Étiquette : مؤتمر بازل

  • رئيس وزراء العراق لا على التعيين!.. قاسم حول

    الإعلام الإعلام الإعلام، الذي ينقذ العراق وينجيه، أو ينهكهه ويشظيه. وفشلت كل نظم العراق على مدى قرن من الزمان، في تنظيم العملية الأعلامية الأخطر في مسيرة الوطن سياسيا، إقتصاديا، إجتماعيا، وثقافيا، ذلك بسبب غياب المنهج الإعلامي العلمي والموضوعي، وعدم إدراك الأبعاد السيكولوجية والفيزيائية وتأثيرها على المستوى الجمعي والفردي.

    يتصدر الإعلام اليوم بكل أدواته المسموعة والمقروءة، وبشكل خاص المرئية أخطر أداة تدميرية لشعوب العالم من أجل الهيمنة على كنوز الثروات الطبيعية والمواقع الستراتيجية في تنظيم خرائط الإتصالات وتكريسها لصالح القوى التي تهيمن على تطور الشعوب وحرياتها!

    كل الحكومات التي تعاقبت على منبر السلطة تجعل الرئيس تائها في عالم سيطرت عليه الصورة من خلال القنوات الفضائية، والهواتف النقالة ومواقع التواصل الإجتماعي الإلكترونية، وصولا إلى الآتي في هيمنة الذكاء الإصطناعي وأنظمة الروبوت على العالم الذي يوصف بالجديد.

    لعل العراق هو الدولة الوحيدة التي لا توجد فيها “مدينة الإعلام” تاركة الحرية للشركات التي تعبث بها شركات الهاتف النقال، والقنوات الفضائية ممثلة في الصحون التي يطلق عليها “الطبق” الفضائي” وجهاز البث الـ “أس أن جي” ومراسلي القنوات التي تبث من خارج حدود الوطن، متمتعين بتقاسم حرية العبث بحياة المواطن ومستقبله، بين القنوات الخارجية ومراسليها وبين القنوات التي تبث من داخل حدود الوطن.

    هنا تشكل مدينة الإعلام المؤسسة الضامنة لحرية التعبير بما لا يسيء إلى قيم المجتمع وتاريخ الوطن العراقي مؤسس أول الحضارات الإنسانية دون الإستهانة بحرية التعبير “المشروطة بمعنى الحرية” وليست الفوضى المقصودة. وبالتالي تهيمن الدولة العراقية من خلال قمرها الإصطناعي، أوالأقمار الإصطناعية الرديفة، وتحول دون العبث بحرية المجتمع في جانب، وفي جانب آخر، عدم الإعتداء على أسرار الدولة وسياج الوطن.

    الإنسان الذي يضعف سمعه ويستعمل سماعة الإذن التي تحتوي على جهاز الإستقبال بحجم رأس الدبوس، يستطيع أن يلتقط البث الإذاعي، ويلتقط المكالمات اللاسلكية عبر “الووكي توكي” التي تستخدمها أجهزة الأمن والمخابرات بين عناصرها ومواقعها الأمنية، فكيف بالأطباق العملاقة في مراكز المدن وفي العاصمة؟ ذلك ما سهل على منظمة داعش الإرهابية من إقامة الحواجز المتحركة، وكانت تعتقل رجال الأمن وتعرفهم بالأسماء وبرتبهم العسكرية والأمنية والمهام التي كلفوا بها! لذلك عمدت الدول التي تحترم واقعها وسلطتها إلى تأسيس المدن الإعلامية خارج مراكز المدن وخارج العواصم بمسافة قدرت بعشرين كيلو مترا، ويفضل أكثر. وعندنا في هولندا مدينة الإعلام في مدينة “هلفرسم” تبعد عن العاصمة السياسية “لاهاي” بمسافة ما تقرب من مائة كيلو متر. وقد وفرت في المدينة كل وسائل العيش والتعليم والصحة من المراكز الطبية والمستشفيات والمدارس والمعاهد والجامعات، ومن خلال هذه المدينة يتم التحكم بالعملية الإعلامية وفق قوانين صارمة وخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها. في وقت يعيش فيه الوطن العراقي فوضى إعلامية ممثلة بعدد الفضائيات وعدد المراسين ومكاتب القنوات الخارجية وحريتها في التحرك والعبث بأسرار الوطن وتوزيع المعلومات لقوى لا تريد السلام للوطن العراقي.

    والسؤال وفق أي منهج قانوني يتم تأسيس الفضائية؟ وما هي الكفاءة الأكاديمية والوطنية لمؤسس القناة، وهل ثمة مجلس إدارة للقناة الفضائية يقع تحت طائلة المسؤولية الوطنية والأخلاقية ومسؤولية بناء الوطن، وليس الأستهانة ببناء الوطن الذي تعرض سياجه للهدم مرات ومرات، فكيف إذا ما عرفنا التأثير الفيزيائي للصورة المتحركة على سلوك وسيكولوجية الفرد والمجتمع، حين تحتفظ العين بأقل من عشر الثانية قبل أن يتم توليفها مع الصورة الآتية، وكيف إذا عرفنا بأن الثانية المتحركة تحتوي على أربع وعشرين صورة سينمائية وخمس وعشرين صورة في الثانية التلفزيونية؟! فكم من التاثيرات التي تنقلها العين للعقل الباطن الإنساني، ناهيك عن تأثير الصوت، ونحن نشاهد بمائة وثمانين درجة ونسمع بثلثمائة وستين درجة! 

    تحفر الفوضى الإعلامية وعدد الفضائيات وعدد شركات الهواتف النقالة مستقنعا مريضا في كل جسد العراق، ناهيك عن الهدر الإقتصادي، والفساد المالي والواجهات الفضائية لهذا الخلل الإجتماعي والفساد المالي والأخلاقي، والهيمنة على أسرار الدولة ومؤسساتها الأمنية والمخابراتية..!

    تقع قناة شبكة الإعلام العراقية في واجهة الخلل الإعلامي على كافة الصعد. وتضم القناة ما مجموعه خمسة آلاف منتسب، فيما العدد العامل في القناة العراقية في شتى الإختصاصات لا يتجاوزون الثلثمائة وخمسين منتسبا! ويمكن معرفة ذلك من خلال صالات وغرف الشبكة ومخازنها وبلاتوهاتها. إذ من غير المعقول أن تستوعب البناية ما مجموعه خمسة آلاف منتسب! وتتسلم القناة من ميزانية الدولة العراقية أكثر من مائة مليون دولار، تصرف على مرتبات ما يسمى بالفضائيين، وهم مليشيات تابعة لعدد من التنظيمات السياسية، ويكون ذلك على حساب البرامج الممتعة والموجهة لبناء المجتمع والإنسان العراقي، هذا إضافة إلى تفشي الأمية السياسية والثقافية والإعلامية لمديري شبكة الإعلام ومجالس أمنائها التي تتأسس على مقاس الطوائف والقوميات، وهو أمر مخجل للغاية في بناء مسار وطن بعد أن عمد الإحتلال على تحويل الدولة الفاشية إلى نظام اللا دولة!

    لو تساءلنا عن سبب وجود فضائية كوردية وإخرى تركمانية وثالثة آشورية تابعة لشبكة الإعلام العراقية، قنوات لايشاهدها مشاهد كوردي ولا تركماني ولا أشوري واحد، لوجود سبعة قنوات كوردية تبث من شمال الوطن وقناة تركمانية وقناتين آشورية تبث بلغاتهم وتعبر تراثهم ومشكلاتهم وصراعاتهم السياسية، فتشكل هذه القنوات الثلاثة عبئا إقتصاديا على ميزانية شبكة الإعلام العراقية، التي هي مرهقة أساسا برواتب لأكثر من أربعة آلاف وخمسمائة منتسب يطلق عليهم “الفضائيون” فهي بلاتو للتصوير ومقدمات ومقدمي برامج وإستهلاك كهرباء ومعدات إضاءة ومونتاج وكاميرات ومعدات تقنية.. ولا أحد يشاهدها. وشبكة الإعلام هذه لعبت لجان الأمناء دورا في تخريبها، لعدم حاجة القناة إلى لجنة الأمناء تلك، والصحيح أن يتشكل مجلس أدارة الشبكة من رؤوساء الأقسام مع رئيس الشبكة لأنهم الأعرف بمشكلات القناة ومعالجتها.

    لقد عاش العراق أصعب وأخطر حقبة إعلامية في ظل النظام البعثي ونزعته الفاشية، فهيمن على وسائل الإعلام وأدلج أدواته الإعلامية ومنع ظهور أية وسيلة من وسائل الإتصال خارج نظامه الشمولي! فقمع كل أصوات التعبير خارج مسطرة المنهج الإعلامي وعمد إلى تصفيات قدرات إعلامية بأشكال مرعبة في بيوت الأشباح وخارجها “وثمة قائمة طويلة من الأسماء الثقافية والإعلامية التي إختفت من الحياة”. وعندما سقط النظام الدكتاتوري فاشي النزعة، عمدت قوى الإحتلال لدعم تأسيس أكثر من خمسين قناة فضائية وعدد من الإذاعات وشركات الهواتف النقال، في خطة مدروس إستهدفت خلط الأوراق لأكثر من هدف:

    1 – زرع أطباق البث والإستقبال “الساتلايت” في المدن العراقية وبشكل خاص العاصمة بغداد حيث تتمكن من التنصت على مؤسسات الدولة ومجلس الوزراء وأجهزة الأمن والمخابرات ومعرفة أسرار الدولة وإستخدامها لأغراض ذات أبعاد تستهدف تشظي وحدة الوطن. وكانت مؤسسات وأحزاب وطوائف تستثمر تلك الأسرار دون إعتبار وطني وأخلاقي.

    2 – التأثير السيكولوجي والفيزيائي على بناء الإنسان وبنية المجتمع، إذ تحولت الشخصية العراقية إلى شخصية عدوانية وإنتهازية ونفعية وقتلت في روح الفرد وروح المجتمع العراقي منظومة القيم الإجتماعية والإقتصادية والثقافية التي عرف بها العراقيون من خلال إعلام موجه يستهدف الشعب بمجمله، وتهديم روح الفرد العراقية.

    3 – عملت القنوات الفضائية، على إضفاء الشرعية على عمليات النهب والفساد المالي وعرض اللصوص على شاشات التلفزة، وجعل عمليات نهب أموال الوطن متاحة أمام رؤوساء الأحزاب والمنظمات والمليشيات تحت شعارات يطلقها الفاسدون من أمثال “رجال اللي يعبي بالسكله رقي” أو “تقاسمنا الكيكة” أو كما عبر أحدهم بالقول “حين أعود إلى المنزل حاملا حقيبة السمسونايت، فإن زوجتي حين تجدها خالية تصفني بناقص الرجولة – مو زلمه”!

    4 – ساعدت القنوات الفضائية على ترويج المخدرات والدعارة والشذوذ الأخلاقي، تاركة معالجة موضوعات ملحة مثل الماء والكهرباء والزراعة والصناعة، وإغراق المجتمع بالمطاعم والمقاهي والمولات وإستيراد الهواتف النقالة، وإبقاء الوطن في عتمة الحياة وعدم مقاومة التحولات المناخية وجفاف أنهار بلاد ما بين النهرين وجفاف الأهوار وتدني مستوى التعليم وعدم بناء دور العلم وتهديم المستشفيات والعناية الصحية وتدني كفاءة الدراسة الأكاديمية في الكليات العلمية وقد تدنى مستوى الأمية إلى تسعين بالمائة بأشكالها المختلفة، الأمية في القراءة والكتابة والأمية في اللغة العربية وقواعدها، والأمية في الكفاءات السياسية والأمية في “الوطنية”.

    5 – تخضع القنوات الفضائية لدعم مادي من قوى خارجية تضعها تحت المراقبة الدائمة، والخروج عن الخط والخطة المرسومة لهذه القناة أو تلك، فإن الدعم المالي يتوقف، والذي يشرف عليه الشخصية البريطانية الخطيرة الملقب بـ “ساجي” وهو يهودي من يهود العراق، ولقبه “ساعجي” وهو يشرف على كافة القنوات العربية ويتلقى بنود إعلان الشركات العملاقة وبشكل خاص الشركات الأمريكية، ويشترط تقديم البرامج برعاية تلك الشركات، وكثير من القنوات الفضائية تتلقى الدعم الخارجي المشروط!

    توشك حقبة رئيس الوزراء الحالي على نهايتها وهي مثلها مثل الذي سبقها منذ سقوط النظام الدكتاتوري.. فهل يستيقظ رئيس وزراء قادم قبل أن يعقد أول إجتماع “شكلي” وأسبوعي لوزرائه الذين يختارهم عادة بعبودية مسبقة.. أم يدرك خطورة القنوات الفضائية وخطورة الفوضى الإعلامية على الصعد السياسية، الإجتماعية، الإقتصادية، الثقافية، والأخطر الأمنية والفيزيائية.!!؟
      قاسم حول – سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

    إقرأ الخبر من مصدره

  • في مكمن الخطر..! قاسم حول

    خمسة وثلاثون عاما عاشها الشعب العراقي بين الأعوام 1968 وحتى 2003 تحت وطأة رعب مجموعة من أولاد الشوارع والساقطين أخلاقيا ومن سقط المتاع الذين ارتدوا الزي “الزيتوني”، وكان عددهم يوم وصلوا إلى السلطة (243) عنصراً بين مدني وعسكري، أسكتوا العراقيين جميعا، بإذاعة ما يسمى “البيان الأول” وهيمنوا على العملية الإعلامية ومنعوا الإعلام خارج أطر سلطة الدولة وسلطة الحزب الفاشي الحاكم، وحسمت الدولة بحساب البلدان الشمولية كي تبعد عن نهجها النزعة الفاشية، وتنسي بعض من كان قابلا للنسيان دموية الثامن من شباط – فبراير عام 1963.

    عندما سقطت الدولة العراقية الفاشية من قبل قوى عالمية جمعتها المصلحة السياسية في العام 2003 مستهدفة الهيمنة على مصادر الثروات في العراق من البترول والكبريت والزئبق الأحمر، لتحريك تركز وتمركز رأس المال في مجموعة المصارف الأمريكية والأوربية، وبعد أن عجزت ما سميت المعارضة العراقية من إسقاط النظام، تقرر دولياً تخريب نظام شكل الدولة العراقية بواسطة أخطر وسائل التهديم المتمثلة بالعملية الإعلامية لإحلال نظام الدويلات العرقية والطائفية والعشائرية والمليشياوية بديلا عن الدولة وبنائها مكانا على الخارطة الجغرافية، وهذا ما حصل من خلال نظام الإعلام المحسوب في عشوائيته القائمة على خلط الأوراق بطريقة منظمة واعية. لا أحد يدرك مخاطر الإعلام “الأمنية والفيزيائية” إضافة إلى المخاطر السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسيكولوجية. فالمخاطر الأمنية تتمثل في التنصت عبر وسائل الاستقبال والبث، والمخاطر الفيزيائية تتمثل في علاقة الصورة بالعين فيزيائيا “الصورة الواحدة تبقى فيزيائيا في العين أقل من عشر الثانية” وانعكاس ذلك على السلوك الاجتماعي والسيكولوجي والأخلاقي. فيتحول المجتمع لمجتمع هجين الملامح، يلعب الإعلام أدواراً ليست ملموسة ولا محسوسة، إنما تسري في أوصال المجتمع بأشكال ملونة وبعمليات تجميل باذخة “على كافة الصعد” عبر شاشات الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي، مستفيدين من نظام الكانتونات ونظم العشائر وجمعيات التواصل الديني، وتأسيس الأحزاب بصيغ جديدة تسمى دوليا بـ”المليشيات” وهي تنظيمات ليست مؤدلجة بالعقيدة السياسية أو الفكرية، إنما مؤدلجة بفكر “الروبوت المبرمج والذكاء الإصطناعي!”.

    تسود الفوضى الإعلامية الآن في الدولة العراقية بأعلى أشكالها.. الفوضى المنظمة والمخطط لها والممولة من قبل مؤسسات ترتبط بالعقل المركزي للصورة، وهي مؤسسات حقيقية وغير مرئية، لا أحد يستطيع الإمساك بخيوطها التي تنظمها شبكات معقدة نظمت بناء على توصية من توصيات مؤتمر بال الذي انعقد في سويسرا عام 1897 أي بعد ثلاثة أعوام من تحريك الصورة الثابتة، إنعقد “مؤتمر بال أو بازل” الذي قاده “ثيودور هرتزل” بدعم من طغم المال المصرفية الممثلة بالتكوين اليهودي الذي هرب من أسبانيا واستقر في إيطاليا منذ القرن الخامس عشر على أثر الصراع الديني الكاثوليكي اليهودي. 

    في منطقة الشرق الأوسط وحدها توجد ما يقرب من ألف وخمسمائة فضائية تسبح حولها منصات التواصل الاجتماعي التي تتسارع في تطورها شكلا تقنيا وقياديا بأعلى أشكال المراقبة الأدائية، قسم كبير منها موجه لبلدان بحد ذاتها من بينها وربما في المقدمة منها الدولة العراقية التي أصبحت أقرب إلى الدويلات المؤهلة للانهيار وما سوف يتبعها من الحروب الأهلية التي إذا ما اندلعت شرارتها فسوف لن تنطفئ نارها..!

    منذ سقوط النظام الفاشي الدكتاتوري في العراق، لم يصعد على منصات دولة رئاسة الوزراء في العراق عقلية متنورة في ثقافتها الأكاديمية والوطنية “نبيلة في شرفها الوطني والاجتماعي” قادرة من خلال “كارزما” حضور شخص رئيس الوزراء، على إيقاف التدهور الحاصل في كل مفردات الحياة، وقادر على إيقاف تجاوز الفوضى الإعلامية التي سادت الحياة العراقية، وانعكاسها على الواقع الاجتماعي والإنساني والتغير السلوكي الأخلاقي بسبب التأثير الأمني والفيزيائي للعملية الإعلامية، شخصية، رئيس حكومة قادر على حسم الموقف الوطني بما يعبر عن عبقرية التاريخ الحضاري الثقافي المتطور في بلاد ما بين النهرين الذي وسم بإسم العراق الذي نعيشه الآن منكسراً متدهورا مفتقدا حتى لبرق من ضوء بعيد..!

    مضطر هنا أن أورد مثالين بين نظامين..! في جلسة مجلس الوزراء التي يديرها الطاغية الدموي صدام حسين، وهو يقظ الحساسية، لمح وزيراً قد حرك يده اليسرى المستندة على الطاولة قليلا وشاهده يمر بنظرته في أقل من ثانية نحو ساعته. قال له “روح لبيتكم” وشاهده ولم ينهض لمغادرة الاجتماع، فكرر القول ألم تسمع ما قلته لك روح البيتكم.. أجابه الوزير سيدي لا أستطيع النهوض. ساقاي يرتجفان.

    ما بعد سقوط النظام وفي جلسة مجلس الوزراء المحددة كل ثلاثاء. قال رئيس الوزراء إن وردة النيل قد انتشرت في الأنهار العراقية دجلة والفرات وشط العرب وهذه الوردة تعدم الحياة في مياه العراق فمن يا ترى رماها في أنهارنا.. والسؤال موجه لوزير الموارد المائية. أجاب الوزير وزارتنا ليست معنية بأنهار العراق، إنما الأنهار تابعة لوزارة المواصلات!! لم يطلب رئيس الوزراء من وزير الموارد المائية أن يغادر الاجتماع وهو يتقاضى راتبا مقداره خمسة وعشرين ألف دولار من مصدر خارجي بتمويل عراقي.

    هكذا تعمل الدولتان “الدولة الفاشية والدولة السائبة.. وهكذا يديرها وزراء العراق!”

    فما هو التحول الذي انعكس على الشخصية العراقية بين نظامين مصابين بالخلل المسلكي؟

    بسبب طبيعة النظام الدكتاتوري وما بعد سقوطه، تحولت الشخصية العراقية إلى شخصية عدوانية لا أبالية في عدوانيتها ساهم النهج الإعلامي السائد في عدوانيتها، ليست عدوانية في سلوكها مع الآخر، بل حتى عدوانية في إبتكاراتها التقنية في إيذاء أبناء مجتمعها، وهي ظاهرة وليست استثناء، وتدعو للتأمل وبحث الأسباب الكامنة وراء بناء الشخصية العراقية. ودراسة هذه الظواهر وتأثير شكل الدولة ونظمها القسرية المخيفة في المجتمع سواء الحقبة السوداء المتمثلة بالفترة من السابع عشر من تموز 1968 حتى التاسع من أبريل 2003 أو الحقبة التي أتت بديلا قسريا وليس عبر ممارسة سياسية ذات نهج حر وديمقراطي، فجاء نظام هجين فرض نفسه على دولة عريقة في التاريخ ومجتمع طيب وحضاري بنى الأسس النموذجية للحياة الإنسانية والثقافية.

    بعد سقوط حقبة الدكتاتورية السوداء، أحاط برأس الدولة وزراء وأعضاء برلمان معظمهم يحملون شهادات مزورة سواء من جامعات عراقية أو عربية وإسلامية تعاني من أزمات اقتصادية في واقع عربي وإسلامي متدهور، صارت تمنح أعلى الشهادات الأكاديمية لتجاوز الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تلك الجامعات، مستفيدين من أسراب الأميين الذين ينتمون لمليشيات يطلق عليها مجازاً تعبير “الأحزاب”، تشكلت في العراق من حطام شعب أتانا من ظلمات سجن كبير ومخيف في كل ممراته وساحاته وصحاراه وبساتينه، أتانا من بيوت الأشباح غير المدونة والمعرفة، أتانا بضحاياه من المسجونين وجلاديهم من الأشباح السجانين الذين دخلوا أفوجا في مؤسسات المليشيات التي تسمى مجازاً أحزابا، وبينهم كل العاملين في صفوف المؤسسة الفاشية التي سقطت.. وأتانا شعب مهشم الروح والجسد يعيش نهاياته، يولد من رحمه جيل مريض متوتر عدواني لا يعرف الرحمة، لم يسمع من وسائل إعلامه شيئا من حضارته، ولا يرى في كل مناهج الإعلام التي تستهدفه من خارج حدوده من القنوات الفضائية غير المصرح بها، والتي تجاوزت الألف وخمسمائة فضائية ناهيك عن وسائل التواصل الإجتماعي المبرمجة عالميا، وكذلك من داخل حدوده من القنوات الفضائية التي تجاوزت الخمسين فضائية إلى جانب منصات التواصل الاجتماعي التي بمجموعها “من القنوات والمنصات” تستطيع تحريك الشارع العراقي، وتحديد شكل التحريك وتزويد الحراك بكل وسائل التخريب لمجتمع يعيش هو حالة الخراب. تضطلع بها قنوات خارجية موجهة نحو العراق مكمن الحضارة الأولى والكتابة الأولى والقوانين الأولى وخزين ثروات الطبيعة، فيما تستثمر الفضائيات العراقية التي تأسست بتخطيط مبرمج وبتكليف مسبق من قبل الحاكم المدني العسكري “بول بريمر” ليس فقط لتشظي الوطن العراقي وزراعة بذور الخراب التي نمت متسارعة أشجاراً شوكية يابسة، بل لخلق طبقة ثانية مترفة وبطريقة فوضوية ممثلة بالصحفيين، فتحت لهم أبواب الشهرة وما ينتج عنها من الغنى والثراء والفساد بديلا عن المهمة النبيلة للصحفي والصحافة وللأدب والثقافة وسعة الأفق السياسية في بناء المجتمع. ولقد ظهر على شاشات التلفزة وأحيانا في منصات التواصل الإجتماعي نفر من الإعلاميين والمتواصلين الذين لا تلزمهم قوانين المجتمع المتوارثة تاريخيا وقيميا، بل يصار إلى بناء فئات تبحث عن زلات إجتماعية صغيرة تحيلها إلى سمات اجتماعية وثقافية سائدة من سمات المجتمع العراقي. 

    بات الخراب يسري في جسد وروح الوطن العراقي، وباتت العملية الإعلامية معولا هادما لقيم المجتمع وتماسك بناء المجتمع وتشظي كيان الوطن وتناقص مساحته وضياع حدوده ومحو بعضها أو انسحابها من أمكنتها وحتى إعادة رسمها على الخارطة الورقية واعتمادها بديلا عن حدود المسافات التي أقرتها المؤسسات الدولية المعنية برسم خرائط الأوطان. بل أصبح الإعلاميون بحاجة إلى إعلاميين لإصلاحهم وإرشادهم لدرب الوطن السوي، حين سرى الفساد المالي والأخلاقي على الجميع وغاب عن درب الإضاءة في عتمة الحقب السياسية التي تمر بها الأوطان في الظروف الاستثنائية الصعبة تلك المصابيح التي كثيرا ما تحولت إلى أمثلة ورموز للشهادة الصعبة، فيما الإنسان يحيا مرة واحدة في الحياة، ومن الصعب عودتها. 

    وأمامنا في غزة مثال حي، فحتى كتابة هذه الكلمات، كان قد سقط أربعمائة من الصحفيين والإعلاميين تحت عنوان “الشهادة” فدية لبناء وطن محاط بكل صنوف السفلة، ومن بينهم عدد لا يستهان به من الحاكمين العرب! 

    لم تعد في الوطن العراقي فضائية نظيفة، حين سرى خراب الضرورة بضمنها شبكة الإعلام العراقية الرسمية التي نفخ كادرها بما يسمى الفضائيين، وتاه نظام الحساب والمحاسبة والبحث عن الحقيقة في المجتمع والماضي والحاضر وقراءة الحاضر بعين المستقبل. لقد أصبح نظام الفضائية العراقية نموذجا للفساد والخراب يمكن اعتماده نموذجا لفضائيات الخراب أو تلك المؤهلة للخراب!

    يجب وينبغي وبدون تردد، إلغاء العملية الإعلامية وإلغاء قوانينها التي جيء بها برانيا مستهدفة تشظي الوطن وزرع بذور الفتنة والخراب، ووضع قوانين جديدة ومتميزة يكتبها نخبة من الوطنيين والأكاديميين، وفي المقدمة من تلك القوانين، قانون مدينة الإعلام مثل كل البلدان المتحضرة، كي نحمي وطننا حتى نتحاشى الحروب الأهلية ونحن نعيش في وطن التنوع.. والإعلام في العراق يشكل “مكمن الخطر” إذا لم يتأسس وفق وعي الضرورة الإبداعية والوطنية! 
      قاسم حول – سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

    إقرأ الخبر من مصدره