Étiquette : قضايا

  • تذكير: هذه آخر فرصة للراغبين في التسجيل في اللوائح الانتخابية

    *العلم الإلكترونية*

    ذكر بلاغ لوزير الداخلية حول إجراء مراجعة للوائح الانتخابية العامة تمهيدا للانتخابات التشريعية المقبلة لانتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، أن الفترة المخصصة لتقديم طلبات التسجيل الجديدة تبتدئ من يوم 15 ماي 2026 إلى غاية يوم 13 يونيو 2026.

    وأفاد الوزير عبر بلاغه، بأنه «في إطار الإعداد للانتخابات التشريعية لانتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، يخبر وزير الداخلية المواطنات والمواطنين بأنه صدر في عدد الجريدة الرسمية ليوم 23 أبريل 2026 قرار لوزير الداخلية، رقم 690.26 مؤرخ في 4 ذي القعدة 1447 (22 أبريل 2026) يقضي بتنظيم مراجعة للوائح الانتخابية العامة تمهيدا للانتخابات التشريعية المقبلة».

    وأوضح أن «القرار المذكور يحدد الفترة المخصصة لتقديم طلبات التسجيل الجديدة في 30 يوما، تبتدئ من يوم 15 ماي 2026 إلى غاية يوم 13 يونيو 2026».

    وتبعا لذلك، يهيب وزير الداخلية بالمواطنات والمواطنين غير المسجلين لحد الآن في اللوائح الانتخابية العامة، الذين تتوفر فيهم الشروط المطلوبة قانونا، والبالغين من العمر ثمان عشرة (18) سنة شمسية كاملة على الأقل أو الذين سيبلغون هذا السن في 23 شتنبر 2026، أن يبادروا إلى تقديم طلبات تسجيلهم خلال الفترة سالفة الذكر، أي من يوم 15 ماي 2026 إلى غاية يوم 13 يونيو 2026.

    كما يدعو وزير الداخلية الأشخاص الذين غيروا محل إقامتهم الفعلية إلى خارج النفوذ الترابي للجماعة أو المقاطعة المقيدين في لائحتها الانتخابية، إلى تقديم طلبات نقل تسجيلهم إلى لائحة الجماعة أو المقاطعة التي انتقلوا للإقامة في نفوذها الترابي بكيفية فعلية.

    ويمكن تقديم طلبات التسجيل الجديدة أو طلبات نقل التسجيل من لدن المواطنات والمواطنين المعنيين إما مباشرة عن طريق الموقع الإلكتروني، أو لدى المكاتب التي تعينها السلطة الإدارية المحلية لهذا الغرض.

    أما بالنسبة للناخبات والناخبين الذين غيروا محل إقامتهم داخل النفوذ الترابي لنفس الجماعة أو المقاطعة، فإنه يتعين عليهم، خلال نفس الأجل، أي من يوم 15 ماي 2026 إلى غاية يوم 13 يونيو 2026، أن يبادروا إلى تحيين العناوين الخاصة بهم المضمنة في اللائحة الانتخابية للجماعة أو المقاطعة المعنية إما مباشرة عن طريق الموقع الإلكتروني، أو أن يخبروا السلطة الإدارية المحلية التابع لها محل إقامتهم الفعلية الجديد قصد تحيين عناوينهم.

    ومن جهة أخرى، يدعو وزير الداخلية الناخبات والناخبين، لاسيما أولئك الذين غيروا مكان إقامتهم الفعلية إلى خارج النفوذ الترابي للجماعة أو المقاطعة المقيدين في لائحتها الانتخابية، إلى التأكد من تسجيلهم في اللوائح الانتخابية، عن طريق توجيه رسالة نصية قصيرة إلى الرقم المجاني 2727، أو عن طريق الولوج إلى الموقع الإلكتروني الخاص باللوائح الانتخابية العامة.

    وفي حالة عدم وجود أسمائهم في اللائحة الانتخابية العامة الحالية، يجب على كل شخص معني أن يبادر إلى تقديم طلب تسجيل جديد مباشرة عبر الموقع الإلكتروني أو عن طريق تقديم طلبه لدى المكاتب التي تعينها السلطة الإدارية المحلية لهذا الغرض، وذلك قبل انصرام الفترة المحددة لتقديم طلبات القيد الجديدة، أي يوم 13 يونيو 2026 على أبعد تقدير.

    https://www.listeselectorales.ma/

    إقرأ الخبر من مصدره

  • لماذا الجهوية المتقدمة خيار استراتيجي لتحقيق العدالة المجالية؟



    الافـتتاحية

     

    قدم العرض التأصيلي والتأسيسي حول الجهوية المتقدمة، الذي ألقاه الدكتور نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، وزير التجهيز والماء، أمام رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين، في لقائها الثالث بمدينة مراكش، صورة واضحة المعالم وافية بالقصد، عن الإشكاليات المرتبطة بتنزيل الجهوية المتقدمة، فقال إن الجهوية لم تعد مجرد ورش تقني أو إداري، بل صارت اليوم، في ظل المرحلة المفصلية التي يعيشها المغرب، خياراً استراتيجياً يطرح سؤال النموذج التنموي الذي نريد بناءه، والذي يتمحور في الصيغة التالية: هل نريد مغرباً تتقدم فيه بعض الجهات من الاثنتي عشرة جهة، فيما تظل أخرى في دائرة الانتظار، أم نريد مغرباً متوازناً تسير جميع جهاته بالوتيرة نفسها؟

    وقاد المنهج التحليلي الذي اعتمده الأخ الأمين العام في عرضه المتميز إلى التأكيد على أن « مغرب السرعة الواحدة » أصبح عقيدة دولة، وبوصلة وطن، ومنهجية تؤطر مختلف السياسات العمومية، تشكل نظاماً متطوراً وجديداً للحكامة الترابية، موضحاً في هذا السياق أن نجاح أي قانون، أو ميزانية، أو صفقة عمومية، ينبغي أن يقاس بمدى مساهمته في تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.

    وخلص من هذا التدقيق في التحليل إلى أننا اليوم أمام فجوة داخلية صامتة، لكنها مؤلمة، إذ إن آثارها الاجتماعية والإنسانية عميقة. وهو الأمر الذي يتجسد في أن ثمار التنمية لا توزع بشكل عادل بين مختلف الجهات، حيث لا تزال ثلاث جهات فقط تنتج أكثر من نصف الثروة الوطنية.

    وعلى الرغم من هذه الاختلالات البنيوية، فإن المغرب يعيش اليوم مرحلة جيدة تتسم بتحقيق العديد من المكتسبات في مجالات التنمية، من خلال إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، تحظى بتمويلات غير مسبوقة تصل إلى أربعة أضعاف الاعتمادات التي كانت مخصصة سابقاً لبرامج التنمية القروية.

    وعلى أساس هذه الرؤية المستوعبة لمجمل التحديات التي تواجه الجهوية المتقدمة، أوضح الأخ الأمين العام لحزب الاستقلال أن هذا التحول يعكس انتقالاً نوعياً من منطق تمويل المشاريع المتفرقة المعزولة إلى اعتماد رؤية ترابية مندمجة، تقوم على الالتقائية والتنسيق بين مختلف السياسات العمومية والمتدخلين، بما يضمن مزيداً من النجاعة والانسجام في تنفيذ المشاريع التنموية، التي هي الدافع الأقوى لقيام الجهوية المتقدمة، وتوسيع مجالات العدالة المجالية المرتكزة على قواعد العدالة الاجتماعية، بمفاهيمها العميقة وأبعادها المتعددة.

    والحق أن نزار بركة كان دقيقاً في تشديده على أن العالم القروي، والمناطق الجبلية، والواحات، والقرى البعيدة، لا يمكن اختزالها في كونها هوامش جغرافية، بل تمثل العمق الاستراتيجي، حضارياً وثقافياً، باعتبارها خزاناً للموارد المائية.

    وهكذا يكون وزير التجهيز والماء، قد أجاب، بلغة العلم، عن السؤال المركزي، وهو: لماذا الجهوية المتقدمة خيار استراتيجي لترسيخ ركائز العدالة المجالية؟

    فقد أكد على الحقيقة التي يتوجب الاقتناع بها والانطلاق منها، وهي أن نجاح ورش الجهوية المتقدمة يظل رهيناً بإصلاح عميق وشامل، وقادر على مواجهة التحديات الكبرى ورفعها. وهي التحديات السبعة التي حددها جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله ونصره، في الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة، التي عقدت بطنجة في 20 و21 دجنبر عام 2024.

    وانسجاماً مع طبيعة العرض التأصيلي والتأسيسي، ومع روح البحث العلمي الذي يلائم المقال، استعرض الأخ الأمين العام لحزب الاستقلال التحديات السبعة، وهي: ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل مضامين الميثاق الوطني للاتمركز الإداري، وتدقيق وتفعيل اختصاصات الجماعات الترابية، والرفع من جاذبية المجالات الترابية لاستقطاب الاستثمار المنتج، وتمكين الجهات من ابتكار آليات تمويلية جديدة، وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات، والتكيف مع التحولات المتسارعة التي يفرضها واقع اليوم وتحديات المستقبل.

    فمن أجل رفع هذه التحديات، ولإنجاح المشروع الوطني الكبير، كانت الجهوية المتقدمة خياراً استراتيجياً، من حيث العمق والبعد والسقف والآثار وتحقيق الأهداف.
     

    العلم

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ابن رشد مرجع فلسفي في العلاقة ما بين العقل والايمان

    *العلم الإلكترونية*
     
    أجمع المشاركون في ندوة « راهنية فكر ابن رشد » المنظمة في اطار البرنامج الثقافي لمجلس الجالية المغربية بالخارج، ضمن المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط على أن أعمال هذا لازالت تشكل مرجعا فلسفيا في العلاقة القائمة ما بين العقل والإيمان، على الرغم من مرور تسعة قرون على ميلاده بقرطبة، مستحضرين الإرث الفكري الذي خلفه والذي يتمحور بالخصوص الدعوة إلى إعمال الفكر النقدي.

    هذه الندوة  المنعقدة يومه السبت 02 ماي، أطرها فؤاد مليح، الأستاذ المحاضر بجامعة لورين بفرنسا، الذي اشتغل على تعبيرات الفكر العربي في العصر الكلاسيكي، تميزت بمشاركة، كل من الجامعي علي بن مخلوف الأستاذ بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، وعضو المعهد الدولي للفلسفة، وإسماعيل أصبان أستاذ الفلسفة العربية الكلاسيكية بنفس الجامعة.

    ابن رشد حضور دائم

    ليس من البديهي الإجابة على سؤال لماذا نقرأ ابن رشد اليوم؛ بالنظر إلى أن فكره لم يكن يخاطب عامة الناس، وهذه الصفة تحديدا هي سبب استمرار فكره إلى اليوم، بحسب الفيلسوف علي بن مخلوف الذى أوضح أن الدقة التقنية لفكر ابن رشد الذي جاء بمفاهيم من قبل القياس الشرعي والعقلي، والتمييز بين العقل والفكر… كانت بمثابة الدرع الذي جنبها النسيان؛ وذلك  » لأن الفكر الذي ينتشر مبكرا يختفي سريعا بينما الفكر الذي يتطلب جهدا من أجل الفهم هو فيعبر العصور”.
     
    وفي هذا السياق شدد بن مخلوف على أن هذه الدقة التقنية ضمنت لفكر ابن رشد أن يظل حاضرا إلى غاية اليوم، بالعالم الإسلامي وفي الحضارة الغربية على حد سواء  .كما توقف المتدخل عند بعض المفاهيم الأساسية في فكر ابن رشد، مثل مفهوم “القياس” الذي اعتبره مفهوما أساسيا عنده، وهو تقييم فرضيتين، تسميان المقدمات، بربطهما ببعضهما بواسطة مصطلح وسيط، يكون نقطة مشتركة، إذ  بدونها لا يمكن الحديث عن قياس. “هذه البنية المقارنة هي التي تمنح العقل طابعه المعتدل والمتوازن: فهو لا يحكم بشكل قاطع، بل يقيس ويضع الأمور في نصابها، فالعقل ليس متطرفا لأنه يعتمد أساسا على المقارنة»، كما يشرح بن مخلوف.

    وفي مناقشته لعلاقة ابن رشد بفلسفة أرسطو، أبرز بنمخلوف بأن فكر ابن رشد، وإن كان يندرج ضمن التقاليد العريقة للفلاسفة العرب الذين أعادوا صياغة فلسفة أرسطو، لكنه يتميز عنهم بلقب فريد هو “ الشارح الأكبر” وذلك على اعتبار أن ما درسته أوروبا في العصور الوسطى حول منطق أرسطو، كان من خلال شروح ابن رشد، مضيفا أن الفلاسفة مثل مونتين على سبيل المثال “ اطلع على فلسفة أرسطو من هذا المنظور، ونفس الأمر ينطبق على القديس طوما الأكويني، حتى وإن كان ينظر لابن رشد، في أوروبا اللاتينية، كشخصية شبه ملحدة بسبب مفهومه عن “وحدة العقل”.

    وذكر الفيلسوف علي بن مخلوف، بأن “ الشرح” هو عمل إبداعي، حيث أنتج ابن رشد ثلاثة أشكال من التعليقات، اثنان منها لا يزالان يكتسيان أهمية كبرى في الأعمال العلمية والفلسفية، وهما الشرح الكبير (أي التفسير) والشرح المتوسط أو الملخص (بمعنى التلخيص).

    الطبيب، القاضي والفيلسوف

    إلى جانب الفلسفة، توقف على بن مخلوف على جانب أخر من فكر ابن رشد ذو طابع قانوني، بحيث عمل من خلال مفهوم “الفتوى” باعتبارها رأيا استشاريا وليست حكما قضائيا، على إدخال الفلسفة إلى فضاء ثقافي كانت تفقد فيه الشرعية، معربا عن اعتقاده بأن ابن رشد عمل بهذا التصرف الشجاع على توظيف المنطق في القانون، وتمكن بذلك من إضفاء طابع قانوني- شرعي على الفلسفة. نفس الأمر عمل به فيما يتعلق بتوظيف مفاهيم مقبولة دينيا مثل «الحكمة» أو «الفكر» والتي لا تعتبر فلسفة، لكنها تفتح الباب أمامها، وهذه الاستراتيجية التي تستبدل المصطلحات الفلسفية بمرادفات تحظى بشرعية دينية، شكلت – في تقدير بنمخلوف – الصراع الأكبر عند ابن رشد.

    وأضاف أن ابن رشد الذي  أرسى نهجا يقارن بين كلامه وكلام أرسطو، ليخلق بذلك تعددية جدلية، تتواجه فيها الأصوات وتثري بعضها  بعضا، كان طبيبا وقاضيا ولم يُعرف في حياته كفيلسوف.  وقال « ومن سخرية القدر أن نصوصه القانونية، لم تُدرس بقدر ما دُرست أعماله الفلسفية، علما أن ما قدمه فكريا كان حاسما في المجال القانوني وأن استمرار الاهتمام بفكر ابن رشد إلى اليوم مرده إلى ما يري فيه بن مخلوف فعلا فكريا ناذرا.
     
    ذلك بأن ابن رشد استطاع ترجمة مفاهيم دينية لتصبح مفاهيم متداولة خارج الدين؛ فاستطاع نقل مفهوم العدالة، على سبيل المثال، وهو مفهوم راسخ في القرآن، إلى خارج سياقه الأصلي، وهو ما سيقوم به لاحقا الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، عندما حوّل مفاهيم توراثية إلى مفاهيم علمانية صارمة، “وبذلك أظهر ابن رشد إمكانية وجود أساس مشترك للمعنى بين الأديان والتقاليد المختلفة” يستنتج بن مخلوف.

    وفي معرض تفاعله مع الأسئلة التأطيرية للندوة خلص بن مخلوف إلى القول أن شخصية ابن رشد أثارت الجدل في الشرق كما في الغرب، حيث  انتقدتها الكنيسة في باريس التي منعت أعماله بين سنتي 1270 و1277، لأنها اعتبرتها مخالفة للعقيدة. كما أن ابن رشد في تصور علي بنمخلوف صاحب كتاب “ابن رشد عند إرنست رينان”، كان بمثابة  “المفكر الذي أرادوا هزيمته، ودحض أطروحته، وشخصية خارجة عن المألوف ومتمردة وعلى خلاف مع الجميع، ومع ذلك فقد استطاعت القاعدة التي ارساها من خلال عبارة “الحق لا يضاد الحق” مقاومة جميع محاولات طمس انتاجاته عبر القرون؛ فكان يعتبر التناقض، هو جزء من المنطق والحقيقة تكفي بذاتها، وهنا تكمن راهنية ابن رشد” كما يرى المتدخل .

    علم الكلام والمنطق

    ومن جانبه استهل الأستاذ ، إسماعيل أصبان، مداخلته بالحديث عن النقاش المستمر منذ النشأة بين علمين، هما الفلسفة عند ابن سينا التي تنقسم الى قسم عملي وآخر نظري، وبين علم الكلام الذي يهتم بالدرجة الأولى بالأمور الغيبية والوجودية، معتبرا أن التراث الفلسفي الذي نقل الى العربية بفضل ابن رشد في العصر العباسي تطور الى ظهور طريقة المتأخرين (العلماء الذين جاؤوا بعد القرن الأول للإسلام).

    وذكر أصبان أنه بعد ابن رشد، ظهر مفكرون في المنطقة المغاربية مثل فخر الدين الرازي الذي اختار طريقة جديدة في الكلام تمزج بين علم الكلام والفلسفة، بحيث حصل له تلاقي كبير مع العرب المتقدمين (علماء الإسلام الأوائل في الفقه والحديث) وتجاوز بعض الإشكالات الكلامية في منهجيتهم. ولاحظ أن فكره ابن رشد كان له تأثير كبير في المغرب، انبثق عنه المذهب المالكي، كما جعل اشتغاله على فكر ابن سينا يترك بصمة في تطور المنطق في العالم الإسلامي وليس في المغرب فقط.

    وفي معرض تفاعله مع تساؤل الأستاذ فؤاد مليح حول حضور فلسفة ابن رشد لدى المتكلمين (أي المهتمين بإثبات العقائد الإيمانية باستخدام الأدوات العقلية) الذين تأثروا بفكر الرازي، اعتبر أصبان أن المنطق كان حاضرا لدى المتكلمين، الذين اعتمدوا على كتب المتقدمين، خاصة مع بروز الطريقة الجديدة بحيث أصبح علم المنطق يدرسه النحوي والطبيب والمحدث والفقيه.

    وقال “من أمثلة ذلك؛ إذا رجعنا الى الكتب المؤلفة في علم القران، والتي كان يكتبها عادة أعلام لهم اختيارات معارضة للعلوم العقلية، أصبحنا نجد أن هناك من الفلاسفة ما يستعمل المنطق في تفسير القران والحديث »، مضيفا أن المتأخرين استخدموا هذا الفن، أي المنطق، لإبراز المهارات الاستدلالية واستنباط المعالم التي لم يقف عليها المتقدمون” يقول الباحث الذي اشتغل في أطروحته على “تلقي فخر الدين الرازي “عند المتكلمين في الغرب الإسلامي”.

    الحكمة بدل الفلسفة

    أما بخصوص الاستخدام الفكري لمفهومي الحكمة والفلسفة، فيرى أصبان أن أصحاب العلوم الشرعية فضلوا استعمال مفهوم “الحكمة” حتى يقوموا بالتغطية على الحمولة السجالية لمفهوم “الفلسفة”. لكنه استدرك بالقول،  « وان اختلفت الأسماء فان الفلسفة والحكمة تعبران عن نفس المفهوم، وذلك ما يظهر من خلال تراث ابن سينا الذي كان فلسفة بالدرجة الأولى”.

    وعندما طرح النقاش حول تتبع فكر ابن رشد من طرف المتأخرين المغاربة، توقف أصبان على بعض الردود التي ظهرت من المغرب على عدد من أعمال ابن رشد مثل كتاب “الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة”، وكتاب “تهافت التهافت”، منها أعمال ابن بزيزة، وابن شريفة… مباشرة في القرن الذي أعقب وفاته، داعيا إلى تعميق الدراسة الأكاديمية حول تفاعل المغاربة مع أعمال ابن رشد ومع باقي المفكرين المشارقة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • فجوة بين الإقرار الحقوقي والتنزيل الفعلي لحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة حسب مشاركين في ندوة وطنية

    *العلم الإلكترونية*

    أكد المشاركون في ختام الندوة العلمية حول « الممارسة الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة: نحو استلهام ممارسات فضلى » التي نظمها يومه الثلاثاء 05 ماي، بالرباط المرصد المغربي للتربية الدامجة والاتحاد المغربي للجمعيات العاملة، على أنه رغم أن المغرب راكم مكتسبات مهمة على المستوى المعياري بالتنصيص الدستوري الصريح على حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، والانخراط الفعلي في المنظومة الدولية، عبر المصادقة على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، فإن الواقع العملي ما يزال يعرف فجوة بين الإقرار الحقوقي والتنزيل الفعلي.
     
    واعتبروا في هذه الندوة التي تميزت بمشاركة قطاعات حكومية وممثلي جمعيات المجتمع المدني وخبراء وباحثين في المجال، أن هذا الوضع يستدعي وضع سياسات في مجال الإعاقة الذهنية، مع التأكيد على ضرورة استلهام بعض الممارسات الفضلى دولياً، وتكثيف الجهود المشتركة بين الفاعلين الحكوميين والمؤسساتيين والمدنيين، من أجل إرساء نموذج وطني مندمج ودامج في مجال حقوق  الأشخاص في وضعية إعاقة.

    وشددوا على ضرورة تقوية الالتقائية وتطوير آليات الحكامة، وتعزيز التنزيل الترابي عبر إطارات مشتركة بين الدولة والجماعات الترابية  في إطار برامج مندمجة بميزانيات تراعي التوع والإعاقة وكذلك    تقوية الترافع المؤسساتي والمدني عبر إذكاء الوعي لدى جميع الفاعلين المعنيين، بما يضمن الانتقال من منطق الاعتراف إلى الفعل الحقوقي الملموس، يمكن الأشخاص في وضعية إعاقة من المشاركة الكاملة والفعالة. 

    وكان المشاركون قد تناولوا خلال الندوة موضوع حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والعدالة المرفقة أطرها حسن طارق، وسيط المملكة الذي توقف عند الأبعاد الحقوقية والمؤسساتية لهذا الورش الحقوقي والمواطناتي مبرزا أهميته في تعزيز مقاربة العدالة المرفقة كمدخل لضمان الإنصاف والمساواة مستندا في ذلك على نتائج دراسة أنجزتها مؤسسة وسيط المملكة المنجزة وكتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي حول الولوج المرفقي للأشخاص في وضعية إعاقة.

    وبعدما أشار طارق الى أن مؤسسة الوسيط إحدى الآليات الدستورية الأساسية لضمان الحكامة الجيدة وحماية حقوق المرتفقين في علاقتهم بالإدارة العمومية، أوضح أن المعطيات الصادرة عن هذه المؤسسة تكتسى أهمية تحليلية كبيرة، في سياق تعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة،  لأنها تعكس طبيعة الاختلالات التي تواجه هذه الفئة في الولوج إلى المرافق العمومية والخدمات الأساسية.


    وأضاف أن خلاصات الدراسة حول مختلف التظلمات المسجلة بناء على البيانات المتعلقة بالفترة 2019–2025، مكنت من الوقوف عند نوعية الحقوق المتأثرة، أو القطاعات المعنية، أو الخصائص الاجتماعية والديمغرافية للأشخاص المتظلمين. كما تسمح بتقييم مدى تقدم السياسات العمومية، خاصة في ظل التحولات التي عرفها المغرب خلال هذه الفترة، ومنها ورش الحماية الاجتماعية وإطلاق السجل الاجتماعي الموحد.

    وانطلاقاً من هذه المعطيات، أوضح وسيط المملكة يمكن تقديم قراءة تحليلية تفسيرية لملفات التظلمات المرتبطة بالأشخاص في وضعية إعاقة، من خلال دراسة بنيتها الموضوعاتية، وتطورها الزمني، وطبيعة القرارات الصادرة بشأنها، بما يساعد على استخلاص مؤشرات دالة على وضعية الإدماج والإنصاف داخل المرافق العمومية.

    وبشكل عام، خلص حسن طارق الى القول، بأن هذه المعطيات تؤكد على ضرورة تعزيز المشاركة الكاملة والفعالة في المجتمع  للأشخاص في وضعية إعاقة، تستلزم  إرساء مقومات  العدالة  المرفقية داخل الإدارات العمومية، وأن ذلك، لا يتطلب فقط تطوير التشريعات والإطارات التنظيمية، بل أيضاً تحسين جودة الخدمات الإدارية، وتقليص آجال المعالجة وتعزيز آليات التواصل مع المرتفقين والمرتفقات، حسب خلاصات الدراسة. 

    كما تبرز أهمية توسيع استعمال المنصات الرقمية لتلقي التظلمات، بما يسهم في تسهيل الولوج إلى الإدارة وضمان حماية أكثر فعالية لحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة.

    وكان المرصد المغربي للتربية الدامجة، قد سجل أن المغرب سجل في افتتاح الندوة، أن هناك تقدماً ملموساً على مستوى الإقرار والاعتراف الحقوقي، من خلال دسترة حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، سواء في تصدير الدستور أو في  الفصل 34 منه، اضافة إلى ترسانة تشريعية مهمة تهدف إلى النهوض بحقوق هذه الفئة وحمايتها، مبرزا أنه منذ  التصديق على الاتفاقية الدولية، توالت سلسة برامج حكومية، إلى جانب برامج قطاعية، لكن يستلزم إعادة التفكير في الأجوبة المؤسساتية، لابتكار نماذج جديدة للتدخل عبر سياسات وبرامج اجتماعية واقتصادية وجيهة، بما ينسجم مع هذه التحولات ويتفاعل معها  بشكل استباقي وفعّال.


    أما الاتحاد المغربي للجمعيات العاملة في مجال الإعاقة الذهنية، فاعتبر أن الندوة تشكل محطة ذات دلالة حقوقية ومرجعية مهمة، وتأتى في وقت يتم تخليد مرور عشرين سنة على إصدار الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي  شكلت تحولاً نوعياً في مقاربة قضايا الإعاقة من منظور الرعاية إلى منظور الحقوق، مؤكدا أن التحدي اليوم لم يعد فقط قانونياً أو مؤسساتياً، بل أصبح أساساً تحدياً في إعمال الحقوق عبر السياسات والبرامج ، اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وهو ما يتطلب تطوير آليات جديدة في التفكير وتدبير السياسات الاجتماعية، ويستلزم  كذلك إرساء ثقافة حقوقية مواطنة  في التعاطي مع قضايا الإعاقة، كجزء من المنظومة الحقوقية عامة.

    وخلال هذه الندوة ألقيت مداخلات علمية وتحليلية، قدمها خبراء وباحثون، همّت بالخصوص محاور أساسية، تتعلق بتحليل التعاليق العامة الصادرة عن اللجان التعاهدية، ذات الصلة بقضايا الإعاقة مع الوقوف عند دلالاتها في تطوير التشريعات والسياسات العمومية مع إبراز التقاطعات بين الإعاقة والنوع الاجتماعي والمساواة، وما تطرحه من تحديات مركبة  تستوجب مقاربات شمولية.

    كما همت المداخلات تقييم أدوار البرلمان في تعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة خاصة على مستوى التشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية وتسليط الضوء على آليات الترافع الجمعوي، ولا سيما التقارير الموازية، كأداة  لتتبع الالتزامات الدولية و المساءلة الحقوقية.

    وتجدر الإشارة إلى أن هذه الندوة، تندرج ضمن مسار يروم الانتقال من مستوى الالتزام المعياري إلى مستوى الإعمال العملي، عبر قراءة نقدية ومتعددة الأبعاد للممارسة الاتفاقية. وهي بذلك تشكل محطة للتفكير الجماعي في سبل تعزيز انسجام المنظومة الوطنية مع المرجعيات الدولية، وتكريس سياسات عمومية دامجة قائمة على الحقوق والإنصاف والمساواة، بما يضمن الإعمال الفعلي لحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سؤال اليوم العالمي للصحافة: أي إعلام نريد في زمن الضجيج وسلطة مواقع التواصل؟

    *بقلم: بوشعيب حمراوي*
     
    يفرض اليوم العالمي لحرية الصحافة نفسه كل سنة باعتباره محطة للتأمل، لا للاحتفال العابر فقط. فهو ليس مجرد موعد لترديد الشعارات الجاهزة حول حرية التعبير، ولا مناسبة لتبادل المجاملات بين المؤسسات والهيئات، بل لحظة حقيقية لطرح الأسئلة الصعبة: أين توجد الصحافة المغربية اليوم؟ هل ما زالت سلطة رابعة قادرة على التأثير والتنوير والمساءلة؟ أم أنها أصبحت محاصرة بين ضعف التنظيم، وضغط السوق، وفوضى مواقع التواصل الاجتماعي، وتراجع التفاعل الرسمي مع ما تنشره من قضايا وملفات؟ لم يعد السؤال: هل نحتاج إلى الصحافة؟ فالجواب واضح. بل السؤال الأعمق هو: أي صحافة نريد؟ وأي إعلام يستطيع أن يصنع الوعي، ويحمي الحقيقة، وينتصر للمجتمع، ويخدم الوطن في زمن اختلطت فيه المعلومة بالإشاعة، والخبر بالترند، والرأي بالتشهير، والصحفي بصانع المحتوى؟

    صحافة تنشر… ولا أحد يهتم

    من أخطر ما يعيشه المشهد الإعلامي الوطني اليوم أن المنتوج الصحفي لم يعد يحظى بذلك التفاعل الرسمي الجدي الذي كان في السابق. كانت مقالة واحدة، أو تحقيق صحفي واحد، كافيًا لإثارة نقاش، أو فتح بحث، أو تحريك جهة مسؤولة للتأكد من صحة ما نُشر. أما اليوم، فتنشر مقالات وتقارير وفيديوهات حول اختلالات وملفات فساد ومشاكل اجتماعية ومجالية، ثم تمر وكأنها صرخة في واد. لا تتحرك الجهات المعنية للتحقق، ولا تخرج لتوضيح الحقيقة، ولا تتم مساءلة من ثبت تورطه، ولا حتى محاسبة من نشر كذبًا أو ادعاءً باطلًا. وهنا تضيع الصحافة بين صمت المسؤول وتسيب الناشر، فلا المعلومة الصادقة تجد الإنصاف، ولا المعلومة الكاذبة تجد الردع. وهذا فراغ خطير يضرب جوهر العلاقة بين الإعلام والمؤسسات والمجتمع.

    السلطة الرابعة بين التراجع والالتباس

    الصحافة، أو ما كان يسمى قديمًا “صاحبة الجلالة”، لم تعد في حاجة إلى ألقاب رمزية بقدر ما تحتاج إلى شروط فعلية لتقوم بدورها. السلطة الرابعة لا تكون سلطة لأنها تنتج  فقط، بل لأنها تؤثر، وتراقب، وتكشف، وتفسر، وتدافع عن الحق العام. غير أن هذا الدور أصبح اليوم ملتبسًا بسبب ضعف التنظيم، وغياب التمثيلية المهنية الحقيقية، وتداخل الصحافة المهنية مع فضاءات رقمية مفتوحة لا تخضع لنفس الضوابط. فالصحفي المهني يجد نفسه أحيانًا في نفس الساحة مع شخص يملك هاتفًا وصفحة ويتحدث في كل شيء، دون تكوين، ودون أخلاقيات، ودون مسؤولية. والنتيجة أن المواطن لم يعد يميز دائمًا بين الجريدة والصفحة، وبين التحقيق والتدوينة، وبين الصحفي والناشط الرقمي.

    السلطة السادسة… حين صار فيسبوك أكبر جريدة

    لقد ظهرت في المغرب، كما في العالم، سلطة جديدة أكثر سرعة وخطورة: سلطة مواقع التواصل الاجتماعي. إنها سلطة سادسة غير منتخبة، غير منظمة، لكنها مؤثرة بقوة في السياسة والاقتصاد والثقافة والأخلاق والصحافة. صار فيسبوك، ويوتيوب، وتيك توك، ومنصات أخرى، أكبر (جرائد) مفتوحة، لها ملايين (المراسلين)، من الطفل إلى الشيخ، ومن المتعلم إلى الجاهل، ومن المسؤول إلى المجهول. الجميع ينشر، يعلق، يتهم، يسخر، يفضح، يختلق، يبالغ، ويصنع الرأي العام في لحظات. والخطورة ليست في وجود هذه المنصات، بل في تحولها إلى مصدر رئيسي للمعلومة، وفي اعتماد بعض المنابر الإعلامية عليها كمادة خام تعيد تدويرها بلباس صحفي. وهكذا لم تعد الصحافة تقود الفضاء الرقمي، بل صار جزء منها يُقاد به.

    نريد إعلامًا يقود ولا يُقاد

    نريد إعلامًا لا يلهث خلف الترند، ولا يتغذى من التفاهة، ولا يعيد نشر الفوضى الرقمية في شكل خبر. نريد إعلامًا يقود ولا يُقاد، ينقي ولا يلوث، يربي الذوق العام، ويهذب النقاش، ويرفع منسوب الوعي بدل أن ينخفض به. إعلامًا يعلم الناس كيف يختلفون دون سباب، وكيف يناقشون دون تخوين، وكيف يستهلكون المعلومة دون أن يتحولوا إلى أدوات في ماكينة التضليل. لسنا في حاجة إلى إعلام يستنسخ ما يقع في مواقع التواصل، بل إلى إعلام يملك الشجاعة ليقول: هنا خبر، وهنا إشاعة. هنا رأي، وهنا تشهير. هنا نقد، وهنا تصفية حسابات. فالصحافة التي نريد هي التي تُبنى لتبقى، وتُكتب لتُراجع، وتُقرأ لتُفهم، لا لتُنسى.

    المجلس الوطني للصحافة… بيت الصحفيين و مأزق التمثيلية

    من حيث المبدأ، كان إحداث مجلس وطني للصحافة خطوة مهمة، لأن الصحفيين كانوا في حاجة إلى بيت مهني مستقل، يدبر شؤونهم، ويحمي أخلاقيات المهنة، ويضمن التوازن بين الحرية والمسؤولية. غير أن المشكل بدأ عندما تحول هذا البيت إلى مجال للتنازع حول الشرعية والتمثيلية والاختصاصات. فلا يمكن الحديث عن (الأكثر تمثيلية) في قطاع لم يعرف انتخابات مهنية حقيقية تفرز النقابات الأكثر تمثيلًا كما يقع في قطاعات أخرى. ولا يمكن أن تستمر المهنة في غياب انتخابات مهنية واضحة تمنح الصحفيين والناشرين حق اختيار من يمثلهم ديمقراطيًا. فالمجلس القوي لا يولد من التوافقات الضيقة، ولا من اللجان المؤقتة، بل من شرعية انتخابية ومهنية شفافة.

    اللجنة المؤقتة وسؤال الاستقلالية

    حين تنتهي ولاية مؤسسة مهنية، يفترض أن يكون الحل مؤقتًا فعلًا، تشاركيًا فعلًا، وهادفًا إلى تنظيم انتخابات جديدة في أقرب الآجال. أما حين تصبح اللجنة المؤقتة بديلًا طويلًا عن المؤسسة المنتخبة، فهنا يطرح سؤال الاستقلالية والشرعية. الصحافة لا يمكن أن تطالب بحرية التعبير وهي نفسها تعيش وضعًا تنظيميًا غير مكتمل. ولا يمكن إصلاح القطاع بقوانين تُعد دون مشاركة واسعة لكل الهيئات المهنية الفعلية، نقابات وناشرين وصحفيين ومؤسسات تكوين وخبراء. إن قانون الصحافة يجب أن يخرج من رحم المهنة، لا أن يُفرض عليها من خارجها.

    بطاقة الصحافة بين التنظيم والتعقيد

    بطاقة الصحافة المهنية يجب أن تكون وسيلة للاعتراف المهني، لا عائقًا أمام الولوج إلى المهنة. ومن غير المعقول أن يجد شباب خريجو معاهد الصحافة والإعلام أنفسهم أمام حلقة مفرغة: النيابة العامة تطلب منهم بطاقة الصحافة لإتمام بعض المساطر، والمجلس يطلب منهم الملاءمة أو شروطًا أخرى للحصول على البطاقة. ثم لماذا يتم تجديد البطاقة كل سنة وكأن الصحفي يفقد صفته المهنية بانتهاء السنة؟ المطلوب هو نظام واضح، منصف، يحمي المهنة من الدخلاء، دون أن يغلق الباب أمام الكفاءات الجديدة. فتنظيم المهنة لا ينبغي أن يتحول إلى حصار للمواهب الشابة.

    الصحافة ليست مقاولة فقط

    من الأخطاء التي تحتاج إلى مراجعة حصر المنبر الإعلامي في منطق المقاولة وحده. صحيح أن المقاولة الإعلامية ضرورية لتأطير العمل، وضمان الحقوق، وتنظيم المسؤوليات، لكن العصر الرقمي فتح إمكانيات جديدة لمبادرات إعلامية مستقلة قد ينجزها صحفيون مؤهلون دون منطق تجاري مباشر، ودون بحث عن الإشهار أو الدعم. لذلك يجب التمييز بين محاربة الفوضى وحصار المبادرة. ليس كل منبر صغير مشروع فوضى، وليس كل مقاولة إعلامية ضمانة للجودة. العبرة يجب أن تكون بالكفاءة، والأخلاقيات، والالتزام المهني، واحترام القانون.

    الصحفي الذي نريد… صانع معنى لا ناقل ضجيج

    الصحفي الذي نريده ليس مجرد ناقل أخبار، ولا ناسخ بلاغات، ولا صانع عناوين مثيرة. نريده صحفيًا يفكر قبل أن يكتب، ويتحقق قبل أن ينشر، ويفرق بين الرأي والخبر، وبين النقد والتشهير، وبين الجرأة والتهور. نريده صاحب ثقافة عامة، ووعي وطني، وحس إنساني، وقدرة على فهم السياق. فالصحافة ليست حرفة تقنية فقط، بل مسؤولية أخلاقية ومعرفية. الصحفي الحقيقي لا يكتب ليُرضي الجميع، ولا ليغضب الجميع، بل ليخدم الحقيقة والمصلحة العامة.

    حرية الصحافة التي نريدها… لا قمع ولا فوضى

    حرية الصحافة ليست رخصة للإساءة، وليست غطاء للابتزاز، وليست ذريعة للفوضى. لكنها أيضًا ليست منحة تمنحها السلطة متى شاءت وتسحبها متى شاءت. الحرية التي نريدها هي حرية مسؤولة: تحمي الصحفي من التضييق، وتحمي المجتمع من الكذب، وتحمي الحقيقة من التلاعب. حرية تضمن حق السؤال، وحق النقد، وحق كشف الخلل، دون أن تتحول إلى فوضى أو تصفية حسابات. فالصحافة الحرة والمسؤولة هي حليف الإصلاح، وليست عدوًا للمؤسسات. وكلما كانت الصحافة قوية ونزيهة، كان المجتمع أكثر مناعة، وكانت الدولة أكثر قدرة على تصحيح أعطابها.

    الجمهور شريك لا متفرج

    لا يمكن تحميل الصحافة وحدها مسؤولية الانحدار. فالمتلقي نفسه أصبح طرفًا في صناعة الرداءة أو مقاومتها. حين ينقر المواطن على التفاهة، وينشر الإشاعة، ويكافئ العنوان المضلل بالمشاركة، فهو يساهم في قتل الصحافة الجادة. نحن بحاجة إلى جمهور واع، يميز بين الخبر والرأي، وبين المصدر الموثوق والصفحة المجهولة، وبين النقد والتحريض. فالإعلام الجيد يحتاج إلى قارئ جيد، ومشاهد ذكي، ومستمع لا يستهلك كل ما يقدم له دون مساءلة.

    إعلام مواطني يدافع عن الهوية والوحدة الترابية

    الإعلام الذي نريده في المغرب لا ينبغي أن يكتفي بنقل الأخبار اليومية، بل يجب أن يكون جزءًا من مشروع وطني واسع. نريد إعلامًا يترافع عن الهوية المغربية، وعن الوحدة الترابية، وعن الذاكرة الوطنية، وعن القضايا الكبرى للوطن، ليس بمنطق المناسبات، بل بمنطق الاستمرارية. فمعركة اليوم لم تعد فقط معركة حدود وجغرافيا، بل معركة سرديات وصور وتمثلات. ومن لا يملك روايته، يترك الآخرين يكتبونها بدلًا عنه. لذلك نحتاج إلى منصات إعلامية وطنية قوية، متعددة اللغات، ذكية، مهنية، قادرة على تسويق صورة المغرب، والدفاع عن قضاياه، والتعريف بكفاءاته وتاريخه ومستقبله.

    نحو إصلاح مهني شجاع

    إن إصلاح الصحافة بالمغرب يقتضي إجراءات واضحة: تنظيم انتخابات مهنية حقيقية لقطاع الصحافة والنشر، إعادة النظر في تركيبة المجلس الوطني للصحافة، توضيح اختصاصاته، مراجعة نظام بطاقة الصحافة، تقنين المجال الرقمي، حماية الصحفيين من الهشاشة، فتح المجال أمام الشباب المؤهل، ومحاسبة كل من يستعمل الصحافة للابتزاز أو التضليل. كما يجب إعادة الاعتبار للتكوين المستمر، وللتحقيق الصحفي، وللصحافة الجهوية الجادة، وللإعلام المتخصص، وللصحافة التي تراكم المعرفة لا التي تكتفي بالضجيج.

    حين تمرض الصحافة يختل الوطن

    في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا نحتاج إلى خطابات مزينة، بل إلى شجاعة في التشخيص، وجرأة في الإصلاح، وصدق في الاعتراف بأن الصحافة المغربية تعيش لحظة دقيقة. فإذا ضعفت الصحافة، لا يمرض الإعلام وحده، بل يمرض النقاش العمومي، وتختل الثقة، وتضيع الحقيقة بين الصمت والضجيج. نريد صحافة مغربية حرة ومسؤولة، قوية ونزيهة، ناقدة ومواطنة، لا تخاف من السؤال، ولا تهرب من المسؤولية. نريد إعلامًا يصنع الوعي، لا يستهلك التفاهة. إعلامًا يبني الإنسان، ويحمي الوطن، وينتصر للحقيقة.


    إقرأ الخبر من مصدره

  • التغذية والصحة تحت الوصاية… بدون مفاتيح لهما تضيع السيادة؟

     بقلم : بوشعيب حمراوي

    لم يعد الحديث عن التغذية والصحة في العالم ترفًا فكريًا أو نقاشًا علميًا معزولًا عن باقي القضايا الكبرى، بل أصبح في صلب معركة وجودية تتداخل فيها المصالح الاقتصادية بالنفوذ السياسي، وتتشابك فيها قرارات الدول مع توجهات شركات عابرة للقارات تتحكم في مفاصل دقيقة من حياة الإنسان اليومية، من البذرة التي تُزرع في الأرض إلى الدواء الذي يُتناوله المريض في المستشفى، وبينهما مسار طويل ومعقد من الإنتاج والتصنيع والتوزيع، مسار لم يعد بريئًا كما كان يُتصور، بل أصبح محكومًا بمنطق الربح والتوسع والسيطرة، في عالم يُنتج من الغذاء ما يكفي لإطعام سكانه، لكنه في الوقت نفسه يعجز عن ضمان تغذية صحية ومتوازنة لملايين البشر، ويترك الباب مفتوحًا أمام مفارقة قاسية تختزل حقيقة الوضع الراهن: وفرة في الإنتاج مقابل أزمة في الثقة والجودة والتوزيع، وبين هذه الوفرة الظاهرة تختبئ أسئلة عميقة حول حقيقة ما نأكل، ومن يقرر مضمونه، ولأي غاية يُنتج.

    من  يفقد البذور يسقط في  التبعية

    لقد كان الفلاح في الماضي هو سيد قراره، يحتفظ ببذوره، يعيد زرعها، ويعيش ضمن دورة طبيعية متوازنة بين الأرض والموسم والإنسان، لكن هذا النموذج بدأ يتآكل تدريجيًا مع دخول البذور الهجينة والمعدلة وراثيًا التي رفعت الإنتاجية بشكل ملحوظ، لكنها في المقابل أخرجت الفلاح من دائرة الاستقلال إلى دائرة التبعية، حيث أصبح مجبرًا على اقتناء بذور جديدة كل موسم، لا لعدم توفرها لديه، بل لأنها ببساطة لم تعد قابلة لإعادة الإنتاج بنفس الجودة، وهو ما يطرح سؤالًا عميقًا يتجاوز الجانب التقني إلى البعد السيادي: هل ما يحدث تطور طبيعي للزراعة، أم إعادة تشكيل خفية لمنظومة الغذاء تجعل من الفلاح حلقة ضعيفة في سلسلة يتحكم فيها آخرون؟ هذا التحول لم يأتِ معزولًا، بل رافقته منظومة صناعية غذائية ضخمة حولت المواد الأولية الطبيعية من حبوب وخضر وفواكه وحليب ولحوم إلى منتجات مصنّعة تُضاف إليها مواد حافظة ونكهات ومحسنات، مواد قد تكون مرخصة قانونيًا، لكنها تثير الكثير من الجدل حول آثارها بعيدة المدى على صحة الإنسان، خاصة في ظل تراجع الثقة في شفافية بعض الممارسات، وتزايد الإحساس بأن المستهلك لم يعد يعرف حقيقة ما يضعه على مائدته، وكأن العلاقة بين الإنسان وغذائه أصبحت تمر عبر وسطاء خفيين يحددون الجودة والسعر والمحتوى.

    بين العلم والشك: صراع الثقة في الغذاء العالمي

    وفي خضم هذا الواقع، تجد المؤسسات الدولية نفسها في موقع معقد، فهي من جهة تؤكد، بناءً على المعطيات العلمية المتوفرة، سلامة العديد من هذه المنتجات، ومن جهة أخرى تواجه شكوكًا متنامية من المجتمعات التي لم تعد تكتفي بالتطمينات العامة، بل تطالب بإجابات دقيقة حول طبيعة هذه الأغذية ومكوناتها وتأثيراتها التراكمية، وهو ما يعكس فجوة حقيقية بين الخطاب العلمي الرسمي والإحساس الشعبي، فجوة تغذيها أيضًا معطيات اقتصادية لا يمكن تجاهلها، حيث إن سوق البذور والأسمدة والمواد الغذائية المصنعة يخضع إلى حد كبير لهيمنة شركات كبرى تملك القدرة على توجيه الإنتاج والتحكم في الأسعار وفرض نماذج استهلاكية معينة، وهو ما يضعف من قدرة الدول، خاصة النامية، على فرض سياساتها الغذائية المستقلة، ويجعل من الغذاء أداة ضغط غير معلنة في العلاقات الدولية.

    من الحقل إلى المصنع: حين تتحول التغذية إلى صناعة

    ولا يختلف الوضع كثيرًا عندما ننتقل إلى قطاع تربية المواشي، حيث أصبحت السلالات الهجينة ذات الإنتاج المرتفع في الحليب واللحوم خيارًا مفضلًا في كثير من الأنظمة الفلاحية، لكنها في المقابل تتطلب أعلافًا مركبة ورعاية خاصة وتكاليف مرتفعة، ما يجعلها بدورها مرتبطة بمنظومة صناعية عالمية، في حين تتراجع السلالات المحلية التي تتميز بقدرتها على التكيف وجودة منتجاتها، لكنها لا تحقق نفس المردودية الكمية، وهنا يتجدد نفس السؤال: هل الهدف هو إشباع الأسواق بأي ثمن، أم ضمان غذاء متوازن ومستدام يحافظ على صحة الإنسان والبيئة في آن واحد؟ هذا السؤال يمتد ليشمل الصناعات الغذائية التي لم تعد تكتفي بتحويل المواد الأولية، بل أصبحت تعيد تشكيلها كيميائيًا وذوقيًا لتلائم متطلبات السوق، مما يجعل المستهلك أمام منتجات جذابة في الشكل والطعم، لكنها أحيانًا مثقلة بإضافات قد لا تكون في صالح صحته على المدى الطويل.

    الدواء والغذاء: حين يصبح العلاج امتدادًا للأزمة

    هذا الواقع يقودنا مباشرة إلى قطاع الصناعات الدوائية، الذي يفترض فيه أن يكون خط الدفاع الأول عن صحة الإنسان، لكنه بدوره لم يسلم من منطق السوق، حيث أصبحت أسعار بعض الأدوية خارج متناول فئات واسعة، وأصبحت بعض الأمراض مجالًا للاستثمار بدل أن تكون مجالًا للعلاج فقط، ما يفتح النقاش حول مدى التزام هذه المنظومة بروح قسم أبقراط الذي يقوم على عدم الإضرار بالمريض وتقديم المصلحة الصحية على أي اعتبار آخر، خصوصًا عندما ندرك أن اختلال التغذية وغياب التوازن الغذائي يساهمان بشكل مباشر في انتشار الأمراض المزمنة، وهو ما يربط بشكل وثيق بين ما نأكله وما نعالَج به، ويجعل من الغذاء غير الصحي بوابة غير مباشرة لازدهار سوق الدواء، في معادلة تطرح أكثر من علامة استفهام حول من المستفيد الحقيقي من هذا الوضع.
     
      كيف يتحكم النفط والغاز في غذائنا وصحتنا

    في قلب هذا المشهد المعقد، يبرز النفط والغاز ليسا فقط كمصدرين للطاقة، بل كعصب خفي يدير شرايين الاقتصاد العالمي ويوجه إيقاع الحياة اليومية للإنسان، إلى درجة أن تأثيرهما لم يعد مقتصرًا على حركة المصانع أو وسائل النقل، بل امتد ليشمل الغذاء والصحة وكلفة العيش برمتها، إذ إن كل ارتفاع في أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج الفلاحي، من حرث وسقي ونقل وتخزين، وعلى كلفة تصنيع المواد الغذائية وتوزيعها، بل وحتى على أسعار الأدوية والخدمات الصحية، التي تعتمد بدورها على سلاسل إمداد معقدة ترتكز في جزء كبير منها على الطاقة، وهو ما يجعل الإنسان البسيط في أقصى العالم يدفع ثمن قرارات تُتخذ في مراكز النفوذ، والغريب أن العالم لا يعاني بالضرورة من نقص حقيقي في هذه الموارد، بقدر ما يعاني من اختلالات في توزيعها وتوظيفها، حيث تتحول التوترات الجيوسياسية، من حروب ونزاعات وخصومات بين الدول، إلى أدوات تعرقل وصول النفط والغاز إلى مناطق معينة، أو ترفع من أسعارهما بشكل مصطنع، في إطار ما يشبه “حروب الطاقة” غير المعلنة، فتتأثر بذلك أسعار المواد الغذائية والأدوية وسائر الخدمات، وتجد الشعوب نفسها رهينة قرارات انتقامية أو حسابات سياسية لا علاقة لها بحاجياتها الأساسية.

    البدائل الممكنة: طاقات نظيفة وفرص مؤجلة

    وفي مقابل هذا الارتهان التاريخي للنفط والغاز، لم يعد العالم اليوم يفتقر إلى البدائل، بل أصبح يتوفر على إمكانيات حقيقية ومتقدمة لإعادة تشكيل خريطته الطاقية على أسس أكثر عدلاً واستدامة، حيث برزت الطاقات الشمسية والريحية كخيارين استراتيجيين قادرين على توفير كميات مهمة من الطاقة دون استنزاف الموارد أو تلويث البيئة، إلى جانب تقنيات أخرى لا تقل أهمية تقوم على تثمين النفايات والمتلاشيات وتحويلها من عبء بيئي خانق إلى مورد طاقي منتج، في إطار الاقتصاد الدائري الذي يجمع بين حماية البيئة وتحقيق مردودية اقتصادية، فالشمس التي تشرق يوميًا دون مقابل، والرياح التي تتحرك باستمرار دون تكلفة، والنفايات التي تتراكم في المدن والقرى، كلها عناصر يمكن أن تتحول، إذا توفرت الإرادة السياسية والاستثمار الجاد، إلى مصادر قوة طاقية تقلص التبعية للخارج وتخفف الضغط على الميزانيات، وتحد من التلوث الذي يهدد صحة الإنسان والكائنات الحية، غير أن المفارقة تظل قائمة في بطء هذا التحول وفي استمرار هيمنة النموذج الطاقي التقليدي، رغم ما يتيحه الواقع من فرص حقيقية للانتقال إلى منظومة نظيفة تحقق الأمن الطاقي وتدعم السيادة الغذائية والصحية.

    السيادة الغذائية: الطريق نحو الاستقلال الحقيقي

    إن الربط بين الغذاء والطاقة والدواء لم يعد مجرد تحليل نظري، بل أصبح معادلة واقعية تحدد موقع الدول في خريطة القوة العالمية، لأن الدولة التي تعتمد على الخارج في غذائها، أو في بذورها، أو في طاقتها، أو في دوائها، تبقى دائمًا عرضة للضغط والتبعية، مهما امتلكت من موارد أو إمكانيات، فالأمن الغذائي بمعناه الضيق، أي توفر الغذاء، لا يكفي، بل لا بد من السيادة الغذائية التي تعني التحكم في مصادر الإنتاج وقراراته وتوجهاته، وهو ما يستدعي رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على حماية البذور المحلية، ودعم الفلاحين، وتنظيم الصناعات الغذائية، وفرض الشفافية في مكونات المنتجات، وتشجيع البحث العلمي المستقل، وربط السياسات الصحية بالسياسات الفلاحية والغذائية والطاقية، لأن السيادة لا تُجزأ، ومن يفرط في غذائه يفرط في صحته، ومن يفرط في صحته يفرط في مستقبله.

    الغذاء ليس بريئًا… من يملك البذور يملك القرار

    إن الحقيقة التي قد تبدو صادمة هي أن المعركة حول الغذاء لم تعد معركة تقليدية حول من يزرع ومن يحصد، بل أصبحت معركة حول من يقرر ماذا نزرع وماذا نأكل وكيف نعيش، وهي معركة صامتة في كثير من الأحيان لكنها عميقة الأثر في حياة الشعوب ومستقبل الدول، وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الضروري إعادة طرح الأسئلة الكبرى دون خوف أو تردد، ليس بهدف رفض التقدم أو الانغلاق، بل بهدف تحقيق توازن حقيقي بين الاستفادة من التطور العلمي والتكنولوجي والحفاظ على استقلال القرار وصحة الإنسان، لأن السيادة لا تُقاس فقط بامتلاك الأرض، بل بامتلاك القدرة على تغذية الشعب بشكل آمن ومستدام، ولأن المائدة، في نهاية المطاف، ليست مجرد مكان للأكل، بل هي خط الدفاع الأول عن كرامة الإنسان واستقلال الأوطان.


    إقرأ الخبر من مصدره

  • أمير المؤمنين يوجه رسالة سامية إلى الحجاج المغاربة

    *العلم الإلكترونية*

    وجه أمير المؤمنين الملك محمد السادس رسالة سامية إلى الحجاج المغاربة برسم موسم الحج لسنة 1447 هجرية، بمناسبة سفر أول فوج منهم إلى الديار المقدسة.

    وفي ما يلي نص الرسالة الملكية السامية، التي تلاها أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، يومه الإثنين 04 ماي، قبل مغادرة أول فوج من الحجاج المغاربة الميامين مطار الرباط – سلا:

    «الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.

    حَاجَّاتِنَا وَحُجَاجَنَا المَيَامِينْ،

    أمَّنَكم اللهُ وَرَعَاكُمْ، وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وبَعْد،

    إنه لمن دواعي سعادتنا أن نتوجَّه إلى هذا الفوج من حُجَّاجِنَا وَحَاجَّاتِنَا الميامين وإلى جميع الأفواج الأخرى بهذه الرسالة ونحن نخاطبُكم من منطقِ الأمانة العظمى التي أناطها الله تعالى بنا، بصفتنا أمير المؤمنين، وهي أمانة حماية شعائر الإسلام، وفي مقدمة هذه الحماية تمكين المؤمنين والمؤمنات من أداء واجباتهم الدينية، لاسيما إذا تَعلَّق الأمرُ بركنٍ عظيم من أركان الإسلام، مثل الحَجِّ.

    والغاية من مخاطبتكم على ما تعودناه، ثمانية مقاصد عملية وشرعية وروحية يتوقف عليها الأداء الصحيح للحج، لأن الحج نُسُك بين الحاج وربه، يتوقف على القبول من الله تعالى، ومما يؤهل للقبول الحالة الروحية التي يعيشها الحجاج والحاجات في رحلة الحج ولا سيما عند أداء المناسك، لأن وقت الحج وقت روحي، يتطلب الاستغراق في التوجه والدعاء إلى الله في طلب القبول، وما وعد به سبحانه من المغفرة والرضوان.

    أما مقاصد هذه الرسالة فهي ثمانية:أولها التوجه إلى القاصدين لأداء الحج بالتهنئة والتبريك على ما منَّ به الله عليهم من أداء فريضة الحج هذه السنة، مشاطرين إياهم مَشَاعِرَهمْ وَكُلُّهمْ شوقٌ إلى تلك البقاعِ المقدسة وزيارة الروضة النبوية الشريفة، قبر جدِّنا المصطفى عليه أزكى الصلاة والسلام، سائلين الله العلي القدير أن يَتقبل مناسِكَهُمْ، ويُحقِّق رجاءهم، ويَستجيب دعواتهم، ويُتِمَّ نعمتَه عليهم، وأن يعُودوا إلى وطنهم سالمين غانمين، إنهُ سميعٌ مُجيب.

    وثاني هذه المقاصد الإشارة إلى أننا قد يسرنا لحجاجنا والحمد لله شروط القيام بالشعائر بما أصدرنا من تعليماتنا لوزيرنا في الأوقاف والشؤون الإسلامية، من أجل التحضير لهذا الأمر تدبيرا وتنظيما وتأهيلاً عِلميًّا وتوعية روحية، ذلك لأن أداء رُكن الحجِّ يَستوجب الاستعداد للسفر والإقامةِ استعداداً روحيّاً يَتوقَّفُ عليه الأداء المطلوب للمناسكِ، وفق ما جاء من الشروط في الكتاب والسنة، وهذه مسؤولية كل حاجَّة وكل حاجٍّ منكم، لا ينوب فيه أحد عن أحد، ولا يُعِين عليها إلا الصبر والذكر والخشوع، بحيث لا يغيب القصد ولو لحظة واحدة.

    وثالث هذه المقاصد توجيه النصح للحجاج بأن يحرصوا على أداء مناسكهم بأركانها وواجباتها وسننها ومستحبَّاتها، وعلى ألاَّ يَمُر وقتٌ من أوقاتهم الثمينة إلاَّ وهم في دعاء واستغفار، وذِكر وابتهال، ليفوزوا بما وعد الله به المؤمنين من جزاء على أداء الحج المبرور، مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام: “الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة”.

    والمقصد الرابع هو النصيحة بالحرص الدائم على استحضار الله تعالى في ما أنتم مُقبلون عليه، وأنتم تُرددون “لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك” نهيب بكم ألا يفوتكم استحضار حرصنا الدائم على رعاية المقدسات الدينية حرصا مقترنا بالحرص على صيانة هويتنا الوطنية لا سيما في سماتها الأخلاقية، وذلك بأن تكونوا متحلين بقيم الإسلام المثلى، من أُخوة صادقة وتسامح شامل وصبر جميل وتضامن فعال امتثالا لقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الالباب﴾.

    والمقصد الخامس هو التوجيه باحترام ترتيبات الحج، فأنتم تعلمون -رعاكم الله – أن أداء فريضة الحج بما تعنيه من أداء المناسك والوقوف بالمشاعر، والتنقل بين البقاع المقدسة يتطلب المعرفة بالأركان والواجبات والسُنن، كما يتطلب منكم احترام الترتيبات والتوجيهات التي وضعتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، حرصا منها على توفير شروط راحتكم في الحِل والترحال، وتمكينكم من الأداء الأمثل لمناسككم بفضل ما وفرته لأفواجكم في الديار المقدسة من أطر متعددة الاختصاص، ترافقكم منذ مغادرتكم أرض الوطن وإلى عودتكم، من فقيهات وفقهاء موجِّهين ومرشدين ومرشدات، وأطباء وطبيبات وممرضين ساهرين على صحتكم، ومن إداريين قائمين على مدار اليوم بتقديم الخدمات الضرورية التي يحتاج إليها حُجَّاجُنا في كل حين.

    أما المقصد السادس فهو التنبيه إلى ما يتطلبه القيام بفريضة الحج في تلك البقاع المقدسة من تَقيُّدٍ والتزامٍ بالتدابير التنظيمية التي اتخذتها السلطات المختصة في المملكة العربية السعودية الشقيقة، مُوفِّرةً لضيوف الرحمن كل أسباب الاطمئنان، لجعل موسم الحج يتم على ما يَتعيَّن أن يكون عليه من نظام، وأمن وأمان، بتوجيهات سامية من أخينا الأعز الأكرم، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، عاهل المملكة العربية السعودية، متعه الله بالصحة وطول العمر، وشد أزره بولي عهده أخينا الأعز الأبر صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله وأطال عمره. كما يطيب لنا في هذا المقام أن نعرب عن عميق اعتزازنا وبالغ إشادتنا بالعلاقات الأخوية التي تجمع بين مملكتينا وشعبينا الشقيقين.

    حَاجَّاتِنَا وَحُجَاجَنَا المَيَامِينْ،

    أما المقصد السابع فهو تذكيركم والذكرى تنفع المؤمنين بأنه بقدر ما يتعين عليكم تمثيل قيم الإسلام المثلى في الاستقامة وحسن المعاملة والتضامن وإخلاص التوجه لله رب العالمين في هذا الموسم العظيم، بقدر ما يتعين عليكم أيضا تمثيل بلدكم المغرب، وتجسيد حضارته العريقة، التي اشتهر بها أسلافنا على مر التاريخ في الوحدة والتلاحم والتشبث بالمقدسات الدينية والوطنية، القائمة على الوسطية والاعتدال، والوحدة المذهبية.

    فكونوا سفراء لبلدكم في الحفاظ على صورته الحضارية المُضيئة، واعلموا أن هذه القيم والثوابت هي التي جعلت بلدنا ينعم بالأمن والاستقرار، ويواصل مسيرته الظافرة بقيادتنا الرشيدة نحو المزيد من التقدم والازدهار.

    أما المقصد الثامن فهو أن تذكروا في هذا المقام المهيب، وغيره من المقامات، ولا سيما عند الوقوف بعرفات، ما عليكم من واجب الدعاء لملكِكم، الساهر على راحتكم وأمنكم ووحدة وطنكم، وتنمية مرافق حياتكم، فاسألوا الله تعالى لنا دوام النصر والتأييد وموصول العمل السديد، وموفور الصحة والعافية لنا ولأسرتنا الشريفة، وأن يُرِينا في ولي عهدنا صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن ما يسر القلب، ويقر العين، وأن يشمل برحمته ورضوانه كُلاًّ من جدنا المقدس ووالدنا المنعم جلالة الملك محمد الخامس، وجلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله مثواهما، وأن يحيط بلدنا بحفظه وعنايته، ويكلأه بعين رعايته.

    حَاجَّاتِنَا وَحُجَاجَنَا المَيَامِينْ،

    لا شك في أنكم تتطلعون إلى تلبية أشواقكم الروحية في هذا الموسم العظيم بالقيام بزيارة المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، والوقوف بكل توقير وخشوع أمام خير الأنام وخاتم الأنبياء والرسل الكرام، جدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام.

    فاستحضروا -وفقكم الله- ما يقتضيه المقام من خشوع وابتهال، وتوقير وإجلال، لنبي الرحمة المهداة، والنعمة المسداة. رجاء الفوز بما وعد الله به كل من صلى وسلم عليه، حيث قال عليه السلام: “من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه بها عشرا”.

    وفي كل مقام تمرون به من تلك المقامات الشريفة، واللحظات الروحانية الخالصة لا تنسوا أن تدعوا خير الدعاء لملككم الساهر على أمنكم وازدهاركم، وعلى وحدة وطنكم وصيانة سيادته وكرامته، وإحلاله المكانة اللائقة به في محيطه الإقليمي وعالمه الإسلامي والدولي.

    وختاماً نعرب لكم -معاشر الحجاج والحاجات الميامين عن تجديد دعائنا لكم بالحجِّ المبرور، والسعي المشكور والجزاء الموفور، والعودة إلى دياركم سالمين غانمين.

    إنه تعالى على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المهنة.. صحفي بروليتاري!.. سعيد الوزان

    ثمة زحف صامت، لكنه مدمر، يلتهم الأنوية الصلبة للمجتمع، كما يلتهم رمل الصحراء كل واحة يجدها في طريقه، ويخنق بحره وهجيره كل ما يصادفه من حياة..

    إنه زحف « البلترة » الذي لم يعد يكتفي بالطبقة العاملة، وبملايين الكادحين الساعين في الأرض، حسب تعبير الأدبيات القديمة،  بل امتد واتسع ليشمل المهن ذات الوضع الرمزي والاعتباري، أو التي كانت كذلك إلى وقت قريب ..

    كيف يرى المغاربة الطبيب ، والمعلم ، والقاضي ، ما هي صورة المحامي في متخيلهم ، كيف ينظرون للأستاذ الجامعي ؟!
    أتذكرون فيلم  » البيه البواب »، الذي أبدع فيه أحمد زكي وفؤاد المهندس .. 

    هي القصة نفسها تقريبا، هذه العجينة الرخوة للمجتمع التي أعيد تشكيلها، فصارت الطبقة الوسطى دنيا، وتسلق أثرياء فاسدون الشجرة، فصارو طبقة برجوازية أعلى، هم كالجراد، لا يعترضهم أخضر ولا يابس.. أو قل .. هم في النهش كالضباع .. واتسعت دائرة الفقراء الشرفاء المعوزين، بينما دائرة الأغنياء الوصوليين المثرين تضيق .. أكثر فأكثر .. وذابت الطبقة المتوسطة كالملح ..  وغدا المشهد سورياليا حقا .. مشهد لم يتخيله سلفادور دالي نفسه .. حتى في أسوأ كوابيسه ..

    اليوم ، بتنا نشهد تفقيرا من نوع آخر ، إلا أنه أشد وأقسى وأمض،  ليس ماديا وحسب، بل هو تفقير معنوي يضرب في مقتل صورة هؤلاء: المحامي، والمعلم، والطبيب، والقاضي، والأستاذ الجامعي ، يجرد هذه الكيانات من هيبتها التاريخية ورأسمالها القيمي، ليحولها في الوعي الجمعي إلى مجرد أدوات خدمية هشة، فاقدة للحصانة الأخلاقية والمجتمعية وللوضعية الاعتبارية التي كانت تتمتع بها..

    وإذا خضنا لعبة المتقابلات فسيصير الأمر كالتالي : محام / سمسار -قاض / مرتش / معلم / كُعلم – طبيب / جزار ..

    في قلب هذا الانهيار، وفي معمعان هذا الانجراف الحاد .. تقف « صاحبة الجلالة الصحافة » نموذجا صارخا لهذا المسار الانحداري.. 

    لقد تم « بلترة » أهل بلاطها بمهارة مأساوية، حتى تحول الصحفي، من « سلطة رابعة » تراقب وتُقَوِّم وتكشف، إلى « بروليتاري رث » يركض وسط حلقة مفرغة ، خلف لقمة عيش مغموسة بالارتهان لليومي العابر ، وبدل أن يطارد سبقا يحققه على نظرائه، ها هو يطارد رغيف الخبز وقنينة الحليب .. وفواتير الماء والكهرباء ..

    المؤكد أن واقع المقاولات الصحفية بالمغرب صار يعكس هشاشة بنيوية مقصودة أو ناتجة عن عجز اقتصادي مستفحل، انعكس تلقائيا على الوضع الاجتماعي للصحفيين المغاربة، وضعية تقترب من حافة الكفاف، وتضعهم تحت رحمة تقلبات سوق شرسة لا ترحم… 

    هذا التفقير الممنهج أفرز مشهدا إعلاميا يضطرم على إيقاع صراع واستقطاب حاد، غابت معه المهنية الرصينة لصالح حروب بالوكالة وتصفية الحسابات،  وغدت الصحافة الجادة مصدر إزعاج حقيقي، ليس فقط للسلطة بمفهومها التقليدي، بل للفاعل السياسي الذي بات يضيق ذرعا بالنقد والتحليل العميق، مفضلا التعامل مع « أشباه صحفيين » يمكن تدجينهم بفتات الموائد..

    والأدهى من هذا وذاك ، هو تغول لوبيات تتحكم في مفاصل القطاع، حولت الصحفيين إلى « رهائن » فعليين، فهم إما أن ينتظروا الإفراج عن مستحقاتهم مقابل « فدية » من الولاء المطلق والصمت المطبق، وإما أن يتم القضاء عليهم وعلى مصادر دخلهم بدم بارد.. وها هم منذ عقود خلت ما زالوا ينتظرون الإفراج عن اتفاقية جماعية تنصفهم ، وما زالوا ينتظرون زيادة هزيلة موعودة .. لم يصلهم إلا نصفها ، حتى يئسوا ..
     
     إن هذا القتل الرمزي والمادي لا يستهدف الفرد فحسب، بل يمتد أثره ليعصف باستقرار آلاف الأسر المغربية التي تعيش من هذا القطاع، مما يجعل من عملية « وأد الصحافة » جريمة اجتماعية متكاملة الأركان..

    إن « بلترة » النخب والمهن الاعتبارية هي مقدمة لخراب قيمي شامل، وحين تصبح الصحافة مهنة « من لا مهنة له » أو « مهنة من لا كرامة له »، يفقد المجتمع بوصلته، ويتحول الفضاء العام إلى ساحة مستباحة للوبيات لا تعترف إلا بلغة الغنيمة، ولو كان الثمن هو ذبح الحقيقة وتشريد حماتها..
      الكاتب: ذ. سعيد الوزان

    إقرأ الخبر من مصدره

  • جدل حاد تحت قبة البرلمان.. شروط الولوج إلى المحاماة بين هاجس الجودة ومطلب تكافؤ الفرص

    *العلم الإلكترونية: الدكتورة أسماء لمسردي*

    تحول مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة إلى محور نقاش سياسي وقانوني محتدم داخل مجلس النواب بالرباط، خلال اجتماع لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان المنعقد اليوم الأربعاء 29 أبريل 2026، بعدما فجر مقترح تحديد سن أقصى للولوج في 40 سنة واشتراط شهادة الماستر موجة اعتراضات واسعة من مختلف الفرق البرلمانية. وبين من يرى في هذه المقتضيات خطوة نحو تأهيل المهنة، ومن يعتبرها تضييقا غير مبرر، برزت إشكالية التوازن بين جودة التكوين وضمان الولوج العادل.

    وخلال أشغال لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، عبر عدد من النواب عن تخوفهم من أن تؤدي هذه الشروط إلى تكريس نوع من الإقصاء، خاصة في صفوف الشباب الذين لم تتح لهم ظروفهم استكمال مسارهم الأكاديمي في الزمن المعتاد. في هذا السياق، شدد النائب عن الفريق الاستقلالي الدكتور نور الدين مضيان على خصوصية مهنة المحاماة باعتبارها مهنة حرة تقوم على التنافس، لا على منطق الوظيفة العمومية، معتبرا أن فرض قيود عمرية يتنافى مع طبيعتها. وأبرز أن العديد من الكفاءات قد تختار الالتحاق بالمحاماة بعد مسارات مهنية مختلفة، وهو ما يستوجب الإبقاء على باب الولوج مفتوحا أمام جميع المؤهلين، مع ترك آلية الفرز لقواعد السوق والكفاءة المهنية.

    أما بخصوص شرط الماستر، فقد اعتبر مضيان أن النقاش لا ينبغي أن ينحصر في مستوى الشهادة، مذكرا بأن عددا من الأسماء البارزة في المهنة ولجت إليها بشهادة الإجازة، داعيا في المقابل إلى إصلاح منظومة التكوين الجامعي بدل تشديد شروط الولوج بشكل قد يحمل طابعا إقصائيا.

    وفي الاتجاه نفسه، ذهبت النائبة عن فريق التقدم والاشتراكية، لبنى الصغير، حيث اعتبرت أن المشروع يتضمن شروطا ذات طابع انتقائي قد تمس بجوهر مبدأ تكافؤ الفرص، محذرة من أن يتحول شرط الماستر إلى آلية فرز اجتماعي بدل أن يكون معيارا حقيقيا للكفاءة.

    وانتقدت المتحدثة ذاتها اشتراط سن أقصى لاجتياز مباراة الولوج، معتبرة أنه يفتقر إلى أساس موضوعي واضح، وقد يكرس تمييزا غير مبرر على أساس العمر، وهو ما قد يحد من تنوع المسارات داخل مهنة المحاماة ويؤثر على تجديدها.

    من جانبها، نبهت النائبة الاتحادية الدكتورة مليكة الزخنيني إلى أن تحديد سقف السن قد يقصي فئات واسعة من خريجي كليات الحقوق، لا سيما أولئك الذين واجهوا صعوبات اجتماعية أو جغرافية أخرت مسارهم الدراسي. كما لفتت إلى إشكال آخر يرتبط بعدم انتظام مباريات الولوج، معتبرة أن هذا العامل قد يجعل فرص الولوج رهينة بظروف تنظيمية لا يتحكم فيها المترشحون.

    في المقابل، دافعت النائبة عن فريق الأصالة والمعاصرة، نجوى كوكوس، عن خيار اعتماد شهادة الماستر، معتبرة أنه يندرج ضمن توجه يروم الرفع من جودة التكوين القانوني ومواكبة تعقيد القضايا المعروضة على القضاء. غير أنها شددت في الآن ذاته على ضرورة عدم تحويل هذا الشرط إلى عائق اجتماعي، بما يحفظ مبدأ تكافؤ الفرص.

    وفي ختام المداخلات، أثارت النائبة البرلمانية عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، ربيعة بوجة، ملاحظات ذات طابع تقني، مسجلة وجود ارتباك في صياغة المادة المتعلقة بشروط الولوج، نتيجة الخلط بين وضعية المترشح والممارس. كما دعت إلى توضيح آليات تنظيم مباريات الولوج وضبط دوريتها، بما يضمن التوازن بين عدد المترشحين والطاقة الاستيعابية للهيئات المهنية.

    في المقابل، أبدى وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، مرونة لافتة إزاء الانتقادات المثارة، معبرا عن استعداده لرفع سقف السن إلى 45 أو حتى 50 سنة دون تحفظ. كما أوضح أن شرط الشهادة خضع لتعديل خلال مسار إعداد المشروع، بعدما كان في صيغته الأولى يكتفي بالإجازة، قبل أن يتم اعتماد الماستر في ضوء مشاورات مع مهنيي القطاع.

    ويعكس هذا النقاش، في عمقه، رهانا مزدوجا يواجه المشرع المغربي: تحديث مهنة المحاماة والارتقاء بجودة ممارستها، دون الإخلال بمبادئ العدالة الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى إحدى أهم المهن المرتبطة بمنظومة العدالة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تباطؤ سرعة دوران الأرض.. أيامنا تطول بوتيرة غير مسبوقة منذ 3.6 مليون سنة

    تشهد الأرض ظاهرة فريدة تتعلق بسرعة دورانها حول محورها، إذ تشير دراسة علمية حديثة إلى أن طول اليوم يزداد بوتيرة لم تسجل منذ 3.6 مليون سنة، في تحول يربطه العلماء مباشرة بتغير المناخ وذوبان الجليد القطبي.

    ورغم أنه من المفترض أن يستغرق دوران الأرض دورة كاملة خلال 24 ساعة، فإن الواقع أكثر تعقيداً؛ فطول اليوم يتغير بقدر ضئيل جداً بفعل عوامل جيولوجية وجاذبية القمر وحركات الغلاف الجوي والمحيطات.

    وقد برزت هذه الظاهرة بشكل واضح في يوليو وأغسطس 2025 عندما أدى اقتراب القمر من الأرض إلى إطالة اليوم بأكثر من 1 ملي ثانية، وفقاً لما ذكره موقع « IFLScience ».

    لكن ما يقلق العلماء اليوم ليس تغيراً مؤقتاً، بل اتجاه طويل المدى سببه تغير المناخ الذي يذيب الكتل الجليدية المتراكمة منذ آلاف السنين. ومع تحول هذا الجليد إلى مياه تتوزع عبر المحيطات وترفع مستوى البحار، تتغير كتلة الأرض وتتجه نحو خط الاستواء، ما يؤدي إلى إبطاء دوران الكوكب.

    ويشبه العلماء هذا التأثير بحركة لاعبي التزلج الفني: عندما يمدون أذرعهم إلى الخارج، تتباطأ سرعتهم، وعندما يضمونها تزداد سرعتهم. فالجليد في القطبين قريب من محور دوران الأرض، وحين يذوب ويتجه نحو الأطراف (خط الاستواء)، تتباطأ حركة الأرض بنفس الآلية.

    ما يحدث اليوم لم يسبق له مثيل

    البحث الجديد الذي أجراه علماء من جامعة فيينا والمعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich)، سعى إلى معرفة ما إذا كانت الأرض قد شهدت في الماضي تباطؤاً مشابهاً في دورانها. وبالاعتماد على بيانات تمتد منذ أواخر العصر البليوسيني، كانت النتيجة واضحة:

    الوتيرة الحالية لطول اليوم غير مسبوقة خلال 3.6 مليون سنة.

    وقال الباحث من جامعة فيينا، مصطفى كياني شاهواندي: « أظهرنا في أبحاث سابقة أن ذوبان الجليد المتسارع في القرن الحادي والعشرين يرفع مستوى البحار ويبطئ دوران الأرض، تماماً كالمتزلج الذي يبطئ دورانه حين يمد ذراعيه. »

    وأضاف: « لكن ما لم يكن معروفاً هو ما إذا كانت هناك فترات سابقة ارتفع فيها طول اليوم بالسرعة نفسها… واليوم نؤكد أن ذلك لم يحدث. »

    وخلصت الدراسة إلى أن طول اليوم يزداد حالياً بمعدل 1.33 ملي ثانية لكل قرن، وهو معدل يرتبط بشكل مباشر بإعادة توزيع الكتلة بسبب ذوبان الجليد. ويرى العلماء أن هذا التباطؤ سيزداد مع استمرار ارتفاع حرارة الأرض خلال العقود المقبلة.

    وأكد أستاذ الجيوديسيا الفضائية في « ETH Zurich »، بنديكت سوجا: « الزيادة الحالية في طول اليوم تشير إلى أن تغير المناخ الحديث لا مثيل له منذ 3.6 مليون سنة، وأن العامل البشري هو المحرك الرئيسي لهذا التغير. »

    وحذر من أن تأثير المناخ على دوران الأرض سيكون، بنهاية القرن الحالي، أقوى حتى من تأثير القمر على حركة الكوكب، رغم أن التغيرات تقاس بالمللي ثانية.

    تغير بمقدار « جزء من ألف جزء من الثانية » لن يلحظه البشر في حياتهم اليومية. لكن الخطر الحقيقي يكمن في التقنيات الحساسة للوقت، مثل، أنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية (GPS)، وشبكات الاتصالات، وأسواق المال عالية السرعة، وأنظمة الملاحة الفضائية التي تتطلب تحديداً دقيقاً لدوران الأرض.

    فأي انحراف ولو بسيط بمقدار بضعة أجزاء من المللي ثانية، يمكن أن يؤدي إلى خلل في التوقيت الدقيق الذي تعتمد عليه هذه الأنظمة.
      العلم الإلكترونية – وكالات

    إقرأ الخبر من مصدره