمدتها.
     جاء في تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ الامريكية بتاريخ 5 أغسطس 2025:
    يواجه الدولار الأمريكي، إلى جانب الأصول المالية الأخرى في الولايات المتحدة، ضغوطا متزايدة قد تؤدي إلى موجات بيع جديدة، على خلفية مخاوف متصاعدة من تآكل مصداقية المؤسسات الاقتصادية الأمريكية، بحسب ما حذر منه محللون وإستراتيجيون اقتصاديون تحدثوا لوكالة « بلومبيرغ ».
    يأتي ذلك عقب استقالة عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفدرالي أدريانا كوغلر يوم الجمعة 1 أغسطس، مما يمنح الرئيس الأمريكي ترامب فرصة لتعيين بديل لها، في وقت حساس من دورة السياسة النقدية الأمريكية، وهو ما يهدد بتقليص نفوذ رئيس البنك المركزي جيروم باول.
    وتزداد المخاوف بعد أن أقال ترامب أيضا رئيسة مكتب إحصاءات العمل، إريكا ماكنتارفر، وهي الخطوة التي يرى فيها المستثمرون تهديدا مباشرا لاستقلالية البيانات الاقتصادية الأمريكية، ما يزيد من حالة الشك المحيطة بمستقبل السياسة النقدية، ويضعف الثقة بالدولار والأصول المرتبطة به.
    وصرح روبرت بيرغكفيست، كبير الاقتصاديين في بنك « سيب » في ستوكهولم: « للأسف، نحن نشهد محاولات جدية جديدة لتركيز السلطة أكثر فأكثر في يد البيت الأبيض »، مضيفا: « كل هذا يبرر رفع علاوة المخاطر على الأصول الأمريكية ».
     ورغم تسجيل الدولار انتعاشا طفيفا مطلع الأسبوع الماضي، فإنه هبط بشكل حاد يوم الجمعة مقابل جميع عملات مجموعة العشر، إثر صدور تقرير ضعيف للوظائف جاء دون التوقعات، ما دفع الأسواق إلى ترجيح خفض محتمل في أسعار الفائدة خلال شهر سبتمبر المقبل.
     ووفقا لبيانات منصة بلومبيرغ، فقد تراجع مقياس قوة الدولار الشاملة بنحو 8 في المئة منذ بداية عام 2025.
    وصرح إلياس حداد، إستراتيجي في بنك « براون براذرز هاريمان » في لندن: « مصداقية صنع السياسة في أمريكا أصبحت مهددة بشكل متزايد »، مضيفا أن مساعي ترامب للضغط على باول وزملائه لتسريع خفض الفائدة « تقوض استقلالية الاحتياطي الفيدرالي »، فيما « تضعف إقالة ماكنتارفر ثقة الأسواق بسلامة البيانات الاقتصادية الأمريكية ».
    وفي تحليل داخلي لبلومبيرغ، قال المحلل الإستراتيجي مارك كودمور « لا توجد طريقة إيجابية لتفسير قرار ترامب بإقالة رئيسة مكتب الإحصاءات. إما أن البيانات السابقة كانت مشوهة كما يدعي، أو أن البيانات كانت موثوقة حتى الآن، وأصبحت الآن عرضة للتسييس. في الحالتين، باتت البيانات المستقبلية مشكوكا فيها ويجب أن تُحمل علاوة مخاطر أكبر ».
      للتواصل مع الكاتب 
    عمر نجيب
    [email protected]

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بريطانيا: سنعترف بدولة فلسطين في سبتمبر إذا لم توقف إسرائيل الحرب

    أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده ستعترف بفلسطين كدولة بحلول اجتماع الأمم المتحدة في سبتمبر، ما لم توافق إسرائيل على وقف إطلاق النار.

    وقال رئيس الوزراء إن « الإسقاط الجوي للمساعدات بدأ اليوم، على الرغم من أن رئيس الوزراء يقول إنه يريد رؤية ما لا يقل عن 500 شاحنة من المساعدات يوميا لدخول غزة »، مضيفا أن « الوقت المناسب للاعتراف بفلسطين هو الآن لأنه سيكون له أكبر تأثير ».

    وتابع ستارمر: « رسالتنا إلى إرهابيي حماس لم تتغير ولكنها لا لبس فيها. يجب عليهم إطلاق سراح جميع الرهائن على الفور، والتوقيع على وقف إطلاق النار، ونزع سلاحهم، وقبول أنهم لن يلعبوا أي دور في حكومة غزة ».

    وأضاف: « سنجري تقييما في سبتمبر حول مدى تحقيق الأطراف لهذه الخطوات، ولكن لا ينبغي لأحد أن يكون لديه حق النقض على قرارنا. لذلك هذا هو الطريق إلى الأمام. ونعمل على خطة سلام من ثمانية أطراف مع دول أخرى ».

    يأتي ذلك بعد انطلاق أعمال « المؤتمر الدولي لتسوية القضية الفلسطينية بالطرق السلمية وتنفيذ حل الدولتين » برئاسة سعودية – فرنسية مشتركة، يومه الإثنين 28 يوليوز، في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

    ويهدف المؤتمر إلى طرح مسار زمني يؤسس لدولة فلسطينية ذات سيادة ينهي الاحتلال على أرضها على أساس حل عادل ودائم وفقا لمبادرة السلام العربية والقرارات الأممية ذات الصلة.

    كما يركز المؤتمر خلال أيام انعقاده على الإجراءات العملية لدعم التسوية السلمية بشكل عاجل، ووضع أسس حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية يوقف دائرة العنف المستمرة في المنطقة، ويسهم في استقرار أمنها الإقليمي، وينهي معاناة الشعب الفلسطيني، ويعيد له حقوقه المشروعة في تجسيد دولته الفلسطينية المستقلة.
    العلم الإلكترونية – روسيا اليوم  

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عمر نجيب يكتب: هل بدأت الحرب العالمية الثالثة بالفعل؟

    تعرف الساحة السياسية الدولية حالة من الفوضى التي يتسع مداها وخطرها في وقت يؤكد فيه العديد من السياسيين والمحللين أن العالم يعيش عمليا بداية الحرب العالمية الثالثة ولكن حتى الآن بدون السلاح النووي.
     الولايات المتحدة التي رسخت هيمنتها على النظام العالمي مع بداية العقد الأخير من القرن العشرين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي توجد الآن في منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين في حالة من الاستنفار القصوى بسبب ما تعتبره تهديدا لها وكل معسكرها الغربي مع بروز عالم متعدد الأقطاب. واشنطن بقيادتها الحالية تحت سلطة الرئيس ترامب تظهر مستعدة لركوب حتى مخاطر حرب عالمية ثالثة لمنع انهيار ما يصفه بعض المؤرخين بالنظام الإمبراطوري الأمريكي. غير أن كثيرا من المحللين يقدرون أن سياسات ترامب المتذبذبة والتي يعتقد في البيت الأبيض أنه يمكنها إنقاذ سلطة واشنطن تسرع في الواقع من وتيرة الانحدار.
     قرب نهاية سنة 2024 صرح « جيمي ديمون » رئيس بنك « جيه بي مورغان »، إن التوقعات الاقتصادية أصبحت محدودة التأثير مقارنة بالوضع الجيوسياسي الذي يواجهه العالم اليوم، معتبرا أن الحرب العالمية الثالثة بدأت بالفعل.
     وخلال جلسة ضمن الاجتماع السنوي لمعهد التمويل الدولي في واشنطن العاصمة، الخميس 24 أكتوبر 2024، أعرب « ديمون » عن أسفه للحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط، والتعاون المتزايد بين « خصوم الولايات المتحدة » بما في ذلك روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران.
     وأضاف: « من الواضح أنهم يتحدثون عن تفكيك النظام الذي وضعته الولايات المتحدة وحلفاؤها بعد الحرب العالمية الثانية »، والذي ينسب إليه « ديمون » الفضل في حقبة من النمو الاقتصادي العالمي غير المسبوق.
     وأكد أن انتشار الأسلحة النووية هو « أكبر خطر تواجهه البشرية »، ويتفوق على تغير المناخ من حيث الخطورة، متابعا: « المخاطر غير عادية، لقد بدأت الحرب العالمية الثالثة بالفعل، ولديك معارك على الأرض في بلدان عدة ».
     وأوضح أن فرق إدارة المخاطر في بنكه « نفذت سيناريوهات ستصدم الكثيرين »، من حيث العواقب الاقتصادية المحتملة للصراع العالمي الذي يخرج عن نطاق السيطرة.

     الفيلسوف الفرنسي إيمانويل تود وهو مؤرخ ينتمي إلى ما يعرف بمدرسة المدى الطويل، بمعنى أنه لا يدرس الظواهر في صورها الضيقة وتفاصيلها الدقيقة المباشرة وإنما يدرس الحقب التاريخية والظواهر الممتدة، أصدر كتابين عنوانهما: هزيمة الغرب، وما بعد الإمبراطورية.
    كتاب « هزيمة الغرب » الذي صدر في بداية عام 2025 يمكن اعتباره من أهم أعمال تود، وعلى الرغم من أنه لم يترجم بعد ولو إلى اللغة الإنجليزية فإنه أثار الكثير من الجدل في العالم الغربي، وتناولته الصحف والمنصات المختلفة من الولايات المتحدة الأمريكية إلى شرق أوروبا.

    والسبب ليس فقط أن تنبؤات تود تحققت بالفعل في السابق، ولكن أيضا لتوقيت الكتاب، فبينما يحارب الغرب في أوكرانيا، ويساند إسرائيل في حربها الإبادية ضد الشعب الفلسطيني، يأتي تود ويقول للغربيين إنهم في طريقهم إلى الهزيمة، ويبين لهم من خلال مؤشرات متعددة وبيانات هائلة أنهم على شفا الانهيار. ويقول تود إنه حاول في هذا الكتاب أن يتحرر تماما من الخوف من الأحكام الأخلاقية وأن يقرأ المشهد بشكل علمي غير مؤدلج.
    كذلك يصل تود إلى درجة القول بأن إيران ينبغي أن تمتلك سلاحا نوويا، لأن هذا هو الحل الوحيد لكي يسود السلام في المنطقة ويتوقف جيش الاحتلال الإسرائيلي عن طغيانه. بالنسبة لتود فإن امتلاك الأسلحة النووية بالتساوي هو السبيل الأمثل للسلام، وليس أن تمتلكه بعض الدول فقط، فهو يرى مثلا أن امتلاك الاتحاد السوفياتي لأسلحة نووية هو ما منع الولايات المتحدة الأمريكية من استخدام أسلحتها ضد الأراضي السوفياتية، عكس ما فعلت مع اليابان في الحرب العالمية الثانية، وكذلك إذا امتلكت إيران القنبلة النووية فستتوقف إسرائيل عن القتل والتشريد دون حساب.
     في موسكو صرح نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، للصحفيين يوم الخميس 10 يوليو 2025، إن التناقضات في تصرفات وتصريحات إدارة الرئيس الأمريكي ترامب لا تجعل العمل أسهل معها. وأشار ريابكوف إلى أن « إدارة ترامب متناقضة للغاية في تصرفاتها وتصريحاتها.
     من علامات الاضطراب الأخرى في الساحة السياسية الدولية ما سجل من زيادة في الثلث الثاني من سنة 2025 من معدل الأخبار التي تروج أساسا في وسائل الإعلام الغربية والتابعة لها بإسلوب أو بآخر، للحديث عن محادثات تجري وراء الستار في السر بين مجموعات من عدة أطراف توجد في حالة مواجهة عسكرية أو سياسية أو اقتصادية عالية المخاطر وتسعى من وراء ذلك إلى تجنب مزيد من التصعيد وما يحمله في طياته من مخاطر.
     المشكل أنه بموازاة هذا الفيض عن المحادثات التي يقال أنها تجري في سرية يتم تقديم ملخصات عما سيتم أو تم الاتفاق عليه وفي الغالب يكون جوهر ما تم التوصل إليه مرضيا وعاكسا لمطالب المعسكر الغربي، ولكن في النهاية ومع مرور بعض الوقت يتضح أن الكثير مما قيل مجرد أوهام وتمنيات وكذب مطلق.
     المحاور الأساسية والأكبر تأثيرا بالنسبة لهذه « المحادثات » سواء ما كان منها مصنعا أو ملموسا على الصعيد الدولي تدور بين ما يمكن وصفه بتكتلين، غرب وشرق، روسيا من جانب والولايات المتحدة ومن خلفها حلف الناتو من جانب آخر، حول الحرب في وسط شرق أوروبا (أوكرانيا) ونزاعات الشرق الأوسط غزة-سوريا-لبنان-اليمن-إسرائيل ونووي إيران. وبين طهران وواشنطن ومن خلفها تل أبيب حول التسلح النووي وغيره وتقاسم مناطق النفوذ، وبين بكين وواشنطن حول كل شيء تقريبا من مستقبل جزيرة تايوان مرورا بالتجارة والاقتصاد وسباق التسلح والتوازنات في جنوب آسيا وغيرها.
     عندما تنهار الإمبراطوريات أو توشك على ذلك، غالبا ما تتبعها فترات من عدم الاستقرار والتحولات الجذرية في النظام العالمي. قد يشهد العالم صراعات جديدة، وتغييرات في موازين القوى، وحتى انهيار اقتصادي.
     يمثّل صعود القوى العظمى في النظام الدولي تحديا سياسيا ووجوديا للقوة المهيمنة على هذا النظام، لكنَ تغير بنية النظام الدولي يعَد أمرا طبيعيا ومحتوما لاستمرارية النظام كلّه، إذ لا يمكن تصور أن تكون دولة ما مهيمنة على النظام الدولي إلى الأبد.
    وكما يقول بول كينيدي في كتابه «نشوء وسقوط القوى العظمى»، فإن صعود الأمم لا بدَ أن يمر بنهاية محتومة تنذر بانهيار القوة المهيمنة، وتبشر بقدوم قوة أخرى بديلة.
     تتعدد أسباب نهاية الإمبراطوريات والنهاية واحدة: اقتصادية، اجتماعية، عسكرية، تنظيمية. فقد يكون نمط تنظيم الإمبراطورية نفسه سبب اختفائها، وذلك على شاكلة ما حدث للإمبراطورية المقدسة التي اختفت نسيا منسيا يلفها جو من عدم المبالاة بعد أن تهافت تماسكها شيئا فشيئا إلى أن لم تعد مؤسساتها تصلح لأي شيء على الإطلاق، اللهم إلا في ديمومة تأمين خدمة بريد بين الدول الأعضاء التي لطالما ادعت أنها وريثة روما الإمبراطورية !وعلى شاكلة ما حدث من قبل أيضا بالنسبة إلى إمبراطورية الإسكندر الأكبر الذي مات شابا ولم يهتم بتنظيم بدواته وغزواته. وعلى شاكلة ما حدث للإمبراطوريتين المغولية والعثمانية من غياب للعقلانية السياسية والإدارية والترقيع بإصلاحات بدت مسكنة مهدئة ولم تكن فعالة منجية.
     ابن خلدون، في مقدمته الشهيرة، تناول أسباب سقوط الدول ضمن إطار نظريته عن عمران البشر ودورة حياة الدولة، حيث شبه الدولة بالكائن الحي الذي يمر بمراحل: النشوء، القوة، ثم الهرم والسقوط. ومن أبرز الأسباب التي ذكرها لسقوط الدول:
    1. الترف والفـساد…: عندما تنغمس الطبقة الحاكمة في الترف وتبتعد عن قيم الجد والعمل، تبدأ مؤسسات الدولة بالضعف.
    2. الظلم: الظلم المستمر يضعف ولاء الناس للدولة ويؤدي إلى الفتن والانقسامات.
    3. ضعف العصبية: يرى أن الدولة تقوم على « العصبية » (الولاء الجماعي)، وإذا ضعفت هذه العصبية، تفككت الدولة.
    4. التكلف في النفقات والجباية: زيادة الضرائب والجبايات لإرضاء الترف تؤدي إلى إرهاق الشعب وتدمير الاقتصاد.
    5. الصراع الداخلي: النزاعات داخل الأسرة الحاكمة أو بين القبائل والعشائر تؤدي إلى انهيار الوحدة السياسية.
    6. الاعتماد على غير أهل الدولة: أي الاعتماد على المرتزقة أو الأجانب في إدارة الدولة بدلا من أصحاب الولاء الحقيقيين.



    لحظات مفصلية

    تمثل الحروب لحظات مفصلية في تاريخ الدول، والحروب غير المشروعة قد تكون مميتة عندما تشكل ذروة سنام انحدار البلدان التي تخوض غمارها. وينطبق ذلك بوجه خاص على إمبراطوريات حكمت أجزاء من العالم.

    بهذه المقدمة استهل روبرت كابلان، رئيس كرسي روبرت شتراوس هوبي في الجغرافيا السياسية في معهد أبحاث السياسة الخارجية (فيلادلفيا/بنسلفانيا)، مقالا له في مجلة فورين أفيرز الأميركية (Foreign Affairs)، مستعرضا بعض الشواهد من التاريخ الحديث ليخلص إلى أن سقوط الإمبراطوريات أو القوى العظمى تتبعه فوضى واندلاع حروب.

     عندما نجمع كل هذه المعطيات يتقوى إدراكنا أننا نعيش فترة إنتقال كبرى لكل الكوكب بكل مخاطرها وثمارها في آن واحد.



    أوهام النصر والتفوق

    منذ 7 أكتوبر 2023 وإنطلاق معركة طوفان الأقصى من غزة لم تتوقف آلة الإعلام الغربية الإسرائيلية، وساسة تل أبيب وواشنطن ولندن ومن تبعهم في الحديث عن الحسم القريب وتصفية المقاومة الفلسطينية بقيادة حماس وتهجير سكان غزة، ولكن بعد 22 شهرا تعجز آلة الحرب الغربية عن تحقيق الحسم ويتصاعد الحديث عن استنزاف جيش تل أبيب متعدد الجنسيات وحروب الثلاثين عاما وإنهاك وعطل معدات الحرب الغربية وإرتفاع خسائر خصوم الشعب الفلسطيني وهجرة عشرات آلاف المستوطنين خارج « أرض الميعاد » وانهيار الاقتصاد، نعم في الجانب الفلسطيني استشهد ما يفوق 60 الف غالبيتهم العظمي من الشيوخ والنساء والاطفال، ولكن ذلك ليس مقياس من ينتصر ومن ينهزم فالتاريخ عني بالأمثلة لتضحيات كبرى لشعوب مناضلة انتصرت.
     كشفت صحيفة « يديعوت أحرونوت » يوم 27 يوليو 2025 أن عدد الجنود الإسرائيليين المصابين منذ 7 أكتوبر2023 تجاوز 18.500 جندي، من بينهم آلاف يعانون من أضرار نفسية حادة، وسط تقديرات تشير إلى بلوغ عدد الجرحى 100 ألف بحلول عام 2028.
    وأوضحت الصحيفة، نقلا عن تقارير ومعلومات صادرة عن وزارة « الأمن » الإسرائيلية، أن هؤلاء الجنود « خرجوا من الخدمة ليس فقط كعناصر عسكرية، بل أيضاً من سوق العمل »، ما يعني أن تأثيراتهم تمتد إلى الاقتصاد و »المجتمع » الإسرائيلي بشكل عام.
     ويظهر التقرير، أن نصف الجنود المتوقع إصابتهم خلال السنوات المقبلة، سيعانون من مشكلات في الصحة العقلية، على رأسها، اضطراب ما بعد الصدمة.
    وأضافت « يديعوت أحرونوت » أن الرقم الذي كان من المتوقع سابقاً الوصول إليه في عام 2030، بات مرجحاً في عام 2028، بسبب التسارع الكبير في تسجيل الحالات النفسية، الأمر الذي دفع الجهات المختصة إلى إعادة تقييم أنظمتها وموازناتها وخططها العلاجية.
    لم تفلح آلة الحرب الإسرائيليوغربية في تركيع غزة فلجأوا إلى التجويع وغطوه بمساعدة واشنطن بتنظيمات مختلفة ففشلوا، وتسابقت لندن لتقدم فكرة جديدة إسقاط المعونات جوا ففشلت. راهنوا على رضوخ حماس لبعض شروطهم بالتجويع وتصوير وجوه الغزاويين والتجسس عليهم، ولكن شعب غزة رفض وتمسكت حماس بشروطها. انهم لا يزال يناورون ولكن الزمن لا يعمل لصالحهم.
     لم تنجح واشنطن وحلفاؤها رغم حشدهم لأحدث حاملات الطائرات الأمريكية وأسطول مساندتها وحوالي 28 ألف بحار وطيار في إخضاع صنعاء، وأجبرت واشنطن بعد حوالي 30 يوما من القصف الجوي والصاروخي على اليمن على الانسحاب بعد أن خسرت أكثر من 4.5 مليار دولار.
     نجحوا مرحليا في لبنان في تجميد هجمات حزب الله على إسرائيل بعد إغتيال زعيمه حسن نصر الله ولكنهم لم ينجحوا في نزع سلاحه أو منعه من إعادة تعزيز قوته.
     نجحوا في نشر الفوضى في سوريا بعد سقوط دمشق في 8 ديسمبر 2024، ولكنهم وجدوا أنفسهم بعد أشهر قليلة في مواجهة خصم ظل خامدا حتى الحين ولكنه وجد أن ما يجري على جناحه الجنوبي من تقسيم وشرذمة يشكل تهديدا وجوديا ووجد نفسه راضيا أو مجبرا على خوض مواجهة متسعة مع تل أبيب وتحالفاتها.
     قضوا سنوات في الإعداد لتوجيه ضربة قاتلة لإيران، ولكن بعد الساعات الأولى للهجوم من فجر يوم الجمعة، 13 يونيو 2025، تبخرت أوهام النجاح، وكانت نتيجة مماثلة تنتظر واشنطن فجر يوم 22 يونيو2025، ضمن عملية عسكرية أسمتها عملية مطرقة منتصف الليل (بالإنجليزية Operation Midnight Hammer) استهدفت منشآت نووية إيرانية في كل من منشأة فردو لتخصيب اليورانيوم، ومنشأة نطنز النووية، وأصفهان.
     بعد إنهيار دفاعات القبة الحديدية ومقلاع داوود وما جاورهما خلال 12 يوما تحت قصف الصواريخ والمسيرات الإيرانية، طلبت واشنطن وتل أبيب وقف إطلاق النار. وفي الأسابيع التالية اعترف الغرب بفشل تصفية البرنامج النووي الإيراني، وتسير طهران حسب الخبراء على نفس الطريق الذي جعل كوريا الشمالية قوة نووية.
     في شرق أوروبا تبخرت خطط الناتو لهزيمة روسيا عسكريا على الساحة الأوكرانية وتتخبط واشنطن وأغلب من حالفها في أوروبا في البحث عن مخرج. هؤلاء أنفسهم يتصارعون حول التجارة ومناطق النفوذ وشعوب أوروبا حائرة في ظل أوضاع صعبة سياسيا وإقتصاديا.
     دول أمريكا اللاتينية تتمرد على إملاءات وهيمنة واشنطن، وافريقيا تبحث عن شركاء جدد وتلفظ بعيدا علاقاتها مع مستعمريها القدماء، وفي شرق آسيا توسع الصين نفوذها في كل مكان وتتجاوز الغرب اقتصاديا وعلميا وصناعيا وتقترب من ذروة القوة العسكرية.
     إنه عالم يعاد بناؤه.



    فلسطين ستحرر

    كتب النائب الفرنسي توماس بورتس، في منشور على صفحته بمنصة « إكس »: « تحرير فلسطين كاملة أمر لا مفر منه، ولن يوقفه شيء، لا إسرائيل ولا غيرها ».
    وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قد أعلن في وقت سابق، أن باريس ستعترف بدولة فلسطينية مستقلة، مؤكدا الحاجة الملحة لوقف الحرب في غزة وإنقاذ المدنيين.
     حركة « فرنسا الأبية » رحبت بإعلان الرئيس الفرنسي عزمه الاعتراف رسميا بدولة فلسطين، خلال مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، سبتمبر المقبل.
    وشددت الحركة على أن خطوة الرئيس إيمانويل ماكرون تبقى « غير كافية » في ظل ما وصفته بـ »الوضع الكارثي » في قطاع غزة، وطالبت بعقوبات على الحكومة الإسرائيلية وإجراءات ميدانية فورية.
    ووفقا لتقرير نشرته صحيفة « لو فيغارو » الفرنسية، اعتبر زعيم الحركة اليسارية، جان-لوك ميلانشون، في تدوينة له، أن إعلان ماكرون يمثّل « نصرا معنويا » يعكس ضغط الشارع الفرنسي، وتضامنا شعبيا واسعا مع الشعب الفلسطيني خلال الأشهر الأخيرة. لكن ميلانشون لم يخفِ انتقاده الشديد لتوقيت الإعلان، معتبرا أنه محاولة « للهروب الإعلامي من أزمات داخلية ».
    وتساءل: « لماذا الانتظار حتى سبتمبر؟ سكان غزة يقتلون الآن، وليس بعد شهرين »، منتقدا ما وصفه بـ »التحركات الاتصالية الفارغة » من قبل الإليزيه.
    في الولايات المتحدة أصدر عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بيانا مشتركا مساء الجمعة 25 يوليو، طالبوا من خلاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بتغيير مساره في الحرب على غزة فورا، ودعوا إدارة ترامب للضغط على نتنياهو.
    كما قال السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز، إن الحكومة الإسرائيلية المتطرفة بعد أن قتلت وجرحت 200 ألف فلسطيني، تستخدم التجويع الجماعي لتدبير التطهير العرقي في قطاع غزة.
    المحلل سيث جيه فرانتزمان كتب في مجلة « ذا ناشونال إنترست » الأمريكية يوم 25 يوليو 2025:
     يظهر أن نيل الإرهاق من « الجيش » الإسرائيلي وصمود حركة حماس العنيد قد يفضيان إلى احتمال وقف إطلاق النار في غزة في الشهرين المقبلين دون نصر إسرائيلي.
     وسط الفوضى حول مستقبل التطورات في غزة وفي مؤشر على تخبط خصوم حماس ذكرت صحيفة جيروزاليم بوست يوم 28 يوليو نقلا عن مصدر مطلع: أن مسؤولون بإدارة ترامب يرون الوقت مناسبا لصفقة شاملة تؤدي لإطلاق كل الرهائن وإنهاء الحرب، وأضافت الاتصالات استمرت في اليومين الماضيين بين إسرائيل والوسطاء بقطر ومصر لإحياء المفاوضات كما ان المبعوث الأمريكي ويتكوف التقى مسؤولين قطريين كبارا في جزيرة سردينيا الإيطالية عدة مرات.



    أزمة جيش إسرائيل

    كشفت صحيفة « معاريف » الإسرائيلية يوم الاثنين 21 يوليو 2025عن أزمة حادة في الجيش الإسرائيلي وسط نقص كبير في الضباط خصوصا في سلاح الهندسة.
    وأضافت أن « الجيش » الإسرائيلي يشكو حاليا من نقص يقدر بـ300 ضابط في مناصب قادة فصائل القوات البرية، مشيرة إلى أن النقص يتركز في سلاح الهندسة الذي يعاني نقصاً حاداً في قادة الفصائل وفرق الهندسة والتفكيك.
    وصرح المحلل العسكري آفي أشكنازي لـ »معاريف » بأن « الجيش » يقر بصعوبة إقناع الجنود ذوي الكفاءة بالالتحاق بدورة الضباط، قائلا إنه « لأول مرة يعترفون بأن نطاق الاستنزاف كبير، وأن حجم الجيش لا يتناسب مع حجم المهام الملقاة عليه، إذ تشير التقديرات إلى نقص بنحو 7500 مقاتل ونحو 2500 عنصر دعم حربي ».
    كما أقرت الصحيفة بأنه نظرا للنقص في تولي مناصب قادة السرايا، اضطر جيش الاحتلال على مدار الأشهر الماضية إلى تعيين ضباط وحدات نظامية واحتياطية لم يجتازوا دورة قادة السرايا.
    ويعود السبب الرئيسي لهذا النقص الكبير في الضباط إلى الزيادة في أطر الوحدات المقاتلة، حيث « شهد سلاح المدرعات زيادة في حجمه بنسبة تفوق 30 في المئة منذ بداية الحرب، فيما تضاعف حجم سلاح الهندسة الحربية تقريبا، وأُنشئت المزيد من الفصائل المقاتلة ضمن ألوية المشاة »، بحسب الصحيفة.
    كما نقلت الصحيفة عن « الجيش » اعترافه بأن عددا كبيرا من الضباط والقادة سقطوا خلال الحرب، وأُصيب مئات آخرون، من بينهم عشرات لم يتمكنوا بعد من استكمال مرحلة التعافي والعودة إلى مهامهم القتالية.
    وفي السياق أفاد قادة في الوحدات النظامية والاحتياط في « الجيش » الإسرائيلي بأن أزمة الضباط لا تقتصر على مستوى قادة الفصائل والسرايا فقط، بل تمتد أيضا إلى نواب قادة الكتائب وقادة الكتائب أنفسهم، الذين يعانون ضغطا عملياتيا هائلا وظروفا معقدة.



    جبهة اليمن

    في دعم لصمود غزة أعلن المتحدث العسكري اليمني باسم أنصار الله يوم الأحد 27 يوليو: قررنا تصعيد عملياتنا العسكرية والبدء في المرحلة الرابعة من الحصار على العدو التي تشمل استهداف كل السفن التابعة لأي شركة تتعامل مع موانئ العدو في أي مكان وبغض النظر عن جنسيتها وبغض النظر عن وجهتها.
    ودعا المتحدث العسكري كل الدول للضغط على العدو لوقف عدوانه على غزة إذا أرادت تجنب التصعيد.
    وفي سياق متصل، اعتبر الخبير الإسرائيلي في شؤون « الشرق الأوسط » وأفريقيا ونائب رئيس جامعة « تل أبيب »، إيال زيسر، أن هجمات اليمنيين « لم تعد مجرد إزعاجات في ساعات الفجر، بل تحولت إلى تهديد فعلي له تداعيات اقتصادية وأمنية مباشرة على إسرائيل ».
    وأشار الخبير الإسرائيلي إلى أن الصواريخ والمسيرات التي تطلق من اليمن تفرض أثماناً باهظة على « إسرائيل »، أبرزها تعطيل حركة الملاحة نحو البحر الأحمر، وشل ميناء « إيلات ».



    وعيد مكرر وخطة تهجير

    رغم ذلك ومرة أخري صعد الرئيس الأمريكي ترامب لهجته تجاه حركة « حماس »، متهما إياها بإفشال جهود التوصل إلى اتفاق تبادل الأسرى في غزة، مؤكدا في الوقت نفسه أن « القتال ضدها بات ضرورياً ».
    وفي تصريحات صحفية أدلى بها مساء الجمعة 25 يوليو، قال ترامب إن واشنطن « انسحبت من مفاوضات غزة »، واصفا القرار بـ »المؤسف »، لكنه أشار إلى أن « حماس لم تبد أي اهتمام بإبرام صفقة »، مضيفا أنه: « لا بد من القضاء على حماس.. لقد وصلنا إلى نقطة يجب فيها الانتهاء من المهمة. سيتعين عليهم (الإسرائيليون) القتال وتطهير المنطقة. سنحتاج إلى التخلص منهم (حماس) ».
    وتابع: « أعتقد أن حماس تعرف ماذا سيحدث بعد استعادة كل الرهائن، ولهذا لا تريد التوصل إلى اتفاق. هي لا تريد عقد صفقة… أعتقد أنهم يريدون الموت، وهذا أمر سيء للغاية »، على حد قوله.
    وأوضح ترامب أن بلاده ساهمت في إطلاق عدد كبير من الأسرى المحتجزين في قطاع غزة، لكنه أشار إلى أن « عملية إطلاق من تبقى منهم ستكون أصعب، لأن حماس لم يعد لديها أوراق مساومة ».
    وختم ترامب تصريحاته بالتعبير عن خيبة أمله من بعض تفاصيل محادثاته مع نتنياهو، قائلاً: « لا أستطيع البوح بما دار بيننا، لكنه كان مخيبا إلى حد ما ».
     هناك اعتقاد متنامي لدي الكثير من الأوساط أن رئيس البيت الأبيض لا يزال يراهن على تهجير سكان غزة.
    كتب المحلل ثابت العمور يوم 24 يوليو 2025:
    طرح الرئيس الأمريكي ترامب بشكل مفاجئ، ومن دون سابق إنذار ومن دون وجود مباحثات أو مفاوضات، « إمكانية التوصل إلى حل سريع » في أزمة سد النهضة الإثيوبي. وفي منتصف يونيو 2025، خرج ترامب بتصريح مثير للجدل قال فيه إن « الولايات المتحدة مولت بشكل غبي سد النهضة الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، والذي أثار أزمة دبلوماسية حادة مع مصر ».
    وذكر ترامب أزمة سد النهضة ثلاث مرات خلال أقل من شهر، الأمر الذي يثير عدة تساؤلات عن أسباب إثارته أزمة سد النهضة، وفي هذا التوقيت بالذات، فما دوافع ترامب من ذكر سد النهضة؟ وهل يرتبط التركيز الأمريكي بقضايا إقليمية ودولية؟ وهل هناك مقايضة أمريكية تقوم على تسوية أزمة سد النهضة مقابل قبول مصر بتهجير سكان قطاع غزة إلى سيناء؟.
     وهل طرح ترامب تسوية أزمة سد النهضة مقابل أن تغض القاهرة الطرف على المشروع الإسرائيلي المتعلق ببناء مدينة خيام في رفح تمهيداً لتنفيذ مخطط التهجير؟ هل تتقاطع تصريحات ترامب المتكررة حول سد النهضة بالمتغيرات الحاصلة، والتي تتقاطع بموضوع التهجير، كالترويج الإسرائيلي مثلا بأن إثيوبيا وليبيا وإندونيسيا قد تقبل بتهجير سكان قطاع غزة إليها؟.



    كارثة اقتصادية

    بينما تواصل تل أبيب وواشنطن التهديد بشن هجوم جديد على إيران يستبعد جزء كبير من الخبراء وقوع ذلك لأنه أولا غير مضمون النجاح خاصة بعد تصعيد الدعم العسكري والمادي الصيني الروسي لطهران، وكذلك خشية الغرب من النتائج الكارثية لو أغلقت إيران مضيق هرمز وشلت النقل البحري في الخليج العربي حيث يمر عبره حوالي 20 مليون برميل من النفط يوميا وكميات هامة من الغاز المسال.
     وقد أوضح الخبير الإستراتيجي في مجال النفط، جوليان لي، أن ربع تجارة النفط العالمية تقريبا يمر عبر هذا الممر المائي الضيق عند مدخل الخليج العربي، وإذا حالت إيران دون وصول الناقلات العملاقة التي تنقل النفط والغاز إلى أوروبا وغيرها من المناطق الرئيسية المستهلكة للطاقة، فإن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل هائل وسريع وربما زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي.
    ممر هرمز المائي يربط الخليج بالمحيط الهندي، حيث تقع إيران شماله والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان جنوبه.
    ويبلغ طوله 161 كيلومترا وعرضه 32 كيلومترا تقريبا في أضيق نقطة فيه، حيث يبلغ عرض الممرات الملاحية في كل اتجاه 3 كيلومترات ونيف.
    غير أن أعماقه الضحلة تجعل السفن التي تمخر عبابه عرضة للألغام، كما أن قربه من اليابسة -وإيران على وجه الخصوص- يجعل السفن تواجه خطر الصواريخ التي تنطلق من الشواطئ أو الاعتراض من قبل زوارق الدوريات والمروحيات.
    ومما يعكس أهمية مضيق هرمز أن السفن العملاقة نقلت عبره في عام 2024 وحده ما يقرب من 16.5 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمكثفات من السعودية والعراق والكويت والإمارات وموانئ إيران الشمالية، وفقا للبيانات التي جمعتها وكالة بلومبيرغ. كما أن أكثر من خمس الإمدادات العالمية من الغاز -معظمها من دولة قطر– عبرت من خلاله في الفترة نفسها.



    السلاح الضرورة

    اعترف المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي بأنه لا يمكن وقف البرنامج النووي الإيراني بالوسائل العسكرية، وأن الحل يكمن في اتفاق شامل يتضمن نظام رقابة.
    وفي مقابلة مع صحيفة Rzeczpospolita البولندية، أوضح غروسي أن « إيران دولة كبيرة ذات اقتصاد قوي وقدرات صناعية وتقنية متقدمة، ولا يمكن تدمير هذه المقومات بالقوة، الإيرانيون قادرون دائما على إخفاء جزء من أنشطتهم، وبالتالي لا يمكن حل هذه المشكلة عسكريا ».
    وأضاف أن الاتفاق وحده، إذا تضمن نظاما رقابيا صارما، يمكن أن يمنع طهران من تطوير سلاح نووي دون علم المفتشين.
    وأشار إلى أن العديد من المسؤولين في إسرائيل والولايات المتحدة يشككون في جدوى الاتفاقات، لكنه شدد على أن « الظروف الصارمة تجعل من الصعب للغاية على إيران تطوير سلاح نووي سرا ».
    وأكد غروسي أن الوكالة لا تمتلك أدلة مؤكدة على امتلاك إيران سلاحا نوويا، رغم وجود مؤشرات على قدراتها التقنية في هذا المجال، مشيرا إلى أن التقرير الصادر قبيل اندلاع الحرب الأخيرة أشار إلى عدم شفافية إيران بشأن بعض أنشطتها، دون أن يثبت امتلاكها القنبلة النووية.
    وفي سياق متصل، أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف مؤخرا عن تعليق التعاون مع الوكالة، متهما إياها بـ »الانحياز لإسرائيل »، ومشددا على أن استئناف التعاون مشروط بضمان أمن المنشآت النووية الإيرانية.
     من جانبه أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن تهديد طهران بالعقوبات لا يجدي نفعا. مشيرا إلى أنه ليس من المنطقي أن تتخلى إيران عن صواريخها في ظل التهديدات الإسرائيلية والأمريكية. وقال عراقجي في مقابلة مع صحيفة « لوموند » الفرنسية نشر يوم 10 يوليو: « التهديد بالعقوبات لا يجدي نفعا للدبلوماسية. إذا أرادت أوروبا حقا أن تلعب دورا محوريا، فعليها أن تثبت استقلاليتها وحيادها ».
    وأضاف: « من مظاهر هذا الحياد إدانة عدوان إسرائيل والهجوم الأمريكي على المنشآت الإيرانية – وهو أمر لم تفعله فرنسا حتى الآن ».
    وتابع: « في مثل هذه الظروف، كيف يمكننا أن نتوقع من إيران الالتزام بقواعد اللعبة الدولية؟ ».
    وأكد وزير الخارجية الإيرانية أنه يمكن لأوروبا أن تلعب دورا بناء في الحفاظ على الاتفاق النووي وخفض التوترات، شريطة أن « تدين سلوك إسرائيل العدواني ».
    كما أعرب عن دعمه للدور البناء للدول الأوروبية الثلاث (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) في إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة، شريطة أن تمتنع عن الإجراءات الاستفزازية وغير البناءة مثل التهديد باستخدام آلية إعادة فرض العقوبات، والتي نعتبرها بمثابة هجوم عسكري.
    وشدد على أنه « من وجهة نظر إيران، يعني هذا الإجراء نهاية دور فرنسا وأوروبا في البرنامج النووي السلمي الإيراني ».
    وأشار إلى أنه « إذا كانت فرنسا تتسامح مع تطوير بعض الدول للصواريخ بعيدة المدى، بل وتبيعها، فلماذا تعارض برنامج الدفاع الصاروخي الإيراني، محدود المدى، والذي يعد جزءا من قوة الردع الإيرانية؟ وقد أكدنا مرارا أن برنامجنا الصاروخي دفاعي ورادع بحت ».
    وأضاف عراقجي أنه في ظل تهديدات إسرائيل والولايات المتحدة المتواصلة لإيران، والتي أصبحت الآن هدفا لهجوم، ليس من المنطقي أن نتوقع من طهران التخلي عن قدراتها الدفاعية.
     من جانبه أكد المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني علي‌ محمد نائيني أن القوات الإيرانية لم تغفل لحظة واحدة عن تعزيز جاهزيتها، ولو استمرت عملياتها الصاروخية بنفس القوة لما بقي من إسرائيل شيئا.
    وقال نائيني تعليقا على تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ضد إيران: « هذه التصريحات العبثية هي في الغالب عمليات نفسية.
    وأكد أن « الكيان الصهيوني انهار خلال الحرب العدوانية التي استمرت 12 يوما، ولو استمرت عمليات الصواريخ للقوات المسلحة الإيرانية بنفس القوة، لما بقي من هذا الكيان اليوم شيئا ».



    الصين الصاعدة

     بعيدا عن الشرق الأوسط المركز بألاف الكيلومترات تخوض واشنطن ما تعتبره قيادتها معركة مصيرية ضد الصين، ويركز البيت الأبيض على فكرة فصل التحالف الصيني الروسي.
    في هذا الصدد كتبت كسينيا لوغينوفا، في « إزفيستيا »، يوم 22 يوليو 2025 تحت عنوان ترامب يمتدح الصين ويعد حلفاءَه للصراع معها، عن لعبة الولايات المتحدة المزدوجة مع الصين:
     أشاد ترامب بالخطوات التي اتخذتها الحكومة الصينية لوقف تدفق الفنتانيل إلى الولايات المتحدة، حيث يستمر وباء المخدرات منذ عدة سنوات بسبب انتشار هذا الأفيون الاصطناعي. من المحتمل أن يكون الرئيس الأمريكي، بتخفيف لهجته تجاه الصين، يستعد للاجتماع مع شي جين بينغ. ويولي رجال الأعمال الأمريكيون الذين يتعاملون مع الصين اهتماما خاصا بهذا الأمر. ومع ذلك، لا يمنع هذا واشنطن من إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع شركائها الآسيويين وبناء قواعد جديدة، ما يثير ردة فعل سلبية في بكين.
    وفي الصدد، قال مدير معهد آسيا وإفريقيا بجامعة موسكو الحكومية، أليكسي ماسلوف، إن ترامب توقع انتصارا سريعا على الصين. وأضاف:
    « استأنفت الصين إمداد (الولايات المتحدة) بالمعادن الأرضية النادرة ردا على تخفيض الرسوم الجمركية. اتفق الجانبان الصيني والأمريكي على مواصلة الحوار، ومن المفترض أن يستمر مبدئيا في يوليو وأغسطس، كما هو مخطط له، ثم في سبتمبر. لكن يتضح من تصريحات الصحافة الصينية أن الأمريكيين لم يلتزموا بالرسوم الجمركية التي وعدوا بها. نتيجةً لذلك، قد تبطئ الصين أيضا تصدير المعادن الأرضية النادرة. أي أن ما وصف بأنه تقارب لم يفلح تماما. ومن المثير للاهتمام أن الولايات المتحدة لا تزال تمارس ضغوطًا شديدة على عدد من الدول الآسيوية بفرض رسوم جمركية. يبدو أن ترامب يريد في المقام الأول الضغط على جنوب شرق آسيا، القريبة أيديولوجيا واقتصاديا من الصين من نواح عديدة. لكنني أظن أن الأمور كلها ستعتمد على المفاوضات الأمريكية الصينية، التي يفترض أن تعقد في نهاية الصيف ».
     
      للتواصل مع الكاتب:

    عمر نجيب

    [email protected]

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عمر نجيب يكتب: علامات النهايات في صراعات الشرق الأوسط

    يمر العالم بفترة من عدم اليقين حيث تزداد المخاوف من نشوب صراع نووي شامل، ويتسع نطاق الحروب في الشرق الأوسط، والمواجهات المتقطعة في آسيا، وترتفع نفقات التسلح إلى مستويات غير مسبوقة لتصل إلى 2.72 تريليون دولار سنة 2024، وينفجر سباق تسلح ليس بين القوى الكبرى فقط بل بين القوى الإقليمية، وتظهر أسلحة وتكتيكات حربية تخلط كل صور وخرائط وموازين القوى العالمية، وتنتشر الصراعات المسلحة في أغلب القارات بين دول بشكل مباشر أو بواسطة حركات مسلحة تخدم التكتلات الرأسمالية والشركات الكبرى التي تعمل على الاستحواذ على الثروات الطبيعية النادرة، وترتج الأنظمة السياسية الغربية التي كانت ولا تزال تتفاخر بأنظمتها الموصوفة بالديمقراطية تحت واقع إدراك شعوبها أنها كانت تعيش وهما فرضته عليها وسائل إعلام وطبقة سياسية خاضعة لسلطة المال.
    صدرت مؤلفات كثيرة منذ الربع الأخير في القرن العشرين المنصرم تقدم قراءات تشي بانهيار الغرب وهزيمته، وأفول نجم الإمبراطورية الأمريكية، وسوى ذلك. وتنهض على توقعات وتنبؤات تستند إلى معطيات وعوامل مختلفة مستقاة من نظريات تستخلص من التغيرات التي تطاول المجتمعات الغربية وتركيبة دولها.
     المفكر الفرنسي إيمانويل تود أحد الكتاب المشغولين بالتوقعات التي يستخلصها من دراساته أصدر سنة 2001 كتابه « ما بعد الإمبراطورية: دراسة في تفكك النظام الأمريكي »، تنبأ فيه بانهيار الإمبراطورية الأمريكية وأفول نجمها كقوة عالمية على الرغم من مزاعم انتصارها الكبير بانهيار الاتحاد السوفياتي. وفي السياق نفسه، يرى إيمانويل تود في كتابه بعنوان « هزيمة الغرب » 2025 أن روسيا لن تهزم في حربها على أوكرانيا، بل الغرب ومعه الولايات المتحدة، وذلك بعكس كل ما تردد في وسائل الإعلام، عادا أن الغرب دخل مرحلة انحدار سريع. ويبرر تود توقعه بالاعتماد على مجموعة التحولات التي تمر بها دول الغرب في أوروبا والولايات المتحدة من النواحي الثقافية والسياسية والاجتماعية. ويبشر بسقوط القوى القديمة، أو اضمحلالها لفترة على الأقل، بالنظر إلى موت القيم الاخلاقية والدينية، وحتى الليبرالية، في دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
     مستقبل واشنطن بوصفها قائد الغرب الرأسمالي، هو بلا مبالغة مستقبل كل الغرب وخاصة أوروبا.

     موقع « Counterpunch »: عرى الواقع السياسي المتدهور في الولايات المتحدة وقال أن الوقت حان لثورة أمريكية جديدة. مشيرا إلى إنه وقت يسود فيه عدم اليقين بشأن ما إذا كانت الجمهورية الدستورية ستبقى على قيد الحياة.
     يتناول التحليل الأزمة البنيوية التي تهدد النظام الجمهوري الدستوري في الولايات المتحدة، مع اقتراب الذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال.
     ويذكر أنه في الـ 4 من الشهر يوليو 2025 مضى 249 عاماً على إعلان الاستقلال الأمريكي، ولم يبقَ سوى عام واحد خجول، حتى يستكمل ربع 1000 عام من الوجود الوطني للولايات المتحدة، لكن في هذا العام ليس هناك الكثير للاحتفال به، الجمهورية الدستورية في خطر، إنّه وقت يسود فيه عدم اليقين بشأن ما إذا كانت الجمهورية الدستورية ستبقى على قيد الحياة بمستوى يمكن التعرف إليها بحلول الوقت الذي يحتفل فيه بالذكرى الـ 250 لتأسيس الأمة. فقد منحت المحكمة العليا في قرار صدر خلال شهر يوليو 2025، حصانة من الملاحقة الجنائية للأفعال والإجراءات الرئاسية، ووضعتها تحت خانة المهام الرسمية.
    كما جرد قرار حديث المحاكم الجزئية من سلطة إصدار الأحكام التي تؤثر في الأمة بأكملها، وألغى قرارات كانت ستحد من سلطة إدارة ترامب في إلغاء حق المواطنة بالولادة. والآن يجب أن نعتمد على محكمة عليا يمينية الهوى لتحكم بمصالح الأمة العليا.
    وقد اتخذت هذه القرارات من قبل قضاة اختارتهم الجمعية الفيدرالية، التي تتبنّى عقيدة السلطة التنفيذية الموحدة. وهذا يتضمن أن جميع سلطات السلطة التنفيذية منوطة بالرئيس. تتماشى مع أوامر ترامب التنفيذية التي تسعى إلى انتزاع استقلال الوكالات الإداري، كما هو الحال مع القرارين الأخيرين، حيث وضعت مقاليد السلطة الجامحة في أيدي رجل يميل إلى دفع المسائل إلى أقصى الحدود.
    أضف إلى ذلك الإنشاء الفعلي لجيش محلّي بموجب مشروع قانون « بيغ باد »، ومضاعفة ميزانية إدارة الهجرة والجمارك 3 أضعاف إلى 30 مليار دولار، وزيادة ميزانية الاحتجاز بنسبة 265 في المئة إلى 45 مليار دولار، أي أعلى بنسبة 62 في المئة من نظام السجون الفيدرالي بأكمله. توقع انتشار سجون « التمساح الكاتراز » مثل المنشأة الجديدة في فلوريدا التي تشبه بشكل ملحوظ الثكنات في « أوشفيتز » أو المعتقلات اليابانية في الحرب العالمية الثانية، مع أن معسكرات الاعتقال ليست شيئاً جديداً في تاريخ الولايات المتحدة.
    لقد استلهم هتلر والنازيون من المحميات الأصلية نموذجهم لمعسكرات الاعتقال. والآن، على أولئك الذين يعتقدون أنّ هذه القوى ستستخدم فقط ضد المهاجرين أن يتذكروا كيف نشرت قوات دورية الحدود في بورتلاند خلال انتفاضات « حياة السود مهمّة » عام 2020، قوة عسكرية داخلية تحت سيطرة الرئيس مباشرة.
    الصورة التي يعكسها هذا المشهد تحمل تداعيات خطرة، وسيناريوهات سيئة. فلقد اختل توازن فصل السلطات الذي يوازن بين الفروع التنفيذية والتشريعية والقضائية لصالح السلطة التنفيذية بشكل كبير، حيث استولى ترامب على السلطة في كل مستوياتها، ومن المتوقّع أن يستغل كامل الصلاحيات التي منحته إياها المحكمة العليا والكونغرس، فالأمريكيون يواجهون احتمال قيام دكتاتورية تنفيذية.
    سوف يمد ترامب يده إلى أقصى حد، ومن المحتمل أن يبالغ بذلك. والسؤال هو ما إذا كانت الاستجابة المناعية للهيئة السياسية الأمريكية ستكون قوية بما يكفي لمقاومة هذا الهجوم، والإجابة غير مؤكدة حتّى اللحظة. وفي نهاية المطاف، فقط انتفاضة مجتمعية هي التي ستعيد هذا إلى الوراء، وهي انتفاضة تمتد عبر الطيف السياسي، بما في ذلك المحافظون التقليديون الذين يشعرون بالقلق من تراجع سيادة القانون. ويجب أن يكون الرفض متجذراً بعمق داخل المجتمع الأمريكي. غير ذلك يعني الانهيار.
     الشرق الأوسط يعيش حالة حرب شبه شاملة، إسرائيل تشن حرب إبادة في غزة لأنها عاجزة عن هزيمة المقاومة الفلسطينية وتتكبد في كل يوم مزيدا الخسائر المادية والبشرية وقادة جيشها يتحدثون عن حرب الثلاثين عاما لسحق حماس، وتهاجم تل أبيب لبنان وسوريا على أمل التخلص من حزب الله ونزع سلاحة بواسطة أيد لبنانية وغربية بعد أن عجزت عن انجاز ذلك عسكريا، وتخوض حربا مع اليمن خسرتها قبلها واشنطن بأساطيلها وحاملات طائراتها، وتفتح جبهة ضد إيران بمشاركة واشنطن وتتبجح بإنتصارها رغم أن كل المعطيات المادية تثبت العكس، وتتوعد تركيا ومصر بحرب ضروس رغم أنها تدرك أنه بدون السند الأمريكي الغربي لا يمكن أن تصمد في مواجهة عسكرية مع عدو ولو واحد أكثر من أسبوعين. إسرائيل تتخبط مشروعها الذي تسانده أغلب دول الغرب لفصل أراض من تركيا وسوريا والعراق وإيران وإنشاء دولة كردية حليفة لها إنهار ويتم نزع سلاح المتمردين الأكراد، ومخططات الفوضى الخلاقة في السودان وليبيا تتراجع. في كل مكان تقريبا تسقط رهانات واشنطن وتل أبيب.



    الفجر الجديد لا يزال بعيدا

    جاء في تقرير كتبه دانييل دي بيتريس لمجلة Newsweek الامريكية يوم 11 يوليو 2025:
    إذا استمعتَ لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرا، فقد تظن أن الشرق الأوسط على أعتاب حقبة جديدة أكثر سلما. وسبب هذا التفاؤل هو الضربة التي وجهتها إسرائيل لإيران والتي أسفرت عن إضعاف شوكة الأخيرة في المنطقة. ويضيف نتنياهو أن لدى إسرائيل الآن فرصة ذهبية لتغيير المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط لصالحها.
    وصرح نتنياهو في البيت الأبيض هذا الأسبوع: « أعتقد أننا نستطيع تحقيق سلام بيننا وبين الشرق الأوسط بأكمله بقيادة الرئيس ترامب، ومن خلال العمل معا، أعتقد أننا نستطيع إرساء سلام شامل للغاية يشمل جميع جيراننا ».
    في الواقع من الصعب عدم الموافقة على بعض تفاؤل نتنياهو.
     هناك بعض التحركات الدبلوماسية في المنطقة، ولا يخدم أي منها إيران جيدا. ففي لبنان، يتوسط توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا، بين إسرائيل وحزب الله والحكومة اللبنانية في محاولة لإرساء نظام سلام جديد بين الأطراف الثلاثة. ووفقا لباراك، كان رد الحكومة اللبنانية على ورقة موقف واشنطن « مذهلا »، مما يشير إلى اعتقاد إدارة ترامب بوجود فرصة واقعية للتوصل أخيرا إلى اتفاق سلام بين إسرائيل ولبنان.
    ولا تزال المحادثات بين إسرائيل وسوريا جارية، وهو أمر كان بعيدا عن التصور في عهد بشار الأسد الذي أدت شراكته مع إيران وإصراره على تسليم إسرائيل مرتفعات الجولان لدمشق مقابل التطبيع إلى إحباط أي انفراجٍ في العلاقات. لكن الأسد الآن في موسكو، ودمشق تحكمها حكومة مختلفة تماما، مهتمة بتطبيع العلاقات مع خصوم سوريا التقليديين. وهذا لا يشمل الولايات المتحدة فحسب – فقد ألغت إدارة ترامب بعض العقوبات الأمريكية طويلة الأمد المفروضة على سوريا الشهر الماضي – بل يشمل أيضا إسرائيل، التي انخرط مسؤولوها في محادثات سرية مع إدارة الرئيس السوري أحمد الشرع منذ أشهر.
    لكن مجرد تحريك بعض قطع اللغز لا يعني أن اللعبة ستنتهي عند هذا الحد. فمثلا لا تزال المحادثات الإسرائيلية اللبنانية معقدة بسبب عدة عوامل. فرغم وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر2024 بين إسرائيل حكومة لبنان وحزب الله، يواصل الجيش الإسرائيلي قصف مواقع حزب الله داخل جنوب لبنان بشكل شبه أسبوعي. وتجادل الحكومة الإسرائيلية بأنها تعاقب حزب الله على انتهاكاته لوقف إطلاق النار، الذي يلزم الجماعة المسلحة اللبنانية بالانسحاب شمال نهر الليطاني وتسليم مخزوناتها من الأسلحة للجيش اللبناني.
    أما حزب الله، فلديه تفسير مختلف، إذ يؤكد أنه لن ينزع سلاحه طالما أن إسرائيل تلقي قنابلها على الأراضي اللبنانية وتحتفظ بخمسة مواقع مراقبة منفصلة داخل الأراضي اللبنانية. أما الرئيس اللبناني جوزيف عون، فرغم أنه ليس من محبي حزب الله، إلا أنه لا يريد أن ينظر إليه على أنه يتعرض للضرب من قبل الإسرائيليين، ولديه حافز سياسي داخلي لعدم الرضوخ للمفاوضات.
    وكذلك لن تكون المحادثات الإسرائيلية السورية سهلة أيضا. فرغم رؤية نتنياهو لطي صفحة الماضي تماما، فمن المرجح أن تفضي هذه المحادثات الجارية إلى وضع الدولتين الجارين بروتوكولات عسكريةً لمنع الاشتباك ووضع حواجز أمنية على طول حدودهما المشتركة. وقد يكون أحمد الشرع منفتحا على استكشاف علاقة جديدة، لكن فكرة إضفاء طابع رسمي عليها مع بقاء مرتفعات الجولان تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة أمر يصعب تصوره.
    في الواقع، سيكون ذلك قطيعةً جذرية مع سياسة سوريا السابقة، وسيوقعه في مشاكل مع العناصر الأكثر تحفظًا في قاعدته السياسية. وقبل شهرين فقط، شنت إسرائيل غارةً جويةً قرب القصر الرئاسي السوري في حيلة لتحذير الحكومة السورية الجديدة من مهاجمة المناطق التي يغلب عليها الدروز.
    لا شيء من هذا يفسر حتى الحرب الدائرة في غزة، التي لا تزال تمثل عبئا ثقيلا على إسرائيل، وتجعل من الصعب للغاية على أي دولة في المنطقة، سواء كانت السعودية أو سوريا، إصلاح علاقاتها مع تل أبيب حتى لو رغبت في ذلك.
    وإذا بدا كل هذا متشائما، فهو كذلك بالفعل. فالشرق الأوسط يتحرك ببطء، فلا تستغربوا إن لم يتحقق الفجر الجديد الذي يتحدث عنه الجميع.



    إسرائيل ومصر

     
    جاء في تقرير صدر من واشنطن ونشره موقع رأي اليوم يوم الأحد 13 يوليو 2025:
     بات من المرجح ان الجدال يزداد سخونة في المناخ المصري خصوصا على مستوى المؤسسة العسكرية في تزايد تأثير ونفوذ التقارير التي يتم تسريبها عن عمل وجهد إسرائيلي منظم خلف الستائر لتقليص قوة سلاح الجو المصري وقدرات الجيش المصري على المستوى الصاروخي.
    بدات أوساط أمريكية خلافا للإسرائيلية وأحيانا أوروبية تشير الى ان الكواليس في المجتمع الدولي مليئة بمحاولات الاسرائيليين الاشارة إلى ان الجيش المصري يوسع في قدرته الصاروخية وقدراته المتعلقة بالدفاع الجوي و الهجوم الجوي بطريقة مريبة ويمكن ان تخل بالتوازن العسكري في المنطقة.
     الجانب الإسرائيلي يلعب بهذه الورقة في الغرف الأمريكية المظلمة وفقا لمصادر مطلعة جدا في واشنطن تحت عنوان المخاطر التي تواجه التوازن العسكري والأمن الاقليمي.
    والأهم تحت عنوان مخاطر تسلل تقنيات صينية وأخرى إيرانية الى سلاح الصواريخ في الجيش المصري.
    ورغم ان الجيش المصري يترك الأمر بلا تعليق ولا تناقشه لا الحكومة المصرية ولا اجهزة الاعلام في القاهرة يبدو ان هذا النقاش في هذا الملف يتطور ويتدحرج خصوصا و ان الجانب الاسرائيلي يثير تساؤلات ويحرض الادارة الأمريكية وبعض الدول الاوروبية على اساس اقتراح برامج محددة كما تسرب في واشنطن مؤخرا لمراقبة وتقييم التطورات العسكرية التي بدا يبحث عنها الجيش المصري خصوصا في مجال قدرته التصنيعية على القذائف الصاروخية.
     وبصفة خاصة القذائف الصاروخية متوسطة المدى والتي يرى الاسرائيليون انها في حال تزويدها بتقنيات صينية ستصبح خطرا كبيرا ليس على إسرائيل فقط. ولكن على القواعد الأمريكية في المنطقة مع تحذيرات موازية يبدو ان بعض المقربين من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتأثرون بها بعنوان الخلل السياسي الذي يمكن ان ينتج فيما يتعلق باستقرارالمنطقة وعملية السلام و إتفاقيات السلام مع مصر اذا ما تسلمت إدارة الجيش المصري لاحقا وتحت اي عنوان او ظرف ما تصفه التقارير الإسرائيلية بقوى متطرفة.



    الحصار لن يرفع

    ذكرت وكالة رويترز بعد إغراق القوات اليمنية سفينتي بضائع كانتا في طريقهما إلى إسرائيل أن عبد الملك الحوثي زعيم الحوثيين في اليمن صرح يوم الخميس 10 يوليو 2025 إن من غير الممكن السماح لأي شركة بنقل بضائع ذات صلة بإسرائيل عبر مناطق بحرية محددة.
    وقال إن حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب مستمر.
    وأضاف « قرارنا في منع الملاحة على العدو الإسرائيلي في البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي هو قرار حازم ثابت مستمر طالما استمر العدو الإسرائيلي في العدوان والحصار على قطاع غزة ».
    وتابع « قرار الحظر لم يتوقف أبدا ولم يلغ وهو قرار ساري المفعول وكانت عملية الرصد مستمرة وما استجد هو المخالفة من بعض الشركات ».



    ضعف واضح

    أكد الخبير الاستراتيجي والعسكري المصري اللواء إبراهيم عثمان هلال في تصريح أدلى به لقناة « القاهرة » الإخبارية يوم 12 يوليو 2025، أن إسرائيل لا تستطيع تحقيق انتصارات حاسمة بمفردها، وتعتمد بشكل كامل على الدعم الخارجي وخاصة من الولايات المتحدة.
    وقال الخبير العسكري إن حرب الجنوب اللبناني الشاملة، التي استمرت لأكثر من 50 يوما، كشفت ضعف إسرائيل، حيث لم تتمكن من التوغل سوى 5 كيلومترات فقط داخل الأراضي اللبنانية، ما يعكس قصورا كبيرا في قدرتها على الحسم العسكري.
    شدد عثمان هلال على أن الوضع في قطاع غزة، الذي يشهد تصعيدا متواصلا منذ أكثر من عامين، دليل إضافي على فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية، رغم استخدامها المتكرر للقوة المفرطة.
    وأشار إلى أن الحرب الأخيرة مع إيران كشفت عن هشاشة البنية الدفاعية لـ »الكيان الصهيوني »، حيث لجأت إسرائيل إلى المخابئ والأنفاق لحماية نفسها، في صورة تعكس مدى ارتباكها أمام قوة إقليمية صاعدة مثل إيران.
    وفيما يتعلق بمحاولات إسرائيل لترسيخ وجودها في المنطقة، قال اللواء هلال إن تل أبيب تسعى لإعادة رسم صورتها في الشرق الأوسط عبر مسار التطبيع مع بعض الدول العربية، إلى جانب تدخلاتها المتكررة في سوريا ولبنان والضفة الغربية، ومحاولات فرض واقع جديد في ظل صمت دولي ودعم أمريكي واضح.
    وأكد الخبير المصري أن كل هذه التحركات تصطدم بمعادلة ميدانية وشعبية معقدة، تعيق تحقيق الأهداف الإسرائيلية، وتؤكد أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يرسم بالإملاءات أو القوة.



    حرب متجددة

    تحاول تل أبيب تغطية تعثر عملياتها العسكرية ضد طهران كعادتها بلغة التهديد، وهكذا قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، يوم الخميس 10 يوليو، إن إسرائيل ستضرب إيران مجددا «بقوة أشد» إذا تعرضت لتهديد منها.
    ونقل عنه بيان صادر عن مكتبه القول: «ستصل إليكم يد إسرائيل الطويلة في طهران وتبريز وأصفهان، وفي أي مكان تحاولون فيه تهديد إسرائيل أو الإضرار بها. لا مكان للاختباء. إذا اضطررنا للعودة، فسنعود وبقوة أكبر».
    وكان كاتس يدلي بخطاب في حفل تخريج دورة طياري سلاح الجو الإسرائيلي في قاعدة حتسريم الجوية، وفقا لموقع «إسرائيل أوف تايمز» الإخباري.
    وفي المناسبة نفسها، قال رئيس الأركان الإسرائيلي، الفريق إيال زامير، إن الحرب الأخيرة مع إيران كانت «لحظة أثبتنا فيها لأنفسنا وللعالم أننا حين نهدد، نعرف كيف نتوحد، ونتحرك، ونضرب بدقة وقوة ومسؤولية».
    وخاضت إيران وإسرائيل حربا جوية وصاروخية استمرت 12 يوما في يونيو، مما أثار مخاوف من اتساع رقعة الصراع في المنطقة. واتفق الجانبان على وقف إطلاق النار في 23 يونيو.
    وهاجمت إسرائيل مواقع نووية إيرانية، وانضمت الولايات المتحدة إلى الحملة بشن ضربات على مواقع نووية إيرانية.
    وقال زامير إن العملية العسكرية الأخيرة «أحدثت تأثيراً إقليمياً كبيراً وغيرت موازين الشرق الأوسط».
     وتابع: «ضرباتنا الدقيقة في العمق الإيراني بالتنسيق مع القوات الأمريكية أثبتت أننا نعرف كيف نضرب، بدقة وقوة، عندما تهدد إسرائيل».
    وقال زامير إن «التحولات الجيوسياسية في المنطقة تحمل فرصاً استراتيجية لإسرائيل من جهة، وتفرض تحديات تتطلب استعداداً متزايداً من جهة أخرى»، مشدداً على «ضرورة دراسة كل جبهة بشكل منفصل، مع فهم سياقها الإقليمي ضمن المشهد الأوسع للشرق الأوسط».
    من جانبه، قال قائد سلاح الجو اللواء تومر بار: «تغلبنا على تحدي مسافة 1800 كيلومتر، وحولنا إيران من دولة في الدائرة الثالثة إلى دولة في الدائرة الأولى. المعركة لم تنته، ونحن مستعدون للتحرك عندما تستدعي الحاجة».



    اعتراف بالفشل

    وفي وقت سابق الخميس، اعترف مسؤول إسرائيلي إن معلومات المخابرات الإسرائيلية تشير إلى أن اليورانيوم الإيراني المخصب لا يزال موجوداً في «فوردو» و«نطنز» و«أصفهان»، وهي المواقع التي ضربتها الولايات المتحدة، شهر يونيو2025، ولم يتم نقله، حسب ما أوردته «رويترز».
    وذكر المسؤول الذي تحدث لصحافيين في واشنطن أن الإيرانيين قد يكونون قادرين على الوصول إلى أصفهان، إلا أنه أوضح أنه سيكون من الصعب نقل أي مواد من هناك.
    من جهتها، نقلت «نيويورك تايمز» عن المسؤول الإسرائيلي الذي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية المعلومات، قوله إن جزءاً من مخزون إيران تحت الأرض من اليورانيوم المُخصب بدرجة 60 في المائة القريبة من مستوى صنع القنبلة، قد نجا من الضربات، وقد يكون في متناول مهندسي إيران النوويين.
    وأضاف المسؤول أن الاستخبارات الإسرائيلية التقطت إشارات على نشاط يتعلق بأسلحة نووية بعد وقت قصير من قيام سلاح الجو الإسرائيلي بقتل حسن نصرالله، أمين عام «حزب الله» اللبناني.
    والأربعاء، اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مقابلة مع «فوكس بيزنس» خلال زيارته لواشنطن، إن إسرائيل لا تزال قلقة بشأن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، مشيراً إلى أن المواد «مدفونة تحت الأرض»، ولا توجد معلومات تناقض ذلك.



    العودة إلى الحرب

    تحدثت مجلة «نيوزويك» الأمريكية في تقرير لها يوم 11 يوليو عن اربعة مؤشرات على تجدد الحرب بين طهران وتل أبيب جاء فيه:
    لا تزال التوترات بين إيران وإسرائيل محتدمةً بعد حربهما التي استمرت 12 يوماً في يونيو، والتي تعد المواجهة الأكثر مباشرة وتدميراً بينهما حتى الآن. ولفتت مجلة «نيوزويك» الأمريكية إلى 4 مؤشرات قالت إنها تدل على أن تل أبيب وطهران تخاطران بالعودة إلى الحرب.
    وذكرت المجلة أن الصراع بدأ في 13 يونيو بضربات إسرائيلية على أهداف نووية وعسكرية إيرانية، مما أثار رداً إيرانياً واسع النطاق شمل مئات الطائرات المُسيّرة والصواريخ الباليستية المُوجهة إلى إسرائيل.
    وفي 22 يونيو، شنّت الولايات المتحدة ضربات جوية وصاروخية على منشآت نووية إيرانية رئيسية، وردت إيران باستهداف «قاعدة العديد» الأمريكية في قطر.
    وعلى الرغم من التوصل إلى وقف إطلاق نار في 24 يونيو، فإن التوترات الاستراتيجية والنووية العميقة لا تزال دون حل.
    وأشارت إلى أن تفاقم الصراع الإيراني – الإسرائيلي قد يؤدي إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط، وتهديد الطاقة والأمن العالميين، ويخاطر بجر قوى كبرى – مثل الولايات المتحدة والصين – إلى صراع مباشر، وترك وقف إطلاق النار القضايا الخلافية الرئيسية دون معالجة، مما مهد الطريق لتجدد المواجهة، وتشير بعض التطورات الأخيرة إلى ازدياد خطر استئناف الصراع.
    واستعرضت المجلة الأسباب التي قد تجدد المواجهات
    1- إعادة التسلح بسرعة.
    يعيد كلا الجانبين التسلح، حيث حصلت إيران على بطاريات صواريخ أرض – جو صينية في إطار سعيها لإعادة بناء دفاعاتها التي تضررت من إسرائيل.
    وبالإضافة إلى ذلك، أكدت وزارة الدفاع الصينية استعدادها لتزويد «الدول الصديقة» بطائرات مقاتلة متعددة المهام من طراز «J-10»، وسط تقارير تفيد بأن إيران تسعى للحصول على هذه الطائرات لتحديث دفاعاتها الجوية القديمة، ومعظمها روسية الصنع.
    في غضون ذلك، عززت إسرائيل دورياتها الجوية فوق لبنان، وشكَّلت وحدات أمنية محلية جديدة لحماية عملائها، وأعادت تفعيل قوات الاحتياط لدعم قوات الخطوط الأمامية، كما أكد وزير الدفاع إسرائيل يسرائيل كاتس.
    كما سرعت الولايات المتحدة شحنات الأسلحة إلى إسرائيل لتعويض المعدات التي فقدتها، وزودتها بذخائر دقيقة متطورة وأنظمة دفاع صاروخي.
    2- وضع البرنامج النووي الإيراني
    على الرغم من الأضرار التي لحقت بالمواقع النووية الإيرانية خلال الصراع، فإنه ليس من الواضح ما إذا كانت المنشآت الرئيسية قد أُغلقت.
    وتقول إيران إنها تواصل تخصيب اليورانيوم وتطوير أجهزة طرد مركزي متطورة، محافظةً على طموحاتها النووية، وأوقفت تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في عمليات التفتيش.
    ولا تزال آفاق المفاوضات مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب غير مؤكدة.
    3- تقارب ترامب ونتنياهو
    قبل فترة ليست طويلة، بدا ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منقسمَين حول كيفية التعامل مع إيران.
    ومع ذلك، تشير الاجتماعات الأخيرة إلى دلائل أكبر على تقاربهما في مواجهة طموحات طهران النووية ودعمها لحلفائها الإقليميين.
    وقال نتنياهو: «ستتخذ إسرائيل جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن نفسها»، بينما أعلن دعمه العلني لنهج ترامب.
    وفي إشارة على شراكتهما الوثيقة، رشح نتنياهو ترامب لجائزة «نوبل للسلام»، مؤكداً على جبهتهما الموحدة بشأن أمن الشرق الأوسط.
    4- تصاعد أنشطة خصوم إسرائيل.
    كثف الحوثيون في اليمن هجماتهم أخيراً على إسرائيل، حيث أطلقوا صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت مناطق قريبة من تل أبيب، وأغرقوا أيضاً سفينتين في البحر الأحمر، هما «إترنيتي سي» و«ماجيك سيز» اليونانيتان، اللتان تعملان لحساب إسرائيل.
    تظهر هذه الضربات المنسقة القدرات العسكرية المتنامية للحوثيين، واستراتيجية إيران الأوسع للضغط على إسرائيل وتعطيل ممرات الشحن الحيوية.
    ويثير هذا التصعيد في الأعمال العدائية احتمالية جر الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية مباشرة في المنطقة.
    ماذا سيحدث بعد ذلك؟
    لا تزال التوترات مرتفعة مع تعزيز إيران قدراتها العسكرية وتصعيد خصوم إسرائيل، مثل الحوثيين، هجماتهم الإقليمية.
    وأعربت طهران عن اهتمام حذر بالدبلوماسية، لكنها لا تظهر أي إشارة إلى وقف تطويرها النووي أو الصاروخي، بينما لا تزال إسرائيل ملتزمة بمواجهة هذه التهديدات.



    منعطف غير محسوب

    في وسط معمعة المواجهات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط ظلت موسكو تتحرك خلف الستار في معاكسة لأهداف تل أبيب، الوضع تبدل بشكل لافت بعد موقف الكرملين المؤيد لطهران بعد الهجمات الإسرائيلية الأمريكية، وبعد اعلان حكومة تل أبيب الرسمي تقديم مختلف أشكال الدعم لأوكرانيا في حربها مع روسيا وبعد مشاركتها العلنية في الجهود الأوروبية المناهضة لموسكو.
    حول دعم إسرائيل للنازيين في أوكرانيا، كتب إيغور ليفيتاس، في « أوراسيا ديلي »:
    غالبا ما يطرح علي هذا السؤال: لماذا تدعم إسرائيل أوكرانيا؟ وفي كل مرة أحاول أن أشرح بصراحة أن إسرائيل دولة متعددة الأوجه، وأن أوكرانيا مدعومة من قبل مواطني الاتحاد السوفييتي السابقين الذين يعانون من عقدة نقص قديمة.
    ولكن في إسرائيل، أكثر من نصف السكان هم من اليهود الشرقيين، « السفارديم »- أشخاص من المغرب واليمن وإيران والعراق وتونس والجزائر ودول أخرى لا يهتمون بأي شيء يحدث بين روسيا وأوكرانيا. أضف إلى هذا العدد الضخم من اليهود المتشددين الذين لا يهتمون بالأمر على الإطلاق، بل إنهم لم يسمعوا عنه حتى.
    والخلاصة هي أن هناك حوالي 10 في المائة فقط من اليهود الصياحين والأغبياء للغاية، والذين تلقوا تعليما سيئا، ويحتاجون إلى تنفيس غضبهم، في شيء ما، بسبب حياتهم الفاشلة. إنهم مؤلفو وسائل الإعلام الإسرائيلية الناطقة باللغة الروسية، أميون وأغبياء. فهم يخونون ذكرى أسلافهم، الذين قتلهم منحطّون من جماعة بانديرا، لا لشيء آخر سوى لأن « اليهود يجب أن يقتلوا ».
    لكن السؤال يصبح أكثر أهمية عندما نتحدث عن أولئك الذين يمثلون السلطة. ولذلك، لم أتفاجأ كثيرا بل أغضبني تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي، الذي قال، ردا على سؤال أحد المراسلين حول شعور وزارة الخارجية الإسرائيلية إزاء تمجيد بانديرا وشوخيفيتش وغيرهما من النازيين، إنه لا يعرف شيئا عن تمجيد المتعاونين مع النازية في أوكرانيا الذين شاركوا بشكل نشط في الإبادة الجماعية لليهود.
    ويواصل النظام الحالي في كييف تنفيذ أهداف بانديرا بشكل منهجي. ولا يمكن إلا لشخص أعمى ألا يلاحظ هذا. ولكن عندما يقود الأعمى أعمى، فهذا أمر سيئ حقا. ومع هذه القيادة، فإن هذا هو، للأسف الشديد، الطريق الذي تسلكه إسرائيل.



    تصريحات مدهشة

    يوم 10 يونيو 2025 أعربت متحدثة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا عن دهشتها من تصريحات السفير الإسرائيلي لدى أوكرانيا المتكررة حول إمداد تل أبيب كييف بالأسلحة.
    وأشارت زاخاروفا إلى بيان الخارجية الإسرائيلية التي نفت تصريحات السفير الإسرائيلي ميخائيل برودسكي حول إرسال تل أبيب أنظمة « باتريوت » إلى أوكرانيا.
    وكتبت زاخاروفا في قناتها على « تلغرام »: « الأمر الغريب هو تكراره لهذه التصريحات بشكل منتظم. هذه ليست « أحكاما تقديرية ولا وجهة نظر شخصية، بل أقوال صادرة عن مسؤول رسمي يتم تقديمها على أنها حقائق ».
    ويوم الاثنين 9 يونيو أعلن السفير الإسرائيلي أن بلاده أرسلت إلى أوكرانيا منظومات دفاع جوي من طراز « باتريوت » حصلت عليها من الولايات المتحدة عام 1990.
    يوم 7 يونيو 2025 اتهم الأستاذ المساعد في جامعة المالية الروسية غيفورغ ميرزايان أوروبا بتعزيز تعاونها العسكري مع إسرائيل، وتبنيها موقفا معاديا لروسيا. وكتب في مقال له نشرته صحيفة « فزغلياد » الروسية يوم 7 يونيو 2025:
     أن الاتحاد الأوروبي يحاول تعويض تأخره في صناعة الأسلحة عن روسيا عبر الاستيراد من إسرائيل، رغم انتقاداته العلنية للسياسات الإسرائيلية في غزة.
    وكشف ميرزايان أن صادرات الأسلحة الإسرائيلية لأوروبا سجلت رقماً قياسياً عام 2024، حيث بلغت قيمتها 7 مليارات يورو، وهو ما يمثل نصف إجمالي صادرات إسرائيل من الأسلحة. وعلق قائلاً: « أوروبا تدين إسرائيل سياسياً بينما تدعمها اقتصادياً ».
    وحذر الخبير الروسي من أن توريد إسرائيل أسلحة لأوروبا قد يؤدي إلى وصولها لأوكرانيا، مما قد يدفع روسيا لاعتبار إسرائيل « دولة معادية ».
    يأتي هذا التحذير في وقت أعرب فيه الأمين العام لحلف الناتو عن دهشته من قدرات روسيا الإنتاجية في مجال الذخائر، حيث ذكر أن موسكو تنتج في ثلاثة أشهر ما ينتجه الحلف في عام كامل رغم تفوق الاقتصاد الغربي.



    ساعة العد التنازلي

    في صراعات الشرق الأوسط كما في غيرها أحداث لافتة قد تكون لها ابعاد أوسع من ظاهرها.

     شنت القوات الجوية الإسرائيلية، يوم الإثنين 23 يونيو 2025، موجة جديدة من الغارات على مواقع في طهران، استهدفت خلالها عدة مقار عسكرية وأمنية داخل العاصمة الإيرانية، من بينها مبان تابعة للحرس الثوري وقوات الأمن، كما طالت الضربات «ساعة العد التنازلي لتدمير إسرائيل» التي كانت منتصبة في ساحة فلسطين، والتي ترى فيها إسرائيل رمزا لتحريض النظام الإيراني على إزالة وجودها على الأراضي الفلسطينية، فقررت تدميرها ضمن هجوم ذي طابع رمزي ورسالة سياسية واضحة.
    أفاد موقع «إيران إنترنشيونال» بأن الغارات الإسرائيلية استهدفت بشكل مباشر «ساعة فلسطين»، وهي المعلم الذي كان يعرض عدا تنازليا ينتهي بعام 2040، الموعد الذي حدده مسؤولون إيرانيون لتدمير إسرائيل، وينظر إلى هذا الهجوم على أنه تصعيد في الحرب النفسية والرمزية بين الطرفين، إذ جاء في ذروة التوتر المتصاعد خلال الأيام الأخيرة.
    وفي بيان رسمي، أوضح المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أن القوات الجوية نفذت أيضا هجوما على قاعدة «رعد 5» وسط إيران، واستهدفت قاذفتي صواريخ إيرانيتين في مواقع يعتقد أنها تضم منصات إطلاق بعيدة المدى.
    تعتبر ساعة العد التنازلي لتدمير إسرائيل معلما رمزيا أنشأه الحرس الثوري الإيراني، في ساحة فلسطين وسط العاصمة طهران، وهي عبارة عن شاشة إلكترونية ضخمة تقوم بعرض عد تنازلي ينتهي في عام 2040، وهو العام الذي أعلن فيه المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي أن إسرائيل لن تبقى موجودة بعده.
      للتواصل مع الكاتب:

    عمر نجيب

    [email protected]

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عمر نجيب يكتب: صراعات الشرق الأوسط العسكرية وصدمة الواقع مع أوهام النصر..



    تكلفة الحرب الإسرائيلية على إيران

     تشهد الساحة السياسية الدولية خاصة منذ الربع الثاني من سنة 2025 حالة متوسعة من أساليب الانكار وتشويه الحقائق وقلبها خاصة لدى الدول المصنفة فيما يوصف بالتحالف الغربي، ويرى المراقبون أن ذلك هو نتيجة غرق القوى المسيرة في تلك الدول في أوهامها حول إمكانية استمرار هيمنتها وقدرتها على الإبقاء على شكل العلاقات السياسية والاقتصادية مع بقية دول المعمور والتي تسمح لها بمواصلة امتصاص ثروات الآخرين والحفاظ على إزدهارها المزيف الذي يهدد تراجعة بتحريك جرس الانذار على بداية إدراك شعوبها لأبعاد الخدعة المفروضة عليهم بإسم الديمقراطية وحقوق الإنسان والتي تسمح لقادة المركب العسكري الصناعي والأوليغارشية بمواصلة تحكمها في مقاليد السلطة والادعاء أنها تنفذ خيارات الذين أوصلوها إلى مقاليد السلطة.
     فلسفة الإنكار في السياسة تعني رفض الاعتراف بوقائع أو حقائق معينة، سواء كانت تاريخية أو سياسية أو اجتماعية، وغالباً ما تكون هذه الحقائق غير مريحة أو تتعارض مع مصالح أو أيديولوجية معينة. ويمكن أن يتخذ الإنكار أشكالاً متعددة، منها إنكار وجود إجماع حول قضية ما، أو إنكار مسؤولية عن أحداث معينة، أو إنكار وجود مشكلة ما.

    هذا الأسلوب في الإنكار وقلب الحقائق وخداع الأخرين وخاصة بسلطة وسائل الإعلام المتحكم فيها يعتبره بعض المؤرخين أسلوبا مارسته الإمبراطوريات في مراحل إنهيارها رغم الاختلافات طبعا المتمثلة في الأدوات والأساليب.
     منذ سنة 2020 وحتى يومنا هذا تحدثوا ويتحدثون في الغرب عن نهاية قفزة الاقتصاد الصيني وقرب انهياره، ونهاية حلم حركة طالبان للعودة إلى السلطة في كابل، وعن هزيمة روسيا في حرب أوكرانيا وإنهيار اقتصادها وسقوط حكومتها، وهزيمة حماس في غزة ونهاية الحلم الفلسطيني، وهزيمة اليمن عند مداخل البحر الأحمر، وهزيمة إيران ونهاية مشروعها النووي وسقوط حكومتها وعودة نجل الشاه إلى طهران ليحكم من جديد، كل هذه التوقعات والادعاءات التي رافقتها لم تتحقق بل كان الواقع معاكسا، فقط وسط كل هذه الدوامة انكسر حزب الله في لبنان مرحليا ودخلت سوريا دوامة المجهول وسط ترحيب غربي وتنافس على النفوذ بين أنقرة وتل ابيب يحمل في طياته الكثير.
     
    أبيض ولكنه أسود
     
    يوم السبت 5 يوليو 2025 اتهمت الولايات المتحدة حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس بالمسؤولية عن هجوم أدى إلى إصابة اثنين من موظفي الإغاثة الأمريكيين بمؤسسة غزة الإنسانية في موقع لتوزيع الأغذية بقطاع غزة. Haut du formulaire Bas du formulaire وقالت المؤسسة المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل في بيان إن الأمريكيين المصابين يتلقيان العلاج الطبي وحالتهما مستقرة بجروح لا تهدد حياتهما.
    ويعمل مع مؤسسة غزة الإنسانية متعاقدون عسكريون أمريكيون من القطاع الخاص وقد اثبتت تقارير عديدة أنهم يطلقون النار على الفلسطينيين ويقومون بنقل كل معلومات عن تحرك الفلسطينيين إلى القوات الاسرائيلية. واشنطن تنفي هذه الاتهامات ولكن………………….
    يوم الخميس 2025 نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً، اتهمت فيه مؤسسة غزة الإنسانية بالعمل كـ »أداة إضافية في حملة الإبادة التي تشنها إسرائيل ». وقالت أنياس كالامار، الأمينة العامة للمنظمة، إن « المجتمع الدولي لم يفشل في وقف حملة الإبادة فقط، وإنما سمح لإسرائيل باكتشاف طرق جديدة لتقويض حياة الفلسطينيين في غزة وسحْق كرامتهم الإنسانية ».
    وطالبت كالامار المجتمع الدولي بـ »ممارسة كل الضغوط الضرورية لضمان قيام إسرائيل، بلا شرط، برفع فوري لحصارها على غزة وبإنهاء الإبادة الجماعية في القطاع ».
    ودعت كالامار إلى فرض عقوبات موجَّهة ضد المسؤولين الإسرائيليين المتورطين في جرائم دولية، وإلى التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية عبر تنفيذ أوامر التوقيف التي تصدرها » في هذا الصدد.
    واتهمت منظمة العفو الدولية إسرائيل بـ »مواصلة استخدام تجويع المدنيين كسلاح في الحرب ضد الفلسطينيين في قطاع غزة ».
    وقالت المنظمة الدولية إن شهادات من عاملين في القطاع الصحي ومن نازحين، تكشف عن « صورة مروّعة للتجويع الحاد واليأس في غزة ».
    وانتقدت الولايات المتحدة، حليف إسرائيل الأكبر، تصريحات فرانشسيكا، قائلة في بيان لبعثتها لدى الأمم المتحدة إن الدعاوى بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية وبأنها تمارس نظام فصل عنصري (أبارتهايد) هي دعاوى « كاذبة ومسيئة ».
    في نفس التوقيت أعلن الدفاع المدني في غزة أن عدد قتلى القطاع يوم الخميس ارتفع إلى 69 شخصاً، بينهم 15 من النساء والأطفال.
     في عملية نسف للتصريحات الأمريكية والإسرائيلية نشرت هيئة الاذاعة البريطانية بي بي سي تقررا أكد فيه متعاقد أمني سابق في مؤسسة غزة الإنسانية: زملائي فتحوا النار على فلسطينيين جوعى. وتحدث عن مشاهدته لزملاء له وهم يطلقون النار مرات عدة على فلسطينيين جوعى لم يشكلوا أي تهديد باستخدام الرشاشات.
    وقال: « في إحدى المرات أطلق أحد الحراس النار من خلال رشاش من برج مراقبة لأن مجموعة من النساء والأطفال وكبار السن كانت تتحرك ببطء شديد بعيداً عن الموقع ».
     
    تجسس وقتل
     
     كشف تحقيق لوكالة أنباء “أسوشيتد برس” أعدته جوليا فرانكيل أن متعاقدين أمريكيين يحرسون مواقع توزيع المساعدات التابعة لمؤسسة « غزة الإنسانية »، أطلقوا الرصاص والقنابل الصوتية في الوقت الذي كان فيه المجوعين الفلسطينيين يحاولون الحصول على المساعدات الإنسانية، وذلك بحسب روايات وتحليل للقطات فيديو حصلت عليها الوكالة.
    وتحدث متعاقدان أمنيان أمريكيان للوكالة شريطة عدم الكشف عن هويتهما قائلين إنهما تقدما بروايتهما نظرا لشعورهما بالإنزعاج مما رأياه من ممارسات خطيرة وغير مسؤولة.
    وقال أحد المتعاقدين إن الموظفين الأمريكيين في المواقع يراقبون  الأشخاص القادمين بحثا عن المساعدة ويوثقون هوية أي شخص يعتبر “مشتبها به”، مضيفا إنهم يتشاركون هذه المعلومات مع الجيش الإسرائيلي.
    وتظهر مقاطع فيديو قدمها أحد المقاولين، والتقطت في المواقع، مئات الفلسطينيين المتزاحمين بين بوابات معدنية، وهم يتدافعون للحصول على المساعدة وسط دوي الرصاص وقنابل الصوت وغاز الفلفل. وتتضمن مقاطع فيديو أخرى حوارات بين رجال ناطقين بالإنكليزية يناقشون كيفية تفريق الحشود، ويشجعون بعضهم البعض بعد إطلاق رشقات نارية. وتقدم شهادات المتعاقدين، إلى جانب مقاطع الفيديو والتقارير الداخلية والرسائل النصية التي حصلت عليها وكالة أسوشيتد برس، نظرة نادرة عن مؤسسة غزة الإنسانية، وهي منظمة أمريكية سرية حديثة النشأة تدعمها إسرائيل بدعوى توفير الغذاء لسكان قطاع غزة.
    وأشارت الوكالة إلى أن سكان غزة يعانون من كارثة إنسانية بسبب الحصار الإسرائيلي، وجاء منع المساعدات الإنسانية التي توزعها وكالات الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية أخرى لأن إسرائيل تريد استبدالها بمنظمة جديدة وهي غزة الإنسانية، وبذريعة أن حماس تسرق المساعدات الإنسانية، وهو زعم لم تقدم إسرائيل أية أدلة عليه.
    وتم تسجيل منطمة “غزة الإنسانية” في ديلاوير، أمريكا في/فبراير بعد أن تعهد البيت الأبيض بدعم تل أبيب لهزيمة حماس. ولكن بعض البنوك الأمريكية والاوروبية رفضت فتح حساب للوكالة بسبب الشبهات التي تحيط بها وإمكانية متابعتها قضايا بتهم جرائم حرب.
     وقال المتعاقد الأمني الذي صور الفيديو للوكالة، إنه رأى مقاولين آخرين يطلقون النار باتجاه فلسطينيين كانوا قد استلموا طعامهم للتو ويغادرون.
    وأضاف المتعهد الأمني، إن الجيش الإسرائيلي يستغل نظام التوزيع للوصول إلى المعلومات. وقال إن الكاميرات تراقب عمليات التوزيع في كل موقع، وإن محللين أمريكيين وجنودا إسرائيليين يجلسون في غرفة تحكم حيث تعرض اللقطات آنيا. وأوضح أن غرفة التحكم موجودة في حاوية شحن على الجانب الإسرائيلي من معبر كرم أبو سالم إلى غزة. وأضاف المتعاقد أن بعض الكاميرات مزودة ببرنامج للتعرف على الوجوه. وفي اللقطات المباشرة للمواقع التي شاهدتها وكالة أسوشيتد برس، وصفت بعض مقاطع الفيديو بأنها “تحليلات” وهي المواقع التي كانت مزودة ببرنامج التعرف على الوجوه.
     
    غزة العصية
     
    رغم كل هذا التآمر يبقى الجيش الإسرائيلي عاجزا عن هزيمة المقاومة أو تأليب الفلسطينيين ضد حماس ويتكبد كل يوم مزيدا من الخسائر والانجاز الوحيد الذي يحققه هو قتل ما يناهز 60 الف فلسطيني نسبة 82 في المئة منهم من الاطفال والنساء والشيوخ.
    كشفت تسربات جديدة نشرتها صحيفة إسرائيل هيوم عن تصاعد التوتر بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس هيئة الأركان، أيال زامير، بشأن محاولات السيطرة على قطاع غزة، بحسب مصادر مطلعة على جلسة الحكومة.
    وتضمنت جلسة الحكومة الإسرائيلية نقاشا حادا حول الخطط المتعلقة بقطاع غزة وكشفت المصادر أن الجلسة التي عقدت لمناقشة خطة إنشاء « مساحات إنسانية » في جنوب قطاع غزة، شهدت اعتراض رئيس الأركان على حجم المهام المطلوبة من الجيش، محذرا من « مشكلات في الكادر البشري »، إذا ما تم الطلب من الجيش تنفيذ خطة فصل حماس عن المدنيين بشكل كامل.
    وتساءل زامير خلال الجلسة: « هل تريدون أن يسيطر الجيش الإسرائيلي على مليوني مدني؟ »، في إشارة إلى صعوبة المهمة من ناحية عملياتية. وهو ما رد عليه نتنياهو بغضب قائلا: « ما حجم القوى البشرية المطلوبة لذلك؟ عما تتحدثون؟ إذا كانت دولة إسرائيل لا تستطيع فعل ذلك، فلن تستطيع مواجهة إيران ».
    وتدخل وزير الدفاع يسرائيل كاتس في محاولة لاحتواء الجدل، واقترح أن يقدم رئيس الأركان خطة تنفيذية بحلول يوم الثلاثاء. فيما شدد نتنياهو على ضرورة الإسراع في العمل قائلا: « لا تشكلوا لجنة أخرى… افعلوا ذلك الآن ».
    وتمخضت جلسة المجلس الوزاري عن إقرار خطة مقسمة إلى خمسة بنود.
    وفي خضم النقاش، رفض نتنياهو تقييمات رئيس الأركان التي تشير إلى صعوبة القضاء على حماس، قائلا: « لست مستعدا لقبول فكرة أننا لا نستطيع هزيمة حماس، وأن الأمر سيستغرق 30 عاما. هذا غير صحيح. إنها مسألة إرادة وطنية وتنفيذ خطة الفصل ».
    وأعرب رئيس الوزراء عن عزمه المضي قدما في التحرك الفوري ميدانيا، مضيفا: « يجب أن نبدأ فورا بتجهيز الأرض للدخول بالجرافات ».
    من جهته، أشار الوزير كاتس إلى التكاليف المالية للخطة، وهو ما رد عليه نتنياهو قائلا: « الأمر لا يعتمد على المال »، ليعلق سموتريتش قائلا: « سأحل مسألة المال غدا ».
    كما تعكس النقاشات الحادة داخل الحكومة الإسرائيلية انقساما واضحا بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية بشأن مآلات الحرب، وجدوى الخطط المطروحة لإعادة تنظيم القطاع بعد المواجهات، خصوصا في ظل غياب رؤية واضحة لإدارة ما بعد حماس.
     
    جيش مستنزف

     تناولت وسائل إعلام إسرائيلية يوم السبت 5 يوليو مؤشرات متزايدة على رغبة الجيش الإسرائيلي في إنهاء الحرب الدائرة في قطاع غزة، في ظل ما وصفته بـ »الاستنزاف العميق » لقدراته البشرية والتسليحية، والضغوط السياسية والعسكرية المتراكمة. وركزت التقارير على الوضع المتدهور داخل الجيش، سواء من ناحية الجاهزية أو الإمكانيات، وسط تساؤلات عن قدرة إسرائيل على مواصلة العمليات الميدانية.
    وأفاد مراسل الشؤون العسكرية في القناة 13 أور هيلر، أن قيادة الجيش تتهيأ لاحتمال الإعلان عن وقف قريب لإطلاق النار، مرجحًا أن ذلك قد يتم في غضون أيام قليلة. وأبدى مذيع في القناة 12، استغرابه من ضآلة الإمكانيات مقارنة بتكلفة الحرب الضخمة، مشيرًا إلى أن الجيش أنفق ما يزيد عن 250 مليار شيكل (نحو 75 مليار دولار)، ومع ذلك ما زال الجنود يربطون أبواب المركبات المدرعة بالحبال.
    وردت عليه مراسلة الشؤون العسكرية في صحيفة « يسرائيل هيوم » ليلخ شوفال، بالإشارة إلى أن الواقع الميداني بات بالغ الصعوبة، مشيرة إلى أنها دخلت مرات عديدة إلى غزة في مركبة من طراز « هامر » مفتوحة.
    ولفتت إلى محدودية عدد دبابات « ميركافا 4 » ومدرعات « النمر »، مشددة على ضرورة تخصيص هذه الآليات للخطوط الأمامية، وأضافت أن وقوع إصابات حتى في المواقع الإدارية يؤكد أن المشكلة تمتد إلى كل مستويات الانتشار العسكري داخل القطاع.
    واعتبرت شوفال أن الجيش الإسرائيلي بلغ درجة من الإنهاك تتطلب وقف القتال، مشيرة إلى أنه يحتاج وقتًا لإعادة التسلح وإصلاح الآليات، بالإضافة إلى تمكين القوات من استراحة ضرورية، كما أكدت أن فكرة توفير آليات مصفحة لكل كتيبة ليست ممكنة في الوقت الراهن.
     
    استنزاف على كافة المستويات
     
     وفقا لصحيفة « معاريف » الإسرائيلية كشف تقرير إسرائيلي جديد عن مزيد من التحديات أمام القوات في غزة ، وأوضح  أن الحرب الإسرائيلية فضحت تصدعات كبيرة في الإمكانات المادية للجيش الإسرائيلي، لافتا إلى أن أشهر القتال الطويلة أدت إلى استنزاف عدده وعدّته. وأكد أن الجيش بات يواجه أزمة في جاهزية وسائله القتالية بسبب استمرار الحرب ونقص قطع الغيار للمعدات.
    أيضا شدد على أن الأيام الأخيرة شهدت تصاعد شكاوى الجنود وقادة السرايا والكتائب، وحتى قادة ألوية، من تزايد المشكلات الناجمة عن الأعطال الفنية في الدبابات، وناقلات الجنود المدرعة من طراز « نمر »، ووسائل القتال الأخرى.
    وذكرت الصحيفة أن جنوداً في اللواء السابع تحدثوا عن صعوبات في توفر قطع الغيار للدبابات، مشددين على أن المكونات الأساسية غير متوفرة في مخازن قسم التكنولوجيا واللوجستيات.
    ولفتوا إلى أن النقص وصل إلى محركات الدبابات، والسلاسل، وأنظمة الدفع وغيرها.
    عن هذا قال قائد كبير في أحد الألوية للصحيفة: « نحن في حالة حرب منذ عامين في غزة ولبنان وسوريا، والآن مرة أخرى في غزة، هناك استنزاف هائل للمعدات التي تنتقل باستمرار من مهمة إلى أخرى، لم يستعد أحد لإمكانية نشوب حرب طويلة بهذا الشكل، في النهاية، كل جزء وكل مكوّن له عمر افتراضي ».
    إلى ذلك، أكد التقرير أن المشكلة لا تقتصر على اللواء السابع فحسب، بل شملت جميع الألوية النظامية في الجيش الإسرائيلي.
    وتشير معطيات الجيش الإسرائيلي التي يشكك حتى في الغرب في مصداقيتها إلى أن عدد قتلاه منذ بدء العدوان في 7 أكتوبر 2023 بلغ 883 عسكريا، من بينهم 439 سقطوا في المعارك البرية التي بدأت أواخر الشهر ذاته، بينما أصيب 6 آلاف و32 جنديا، أكثر من 2700 منهم في العمليات البرية بغزة.
     
    الجبهة الإيرانية
     
    على بعد أكثر من 2000 كيلومتر إلى الشرق من الساحل الفلسطيني على المتوسط يبدو أن معركة أخرى ستتجدد بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى.
    صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الجمعة 4 يوليو 2025 إن إيران لم توافق على تفتيش مواقعها النووية أو التخلي عن تخصيب اليورانيوم.
    وقال للصحفيين على متن طائرة الرئاسة إنه يعتقد أن برنامج إيران النووي تعرض لانتكاسة دائمة غير أن طهران ربما تستأنفه من موقع مختلف. Haut du formulaire Bas du formulaire وقال إنه لن يسمح لطهران باستئناف برنامجها النووي، مشيرا إلى أن إيران لديها رغبة في عقد اجتماع معه.
    وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوم الجمعة إنها سحبت آخر مفتشيها المتبقين في إيران مع احتدام الأزمة بشأن عودتهم إلى المنشآت النووية التي قصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل.
    وأقر البرلمان الإيراني قانونا يعلق التعاون مع الوكالة إلى أن يتسنى ضمان سلامة منشآت طهران النووية.
     وتتهم إيران الوكالة بتمهيد الطريق فعليا للهجمات عليها بإصدارها تقريرا في 31 مايو يندد بإجراءات تتخذها طهران، وهو ما أفضى إلى قرار من مجلس محافظي الوكالة المؤلف من 35 دولة يعلن انتهاك إيران لالتزاماتها بمنع الانتشار النووي.
     وبينما تقول واشنطن وتل أبيب أن الضربات العسكرية أدت إلى تدمير مواقع تخصيب اليورانيوم الثلاثة في إيران أو إلحاق أضرار جسيمة بها تفيد تقارير مستقلة وصور أقمار صناعية أن اضرارا سطحية كانت حصيلة الجهد العسكري الامريكي الإسرائيلي. كما لم يتضح جليا حتى الآن ما حل بمعظم الأطنان التسعة من اليورانيوم المخصب، وخصوصا ما يزيد على 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء تصل إلى 60 بالمئة القريبة من درجة صنع الأسلحة.
     وتفيد مصادر رصد في برلين أن إيران صنعت بالفعل أزيد من خمس قنابل نووية لا يزيد وزن كل واحدة منها على 560 كيلوغرام بعد أن اجرت تجارب تفجير تحت الأرض في شمال شرق إيران قبل أكثر من أربعة أشهر، وسيتم الاعلان عن انسحاب إيران من اتفاقية منع الانتشار النووي قبل نهاية سنة 2025.
     
    كسر الاحتكار

    أفاد تقرير خاص صادر مؤخرا عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن إيران أجرت عدة اختبارات للانفجار الداخلي، وهي مهارة عسكرية أساسية لتطوير القنبلة الذرية، وفق صحيفة « جيروزاليم بوست«  الصادرة يوم 8 يونيو 2025.
    وجاء في التقرير: 
    رغم أن جزءا كبيرا من تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) يشير إلى أنشطة عسكرية إيرانية تعود إلى عشرين عاما مضت، فإن دقة إيران في حفظ السجلات تعني أن أي تقدم أحرزته الجمهورية الإسلامية آنذاك يمكن أن يُستخدم لاحقا لدفع مفاجئ وسريع نحو تحقيق اختراق في مجال الأسلحة النووية بحلول عام 2025.
    كما أن تنفيذ إيران لاختبارات تفجيرية متعددة يشير إلى أنها قد تكون متقدمة أكثر مما كان يُعتقد في المهارات الأخرى اللازمة لتطوير قنبلة نووية، إلى جانب تخصيب اليورانيوم.
    وقد تم تحليل هذه المعلومات وغيرها من النتائج بشكل مفصل في ورقة موقف أصدرها مؤخرا « معهد العلوم والأمن الدولي »، بقيادة المؤلف الرئيسي ورئيس المعهد ديفيد أولبرايت.
    ويستند جزء كبير من تقرير الوكالة إلى « أدلة وفّرتها الموساد ». ووفقا للمعهد، فإنه يجب على مجلس محافظي الوكالة إحالة انتهاكات إيران النووية إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
     وفي تحليل أكثر تفصيلا لتقرير الوكالة، قال المعهد إن التقرير يتضمن تقييما بأن إيران اختبرت محفزات نيوترونية تم إنتاجها في موقع « لافيزان-شيان »، مشيرا إلى تواريخ محددة، دون ذكر الموقع. وكتب أولبرايت أن التقرير أشار إلى أن « المصادر النيوترونية المدفوعة بالمتفجرات (EDNS) المنتجة في لاڤيزان-شيان كانت على نطاق صغير، ومصممة للاختبار، ومتكاملة ضمن أنظمة تفجير مصغرة، وتم اختبارها مرتين على الأقل.
    كما أشار تقرير مايو 2025 مجددا إلى أن الوكالة عثرت على مؤشرات تفيد بأنه « تم تطوير واختبار معدات في لاڤيزان-شيان شملت كواشف نيوترونات وأغلفة خاصة بها »، وأن « غلافًا مماثلًا لكواشف النيوترونات استُخدم في اختبار تفجيري في مريفان.
     
    الحرب ستتجدد
     
    في ظل العداء القائم بين إسرائيل وإيران تزداد التوقعات بقرب اندلاع جولة جديدة من التصعيد، وسط سباق تسلّح محموم واستعدادات عسكرية مكثّفة من الجانبين.
     في تقرير له بصحيفة « فزغلياد » الروسية يوم 4 يوليو 2025 ، يستعرض ألكسندر تيموخين الأسباب التي تجعل من وقوع جولة جديدة من التصعيد العسكري بين ايران وإسرائيل حتمية، مستشرفا موعد ذلك وكاشفا كيفية استعداد جيشي الطرفين لهذا السيناريو.
    فرغم إعلان كلّ من إيران وإسرائيل تحقيق النصر في الحرب الأخيرة التي اندلعت في يونيو 2025، فإن الكاتب يوضح أن الواقع يظهر أن أياً من الطرفين لم يحقق انتصارا حاسما، كما تدل المؤشرات العسكرية والسياسية على أن المواجهة لم تحسم بعد، بل تم تأجيلها فحسب.
    ويؤكد الكاتب إن إسرائيل رغم هذا التفوق الأولي فشلت في تحقيق أهدافها الإستراتيجية، فصور الأقمار الصناعية تكشف أن إيران -على عكس ما تروج له الرواية الإسرائيلية- تمكنت من نقل جزء من اليورانيوم المخصب لديها من منشأة « فوردو » قبل الضربة.
    ولا توجد أي مؤشرات تؤكد أن اليورانيوم لا يزال مخزناً تحت الأرض. كما لم تُنشر أي بيانات رسمية حول حجم الأضرار، في ظل تكتم إيراني محسوب.
    المؤشر الحاسم في الفشل في تدمير المفاعلات النووية هو غياب أي تسرب إشعاعي بالغلاف الجوي، وهو ما يحدث في حال تدمير مخازن اليورانيوم، وهذا يشير إلى أن المنشآت الحساسة لم تُمس بشكل جوهري وأن الضربة الأمريكية أخفقت في تحقيق غايتها الكبرى.
    ويضيف الكاتب أن تداعيات الهجوم الإسرائيلي لم تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل امتدت إلى التصعيد النووي. فقد أعلنت إيران وقف تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مؤكدة أنها ستواصل عمليات تخصيب اليورانيوم دون قيود.
    وبحسب تقارير أجهزة الاستخبارات الأمريكية، فإن المكونات الرئيسية للبرنامج النووي الإيراني لم تُدمّر خلال الهجوم. أما على الصعيد الداخلي، فقد تمكن النظام السياسي الإيراني من الصمود.
    وهكذا، لم تنجح إسرائيل في تحقيق أي من الأهداف التي أعلنتها قبل شن الحرب. بل على العكس، أدت العملية إلى نتيجة معاكسة تمامًا: قطع إيران لأي مسار تفاوضي مستقبلي مع الغرب.
    وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تسعى للحد من التصعيد دون الانخراط الكامل. فالضربة التي نفذها الجيش الأمريكي حملت طابعًا استعراضيًا أكثر منها عملياتيًا.
    وقد أظهرت الحرب أن إسرائيل، لو استمرت في تبادل الضربات مع إيران، كانت ستدخل في حرب استنزاف مرهقة، لا يمكنها تحملها أكثر من 3 أشهر، خاصة في ظل الصعوبات المتزايدة في تعويض الذخائر لمنظومات الدفاع الجوي والأسلحة الدقيقة المستخدمة من قبل سلاح الجو، كما أن شبكات الاستخبارات الإسرائيلية داخل إيران باتت مهددة بالتفكيك بعد انكشافها.

    خسائر إسرائيل

    ذكرت صحيفة « تلغراف » البريطانية في تقرير لها يوم 5 يوليو 2025 أن صواريخ إيرانية أصابت 5 قواعد عسكرية إسرائيلية بشكل مباشر خلال الحرب الأخيرة، مستندة في ذلك إلى بيانات لم تنشر بسبب الرقابة الصارمة في إسرائيل.
    وأضافت الصحيفة أن أكاديميين أمريكيين في جامعة ولاية أوريغون متخصصين في استخدام بيانات الأقمار الصناعية للكشف عن أضرار القنابل في مناطق الحرب، شاركوها هذه البيانات.
    وتشير التقارير إلى أن بين المنشآت المصابة قاعدة جوية رئيسية، ومركز لجمع المعلومات الاستخبارية، وقاعدة لوجيستية، إضافة إلى 36 ضربة اخترقت أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، مما تسبب في أضرار جسيمة للبنية التحتية السكنية والصناعية.
    ولفتت الصحيفة إلى تنفيذ 7 ضربات على منشآت نفطية وكهربائية، وتدمير جزء من معهد وايزمان، أحد أبرز مراكز البحث العلمي في البلاد، إضافة إلى أضرار جسيمة لحقت بالمركز الطبي الجامعي « سوروكا »، وضربات على 7 مناطق سكنية مكتظة بالسكان، شردت أكثر من 15 ألف إسرائيلي.
    وتابعت: « مع أن نظام الدفاع الجوي المتعدد الطبقات الذي تستخدمه إسرائيل كان مصمما لاعتراض مختلف أنواع المقذوفات، فإنه ظل مدعوما طوال الحرب بنظامي دفاع صاروخي أرضيين أمريكيين من طراز « ثاد »، وصواريخ اعتراضية بحرية أُطلقت من قواعد أمريكية في المنطقة.
    كما قال رافيف دراكر من القناة الـ13 إن « العديد من الضربات الصاروخية الإيرانية أصابت قواعد الجيش الإسرائيلي، ومواقع استراتيجية لا نزال لا ننشر عنها حتى يومنا هذا. لقد خلق ذلك حالة لا يدرك فيها الناس مدى دقة الإيرانيين وحجم الضرر الذي أحدثوه في العديد من الأماكن ».
     
    الاقتصاد الإسرائيلي
        ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح فقط، فبعضها يترك ندوباً أعمق في دفاتر الاقتصاد. وبين ضجيج المدافع في حرب أكتوبر 1973، وصافرات الإنذار التي دوت في سماء تل أبيب مع هجمات إيران في يونيو 2025، تكشف الأرقام أن الاقتصاد الإسرائيلي كان، ولا يزال، أحد أكبر الخاسرين في كل مواجهة.
    ووفقاً لوثائق سرية أفرجت عنها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية  (CIA)، تلقت إسرائيل في 1973 ضربة اقتصادية قاصمة امتدت آثارها لسنوات، بعدما خسرت حصة كبيرة من ناتجها القومي خلال 19 يوماً فقط، وتراجعت فيها قطاعات الإنتاج المدني بنسبة قاربت 20 في المئة، فيما اضطرت الحكومة إلى الاستدانة وخفض الإنفاق العام وفرض سندات إلزامية على المواطنين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من عجلة الاقتصاد المنهكة.
    وبعد أكثر من خمسين عاماً من هذا التاريخ، تكرر المشهد بصيغة جديدة. ورغم أن إيران لم تخض حرباً شاملة، لكنها وجهت أكثر من 300 صاروخ ومسيرة دفعة واحدة إلى العمق الإسرائيلي، في هجوم مباغت استمر 12 يوماً فقط، لكن تكلفة الحرب الإسرائيلية على إيران قُدرت بنحو 12 مليار دولار، وفق أرقام رسمية أعلنها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش.
    الضربة الإيرانية كانت موجزة، لكن فعاليتها المالية كانت واضحة، حيث سببت أضراراً مادية مباشرة في المنشآت والبنى التحتية تقدر بـ5.4 مليار دولار، وتوقف صناعي وخدمي كلف الاقتصاد 3.6 مليار دولار، بينما بلغ إنفاق إسرائيل على أنظمة الدفاع الجوي 3 مليارات دولار خلال أيام قليلة فقط.
    ورغم أن شكل الحرب تغير، لكن فواتيرها لا تزال تُدفع من جيوب الاقتصاد الإسرائيلي، الذي يبدو حتى الآن مكشوفاً، هشاً أمام أي مواجهة واسعة أو ضربة مركزة، خاصة وأن اقتصاد إسرائيل لم يتعاف بعد من أثر الضربة الاقتصادية التي تلقاها على مدار أكثر من عام ونصف على الصراع في غزة، حيث بلغت تكلفته التقديرية نحو 120 مليار دولار، أي 20 في المئة تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي، نظراً لطول أمد هذه الحرب واستنزاف ترسانة كبيرة من الأسلحة فيها. اقتصاد حرب
    لم يكن الاقتصاد الإسرائيلي في 1973 شبيهاً بنظيره في 2025، لا في الحجم ولا في البنية. فقبل حرب أكتوبر، كانت إسرائيل تعتمد بشكل كبير على الزراعة والصناعة التحويلية والخدمات التقليدية، مع اقتصاد ناشئ مدعوم بالمعونات الخارجية والهجرة. وكان التصنيع المحلي لا يزال في مراحله الأولى، فيما شكلت الزراعة ما يزيد على 10 في ألمئة من الناتج المحلي.
    أما في 2025، فتحولت إسرائيل إلى اقتصاد عالي التقنية، حيث تشكل الصناعات التكنولوجية والبرمجيات والدفاع السيبراني قاطرة النمو، إلى جانب شركات ناشئة عالمية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية. كما باتت الصادرات الدفاعية تمثل نسبة ملموسة من دخل الدولة، في مشهد اقتصادي مختلف كلياً من حيث الهيكلية والتنوع والقدرة على التعافي.
    في السادس من أكتوبر 1973، باغتت مصر وسوريا إسرائيل بهجوم واسع النطاق على جبهتي قناة السويس والجولان، لتندلع حرب استمرت 19 يوماً وأدت إلى واحدة من أسوأ الهزات الاقتصادية في تاريخ إسرائيل.
    قبل الحرب، كان الاقتصاد الإسرائيلي يشهد نمواً قوياً، مع توقعات بأن يبلغ معدل نمو الناتج القومي الإجمالي الحقيقي نحو 8 في المئة. وكانت احتياطيات النقد الأجنبي قد وصلت إلى 1.5 مليار دولار، وهو ما وفر لإسرائيل هامش أمان محدود في مواجهة الصدمة المقبلة.
    مع بدء المعارك، تعرض النشاط الاقتصادي المدني إلى شلل شبه كامل، حيث تراجع الناتج في القطاعات غير العسكرية بنسبة تُقدر بـ 20 في المئة. 
      هجوم إيراني بأثر اقتصادي ثقيل   في يونيو 2025، نفذت إيران أول هجوم مباشر من نوعه ضد إسرائيل، بإطلاق أكثر من 300 صاروخ وطائرة مسيرة باتجاه أهداف عسكرية داخل الأراضي الإسرائيلية. وبحسب وزير المالية الإسرائيلي ورئيس مصلحة الضرائب اللذين تحدثا للصحفيين حول تكلفة الحرب، بلغت الكلفة الإجمالية للهجوم نحو 12 مليار دولار، تتوزع على النحو التالي:
    · 5.4 مليار دولار أضرار مادية في البنية التحتية والمنشآت.
    · 3.6 مليار دولار ناتجة عن توقف القطاعين الصناعي والخدمي خلال أيام القتال.
      3 مليارات دولار تكلفة تشغيل أنظمة الدفاع الجوي، وعلى رأسها القبة الحديدية وبطاريات باتريوت.
    وقال شاي أهرونوفيتش، المدير العام لسلطة الضرائب الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار مع إيران، للصحفيين: « هذا هو التحدي الأكبر الذي واجهناه، لم تشهد إسرائيل هذا الكم من الأضرار في تاريخها ».
    ولا تشمل هذه التقديرات تكلفة استبدال الأسلحة وأنظمة الدفاع التي استخدمتها إسرائيل خلال الحملة، والتي يُرجح أن ترفع المبلغ النهائي بشكل كبير عند اكتمال التقييمات.
    فيما قال عمير داهان، رئيس قسم التعويضات في مصلحة الضرائب الإسرائيلية، أمام لجنة الكنيست: « هذه أرقام لم نشهدها من قبل من حيث الضرر المباشر في الممتلكات »، في إشارة إلى حجم التعويضات غير المسبوق الناتج عن الهجوم الإيراني.
    وأوضح داهان أن قيمة التعويضات المقدّرة بلغت نحو 5 مليارات شيكل (1.47 مليار دولار)، أي ما يعادل ضعف ما تم تسجيله منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023، ما يعكس حدة التأثير الاقتصادي الذي خلّفه القصف الإيراني، حتى دون انخراط الطرفين في مواجهة شاملة.
    من جانبه، حذّر إيتاي أتر، أستاذ الاقتصاد في جامعة تل أبيب، من التبعات الأوسع في حال تصاعدت المواجهات، قائلاً في تصريح نقلته صحيفة « كريستيان ساينس مونيتور »: « إذا دخلنا في حملة طويلة من الصواريخ… فسيكون من الصعب على اقتصادنا أن يتعافى ويعود إلى وتيرته المعتادة ».
    ووفق هذه الأرقام تكون إسرائيل قد تكبدت ما يعادل 2.1 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي خلال الـ12 يوماً من تبادل الضربات مع إيران، حتى دون أن تنخرط في حرب برية مباشرة أو تستدعي تعبئة واسعة النطاق.
    ورغم أن الاقتصاد لم يدخل مرحلة انكماش، إلا أن طبيعة الهجوم كشفت عن خلل واضح في كفاءة الإنفاق الدفاعي، وعن تكلفة باهظة لمعادلة الأمن، لا سيما في ظل الاعتماد على تكنولوجيا اعتراض باهظة الثمن لا تضمن بالضرورة تحصين الاقتصاد من الصدمات المفاجئة.
       للتواصل مع الكاتب:

    عمر نجيب

    [email protected]

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عمر نجيب يكتب: القنبلة النووية والتجويع آخر الأسلحة لكسب معركة إسرائيل ضد غزة..

     عشرون شهرا تقريبا مرت على اندلاع ملحمة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، ولا تزال تل أبيب رغم الدعم العسكري والاقتصادي والبشري الذي تحصل عليه من أغلب دول الغرب وفي مقدمتها الولايات المتحدة عاجزة عن القضاء على المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة حماس في قطاع غزة. أكثر من 56 ألف فلسطيني غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال والشيوخ قتلوا في حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة الذي حشر فيه أكثر من 2.3 مليون فلسطيني على مساحة لا تتجاوز 365 كيلومتر مربع بعد طردهم من أرضهم.
     لم يتصور أحد بعد 7 أكتوبر 2023 أن المقاومة الفلسطينية ستصمد كل تلك المدة، حكومة تل أبيب وعلى لسان مختلف مسؤوليها مدنيين وعسكريين وعدت بالقضاء على مقاومة غزة خلال ثلاثة أو أربعة أسابيع، ولم يتحقق ذلك بل غرق الجيش الإسرائيلي الذي يوصف بأنه أقوى جيش في منطقة غرب آسيا في ما تصفه وسائل إعلام إسرائيل بوحل غزة. حملت الطائرات والسفن الغربية وأساسا الأمريكية مئات آلاف الأطنان من الذخائر والأسلحة والمؤن إلى إسرائيل وتدخلت في القتال من حين إلى آخر قوات النخبة من الجيشين الأمريكي والبريطاني تحت غطاء البحث عن الأسرى الذين تحتجزهم حماس ولكن كل ذلك لم يبدل معادلة المواجهة وأجبرت إسرائيل ومن حالفها على خوض المفاوضات مع حماس للتوصل إلى تسوية. وفي كل مرة يتم فيها التوصل إلى حل جزئي لقضية الأسرى كان التنكر الإسرائيلي للاتفاقيات هو عنوان المشهد.
     يقال أن هناك شعرة تفصل بين الواقعية في السياسية وبين الغدر. قد تضطر الواقعية أركان السلطة إلى التخلي عن بعض مثلهم، لكن هناك حكاما لم يكتفوا بذلك بل كانوا يتخلون عن كل شيء لأهداف شخصية.
    خلال العشرين شهرا من معركة طوفان الأقصى واجهت تل أبيب بعيدا عن غزة تحديات خطرة أحدها الجبهة اللبنانية
    حيث كاد حزب الله أن يلحق بإسرائيل خسائر غير مسبوقة، لولا تدخل كل أجهزة الغرب العسكرية والإستخبارية التي تمكنت من تدمير جزء كبير من أجهزة قيادة الحزب وبالتالي إصابته بشلل جزئي يوشك الآن مع بداية صيف سنة 2025 على تجاوزه. وعلى بعد 2000 كلم تقريبا إلى الجنوب من غزة سطر اليمن ملحمة من الصمود والمقاومة ليس ضد إسرائيل وحدها بل ضد من تصنف القوة العسكرية الأولى عالميا وواصل حربه المتعددة الأشكال ضد تل أبيب.
    حجم إحباط إسرائيل وأنصارها من فشلهم في التغلب على حجم وقدرة المقاومة في غزة وخارجها دفع بعضهم إلى المطالبة بقصف القطاع بالقنبلة النووية حتى يستسلم.

     
    يوم الخميس 22 مايو 2025 ذكرت قناة كان الإسرائيلية أن عضو الكونغرس الأمريكي رندي فاين من الحزب الجمهوري طالب بقصف قطاع غزة بقنبلة نووية.
    وخلال مقابلة مع قناة فوكس الأمريكية قال النائب عن ولاية فلوريدا في منشور على حسابه بمنصة « إكس » -حيث عرف بنفسه بأنه « يهودي صهيوني ويفتخر »- « لم نتفاوض على استسلام مع اليابانيين، قصفناهم بالسلاح النووي مرتين للحصول على استسلام غير مشروط، يجب أن نفعل الشيء نفسه هنا، فأمريكا وإسرائيل لن تختلفا يوما على إبادة الفلسطينيين ». وأضاف « السبيل الوحيد لإنهاء الصراع هو الاستسلام التام والشامل لهؤلاء الذين يدعمون الإرهاب الإسلامي.. » على حد تعبيره.
    وليس فاين أول من دعا إلى ضرب غزة بالسلاح النووي، فقد سبقه آخرون، بينهم السيناتور الجمهوري الأمريكي ليندسي غراهام الذي قارن العدوان على قطاع غزة بقرار الولايات المتحدة إسقاط قنابل ذرية على اليابان في الحرب العالمية الثانية.
     وقال غراهام « عندما واجهنا الدمار كأمة بعد هجوم بيرل هاربور وقاتلنا الألمان واليابانيين قررنا إنهاء الحرب بقصف هيروشيما وناغازاكي بالأسلحة النووية، وكان هذا هو القرار الصحيح ».
    وفي إسرائيل أيضا، دعا متطرفون كثر -بينهم وزير شؤون القدس والتراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو- مطلع عام 2024 إلى إسقاط سلاح نووي على قطاع غزة.  
    قدرة حماس لم تتراجع
     
     تؤكد الكثير من المصادر الغربية وبوتيرة متصاعدة حجم الفشل في الحرب الإسرائيلية وأبعاد ذلك على مستقبل تل أبيب.
    يوم الأحد 25 مايو 2025 نقلت صحيفة « هارتس » العبرية عن قادة في الجيش الإسرائيلي قولهم إن قدرة حركة « حماس » لم تتراجع. مؤكدين أن التقييمات العسكرية تفيد بأن الجناح المسلح للحركة لا يزال يضم نحو 40 ألف مقاتل.
    وذكرت المصادر للصحيفة إنه رغم العمليات العسكرية المكثفة التي نفذها الجيش الإسرائيلي منذ هجوم طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر، تفيد التقييمات العسكرية بأن الجناح المسلح لحركة « حماس » لا يزال يضم نحو 40 ألف عنصر، وهو نفس العدد الذي كان عليه قبل الحرب. كما يعتقد أن الحركة لا تزال تحتفظ بعدد من الصواريخ طويلة المدى، إلى جانب مئات، وربما آلاف، من القذائف قصيرة المدى وقذائف الهاون.
     وحتى تولي رئيس الأركان إيال زامير منصبه في مارس 2025، كان الجيش يعتقد أن « حماس » لم تعد تمتلك بنية عسكرية منظمة. لكن التقييم الجديد يشير إلى أن الحركة لا تزال تحتفظ بقدرات عملياتية فاعلة، رغم تعرضها لضربات شديدة.
    وصرح مسؤولون في الجيش الإسرائيلي إن طريقة القتال تغيرت منذ ذلك الحين، مع اعتماد تكتيك « النار الكثيفة » وتدمير منهجي للبنية التحتية العسكرية لـ »حماس » بما في ذلك الأنفاق.
    وأشارت التقديرات -لتروق ساسة تل أبيب- إلى أن ثلث سكان غزة لا يزالون موالين لـ »حماس »، فيما ينتمي الثلث الآخر إلى حركة « فتح »، أما الباقون فلا يتبعون أي فصيل.
    وتحرض الأجهزة الأمنية على إدخال المساعدات الإنسانية عبر قنوات غير مرتبطة بحماس مما قد يؤدي إلى تدهور الوضع الاقتصادي وتفكيك بنى حكم حماس في غزة.
     
     حرب بلا نهاية
     
     يحاول ساسة تل أبيب مواجهة التحذيرات الصادرة من الداخل والخارج بأنه لا يمكن كسب الحرب ضد حماس في غزة وفي هذا الصدد ويوم الأحد 25 مايو 2025 أكد رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير أن الحرب في قطاع غزة ليست حربا بلا نهاية، وسنبذل كل ما في وسعنا لإعادة مخطوفينا وسنهزم لواء خان يونس كما هزمنا لواء رفح.
    وأجرى زامير تقييما للوضع وجولة ميدانية في مدينة خان يونس في قطاع غزة برفقة قائد القيادة الجنوبية وقادة آخرين، وتحدث مع المقاتلين، وقال: « من هنا خرج القتلة، من خربة خزاعة المجاورة، لا يجوز لنا أن ننسى للحظة ما حدث هنا. نحن ندافع عن أنفسنا، ومن أجل الدفاع عن أنفسنا نحن نهاجم. هذا درس مركزي من 7 أكتوبر ». كما نقل المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي.
    وتابع: « نحن نعزز نشاطاتنا وفقا للخطة المرتبة. « حماس » تحت ضغط كبير للغاية، فقد فقدت معظم أصولها وقدرتها على القيادة والسيطرة. سنستخدم كل الوسائل المتاحة لدينا من أجل إعادة المخطوفين إلى بيوتهم، وحسم وضع حماس، وتفكيك حكمها ».
    وأضاف: « هذه ليست حربا لا نهاية لها – سنتحرك لتقصيرها بما يتماشى مع تحقيق أهدافها، نحن نريد الحسم وسنحققه بعزم، ومنهجية، مع الحفاظ على سلامة قواتنا ».
    وتأتي تصريحاته بعد تقرير يفيد بأن الرئيس المعين لجهاز الأمن العام « الشاباك » ديفيد زيني قال فيه إن « هذه حرب أبدية ».
     
    لن نقضي على حماس
     
     يوم الثلاثاء 20 مايو 2025 صرح عضو الكنيست الإسرائيلي عميت هليفي إن عملية « عربات جدعون » العسكرية الإسرائيلية الجارية في قطاع غزة لن تؤدي إلى إخضاع حركة « حماس » أو القضاء عليها.
    وشدد هليفي على أن خطة « عربات جدعون » التي أعلن الجيش الإسرائيلي بدء تنفيذها في غزة، حتى لو نفذت بنجاح « ستبقي حماس مسيطرة على الأرض، وعلى السكان، وعلى خطوط المساعدات ».
     وأضاف أن « العملية الحالية لا تتضمن فرض حصار محكم على القطاع قبل التوغل البري، كما اقترح عشرة من كبار الجنرالات المتقاعدين في خطة بديلة، ما يعني استمرار التخبط ودفع أثمان فادحة منذ أكثر من عشرين شهرا ».
    وجاءت هذه التصريحات في سياق هجوم شنه هليفي على وزير الدفاع يسرائيل كاتس، متهما إياه بـ »الافتراء والكذب المتعمد »، ردا على ما قاله كاتس في مجموعات داخلية لحزب الليكود، حين اعتبر أن « هليفي لا يختلف عن يائير غولان ».
     وكان رئيس حزب « الديمقراطيين » غولان القائد السابق في الجيش والقيادي في اليسار الصهيوني، قد اتهم الجيش الإسرائيلي في وقت سابق بارتكاب جرائم حرب في غزة، وقال في وقت سابق، إن إسرائيل « دولة تقتل الأطفال كهواية ».
     وصرح كاتس: « غولان من اليسار المتطرف، الذي شبه المجتمع الإسرائيلي بالنظام النازي، يتهم جنود الجيش الإسرائيلي بقتل أطفال غزة بدافع الهواية، وهليفي من الليكود يفتري على قادة الجيش، ويتهمهم بأنهم يتخلون عن المقاتلين في غزة من خلال النشاط العسكري ».
    وتابع كاتس « سألت هليفي عما يقصده، فاكتشفت جهلا مطبقا لديه بأساليب القتال المستخدمة حاليا، والتي تعتمد على سياسة واضحة: إخلاء السكان، سحق الأرض، وتطهيرها من المسلحين، وترك القوات متمركزة فيها حتى إخضاع حماس، كما حدث في رفح وسينفذ في كل مكان ».
    ورد هليفي على كاتس قائلا إن « الوحيد الذي يختلق الأكاذيب هنا هو الوزير كاتس، من خلال منشورات كاذبة تظهر افتقاره حتى للفهم الأمني الأساسي لما طرحته داخل اللجنة ».
    يأتي هذا بعد أيام من إعلان الجيش بدء عملية برية واسعة في عدة مناطق بغزة شمالا وجنوبا، في تطبيق فعلي لعملية « عربات جدعون »، التي تشمل الإجلاء الكامل لفلسطينيي القطاع من مناطق القتال واحتلالها.
    واعتبر الجيش الإسرائيلي أنه يدخل « مرحلة جديدة مختلفة في حجمها وقوتها لاستكمال أهداف الحرب في إعادة الرهائن وحسم المواجهة مع حركة حماس »، على حد تعبيره. ووفق بيانات الجيش تشارك في الحرب على غزة حاليا 4 فرق هي الفرقة 252، والفرقة 143، والفرقة 36، والفرقة 162.
     
    التجويع كسلاح
     
     أمام تعثر تل أبيب في حسم المعركة عسكريا في غزة لصالحها تتجه جهودها حاليا لاستخدام التجويع وتوزيع المعونات كسلاح مثلما حاولت واشنطن بأسلوب مختلف تحقيق ذلك عبر ميناء غزة البحري سنة 2024.
     طُرحت خطة جديدة في غزة، تهدف إلى إيصال المساعدات الإنسانية إلى القطاع من خلال مؤسسة خيرية خاصة وشركات أمنية أمريكية، قد تحل مكان منظمة الأمم المتحدة، وذلك عبر التحكم بإيصال المواد الأساسية إلى القطاع الفلسطيني المحاصر، من خلال تأمين المساعدات « مباشرة وفقط لمن هم في حاجة إليها ». رفضت الأمم المتحدة هذه الخطة، معتبرة أنها تستخدم « المساعدات كسلاح »، وتهدد بالتسبب بنزوح جماعي للفلسطينيين. وتأتي هذه التطورات في وقت حذرت فيه منظمتا اليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي من خطر المجاعة في غزة.
    مؤسسة غزة الإنسانية (GHF) التي أنشئت في فبراير 2025 ويقودها « خبراء مخضرمون في إدارة الأزمات »، ستعتمد على شركات مقاولة متمركزة في الولايات المتحدة، من بينها شركة يديرها قائد سابق للوحدات شبه العسكرية لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، لحماية مراكز توزيع المساعدات التي تخطط لإنشائها في مناطق داخل غزة، من دون انخراط الجيش الإسرائيلي.
    وقال السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي إن الجيش الإسرائيلي لن يتواجد في مراكز توزيع المساعدات لكنه سيكون « على مقربة منها ».
    سيجبر سكان غزة على الانتقال جنوبا لتلقي المساعدات في منطقة جديدة يطوقها الجيش الإسرائيلي. وأفيد الأحد بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أكد للجنة الشؤون الخارجية والدفاع الإسرائيلية أن « الغزيين الذيننرحلهم، لن يعودوا. لن يكون لهم وجود هناك. سنسيطر على المكان ».
    تعتمد الخطة التي تطرحها مؤسسة غزة الإنسانية، على جمع التبرعات وعلى نموذج « مستقل خاضع لتدقيق صارم » في عملية توزيع المساعدات.
    وفي هذا السياق، قال نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة، فرحان حق، لموقعي باس بلو PassBlue وفرانس24: « لا يمكن للأمم المتحدة أن تشارك في أي عملية لا تلتزم بمبادئها في توزيع المساعدات الإنسانية، والتي تشمل الإنسانية، وعدم الانحياز، والاستقلالية، والحياد ».
    من جانبه، صرح المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) جيمس إلدر: « يبدو أنّ الخطّة تهدف إلى تعزيز السيطرة على المواد الأساسية للعيش وتحويلها لأداة ضغط وستسبب المزيد من التهجير »، واصفا الأمر بالخيار « بين النزوح والموت ». وأضاف إلدر: « من الخطير أن يطلب من المدنيين التوجه إلى مناطق عسكرية لاستلام حصصهم… يجب ألا تُستخدم المساعدات الإنسانية أبدًا كأداة للمساومة ».
    يثير التركيز المشبوه في الخطة على تقديم المساعدات للمحتاجين « فقط » والتعهد بـ « تدقيق صارم » في عمليات توزيع المساعدات، قلق العاملين في المجال الإنساني ومسؤولي الأمم المتحدة، الذين يخشون إفراطا في فرض الشروط على من سيحصل على تلك المساعدات.
    ومع دخول الحصار الإسرائيلي على غزة شهره الثالث، قال فرحان حق إن خطة مؤسسة غزة الإنسانية، التي اطّلع عليها بالكامل موقعا فرانس24 وباس بلو PassBlue، تنص على رقابة دقيقة للغاية على آلية إيصال المساعدات الغذائية إلى غزة، « حتى آخر سعرة حرارية وآخر حبة طحين ».
    ولم يكتف تحليل صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) بالتنديد بالخطة، بل رجح أيضا أن » تقابل بالرفض من أطراف النزاع الأخرى ».
    خلص تقييم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن المقترح « غير قابل للتطبيق » لأسباب عديدة، من بينها أن توزيع الحصص الغذائية سيتم مرة أو مرتين فقط في الشهر، وفي مواقع محددة.
     
     ذروة الخيانة
     
     جزء آخر من الخطّة مثير للجدل، يتمثل بتولي إدارة مؤسسة غزة الإنسانية (GHF) واحد، على الأقل، من كبار المسؤولين الأمنيين السابقين في منظمة الأمم المتحدة، وهو يعمل حاليا لصالح منظمة خاصة، لا تعترف بها الأمم المتحدة لا بل تحتقرها. ويرد اسم بيل أ.ميلر، الذي شغل سابقا منصبا في إدارة الأمم المتحدة لشؤون السلامة والأمن، كأحد أعضاء المجلس الاستشاري للمؤسسة. كما ورد اسم المدير التنفيذي السابق لبرنامج الأغذية العالمي ديفيد بيزلي، وهو خبر غير مؤكد. (تعذّر الوصول إلى بيزلي للحصول على تعليق منه).
    مصدر في الأمم المتحدة يتواجد بشكل منتظم داخل غزة قال لفرانس 24 وباس بلو PassBlue: « إنها ذروة الخيانة »، في إشارة إلى انخراط مسؤولين سابقين رفيعي المستوى في الأمم المتحدة في مشروع قد يستولي على دور المنظمة الإنسانية في غزة. وأضاف أن مؤسسة غزة الإنسانية عرضت خطتها على الأمم المتحدة و »طلبت منا إما التعاون معهم أو الانسحاب من القطاع. إنهم قادمون للسيطرة على المكان واستخدام المساعدات كسلاح ».
    في هذا الإطار، أكد مسؤول أممي رفيع أن « الأمم المتحدة ليست جيشا. لا يمكننا الوقوف في وجههم. الحكومة الإسرائيلية هي التي تسيطر على المنطقة ».
    وأشار مصدر في الحكومة الأمريكية إلى أن « هذه الآلية الإنسانية هي فكرة الحكومة الإسرائيلية إلى حد كبير »، مضيفًا أن اجتماعا رفيع المستوى عقد حول المبادرة. ووصف المصدر المشروع بأنه « نسخة أقل أمانا » من الرصيف العائم الذي تم إنشاؤه على ساحل غزة في عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.
    وأضاف المصدر أن « هذه فكرة إسرائيلية إلى حد كبير، ولا نعتقد أنها تمثل استجابة مناسبة للوضع المزري » في غزة.
    وحذّر المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف مجلس الأمن من أن الولايات المتحدة قد تقطع التمويل للوكالات الأممية التي ترفض مقترح مؤسسة غزة الإنسانية. وعلى الرغم من أن مجلس الأمن لا يملك سلطة مباشرة على تلك الوكالات، إلا أنه يستطيع التأثير في قراراتها.
     تدعي إسرائيل إنّ خطة مؤسسة غزة الإنسانية ستمنع عناصر حماس من الاستيلاء على المواد الغذائية والسلع الأساسية الأخرى، لكنها لم تقدم أي دليل يثبت أن حماس تفعل ذلك. في المقابل، تؤكد الأمم المتحدة أن هناك 240 ألف طن متري من المساعدات « العالقة عند المعابر »، بانتظار إذن من إسرائيل لدخول القطاع.
     
    لعبة المخابرات المركزية
     
    لا تقدم مؤسسة غزة الإنسانية، المسجلة في جنيف، تفاصيل حول تمويلها، لكن يقودها نيت موك، المدير التنفيذي السابق لمنظمة « وورلد سنترال كيتشن ».(World Central Kitchen).
    وتتضمن خطّة المؤسسة الاستعانة بشركات أمنية أمريكية خاصة سبق أن عملت في ممر نتساريم في غزة خلال وقف إطلاق النار الأخير، لحماية محيط « المراكز الآمنة المعنية بتوزيع المساعدات ».
    شركتا الأمن المذكورتان في الخطّة هما UG Solutions ومقرها ولاية كارولينا الشمالية، وSafe Reach Solutions، وهي شركة تابعة لشركة إدارة الثروات Two Ocean Trust, LLC التي تتخذ من ولاية وايومنغ مقرا لها.
    يدير شركة UG Solutions جيمسون غوفوني، وهو جندي سابق في القوات الخاصة الأمريكية ومؤسس منظمة Sentinel Foundation.
    أما شركة Reach Solutions، فيديرها الرئيس السابق للوحدات شبه العسكرية في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، فيليب إف. رايلي، وهو من وضع الخطة التشغيلية لنقاط التفتيش في ممر نتساريم.
    عمل رايلي أيضا لدى شركة مقاولات عسكرية خاصة اسمها كونستيليس (Constellis)، وهي مالكة شركة الأمن الخاصة الشهيرة والمعروفة سابقًا باسم بلاك ووتر (Blackwater).
    يبدو أن الرجال الذين يديرون نقاط التفتيش في ممر نتساريم هم في منتصف العمر ويحملون « رشاشات معلّقة فوق بطونهم الممتلئة بالبيرة »، بحسب مصدر في الأمم المتحدة داخل غزة.
    وأضاف المصدر « لقد استعانوا بشركة محلية لتنظيم طوابير الانتظار وفرز الناس، من يذهب إلى أين، عبر أجهزة المسح الضوئي ».
     صرح خالد قدس، الذي يدير مطابخ خيرية في غزة، إن « العديد من العائلات باتت تعيش على مجرد قطعة خبز جافّة، هذا إن توفرت أصلا ». حتى إن بعض الأشخاص يغمى عليهم من شدة الجوع، وهم ينتظرون في طوابير المطابخ الخيرية.
    ويصر كبار المسؤولين في الأمم المتحدة على أن نماذج الإغاثة التي اتبعوها– ولا سيما خلال الهدنة الأخيرة – هي أكثر فاعلية.
    في هذا السياق، قال أحد مسؤولي الأمم المتحدة، ممن يتواجدون بانتظام داخل غزة: « كان الأطفال يحصلون على الغذاء، وكانت الأدوية تدخل إلى القطاع ». وتابع: « إذا أمعنتم في هذه الخطة، تدركون أنها تنطوي على مخاطر لأنها تتطلب تحركا جماعيا للسكان ».
    وحذرت كل من اليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي من « كارثة وشيكة إذ إن 71 ألف طفل وأكثر من 17 ألف أم معرضون لخطر سوء التغذية الحاد ».
    موقف الأمم المتحدة من الخطة واضح، إذ تعتبر أن التعاون مع مؤسسة غزة الإنسانية يعني « القبول بمزيد من السيطرة الإسرائيلية على عملية إيصال المساعدات ».
    وقال كبير مديري التواصل في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لفرانس24 وباس بلو PassBlue إن « استخدام مصطلح ‘إنساني’ في تسمية أمر معين، لا يعني توافقه بشكل تلقائي مع المبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي ». وأضاف: « هناك نظام عالمي قائم لتقديم المساعدات، وهذه الخطة من شأنها أن تنسف القانون الإنساني الدولي ».
     
     انهيار متسارع
     
     أورد تقرير لموقع واللاه العبري يوم 25 مايو 2025 تفاصيل حول عائلة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وحرب التعيينات العسكرية وشرح كيف تتم إدارة إسرائيل من « فيلا قيصرية » وهو ما وصفه بأنه دليل على أن إسرائيل تتجه إلى انهيار متسارع.
    ويشير التقرير الذي أعده باراك سري وهو مستشار وزير الدفاع السابق إلى خلفية ما يجري الآن في إسرائيل وارتباطه بأزمة الجيش الإسرائيلي بعد هجوم « طوفان الأقصى » في 7 أكتوبر 2023.
    ويقول إن الأزمة بدأت مع تقاعد رئيس الأركان السابق هرتسي هاليفي، الذي فقد شرعيته بعد فشل الجيش في صد هجمات 7 أكتوبر. تعرض هاليفي لهجوم ممنهج من قبل نتنياهو وحلفائه، الذين عملوا على تقويض سلطته حتى داخل المؤسسة العسكرية. وبعد أشهر من الضغوط، أعلن هاليفي استقالته في يناير 2024، ليغادر منصبه رسميا في مارس.
     ووفقا لمصادر مقربة من دوائر صنع القرار، فإن التعيينات العسكرية والأمنية تدار من قبل ما يوصف بـ »مجلس العائلة » الذي يهيمن عليه ثلاثي:
    – سارة نتنياهو: صاحبة الكلمة الأولى في التعيينات.
    – بنيامين نتنياهو: يتبع زوجته في الترتيب.
    – يائير نتنياهو (الابن): يشارك عبر الهاتف من ميامي.
    المعايير هنا شخصية بحتة، كما تكشف الوثائق: « من يخدم مصالح العائلة؟ من يقمع المتظاهرين؟ من يسهل تحصيل الأموال من الدولة؟ ». حتى شؤون « الفيلا القيصرية » وملجئها النووي الخاص كانت ضمن الأولويات.
    القصة تكشف كيف تختزل القرارات المصيرية في صراعات عائلية وشخصية، بينما تدار الحرب والأمن بإملاءات « فيلا قيصرية » وليس من غرف العمليات.
    بحسب تحليل نشره مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) في فبراير 2024، فإن الجيش الإسرائيلي دخل في « أزمة وجودية غير مسبوقة » بعد هجمات 7 أكتوبر، حيث فقد 84 في المئة من الإسرائيليين الثقة في قيادته (استطلاع معهد داحاف).
    ويعلق البروفيسور أوري بار جوزيف (خبير الاستخبارات في جامعة حيفا) قائلا: « ما يحدث هو تفكيك منهجي للمؤسسة العسكرية. التعيينات تحدد بالولاء الشخصي، لا بالكفاءة. هذه وصفة لكوارث أمنية ».
    تقرير استقصائي لـكالكاليست (مارس 2024) كشف أن شمعون فاليك (الملياردير المقرب من العائلة) ضغط عبر شموئيل زيني (شقيق اللواء ديفيد زيني) لتعيينه رئيسا للأركان، مقابل تمويل حملة نتنياهو الانتخابية.
    وزارة الدفاع نفت التقرير، لكن وزيرا سابقا فضل عدم الكشف عن اسمه قال لصحيفة « يديعوت أحرونوت »: « فاليك هو الظل الذي يحرك العروش. حتى الملجأ النووي في فيلته بني بأموال عامة ».
    لكن، وفي تحذير غير مسبوق، يقول عاموس هاريل (مراسل الشؤون الأمنية في هآرتس): « العائلة تدفع إسرائيل إلى حرب أهلية. الجيش لم يعد تحت سيطرة قادته، بل تحت سيطرة فيلا في قيصرية ».
    ويؤكد تقرير موقع « واللاه » المنشور يوم الأحد أن الأزمة في إسرائيل هي « انهيار متسارع » لدولة تحولت إلى « مزرعة عائلية ».
     
     سياسة فاشلة
     
     نشرت شبكة « بلومبرغ » الأمريكية يوم 9 مايو 2025 تقريرا يناقش تناقضات السياسة الخارجية لدونالد ترامب في الشرق الأوسط خلال ولايته الثانية المفترضة، حيث يدعي السعي إلى « السلام عبر القوة » بينما تتصاعد الحروب والصراعات. ويبرز النص فشل وقف إطلاق النار مع حماس، وتواطؤ ترامب مع نتنياهو في تجاهل حقوق الفلسطينيين، إضافة إلى ارتباك داخلي في إدارته بشأن الملف النووي الإيراني، وفشل الحملة العسكرية ضد اليمن.
    وفقاً لترامب، لم يكن ليحدث أي أمر فظيع في الشرق الأوسط أو أي مكان آخر في العالم خلال السنوات الأربع الماضية لو بقي الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة آنذاك. وبصفته الرئيس السابع والأربعين، ظل يدعي لفترة أنه سيجلب « السلام بالقوة » إلى تلك المنطقة وإلى أوكرانيا وغيرها من البؤر الساخنة في العالم. فكيف تسير الأمور؟
    لقد بدا الأمر وكأن ترامب حقق بداية جيدة. ففي الأيام الأخيرة للإدارة السابقة، ساعد مبعوثه الخاص إلى المنطقة، ستيف ويتكوف، في التوسط لوقف إطلاق النار بين « إسرائيل » وحماس، وهو اتفاق لطالما استعصى على جو بايدن، سلف ترامب ومصدر إزعاجه. وكان من المفترض أن تفضي تلك الهدنة المؤقتة إلى حلٍ نهائيّ. إلا أن « إسرائيل » استأنفت قصف قطاع غزة في مارس. وبالتالي، لا وقف إطلاق نار ولا حل ولا سلام، بل على العكس تماماً. فقد قامت حكومة نتنياهو بتعبئة عشرات الآلاف من جنود الاحتياط الإضافيين وقررت توسيع نطاق الحرب في غزة بدلا من إنهائها، بهدف احتلالها بالكامل تقريباً إلى أجل غير مسمى.
    واليوم، تهدد « إسرائيل » بهدم المباني المتبقية في القطاع وتشريد جميع سكانه البالغ عددهم مليوني نسمة إذا لم تستسلم حماس. وهذه طريقة أخرى للقول إن نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، يعتزمان، كما هو متوقع، الاستمرار في الاتجاه المعاكس المؤدي إلى حل الدولتين، وهي السياسة التي كانت مقررة لعقود من الزمن من قبل الإدارات الأمريكية من كلا الحزبين.
    وبالتأكيد، لم يبد ترامب اهتماماً يذكر بمنح الفلسطينيين دولة ذات سيادة. بل أعلن بشكل فُجائي أنّ الولايات المتحدة « ستسيطر » على قطاع غزة، « وتتملكه »، وتحوله إلى « ريفييرا الشرق الأوسط »، بحضور نتنياهو في البيت الأبيض. ومن غير الواضح كيف ستتوافق هذه الخطة مع الاحتلال الإسرائيلي المقبل. لكن لا تتوقعوا أن يركز ترامب أو نتنياهو على هذا التناقض.
     
     إيران والسلاح النووي
     
     وقد يكون لهذا الأمر تأثير سلبي على المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران. وفي هذا الشأن، يدفع نتنياهو في اتجاه معاكس لمسار ترامب المفضل. إذ تريد « إسرائيل » قصف المنشآت النووية الإيرانية، ويفضل أن يكون ذلك بدعم أمريكي. في حين يسعى ترامب، الذي وعد بأن يكون « صانع سلام »، إلى تجنب الحرب الشاملة، على الرغم من أنه يترك الخيار مفتوحاً بشكل ينذر بالخطر.
    وفي حين أن نتنياهو واضح بشأن هدفه، المسمى « النموذج الليبي » لتفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، فإن ترامب بعيد كل البعد عن ذلك. إذ يتنافس عدد من المجموعات الموجودة في إدارته وحزبه، وتتكون إحدى المجموعات (وفيها مايكل والتز الذي جرى إبعاده عن منصب مستشار الأمن القومي) من المتشددين الذين يتفقون مع نتنياهو. وتميل مجموعة أخرى (تضم نائب الرئيس جيه دي فانس) إلى الانعزالية والبقاء بعيداً عن الحروب الخارجية. وترى مجموعة أخرى أن الولايات المتحدة يجب أن تخرج من الشرق الأوسط وأوروبا من أجل التركيز على التهديد المتزايد الذي تشكله الصين.
    وهناك ويتكوف، المبعوث الخاص الذي يعرفه ترامب منذ أن كانا يعملان في مجال تطوير العقارات في نيويورك. فخلال مباحثاته مع الإيرانيين، أشار ويتكوف إلى أن الولايات المتحدة قد تقبل بتسوية لا تصل إلى التفكيك الكامل للمنشآت النووية، وتسمح لإيران بتخصيب كمية محددة من اليورانيوم لأغراض مدنية في مقابل التحقق والمراقبة الصارمة. وهذا أمر معقول ومثير للسخرية في آنٍ، لأن هذا الاتفاق يشبه إلى حد كبير الاتفاق السابق (المسمى خطة العمل الشاملة المشتركة) الذي توصلت إليه 8 دول، بما في ذلك إيران والولايات المتحدة، في عام 2015، ولكن ترامب انسحب منه بشكل مسرحي في عام 2018. كما أنها نتيجة لا يستطيع نتنياهو التعايش معها.
    إضافة إلى ذلك، تبدو الصورة الاستراتيجية ضبابية بالقدر نفسه في اليمن، حيث أعلن ترامب أنه سيضع حداً للفوضى البحرية التي يسببها الحوثيون. وقد ذاع صيت الحملة العسكرية الناتجة بسبب محادثة « سيغنال » التي ناقش فيها والتز وفانس وآخرون الغارات الجوية الأمريكية بشكل فوري، باستخدام الرموز التعبيرية المثيرة.
    وحتى في ذلك الوقت، وكما أشار فانس في نقاش « سيغنال »، لم يكن واضحاً لماذا يعزز إسقاط هذا الكم الهائل من الذخائر باهظة الثمن على هذه الأهداف المصالح الأمريكية. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم، كيف يفسر صمود الحوثيين وقدرتهم على إطلاق صواريخ على مطار بن غوريون الإسرائيلي بعد استهدافهم بقوة نيران أمريكية هائلة؟ وخلال هذا الأسبوع، أعلن ترامب انتصاره فجأةً لأسباب غير واضحة وانتهاء القصف الأمريكي وترك اليمن يستمر في قصف وحصار إسرائيل.
     
    الحرب قادمة
     
     يوم الأحد 25 مايو 2025 أكد أمين عام « حزب الله » نعيم قاسم أن « المقاومة لا تسكت على ضيم »، وأنهم يعتبرون أن الحرب مع إسرائيل « لم تنته » إلى اليوم، مع استمرار الخروقات الإسرائيلية وبقاء قوات لها في لبنان. جاء هذا التحذير في وقت تؤكد فيه تل أبيب وواشنطن أن الحزب يجدد ترسانته ويصلح العيوب التي سمحت لإسرائيل بتوجيه ضربات عنيفة له.
    وفي كلمة له بمناسبة عيد المقاومة والتحرير في لبنان، قال نعيم قاسم: « ننصح الرئيس الأمريكي ترامب أنه أمام فرصة التحرر من « إسرائيل » وإعطائها مجالا للاستمرار في غزة ولبنان وهذا سيذهب بالفرص الأمريكية للاستثمار في المنطقة ».
    واعتبر قاسم أن « الاستمرار بالعدوان في المنطقة سيعيق الاستقرار في المنطقة، وأن الاستمرار بالعدوان في لبنان سيعيق الاستقرار في لبنان ».
    وأكد قاسم أن « حزب الله » والدولة اللبنانية التزموا بالكامل باتفاق وقف النار غير المباشر بين الدولة وإسرائيل، مقابل 3300 خرق إسرائيلي واستمرار تلقي هذا العدوان.
    وأشار إلى أن الولايات المتحدة « تتحمل المسؤولية لأنها هي التي ترعى العدوان كما رعته هنا وفي غزة، ولبنان يجب أن يكون قويا واثقا وحرا ويجب أن تعلوا الصوت في مجلس الأمن وأن يرفع مجلس الوزراء صوته وأن يقوم كل واحد بالمعنيين بما يلزم ».
    وأضاف: الدولة هي المسؤولة وإذا فشلت في أدائها فإن الخيارات الأخرى موجودة والمقاومة لا تسكت على ضيم ولا تستسلم وهي تصبر وتعطي وقتاً لكن يجب التحرك.. نحن نعتبر إلى اليوم أن الحرب لم تنتهي وكل التحية إلى هؤلاء الذين يقاومون حتى لا تستغل « إسرائيل » اختلال ميزان القوة فإن هذا يزيدنا صمودا وتحديا ».
    وأكمل أمين عام « حزب الله »: « اليمن أجبر أمريكا على الانسحاب، وقدم من أجل غزة وفلسطين والكرامة العربية والإنسانية، ولم تستطع أمريكا أن تفعل معه شيئا.. إذا كانت تعتقد أمريكا أنها بالضغط تستطيع تحقيق الشروط الإسرائيلية أقول لها إن هذه الشروط لن تتحقق مهما بلغت التضحيات ».
      للتواصل مع الكاتب:
    عمر نجيب
    [email protected]

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عمر نجيب يكتب: العالم يتأرجح بين حرب عالمية ثالثة ونظام متعدد الأقطاب..

     منذ 7 أكتوبر 2023 وانطلاق ملحمة طوفان الأقصى حاولت إسرائيل والولايات المتحدة ومعهما حلفاؤهما في الغرب وخارجه، في نطاق الصراع المتوسع الدائر في الشرق الأوسط المركز وخاصة في الفترات التي رجحت فيه كفة أعدائهم، صنع متاهة متعددة المسارات من أجل أن يتخبط فيها خصومهم عسكريا وسياسيا واقتصادية ونفسيا لعل ذلك يقود لترجيح كفة تل أبيب وتحقيق هدفها لإقامة إسرائيل الكبرى ودورها المهيمن على كل المنطقة والضامن لمصالح الغرب وقدرته على مواصلة استنزاف ثرواتها، وكذلك لتكون جزء من الجدار العازل الذي يسعى الغرب لإقامته أولا لفرض حصار على روسيا من على جناحها الجنوبي الغربي ومنعها من الوصول إلى المياه الدافئة، وثانيا لإفشال المشروع الصيني العملاق « الحزام والطريق ». ويهدف هذا المشروع، الذي أزيل عنه الستار للمرة الأولى في عام 2013، إلى تعزيز الأواصر التجارية بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا والقارات الأبعد، والذي ترى فيه واشنطن تهديد للأمن القومي الأمريكي لأنه يهدد استمرارها في الهيمنة على الثروات العالمية.

     أحد أفرع مخطط المتاهة يقوم بعد محاولة تشويه ملحمة طوفان الأقصى ونفي كونها جزء من معركة شعب ضد احتلال استيطاني، كانت خداع الرأي العالمي وفي داخل المعسكر الغربي كذلك، على أن ما تقوم به تل أبيب من عملية إبادة للسكان المدنيين ضرورة للقضاء على حماس. مسرحيات لا تنتهي قدمت وتصريحات خادعة. تارة يطلب قادة غربيون بتهجير سكان غزة خارج وطنهم حرصا على سلامتهم وتارة يطلب من الجيش الإسرائيلي الحرص على حياة المدنيين رغم الإدراك أن هذا الجيش لا يقتل في الغالب سوى المدنيين. ويتحدث قادة غربيون عن معاناة سكان غزة ويعتبرون أن تجويع الفلسطينيين يمكن أن يكون جريمة حرب، ولكنهم في نفس الوقت يستقبلون ساسة إسرائيل ولا يطبقون حتى أحكام الجنائية الدولية بشأن اعتقالهم كمجرمي حرب، ولا توقف دول الغرب وهي تتظاهر بالتعاطف مع غزة إرسال السلاح والذخيرة إلى تل أبيب ولا تمنع مواطنيها المتعطشين للدماء من الالتحاق بالقوات الإسرائيلية. وعندما يتصدى حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن لإسرائيل ويدعمون سكان غزة ينعتون بالإرهابيين وتجمع أجهزة المخابرات الغربية كل إمكانياتها لضربهم وإخراجهم من ساحة المواجهة.

     وعندما تنجح الصين في الوصول إلى قمة القوة الصناعية والاقتصادية عالميا وتمنح دول العالم الثالث فرصة الاستفادة من نظام تجارة متعادل وعادل وأسعار في متناول حتى الفقراء، يتجند الغرب في محاولة لحصارها ومنعها حتى من استعادة وحدتها الترابية واسترجاع جزيرة تايوان رغم أنه اعترف قبل أربعة عقود بصين واحدة.

     ويتراجع الغرب عن وعوده بوقف توسع حلف الناتو شرقا في أوروبا ويبني القدرة العسكرية والسياسية لتفتيت روسيا الاتحادية.

     الأمر بكل بساطة هو إعادة عملية للتطبيقات الفعلية للعقلية الاستعمارية الغربية منذ أن خرج الغرب من عهود التخلف ليتوسع في شرق وغرب المعمور.

     العالم يعيش الآن في الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين معركة ستحدد شكل المستقبل ربما لقرون، معركة على أرض فلسطين وبلاد الشام ووسط شرق أوروبا وعلى تخوم بحر الصين وشرق آسيا، فأما استمرار عهود الاستعمار القديم ولكن بصورة مستحدثة مغلفة بشعارات براقة ولكن كاذبة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وما جاورهما، أو نهاية حقبة النظام العالمي ذو القطب الواحد وسقوط إمبراطوريات جديدة.



    40 قنبلة خارقة


     كشفت صحيفة « يديعوت أحرونوت » الاسرائيلية أنه تم إطلاق نحو 40 قنبلة خارقة للتحصينات في مدينة خان يونس خلال محاولة اغتيال محمد السنوار يوم الثلاثاء 13 مايو.
    وأفادت الصحيفة مساء الثلاثاء بأن قوات الجيش الإسرائيلي نفذت عملية اغتيال في خان يونس استهدفت قائد حركة « حماس » في قطاع غزة محمد السنوار.
    ووفقا للصحيفة فإن أجهزة الأمن الإسرائيلية انتظرت طويلا للحصول على معلومة حاسمة عن محمد السنوار، الذي يصنف كـ »آس » في قائمة الاغتيالات.
    وعند الحصول على هذه المعلومة، نفذت المنظومة الأمنية العملية بسرعة، حيث قامت المقاتلات الجوية بإلقاء 40 قذيفة خارقة للتحصينات تزن كل منها طنا، وهو ما يعادل نصف ما تم استخدامه في محاولة اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت في سبتمبر 2024.
    على الرغم من الحديث عن « المعلومة الذهبية »، أشارت صحيفة « يسرائيل هيوم » إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لم تؤكد بعد اغتيال محمد السنوار بشكل قاطع، موضحة أن التحقق من نتائج العملية قد يستغرق وقتا يمتد لأيام أو حتى أسابيع، نظرا لأن الهجوم استهدف موقعا تحت الأرض.
    وأشارت قنوات عبرية أخرى إلى أن الهجوم تم باستخدام قنابل مضادة للتحصينات، استهدفت منطقة في محيط مستشفى غزة الأوروبي بخان يونس.
    وفي السياق قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، في بيان إن « الجيش والشاباك نفذا غارة دقيقة على إرهابيين من حماس في مجمع قيادة تحت الأرض في خان يونس ».
    وأشار مراسل RT في خان يونس، إلى أن « الحديث يدور عن مجزرة ارتكبها الجيش الإسرائيلي في المنطقة، حيث يوجد عدد كبير من الشهداء والمفقودين تحت الأنقاض جراء قصف ساحة الطوارئ في المستشفى، كما تم قصف منزل مأهول بجوار المستشفى »، لافتا إلى أن أكثر من 6 صواريخ أمريكية الصنع استهدفت مستشفى غزة الأوروبي ومحيطها.



    طريقة قتال حماس

     يوم 16 مايو 2025 نقلت صحيفة « معاريف » عن قائد لواء القدس في الجيش الإسرائيلي قوله إنهم رصدوا تغيرا بطريقة قتال حركة « حماس » وامتلاك عناصرها كميات سلاح كبيرة.
     وذكرت الصحيفة العبرية إن مقاتلي لواء القدس، اللواء 16 غادروا يوم الخميس 15 مايو قطاع غزة، بعد أن خاضوا جولة رابعة من القتال، في قتال متواصل لمدة 70 يوما.
    وفي مقابلة خاصة، مع قائد لواء القدس بالجيش الإسرائيلي، قال إن القتال في « حي الشجاعية (شرق مدينة غزة) كان ضاريا ودفعنا ثمنا باهظا هناك ».
    وأوضح « دارت اشتباكات عنيفة في شرق الشجاعية، ولسوء الحظ، سقط أربعة مقاتلين في المعركة ». وأشار إلى أنه كان أحد أهداف العملية (عملية القوة والسيف) تدمير مئات الأبنية التي تهيمن على المراقبة وإطلاق النار على منازل كيبوتس نحال عوز (مستوطنة شمال قطاع غزة).
    وتابع: « دمرنا نحو ألف مبنى وقتلنا 250 إرهابيا، والآن لا يوجد في الشجاعية أي بيت يطل على بيوت الكيبوتس » موضحا أهمية هذا الإجراء « من أجل تعزيز الشعور بالأمن لدى أفراد مجتمع نحال عوز » وفق قوله.
    وذكر « يلاحظ مقاتلو اللواء وقادته تغيرا في أسلوب القتال لدى حماس، التي تمكنت على الرغم من التقييمات الأولية، من تجميع كميات كبيرة من الذخيرة، رأينا تغييرا في حماس بالشجاعية ».
    وأضاف أن مقاتلي حماس « يتعاملون بدهاء ويستدرجون جنودنا ما يتطلب جهدا أكبر ».
    وأوضح أنه « لا يزال هناك عدد لا بأس به من الأنفاق، لم نتمكن من تفكيك كل الأنفاق بعد، نحن نعمل على اختراق البنية التحتية وأنفاق حماس، فوق الأرض وتحتها، ونعمل على إلحاق الضرر بقدرات حماس واستنزافها ».
    ولفت قائد لواء القدس: « أمامنا مناورة كبرى في غزة، نحن مستعدون لها ».
    وفي بيان يوم الخميس 15 مايو، أعلن الجيش الإسرائيلي إنهاء قوات لواء (أورشليم 16) التابعة له نشاطها شمال قطاع غزة. وقد تم استبدال قوات اللواء بقوات احتياط لمواصلة النشاط في قطاع غزة، وفق البيان. من جهتها، نقلت صحيفة « معاريف » عن مصدر بالجيش الإسرائيلي قوله إن الهجمات الجوية الواسعة في مختلف أنحاء قطاع غزة هي بمثابة إجراءات تحضيرية لنشاط مستقبلي.
    وأشارت الصحيفة إلى أن الجيش الإسرائيلي يستعد لتوسيع حملته العسكرية في غزة، وأن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس « قرر أن يتم تنفيذ المناورة تحت نيران كثيفة من سلاح الجو والبحرية والمدفعية.



    الجري وراء السراب

    يوم الأحد 18 مايو 2025 صرح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، إن الجيش بدأ عملية عسكرية برية ضمن عملية « عربات جدعون » وسيواصل العمل حتى يكسر قدرة حماس القتالية في تكرار لما يقوله ساسة وعسكريو  تل أبيب منذ أكثر من 19 شهرا.
     وأضاف إيال زامير خلال جولة ميدانية وتقييم الوضع في شمال قطاع غزة مع قائد المنطقة الجنوبية اللواء يانيف آسور، وقائد الفرقة 162 العميد ساجيف دهان، وقادة آخرين: سنحسم المعركة في كل مكان نعمل فيه.. لا يمكننا العودة إلى ما قبل 7 أكتوبر ».وتابع قائلا: « أمام أعيننا هدفان مركزيان استعادة الأسرى وحسم المعركة ضد حماس ».
     وصرح رئيس الأركان بأن الجيش الإسرائيلي يعطي المستوى السياسي مرونة في المضي قدما بأي صفقة تبادل أسرى. وأفاد بأن صفقة تبادل الأسرى ليست توقفا بل إنجاز ونحن نعمل من أجل تحقيقه.
    وفي كلمته خلال لقائه عناصر من الجيش الإسرائيلي في شمال غزة أقر إيال زامير خطط مواصلة القتال، حيث قال للجنود: « استمروا في العمل، وأدوا مهامكم، واضربوا العدو.. إنني أدرك حجم اللحظة والتحديات التي تنتظرنا.. أثق بكم ».
     وأعلن الجيش الإسرائيلي، يوم الأحد، بدء عملية برية واسعة في أنحاء شمال وجنوب قطاع غزة ضمن عملية « عربات جدعون ». وأضاف: « خلال الأسبوع الماضي بدأ سلاح الجو ضربة افتتاحية هاجم خلالها أكثر من 670 هدفاً لحماس في أنحاء قطاع غزة وذلك بهدف التشويش، ودعما للعملية البرية حيث تم استهداف مستودعات أسلحة وعناصر ومسارات أنفاق تحت الأرض إلى جانب مواقع إطلاق قذائف مضادة للدروع ».



    جبهة لبنان

    في مؤشر على مخاوف تل أبيب من استئناف حزب الله اللبناني عملياته بعد استعادة توازنه، أعلن الجيش الإسرائيلي يوم 7 مايو 2025 إعادة تفعيل كتيبة دفاع جوي كانت أغلقت منذ أكثر من عقدين، بهدف تشغيل أنظمة جديدة مضادة للطائرات دون طيار، في خطوة تعكس تزايد التهديدات في الجبهة الشمالية.
    وقد أعيد افتتاح الكتيبة 947، التي كانت تشغل في السابق منظومة الصواريخ الأمريكية الصنع « تشابارال »، والتي أخرجت من الخدمة عام 2003. وأقيمت مراسم عسكرية خاصة بهذه المناسبة يوم الثلاثاء 6 مايو.
    وذكرت المؤسسة العسكرية أن الهدف من إعادة تفعيل الكتيبة هو « توفير حل عملياتي جديد لمواجهة تهديد الطائرات دون طيار والمسيرات (UAVs) في الساحة الشمالية ».
    وذكر الجيش الإسرائيلي إن « حزب الله » أطلق خلال الحرب مئات الطائرات المسيرة من الأراضي اللبنانية، تمكن عدد منها من اختراق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، ما أدى إلى وقوع إصابات وأضرار.
    وأوضح بيان الجيش أن الكتيبة 947 ستضم مئات الجنود من الذكور والإناث، وستكون جزءا أساسيا من فرقة الجليل 91، المسؤولة عن تأمين الحدود مع لبنان.
    وستنتشر عناصر الكتيبة على طول خط الحدود وفي المواقع الحساسة والنقاط الأمامية، كما ستخضع لتدريبات على العمل إلى جانب القوات البرية المناورة داخل أراضي العدو في حال اندلاع مواجهة عسكرية.
    ولم يفصح الجيش عن نوع الأنظمة التي ستستخدم في الكتيبة، إلا أنه وصفها بأنها « متحركة ومكيفة مع طبيعة التهديد »، ما يتيح إمكانية نشرها بسرعة بالتزامن مع تحركات القوات في الميدان.
    وكانت صحيفة « تايمز أوف إسرائيل » قد أفادت في وقت سابق بأن سلاح الجو بدأ الاستعداد لإعادة نشر أنظمة دفاع جوي تعتمد على المدافع، من بينها منظومة « M163 فولكان »، وهي رشاشات دفاع جوي استخدمت سابقا حتى سحبها من الخدمة عام 2006. ويعتقد أن هذه الأنظمة فعالة لحماية مواقع محددة مثل القواعد العسكرية والبنى التحتية الحساسة، لكنها لا تغطي مناطق واسعة.
    وفي أكتوبر 2024، أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية أن منظومة « القبة الحديدية الليزرية » لا تزال قيد التطوير بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومن المتوقع أن تدخل الخدمة خلال عام واحد.
    وتم تصميم منظومة « Iron Beam » للعمل بالتوازي مع أنظمة الدفاع التقليدية مثل « القبة الحديدية »، حيث ستكون مخصصة لاعتراض الأهداف الصغيرة، بما فيها الطائرات المسيرة والمقذوفات خفيفة الوزن.



    بين النصر والهزيمة

    نهاية شهر يناير 2025 أشار الخبراء الإسرائيليون في تقييماتهم إلى أن إسرائيل عقب وقف إطلاق النار في ذلك التاريخ مع حماس تواجه سيناريو لا ترغب تل أبيب في رؤيته، حيث تبين أن حركة حماس لا تزال تحافظ على مكانتها وسلطتها.
    وقد أشار المحلل الإسرائيلي في صحيفة « يديعوت أحرونوت »، آفي يسسخاروف، في مقال له، إلى أن « حماس لا تزال تحتفظ بمكانتها رغم مرور 15 شهرا من الهجمات المتواصلة ».
    وأضاف يسسخاروف: « رغم إعلان حكومة نتنياهو أنها ستقضي على حماس، إلا أن حماس لم تصمد عسكريا فحسب، بل حافظت أيضا على سيادتها بقوة ». كما أوضح أن « نتنياهو ووزراءه رفضوا بشدة على مدار أشهر الدخول في مناقشات معمقة للبحث عن بديل لإدارة حماس، رغم تحذيرات بعض المسؤولين الأمنيين بأن هذه الحرب ستكون بلا جدوى. » ووصف يسسخاروف ذلك بـ »أكبر فشل في الحرب، فشل عام 2024. »
     وفي إشارة إلى عملية « طوفان الأقصى » أوضح يسسخاروف أن إخفاق الاستخبارات الإسرائيلية في 7 أكتوبر 2023 كان معروفا، إلا أن أكبر فشل سياسي تمثل في ما وصفه بـ »الإهمال الإجرامي المتعمد » الذي أظهرته الحكومة فيما يتعلق بالإجراءات الواجب اتخاذها بعد الهجمات.
    وأضاف يسسخاروف أن إسرائيل، وإن تجاوزت يوم الهجمات بشكل مؤقت، إلا أنها استيقظت من كابوس لتجد نفسها في كابوس آخر، في حين أن سلطة حماس استمرت على الجانب الآخر من الحدود، مع استمرار حفر الأنفاق وتجنيد المزيد من المقاتلين.
     من جانبه لفت أمير أفيفي، رئيس منتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي، إلى أن الأجهزة الأمنية ركزت جهودها على تدمير البنية العسكرية لحماس وإلحاق الضرر بقياداتها ولكنها لم تنجح في ذلك.
    وفي تصريحات لصحيفة « معاريف » الإسرائيلية، أكد أفيفي أن إسرائيل لم تتخذ خطوات للإطاحة بحماس كسلطة ذات سيادة، باستثناء تصفية بعض قادتها.
     ولفت المحلل العسكري في صحيفة « هآرتس »، عاموس هارئيل، إلى ظهور مئات المسلحين الفلسطينيين في مدينة غزة يوم الأحد 2 فبراير 2025 على بعد بضعة كيلومترات فقط من المنطقة التي كانت قوات الجيش الإسرائيلي تعمل فيها قبل أيام قليلة. وعلق هاريل على هذا الوضع بالقول: « إنه يعكس قوة حماس العسكرية ورغبتها في إعادة تشكيل الحكومة المدنية »، مشيرا إلى أن الترتيبات المتعلقة بمستقبل غزة ستطرح على جدول الأعمال في غضون بضعة أشهر.



    القضاء على حماس يحتاج إلى سنوات


     بتاريخ 25 أبريل 2025 أقر قادة عسكريون في جيش تل أبيب، إن فكرة القضاء على حركة حماس، مسألة قد تستغرق سنوات، بسبب التحديات الكبيرة التي تواجهها القوات التي تعمل على الأرض.
     ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن قادة عسكريين قولهم إن الجيش يعتمد حاليا على استهداف المسلحين عن بعد، باستخدام الطيران والمدفعية، دون التوغل البري أو الاشتباك المباشر، وذلك حفاظا على أرواح الجنود وتقليل حجم الخسائر البشرية.
    وأوضحت المصادر أن العمليات العسكرية في هذه المرحلة تتسم بالبطء، في مقابل تقليص وتيرة التقدم الميداني، لتفادي الوقوع في كمائن أو التعرض لعبوات ناسفة ومفاجآت قاتلة، كتلك التي أودت بحياة عدد كبير من الجنود خلال المراحل السابقة من العدوان على غزة.
    وكان المراسل العسكري لصحيفة « معاريف » الإسرائيلية آفي أشكنازي، قد صرح، إن « إسرائيل » لم تنجح في تحقيق أهداف الحرب، وفي مقدمة هذا الفشل عدم استعادة الأسرى الإسرائيليين.
    وقال أشكنازي، إنه « لا يزال 59 مختطفا، أحياء وقتلى، محتجزين لدى حماس في غزة، وبعد سنة ونصف من السابع من أكتوبر 2023، اعترفت المؤسسة الأمنية بشكل كامل وواضح، أن 25 بالمئة فقط من الأنفاق التي حفرتها وبنتها حماس في غزة، قد كشف عنها ودمرت بواسطة الجيش الإسرائيلي ».
     وأضاف أنه « ربما يكون عدد الأنفاق التي تملكها حماس أكبر من ذلك بكثير. وحتى الآن، ما زالت حماس هي الجهة الحاكمة في قطاع غزة، إنها الجهة التي تحدد الأجندة المدنية، ولا تزال تملك أجهزة شرطة ونظام إنفاذ القانون في غزة، إنها توزع الخبز والماء ».
    ونقل عن مسؤول عسكري كبير قوله، إن « أي دولة أخرى في العالم ما كانت لتستطيع الاستمرار في العمل بعد حجم الدمار والضرر الذي أنزله الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة. إن حجم الدمار في غزة لا يمكن وصفه، الأمر لا يتعلق بمبنى يهدم أو شارع تم تدميره، بل أكثر من ذلك بكثير، مساحات كاملة مسحتها إسرائيل من فوق الأرض وتحتها ».
    وذكر أن « الجيش الإسرائيلي سيطر بالفعل على نحو 30 بالمئة من مساحة القطاع، وفي شمال القطاع، عمق الجيش السيطرة على الأرض حتى عمق 2 كلم من خط الحدود، ومن المحتمل أن يواصل التقدم جنوبا خلال الأيام القادمة ».
    وأضاف أنه « من الشرق، توسع المحيط الأمني ليصل إلى عمق يزيد على كيلومتر، وفي بعض المناطق وصل إلى أكثر من 1.5 كلم.
    العودة إلى جزء من محور نيتساريم وفرت مساحة ضخمة في وسط القطاع. وفي جنوب القطاع، تكمل قوات الفرقة 36 في هذه الأيام خطوة السيطرة على « محور موراج »، الذي سيتصل جزئيا في جنوبه الغربي بمحور فيلادلفيا، ما سينتج منطقة عازلة جنوبية واسعة بشكل خاص ».



    من ربح جولة


     معركة غزة فرضت ربط نفسها عمليا في عالم يعاد بناؤه بمواجهات تدور في عدة مناطق من العالم بين قوى النظام الدولي الأحادي القطب والساعون لنظام متعدد الأقطاب يصعب فيه على قوة واحدة أن تفرض إرادتها على الآخرين.
     كتب المحلل الروسي ألكسندر نازاروف يوم 12 مايو 2025 بشأن من انتصر في اتفاق الرسوم الجمركية بين الصين والولايات المتحدة؟.
     توصلت الصين والولايات المتحدة، بعد مفاوضات جنيف، إلى اتفاق لخفض الرسوم الجمركية لمدة 90 يوما.
    ستخفض واشنطن الرسوم الجمركية على السلع الصينية من 145 في المئة إلى 30 في المئة، بينما ستخفض بكين الرسوم الجمركية على السلع الأمريكية من 125 في المئة إلى 10 في المئة، ومع ذلك ستستمر المفاوضات.
    يبدو الأمر للوهلة الأولى أن الولايات المتحدة قد انتصرت، إذ حافظت على رسوم جمركية مرتفعة على السلع الصينية، إلا أن الواقع أن الولايات المتحدة والرئيس ترامب شخصيا تكبدوا هزيمة ساحقة.
    أولا، تتكون معظم الصادرات الأمريكية إلى الصين من مواد خام وسلع معالجة بشكل بسيط. في الوقت نفسه، فإن معظم صادرات الصين إلى الولايات المتحدة تتكون من أجهزة كومبيوتر وإلكترونيات وغيرها من السلع ذات القيمة المضافة العالية، وهو ما يعني أنه بخفض الرسوم الجمركية على السلع الأمريكية، ستحصل الصين على مواد خام أرخص، ومن خلال إبقاء الرسوم الجمركية على السلع الصينية مرتفعة، سيواجه ترامب ارتفاعا في التضخم.
    لكن الاتفاق لا يؤثر إلا على 15 في المئة من إجمالي صادرات الصين، وهو أحد الأسباب التي دفعت الصين إلى قبول التحدي بهدوء والرد على رسوم ترامب الجمركية بفرض رسوم جمركية. وحتى لو توقفت التجارة الصينية الأمريكية بشكل كامل، فإن الضرر الذي سيلحق بالصين سيكون أقل بكثير من الضرر الذي سيلحق بالولايات المتحدة.
     لكن العامل الأكثر أهمية هو أن جزءا كبيرا، وربما أغلبية الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة تمر عبر دول ثالثة. وتمثل الواردات المباشرة من الصين 14 في المئة من إجمالي واردات الولايات المتحدة، والمكسيك 16 في المئة، وكندا 13 في المئة، وفيتنام ما يقرب من 5 في المئة، لكن معظم الصادرات من هذه البلدان هي سلع صينية يتم تعبئتها وتغليفها في تلك البلدان فقط أو على الأقل تجميعها من مكونات صينية. وتستخدم نسبة كبيرة من الصادرات إلى الولايات المتحدة من شركاء تجاريين آخرين أيضا مكونات صينية.
    لقد حاصر ترامب نفسه بمنع البضائع الصينية، ويتعين عليه فرض رسوم جمركية على العالم لا تقل عن الرسوم التي فرضها على الصين، وإلا فالبضائع الصينية ستستمر في التدفق إلى الولايات المتحدة عبر دول ثالثة.
     بالتالي فإن فرض رسوم جمركية أعلى على الصين يعني حروبا تجارية ومشكلات سياسية للولايات المتحدة مع العالم أجمع. في الوقت نفسه، فإن كل شيء سوف يتطور في ظل تسارع التضخم والمشكلات السياسية داخل الولايات المتحدة.
    ولا تزال الصين تملك ورقة رابحة أخرى في ترسانتها ألا وهي خفض قيمة اليوان، وهو من شأنه أن يقلل من دخل الصين، لكنه سيجعل السلع الصينية أرخص وأكثر قدرة على المنافسة في السوق العالمية. وبطبيعة الحال، ونظرا للتغيرات في هيكل الاقتصاد والمجتمع الصينيين، واعتماد الصين على المواد الخام، فإن خفض قيمة اليوان يشكل خطوة أكثر صعوبة وإثارة للجدل مما كان عليه الحال قبل عشرة أو عشرين عاما، حيث لم يعد بإمكان الصين إجبار عمالها على العمل مقابل طبق من الأرز. ومع ذلك، وكإجراء مؤقت لمكافحة الإغراق، قد يكون خفض قيمة العملة فعالا.



    انتصار مطلق


    باختصار، يعيد الاتفاق بين الصين والولايات المتحدة التجارة المتبادلة، وتعود الصين جزئيا إلى العالم القديم الذي كانت تتوسع فيه يوميا، وتحل محل الولايات المتحدة، وهو انتصار مطلق لبكين. ولكي تكون أي حروب تجارية قد يشنها ترامب فعالة، سيتعين عليه أن تشمل هذه العقوبات الغالبية العظمى من بلدان العالم. في الوقت نفسه، وكما تظهر الممارسة، فإن كل بلدان العالم تقريبا تقاوم، ولم يستسلم أحد نتيجة قفزات ترامب إلى الأمام تارة، وإلى الخلف تارة أخرى، ثم إلى أعلى والدوران وغيرها من حيل السيرك.
    لقد عاد ترامب إلى حيث بدأ، والصين تتوسع ومن المستحيل إجبارها على خفض حصتها من الإنتاج العالمي بالوسائل السلمية. وأقصى ما يستطيع أن يسمح لنفسه به مع الصين هو الحرب التجارية التي سيخسرها على أية حال. وكما أظهرت نتائج المناوشة الأولى، فالصين لا تستسلم طواعية، ولا يمكن حل هذه القضية سوى بالحرب، وهو أمر مستحيل حاليا أيضا بسبب المواجهة المستمرة بين الولايات المتحدة وروسيا، حيث تورط في الحرب بأوكرانيا.
    وبعد أن قفز ولوح بسيفه، ها هو ترامب يدخل تدريجيا إلى روتين بايدن، أو بالأحرى، إلى سيناريو القصور الذاتي البطيء، الذي يؤدي إلى أزمة اقتصادية وسياسية داخل الولايات المتحدة.



    حرب أكثر خطورة

     ناور الغرب دون جدوى لتحويل مسار الحرب الدائرة في وسط شرق أوروبا بين روسيا وحلف الناتو في أوكرانيا لصالحه، وكانت آخر المحاولات وعود الرئيس الأمريكي ترامب بوقف المواجهة العسكرية خلال 24 ساعة بعد توليه السلطة في البيت الأبيض يوم 20 يناير 2025، انتقلت لاحقا إلى مئة يوم وحاليا يجري الحديث عن نهاية فصل صيف 2025، وبعد ذلك يمكن إرسال قوات من الناتو، وهو ما سيعني توسيع الحرب إلى مواجهة نووية وحرب عالمية ثالثة.
     بتاريخ السبت 17 مايو 2025 أكد نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف عبر منصة « X » أن المفاوضات الفاشلة قد تفضي لحرب أشد ضراوة وفتكا.
    وحث مدفيديف كل من يوجهون لروسيا الإنذارات التفاوضية الأخيرة أن يدركوا أن المفاوضات لا تؤدي بالضرورة إلى وقف الأعمال العدائية.
    وكتب مدفيديف: « على أعداء روسيا الذين يضعون الإنذارات التفاوضية الأخيرة أن يتذكروا شيئا بسيطا جدا وهو أن المفاوضات بحد ذاتها لا تؤدي لوقف الأعمال القتالية »، مضيفا بأن « المفاوضات غير الناجحة يمكن أن تؤدي إلى مرحلة أكثر فظاعة من الحرب، بأسلحة أعتى ومشاركين جدد ».
    في وقت سابق، وصف المؤرخ السويسري رولاند بوب في مقابلة مع صحيفة « برلينر تسايتونغ » الإنذار الذي وجهه المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى روسيا بشأن أوكرانيا بأنه دليل عجز.



    نهاية مناورة


     يوم الأحد 18 مايو 2025 أفادت قناة BFMTV التلفزيونية بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أدلى بتصريحات قاسية وحادة تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. واتهم ماكرون، الرئيس الروسي باعتماد « سلوك الازدراء والسخرية » تجاه كل ما يتعلق بأوكرانيا. وناشد ماكرون، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إبداء رد فعل مناسب على ذلك والإعلان عن رأيه حول هذا الموضوع.
    وقال ماكرون: « أعتقد – بل أنا مقتنع – بأن الرئيس ترامب، انطلاقا من حرصه على مصداقية الولايات المتحدة، سيرد على كل ذلك ».
    وشهدت اسطنبول يوم الجمعة 16 مايو محادثات سلام بين الوفدين الروسي والأوكراني استمرت قرابة ساعتين ولم تسفر عن اتفاق.
     يذكر أن المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، ستيف ويتكوف، كان قد صرح يوم 13 مايو إن ترامب أصدر إنذارا نهائيا للرئيسين الأوكراني والروسي مفاده أنهما بحاجة إلى إحراز تقدم في سبيل تحقيق سلام دائم، وإلا فإن الولايات المتحدة سوف تنسحب.
     ووصف ويتكوف الصراع الدائر ب « حرب غبية » ما كانت لتحدث لو لم يتم تزوير الانتخابات الرئاسية التي فاز بها الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن عام 2020.
    وأعرب ويتكوف في تصريحات أدلى بها لموقع « بريتبارت »، عن أمله في عقد قمة سلام قريبا حيث يلتقي الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين شخصيا للتفاوض على إنهاء الحرب في أوكرانيا.
    وقال ويتكوف، إنه يعتقد أن الروس « يريدون تسوية سلمية وكلا الطرفين يحاول فهم ما تعنيه هذه التسوية »، مؤكدا أنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق سلام بشأن أوكرانيا دون موافقة بوتين.
    وأضاف ويتكوف: « أعتقد أنه إذا انسحبت الولايات المتحدة من هذا الصراع، أي إذا لم ترغب في التورط فيه وقالت إنها ليست حربي، وإنني بذلت قصارى جهدي، فأعتقد أن هذه نتيجة سيئة للجميع. إنها سيئة للأوروبيين، وسيئة للأوكرانيين، ولا أعتقد أنها جيدة للروس. أعتقد أن الروس يريدون بالفعل تسوية سلمية، ويحاول كلا الجانبين فهم ما يعنيه ذلك لهم. مهمتنا هي جمعهما معا في غرفة واحدة وتوضيح أن بدائل الحل السلمي هنا سيئة للجميع. هذه مهمتنا ».



    برلين تصعد

     يوم الثلاثاء 13 مايو صرح المستشار الألماني الجديد، إن الاتحاد الأوروبي جاهز لتشديد العقوبات على روسيا ما لم يتم إحراز تقدم هذا الأسبوع لإنهاء الحرب على أوكرانيا وأضاف ميرتس أنه يجري العمل لإعداد حزمة جديدة من العقوبات، وفق ما نقلت عنه « رويترز ».
    وذكر في مؤتمر صحفي مع نظيره اليوناني: « ننتظر موافقة (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين، ونتفق على أنه في حال عدم إحراز تقدم حقيقي هذا الأسبوع، فإننا نرغب في العمل معا على المستوى الأوروبي لتشديد العقوبات بشكل كبير ». وتابع: « سننظر في مجالات أخرى، مثل قطاعي الطاقة والأسواق المالية ».
     في مقالهما المنشور بمجلة فورين أفيرز الأمريكية في 14 أبريل 2025 يناقش الباحث مايكل كيميج والباحثة سودها ديفيد وليب دلالات إقدام ألمانيا على رفع القيود الدستورية على الاستدانة، المعروفة بـ »بنظام كبح الديون »، وهو ما يمهد الطريق أمام اقتراض مئات المليارات من الدولارات تخطط برلين لإنفاقها على إعادة تسليح جيشها وتحديث بنيتها التحتية.
    ويجادل الباحثان بأن ألمانيا المسلحة جيدا ربما تكون نعمة لأوروبا في الوقت الذي تواجه فيه « عدوان روسيا » في ظل غياب أو تردد أمريكي، لكنها ربما تشكل تهديدا للقارة العجوز على المدى الطويل مستشهدين بمقولة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنغر حول كون ألمانيا « كبيرة للغاية بالنسبة لأوروبا، وصغيرة للغاية بالنسبة للعالم ».
    على مدى سنوات عديدة، كانت ألمانيا بحاجة ملحة إلى توسيع دفاعاتها بشكل كبير، واليوم تبدو مستعدة أخيرا للقيام بذلك. وعندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم وهاجمت شرق أوكرانيا عام 2014، كان رد ألمانيا خافتا حيث أجرت برلين محادثات غير حاسمة مع الكرملين وفرضت عددا قليلا من العقوبات، ثم عادت بهدوء إلى العمل كالمعتاد مع موسكو.
    وبعد أن شنت روسيا هجوما واسع النطاق على أوكرانيا عام 2022، أعلن المستشار أولاف شولتس عما أطلق عليه « نقطة التحول » أو « Zeitenwende » كما تعرف بالألمانية واعدا بزيادة الإنفاق الدفاعي، وإرسال المزيد من المساعدات إلى أوكرانيا، والحد بسرعة من اعتماد ألمانيا على روسيا في مجال الطاقة.
    ولكن في النهاية، كانت نقطة التحول مجرد « فرقعة إعلامية » فقط، وبسبب الصراعات الداخلية في الائتلاف الحاكم، فشلت خطة شولتس في إصلاح الدفاعات « العسكرية » الألمانية.
    ولكن الآن أصبح القادة الألمان أخيرا على أهبة الاستعداد لتحقيق التحول الذي تفرضه الظروف، وفي فبراير عقدت انتخابات فدرالية مبكرة للبرلمان الألماني (البوندستاغ) ويبدو أن الحكومة الألمانية القادمة مستعدة أخيرا لإعلان استقلالها عن واشنطن.
    وتتهيأ ألمانيا لمستقبل لم تعد فيه الولايات المتحدة قادرة على ضمان أمن أوروبا بشكل موثوق به، ومن أجل تحديث جيشها وإنعاش اقتصادها، تعمل برلين على إنهاء إدمانها الطويل على التقشف، من خلال رفع قيد دستوري كان يحد من الإنفاق العسكري السنوي على الديون إلى 0.35 في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي.
      للتواصل مع الكاتب:

    عمر نجيب

    [email protected]

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عمر نجيب يكتب: الغرب في متاهة الصراع للحفاظ على النظام العالمي الأحادي القطب..

    عندما تأخذ الإمبراطوريات مسارها نحو التراجع والانحدار وتقلص القوة، يسقط ساستها في تناقضات وأخطاء تتراكم بسرعة دون أن يدركوا نتائجها السلبية والعكسية على ما يريدونه ويخططوا له.
     ما يوصف بالتكتل الغربي يعيش خاصة منذ 20 يناير 2025 في متاهة لا يستطيع أحد حاليا إيجاد مخرج آمن منها، متاهة تهدد بإنهيار الكثير من التحالفات وتمهد لنظام عالمي جديد.
     أهم أعمدة قوة الغرب على الساحة الدولية حتى وقت قريب كانت التفوق الاقتصادي والقوة العسكرية، غير أنه وخلال السنوات العشر الأخيرة من 2014 وحتى 2024 تبدلت المعادلات اقتصاديا وعسكريا، ولم يعد للغرب هذا التفوق، الصين وضعت حدا له مع حلفائها روسيا وإيران ومجموعة دول بريكس، وعسكريا كشفت حروب محدودة من اليمن وغزة ولبنان أن المسلمات القديمة للتفوق العسكري قد تبدلت بأسلحة بسيطة وجديدة وقدرات على الصمود.
     كتب سيمون هيفر في صحيفة « ديلي تليغراف » في 18 مايو 2023، أنه « لا ينبغي أن يكون المرء مؤرخا محترفا ليعرف أن التاريخ يكرر نفسه، فعندما يرى المرء قادة سياسيين -عندنا أو عند غيرنا- يرتكبون الأخطاء نفسها مرارا وتكرارا، فإنه يرى أيضا أن أولئك المكلفين بحكمنا نادرا ما يدركون هذا الأمر.

     في هذا السياق صدر حديثا كتاب صغير الحجم، مؤلف من 200 صفحة فقط، بعنوان « لماذا تسقط الإمبراطوريات: روما وأمريكا ومستقبل الغرب » عن دار بنغوين، لمؤلفيه أستاذ الاقتصاد السياسي جون رابلي وأستاذ تاريخ القرون الوسطى البروفيسور بيتر هيذر المتخصص في سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية.

    « مرة أخرى تروج صرعة الحديث عن الانحدار ». هكذا يبدأ استعراض « لماذا تسقط الإمبراطوريات » في مجلة « إيكونوميست » البريطانية في 25 مايو 2023. يمضي المقال فيقول إنه مع توتر العلاقات بين أمريكا والصين وازديادها تدهورا، يزداد شيوع دراسة نهايات عصور الهيمنة السابقة. وتتكاثر الكتب التي تتنبأ بصعود الطغاة المستبدين ووفاة الديمقراطية. ويكثر الحديث عن فخ ثوقيديدس [الذي يعني في أدبيات السياسة] حتمية الصدام بين قوة صاعدة وقوة قائمة، مثلما سبق لأثينا أن تحدت إسبرطة في القرن الخامس قبل الميلاد.

    « يضيف هذا الكتاب المثير إلى هذا المنهج لمسة بسيطة جديدة. فهو يقارن بين الغرب في عام 1999، في ذروة ثقته، وروما قبل 1600 سنة، في عام 399 على وجه التحديد، قبل عقود قليلة من انهيار الإمبراطورية »، وفق ما جاء في المجلة البريطانية.

     البعض يرى أن الانحدار ليس حتميا على الغرب أو على الإمبراطورية الأمريكية، ففي مقال حديث بصحيفة « نيويورك تايمز » نشر في الرابع من سبتمبر 2023، كتب المؤرخ جون رابلي إنه « لم يزل بوسع أمريكا أن تحشد مواردها الوفيرة للبقاء قوة القيادة في العالم. غير أنه من أجل القيام بذلك سيلزم الولايات المتحدة أن تتخلى عن محاولة استرداد مجدها الغابر من خلال إتباعها منهج أمريكا المنفردة، وأمريكا أولا، فقد كان هناك دافع مماثل هو الذي دفع الإمبراطورية الرومانية إلى مغامرات عسكرية تسببت في خرابها النهائي. لقد تغير الاقتصاد العالمي، ولن يتسنى لواشنطن أن تسيطر على الكوكب سيطرتها القديمة، لكن إمكانية إقامة عالم جديد من التحالف مع بلاد مماثلة في الذهنية ترف لم يتيسر مثله لروما. ويجب على أمريكا… أن تنتهز هذه الفرصة ».



    كيف تفوق اليمنيون

      نشرت مجلة « فورين أفيرز » الأمريكية يوم 9 مايو 2025 تقريرا تناولت فيه قرار إدارة ترامب المفاجئ وقف حملة القصف الجوية المكثفة ضد اليمن.
    وذكر البحث أن الحملة العسكرية الأمريكية ضد اليمن التي تجاوزت كلفتها ملياري دولار، وشاركت فيها حاملات طائرات وقاذفات إستراتيجية،لم تحقق أهدافها المعلنة، حيث ظل موقف الحوثيين ثابتاً، واستمروا في استهداف « إسرائيل » والسفن المرتبطة بها.
     وجاء في التقرير بعد سبعة أسابيع ونصف من الغارات الجوية المكثفة على أكثر من 1000 هدف منفصل، انتهت حملة القصف التي شنتها إدارة ترامب ضد الحوثيين في اليمن فجأة كما بدأت.
    في 6 مايو، وفي اجتماع في المكتب البيضاوي مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، أعلن الرئيس دونالد ترامب ببساطة أن الحوثيين « لا يريدون القتال بعد الآن » وأن الولايات المتحدة « ستقبل كلمتهم » و »توقف القصف ».
    وأكد وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي على « إكس »، أن بلاده توسطت في اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن والحوثيين، حيث اتفق الجانبان على عدم استهداف أحدهما للآخر.
    وعلى الرغم من هجمات الحوثيين الفعالة للغاية على الشحن الدولي في البحر الأحمر، واستمرار الهجمات ضد « إسرائيل »، فإن الاتفاق لا يقيد صراحة أعمال الحوثيين ضد أي دولة أخرى غير الولايات المتحدة، ومن اللافت للنظر غياب « إسرائيل » والسفن « المرتبطة بإسرائيل » عن الاتفاق، وهو مصطلح فسره الحوثيون على نطاق واسع في الماضي.
    الأمر المحير في إعلان البيت الأبيض هو أن موقف الحوثيين لم يتغير بشكل أساسي، منذ أن بدأت إدارة ترامب حملتها الجوية المتصاعدة في 15 مارس. ظاهريا، جرى إطلاق عملية « الراكب الخشن » ، كما كانت تسمى الحملة الأمريكية، لاستعادة حرية الملاحة في البحر الأحمر وإعادة إرساء الردع ضد إيران ووكلائها.
    عندما بدأت العملية، كان الحوثيون يستهدفون « إسرائيل » صراحة وكذلك السفن المرتبطة بـ « إسرائيل »، وإن لم تكن السفن الأمريكية، وقالوا إنهم سيواصلون القيام بذلك حتى تنهي « إسرائيل » حربها في غزة. منذ بداية الحملة الأمريكية، أوضح قادة الحوثيين أنه إذا أوقفت واشنطن القصف، فإنهم سيتوقفون عن مهاجمة السفن الأمريكية، لكن هجماتهم على « إسرائيل » ستستمر. بعد أن أعلن ترامب عن اتفاق 6 مايو، كرر المتحدث باسم الحوثيين محمد عبد السلام هذا الموقف. بعبارة أخرى، بعد عملية عسكرية أمريكية كلفت أكثر من ملياري دولار، ويعتقد أنه كان لها تأثير بعيد المدى على القدرات العسكرية للحوثيين، لم يضف وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة والحوثيين سوى ترسيخٍ لموقفهم الأصلي. ورغم ادعاء ترامب أن الحوثيين « استسلموا »، لا تزال الجماعة تحكم قبضتها على السلطة، ووصفت الاتفاق بأنه « انتصار لليمن ».
    بالنسبة لإدارة ترامب، وفر وقف إطلاق النار نهاية سريعة لحملة كانت تزداد صعوبة. لم يكن القصف باهظ التكلفة فحسب، بل أثار أيضاً مخاوفَ لدى صانعي السياسات في واشنطن من احتمال انزلاق الولايات المتحدة إلى حرب أخرى لا تنتهي في الشرق الأوسط. لا شك في أن هذا السيناريو كان مدعوما من نائب الرئيس جيه دي فانس وأعضاء الإدارة الأكثر ميلا إلى الانعزالية الجديدة، والذين كانوا متشككين في المغامرة العسكرية الأمريكية منذ البداية.
    لا يزال من غير الواضح إذا ما كانت هذه الخاتمة ستتيح استراحةً كافيةً لإدارة ترامب للتنصل من مشكلة الحوثيين. ولكن إذا غض ترامب الطرف عن هجمات الحوثيين المستمرة على « إسرائيل »، فهناك ما يدعو للاعتقاد بأن الحوثيين سيتجنبون، في الوقت الحالي، مهاجمة الأصول الأمريكية. من شبه المؤكد أن الحوثيين كانوا سيصمدون، حتى لو استمرت حملة القصف الأمريكية، لكن إنهائها يحمل في طياته العديد من المزايا لهم.
    في تل أبيب ويوم 8 مايو 2025 تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ »دفاع إسرائيل عن نفسها وحدها » ضد الحوثيين في اليمن.



    انتصروا على قوة عظمى

    يمكن لقادة اليمن الحوثيين الآن القول إنهم خاضوا مواجهة مباشرة مع قوة عظمى وانتصروا، وإنهم قد تخلصوا من الضغط الذي فرضه عليهم القصف الأمريكي. يمكنهم أيضاً التركيز على « إسرائيل »، التي تشارك في حملتها الجوية ردا على ضربات الحوثيين، بما في ذلك ضربة صاروخية بالستية بالقرب من مطار بن غوريون في تل أبيب في أوائل مايو. والأهم من ذلك،أن الاتفاق مع الولايات المتحدة يجعل من غير المرجح للغاية أن تدعم واشنطن هجوماً برياً ضد الحوثيين.
    كانت إدارة ترامب محقة في محاولتها إيجاد مخرج من حملة جوية متزايدة التكلفة ومفتوحة النهاية.
    تعد عملية « الراكب الخشن » أكبر تدخل عسكري وأكثرها تكلفة لإدارة ترامب حتى الآن. شملت العملية أكثر من ألف ضربة جوية. ولتنفيذ هذه العملية الطموحة، نشرت الإدارة مجموعتين هجوميتين لحاملات طائرات، وطائرات مسيرة من طراز « MQ-9 Reaper »، وقاذفات « B-2 Stealth »، إضافة إلى دفاعات جوية من طراز « Patriot وTHAAD ».
    لكن حملة الضغط التي شنها ترامب كانت لها حدود، وفي غضون أسابيع قليلة بدأت تظهر آثارها. قصفت القوات الأمريكية أهدافاً حوثية بشكل شبه يومي، بكميات هائلة من الذخائر، وزعم البنتاغون قتل كبار قادة الحوثيين. مع ذلك، لا توجد أدلة تذكر على تصفية أعضاء من الهيكل القيادي الأعلى للجماعة؛ فدائرتها الداخلية سليمة تماماً. ومن المهم أيضاً أن قدرة الجماعة على ضرب أهداف أمريكية وإسرائيلية يبدو أنها لم تتراجع بشكل كبير. من جانبهم، يؤكد الحوثيون أنهم أسقطوا ما لا يقل عن 18 طائرات أمريكية مسيرة من طراز « ريبر »، تبلغ تكلفة كل منها حوالى 30 مليون دولار، منذ مارس. في 28 أبريل، فقدت طائرة مقاتلة أمريكية بقيمة 60 مليون دولار في البحر عندما انعطفت حاملتها بشكل حاد لتجنب نيران الحوثيين. في أوائل مايو، تمكن الجيش اليمني أيضاً من اختراق صاروخ للدفاعات الجوية الإسرائيلية الأمريكية، بضربته على مطار تل أبيب.
     باختصار، كانت المكاسب التكتيكية الأمريكية تأتي بتكلفة عالية، بشكل متزايد ومخاطر جسيمة. زاد استمرار العمليات من احتمال مقتل أفراد الخدمة الأمريكية، وهو سيناريو من شأنه أن يجر واشنطن بشكل مؤكد إلى الصراع. كما كانت الولايات المتحدة تحرق الذخائر بمعدل ينذر بالخطر. كانت وزارة الدفاع تكافح بالفعل لمواكبة الطلب على الأسلحة، بعد أن توترت بسبب الالتزامات الأمريكية السابقة تجاه « إسرائيل » وأوكرانيا، وكذلك بسبب ضربات إدارة بايدن ضد اليمن والجهود الأمريكية للدفاع عن « إسرائيل » ضد الهجمات الإيرانية المباشرة. كان بعض المسؤولين الأمريكيين قلقون من أن العدد الهائل من الأسلحة بعيدة المدى المستخدمة ضد اليمن، وكذلك نقل كتيبة الدفاع الجوي باتريوت من القيادة الأمريكية إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط، يمكن أن يضعفا استعداد الولايات المتحدة لمواجهة التهديدات من الصين.
     باختصار، على الرغم من أن الحملة الأمريكية وضعت اليمنيين تحت ضغط هائل، إلا أنهم لم يتراجعوا، حيث راهن الحوثيون منذ بداية الضربات على قدرتهم على الصمود أكثر من الولايات المتحدة وقد فعلوا.
     الأن لم تعد صنعاء تفرض فقط حصارا بحريا على تل ابيب بل كذلك حظرا جويا حيث قررت أغلب شركات الطيران العالمية بسبب مخاطر صواريخ وطائرات اليمن المسيرة، وقف رحلاتها إلى إسرائيل حتى إشعار آخر.



    صمود غزة

    كثيرة هي التهديدات التي وجهتها تل ابيب وواشنطن للمقاومة الفلسطينية في غزة، صحيح أن أكثر من 52 الف فلسطيني من سكان القطاع وغالبتهم من الأطفال والنساء والشيوخ قد قتلوا في حرب الإبادة، ولكن تل ابيب لم تنجح في تحقيق النصر حتى بعد أن استدعت أكثر من 180 الف من جنود الاحتياط لتواجه بهم ما تقدر أنهم 40 الف من قوات حماس.
     التحالف الغربي المساند لتل ابيب يدرك الأن بعد 19 شهرا من الحرب على غزة أن النصر بعيد المنال وأن تل ابيب ومستوطنيها لا يمكنهم تحمل المزيد من الخسائر على أكثر من صعيد وأن غزة قد تربح معركة الصمود أطول، ولهذا يعيش العالم وسط فيلم سيئ الإخراج عن مقترحات تسوية وهدنة وإدخال الغذاء إلى القطاع المحاصر ويستمر التكتم الغربي على حجم الأضرار التي تلحقهم.
     بتاريخ 6 مايو 2025 كشف البنتاغون الأمريكي عن خسائر أمريكية في غزة، هذا الكشف يتجاوز موضوع الميناء العائم الأمريكي لأنه يفضح المغالطات والأكاذيب.
     أفاد تقرير صدر عن مكتب المفتش العام في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) يوم الثلاثاء 6 مايو 2025 بأن أكثر من 62 جنديا أمريكيا قد أصيبوا أثناء عملية رصيف المساعدات العائم بغزة في عهد الرئيس السابق جو بايدن، وهو رقم أعلى بكثير مما تم الكشف عنه سابقا وهو 3 أصابات فقط.
    وكان الرصيف، الذي أعلن عنه بايدن خلال خطاب بثه التلفزيون للكونغرس في مارس 2024، مشروعا ضخما احتاج تنفيذه نحو ألف جندي أمريكي.
    لكن سوء الأحوال الجوية وصعوبات التوزيع داخل غزة حدت من فاعلية ما وصفه الجيش الأمريكي بأنه أكبر جهد له لتوصيل المساعدات على الإطلاق في الشرق الأوسط. ولم يعمل الرصيف إلا 20 يوما تقريبا، وبلغت تكلفته نحو 230 مليون دولار.
     وكان الخبير السياسي الأمريكي ستيفن سيملر قد وصف الرصيف العائم « مسرحية متكاملة الأركان »، مؤكدا أنه فشل تماما في تحقيق هدفه.
    وفي مقابلة مع وكالة الأناضول يوم 14 يوليو 2024، قال سيملر -وهو أحد مؤسسي معهد إصلاح السياسات الأمنية وهو مؤسسة بحثية أمريكية غير حكومية- إن منظمات الإغاثة الإنسانية واجهت صعوبات كبيرة بإيصال المساعدات عبر هذا الرصيف، في حين فسدت كميات كبيرة أخرى منها جراء سوء التخزين.
    وأوضح أن البنتاغون اكتفى بإنزال المساعدات الواصلة من قبرص الرومية على ساحل غزة عبر الرصيف العائم، دون أن يعبأ بحفظها، لتفسد كميات كبيرة منها جراء بقائها لفترات طويلة بالهواء الطلق تحت أشعة الشمس الحارقة.
    واعتبر أن إدارة بايدن فضلت إشغال الرأي العام العالمي بمشروع الرصيف العائم، بينما تملك القدرة على إيقاف الحرب.
    وأكد الخبير السياسي أن الرصيف الأمريكي فشل تماما في تحقيق أهدافه بإيصال المساعدات، مردفا أنه كان « مسرحية كاملة للفت نظر العالم عن الضغط على إسرائيل لتسهيل مرور المساعدات ».



    مسرحية جديدة

    من خطط ترحيل سكان غزة مرورا بالرصيف العائم والتهديد بالجحيم للمقاومة الفلسطينية تبرز منتصف شهر مايو 2025، أطروحة جديدة.
    ذكرت وسائل إعلام عبرية، يوم الأربعاء 7 مايو، أن الولايات المتحدة وإسرائيل ناقشتا إمكانية تشكيل إدارة مؤقتة في غزة بعد انتهاء الحرب يشرف عليها مسؤول أمني أمريكي.
     ونقلت القناة 12 العبرية عن مصادر قولها إن « كبار المسؤولين الحاضرين في المشاورات ركزوا على تشكيل حكومة انتقالية برئاسة مسؤول أمريكي يشرف على غزة حتى يتم نزع السلاح ويعم الاستقرار، ويجري تشكيل حكومة فلسطينية ».
     وبحسب التقرير، « لم يتم تحقيق أي تقدم وكانت الأفكار بعيدة كل البعد عن النضج إلى خطوة عملية »، وأشارت مصادر القناة، على أنه « لم يتم الاتفاق على جدول زمني محدد، كما لم تتم الإجابة عن أسئلة مهمة، مثل المدة التي سوف تستمر فيها الإدارة المؤقتة بقيادة الولايات المتحدة »، مؤكدين أن « أي قرار يتم اتخاذه سيتأثر حتما بالوضع على الأرض واستمرار الحرب ».
    وتحدثت المصادر ذاتها لوكالة « رويترز » شريطة عدم الكشف عن هويتها مقارنين الاقتراح بإنشاء حكومة عسكرية بالسلطة المؤقتة للائتلاف في العراق، التي أنشئت في واشنطن عام 2003، بعد وقت قصير من الغزو الأمريكي.
    ولم تحدد المصادر الطرف الذي قدم العرض، ولم تقدم مزيدا من التفاصيل حول المحادثات، ورفض متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية الرد على سؤال « رويترز »، ولم يتطرق بشكل مباشر إلى البرنامج، عندما سئل عما إذا كانت هناك مناقشات مع إسرائيل بشأن تشكيل سلطة مؤقتة بقيادة الولايات المتحدة في غزة.
    وأوضح المتحدث باسم الخارجية: « نريد السلام والإفراج الفوري عن الرهائن، ركائز نهجنا تظل ثابتة: الوقوف إلى جانب إسرائيل، والدفاع عن السلام ».



    حافة الهاوية

    بعيدا عن ساحة الشرق الأوسط تخوض إدارة واشنطن معركة مع الصين في محاولة لإستعادة التفوق ولكنها تتعثر.
    رصدت شبكة « سى إن إن » وضع الاقتصاد الأمريكى خلال أول 100 يوم لترامب فى الولاية الثانية، وقالت إن الرئيس الجمهوري دفع بالاقتصاد إلى حافة الهاوية.
    وأشارت الشبكة إلى أن ترامب أمضى أول 100 يوم من عودته إلى المكتب البيضاوى يقود اقتصادا حسده العالم عليه، إلى حافة الأزمة، وهدد سمعة أمريكا كملاذ مالى آمن، مما غذى الخوف بين الناخبين الذين فقدوا ثقتهم فى قيادته.
    وقالت إن الأمريكيين كانوا فى أمس الحاجة إلى الإغاثة من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وصدقوا وعد ترامب بجعل أمريكا فى متناول الجميع مرة أخرى فى نوفمبر 2024، ويعود ذلك جزئيا إلى الحنين إلى اقتصاد ما قبل الجائحة فى ولايته الأولى.
    لكن الرئيس تبنى عمدا وبشكل فردى سياسات من شبه المؤكد أنها ستؤدى إلى ارتفاع الأسعار أكثر، مما قد يؤدى إلى نقص فى السلع، ويدفع الرؤساء التنفيذيين والشركات الصغيرة إلى مواجهة الفوضى واحتمالية الركود.
    وذهبت سى إن لإن إلى القول بأن ترامب يحاول إجراء إصلاح جذرى للاقتصاد الأمريكى والعالمى هو الأكبر منذ أجيال، مصراً على قدرته على إعادة إحياء عصر ذهبى أسطورى يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، باستخدام تعريفات جمركية « جميلة » لفرض قوة اقتصادية أمريكية على منافسيه التجاريين.
    لكن الرئيس، الذى مارس رياضة الجولف فى الوقت الذى تتدهور فيه حسابات التقاعد للعمال، بدا فى كثير من الأحيان غير مبالى بالمخاوف المتزايدة للأمريكيين، من عمالقة الأعمال إلى المتسوقين العاديين، الذين يشهدون تأثير سياساته بشكل مباشر خلال أول 100 يوم من ولايته.
    ورصدت « سى إن إن » بعض تداعيات ترامب على الاقتصاد، وقالت إن أسواق الأسهم قد خسرت تريليونات الدولارات، فيما قلصت شركات الطيران رحلاتها، وتتشاءم الشركات الكبرى في توقعاتها السنوية. وتوقف بعض تجار التجزئة عن بيع السلع الصينية في الولايات المتحدة بسبب الرسوم الجمركية. وخفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو في الولايات المتحدة، فيما قال الاحتياطي الفيدرالي إن بعض الشركات توقفت عن التوظيف، وأبلغ الرئيس التنفيذي لشركة وول مارت ترامب أن سياساته ستعيق سلسلة التوريد بحلول الصيف.
      في بكين يسود يقين أن الصين ستكسب الحرب الاقتصادية ضد واشنطن.
    وجاء في تعليق على الصفحة الأولى لصحيفة الشعب، الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني: « ردا على الرسوم الجمركية الأمريكية، نحن مستعدون ولدينا استراتيجيات. لقد انخرطنا في حرب تجارية مع الولايات المتحدة لمدة ثماني سنوات، راكمنا خلالها خبرة غنية في هذه الصراعات »، مشيرة إلى أن بكين قد تبذل « جهودا استثنائية » لتعزيز الاستهلاك المحلي، الذي يعاني من ضعف مستمر، وتطبيق تدابير سياسية أخرى لدعم اقتصادها. وجاء في التعليق: « خطط الاستجابة معدة جيدا وواسعة النطاق ».
    وفي مواجهة المجهول حول مدى تصعيد الإجراءات الإضافية، تبدو أصوات بكين هادئة.
    وكتب الخبير الاقتصادي كاي تونغجوان من جامعة الشعب الصينية في مقال رأي نُشر في وسائل الإعلام الرسمية في وقت سابق: « تتوقف النتيجة النهائية على من يستطيع الصمود في حرب استنزاف اقتصادية أطول. ومن الواضح أن الصين تتمتع بميزة أكبر من حيث القدرة على التحمل الاستراتيجي ».



    وضع أفضل

    يقول الخبراء إن الصين اليوم في وضع أفضل بكثير لمواجهة نزاع تجاري أوسع نطاقًا. فمقارنة بعام 2018، وسعت علاقاتها التجارية مع بقية العالم، مما قلّص حصة الصادرات الأمريكية من حوالي خمس إجمالي صادراتها إلى أقل من 15 في المئة.
    كما أنشأ مصنعوها عمليات واسعة النطاق في دولٍ ثالثة مثل فيتنام وكمبوديا، وذلك جزئيا للاستفادة من الرسوم الجمركية الأمريكية المنخفضة المحتملة.
    كما طورت الصين سلاسل توريدها للمعادن النادرة والمعادن الأساسية الأخرى، وطورت تقنيات التصنيع لديها باستخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات الشبيهة بالبشر، وعززت قدراتها التكنولوجية المتقدمة، بما في ذلك أشباه الموصلات. ومنذ عام 2024، عملت الحكومة أيضا، بنجاحٍ متفاوت، على معالجة قضايا مثل ضعف الاستهلاك وارتفاع ديون الحكومات المحلية.
    وذكر سكوت كينيدي، كبير المستشارين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في الولايات المتحدة: « نقاط ضعف الصين كبيرة، ولكن في سياق صراع شامل، يمكن السيطرة عليها. لن تتمكن الولايات المتحدة، بمفردها، من دفع الاقتصاد الصيني إلى حافة الدمار ».
    وتابع: « مع أن واشنطن لا تريد الاعتراف بذلك، إلا أن قول الصين إنه لا يمكن احتواءها اقتصاديا محق ».



    فخ الدين

    حذر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت يوم الجمعة 9 مايو 2025 من أن الولايات المتحدة على الطريق إلى نفاد المال لدفع فواتيرها في وقت مبكر من شهر أغسطس إذا لم يتخذ الكونغرس أي إجراء.
    ودعا بيسنت الكونغرس إلى رفع أو تعليق سقف الدين بحلول منتصف شهر يوليو 2025.
    وكتب بيسنت في رسالة إلى رئيس مجلس النواب مايك جونسون: « إن الفشل في تعليق أو زيادة حدّ الدين سيتسبب في حالة من الفوضى في نظامنا المالي، ويقلل من أمن أمريكا وقيادتها العالمية… وقد أظهرت المواقف السابقة أن الانتظار حتى اللحظة الأخيرة لتعليق أو زيادة حد الدين يمكن أن يكون له عواقب سلبية خطيرة على الأسواق المالية والشركات والحكومة الاتحادية ».
    وخلال الأيام القليلة الماضية، شهد بيسنت مرتين أمام لجان الكونغرس أن سقف دين الخزانة في مرحلة الخطر.
    وبعد إعادة تحديد الحد الأقصى للدين في يناير، قالت وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين في أحد إجراءاتها الأخيرة في منصبها إن الوزارة ستتخذ « إجراءات استثنائية » تهدف إلى منع الولايات المتحدة من الوصول إلى سقف الدين.
    وسقف الدين الأمريكي يحدده الكونغرس الذي يصوت على رفع أو تعليق حد السقف لمقدار الأموال التي تستطيع الحكومة الفدرالية اقتراضها لتغطية التزاماتها المالية، عندما تكون الإيرادات غير كافية لتغطية نفقاتها.
    وإذا اقتربت مستويات الدَين للحكومة الأمريكية من سقف الدين، تلجأ وزارة الخزانة الأمريكية إلى تدابير استثنائية لسداد الالتزامات والنفقات حتى يرفع السقف مرة أخرى تجنبا لسيناريو تخلف الحكومة عن السداد.
    وبلغت ديون حكومة الولايات المتحدة 36 تريليون دولار في عام 2024. وهذه الديون مغطاة في جزء منها بسندات الخزينة التي تملك غالبيتها دول أجنبية، والدولارات التي تتحرك في السوق الدولية. وبمعنى آخر فواشنطن مدينة للعالم، وهناك من يقترح على الرئيس ترامب تجميد هذه السندات لمدة.
     داخليا بلغ نصيب كل أسرة أمريكية من الدين الوطني نحو 252 ألف دولار، ما يعادل 99 ألف دولار للشخص الواحد في الولايات المتحدة.
    وصرح « مايكل بيترسون » الرئيس التنفيذي لمؤسسة « بيتر بيترسون » إنه في كل عام منذ 2001، تجاوز إنفاق الحكومة الأمريكية إجمالي إيراداتها، ما يعني ضرورة اقتراض الأموال لتعويض هذا الفارق.
    ساهم وباء « كورونا » في تسريع وتيرة ارتفاع الدين الفيدرالي الأمريكي، مع ارتفاع العجز المالي نتيجة تراجع الإيرادات وارتفاع الإنفاق لتحفيز الاقتصاد ودعم الأسر والشركات في مواجهة تحديات الفيروس.
     



    خطر الإفلاس

    اعتبر الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، الذي يقود وزارة الكفاءة الحكومية DOGE، يوم الثلاثاء 11 فبراير 2025، أن الولايات المتحدة متجه نحو « الإفلاس »، مؤكداً أن « خفض النفقات الفيدرالية ليس خياراً بل ضرورة ».
    وجاءت تصريحات ماسك خلال توقيع الرئيس دونالد ترامب على أمر تنفيذي يوجه الوكالات الفيدرالية بالتنسيق مع فريق عمل ماسك لتقليص عدد القوى العاملة، والحد من التوظيف في المناصب الأساسية.
    وقال ماسك وهو بجانب ترامب في المكتب البيضاوي، إن الولايات المتحدة « تتجه نحو الإفلاس »، مضيفاً أنه « مهتم بالتدقيق خلف الموظفين الفيدراليين ذوي الرواتب المرتفعة ».
    وأردف: « نحن فقط مهتمون بمعرفة من أين أتت أموالهم، فربما هم جيدون جداً في الاستثمار، وفي هذه الحالة يجب أن نأخذ بنصائحهم الاستثمارية. ولكن يبدو أنهم أصبحوا أثرياء بطريقة غامضة ».
    وأشار ماسك، إلى أنه « إذا لم يكن هناك تواصل فعال بين الشعب والحكومة، وإذا كانت البيروقراطية هي المتحكمة، فما معنى الديمقراطية ».
    وتابع: « في حال كانت البيروقراطية هي المسؤولة، فما معنى الديمقراطية في الواقع؟ إذا لم يتمكن الناس من التصويت وتقرير إرادتهم عبر نوابهم المنتخبين.. فإننا لا نعيش في ديمقراطية، من المهم للغاية أن نصلح ذلك ».
    وكلّف ترامب إيلون ماسك بمراجعة نفقات عدة وزارات وجهات حكومية، منها وزارتي الخزانة والدفاع « البنتاغون » التي تبلغ ميزانيتها أكثر من 885 مليار دولار، وسط تصاعد الانتقادات من الديمقراطيين بشأن « تضارب مصالح » الملياردير الأمريكي.
    ودحض ماسك، وهو أغنى رجل في العالم ورئيس شركات « تسلا » و »سبيس إكس » و »إكس »، المخاوف بشأن ما إذا كان عمله في الحكومة يخلق تضاربا في المصالح، قائلا إنه « يحاول أن يكون شفافاً قدر الإمكان ».
    وشدد ماسك، الذي تبرع بأكثر من 250 مليون دولار لحملة ترمب الانتخابية، على « الحاجة لضوابط أساسية في وزارة الخزانة ».
    ويزعم ماسك، أن « أعضاء البيروقراطية الفيدرالية يزدادون ثراء على حساب دافعي الضرائب، ويجب على النواب المنتخبين اتخاذ القرار بشأن تصرفات الوكالة بدلاً من البيروقراطية غير المنتخبة الكبيرة ».
      للتواصل مع الكاتب:

    عمر نجيب

    [email protected]


    إقرأ الخبر من مصدره