زينب شكري
أعاد الإعلان عن قائمة المكرمين ضمن فعاليات الدورة الرابعة عشرة من المهرجان الدولي للفيلم بالداخلة، المقرر تنظيمها ما بين 6 و12 يونيو 2026، إلى الواجهة الجدل المتواصل حول معايير التكريم داخل عدد من المهرجانات السينمائية المغربية، وسط تساؤلات متزايدة بشأن القيمة الفنية لهذه الالتفاتات، وما إذا كانت ما تزال مرتبطة بالمنجز الإبداعي أم تحولت إلى دائرة مغلقة من العلاقات والمصالح المتبادلة بين منظمي التظاهرات الثقافية.
واختار المهرجان خلال هذه الدورة تكريم كل من المخرج والمنتج المغربي حسن بنجلون، والممثلة الإيفوارية ناكي سي سافاني، والمفكر والباحث المغربي محمد نور الدين أفاية، والكاتب والسيناريست المصري مدحت العدل، إلى جانب الممثلة المغربية سعاد خيي، والمنتج المغربي فؤاد شالة. غير أن اسمين على وجه الخصوص أثارا موجة واسعة من التعليقات والنقاش، ويتعلق الأمر بكل من مدحت العدل وناكي سي سافاني، بالنظر إلى تكرار حضورهما في قوائم التكريم داخل مهرجانات مغربية خلال السنوات الأخيرة.
ويرى متابعون للشأن السينمائي أن الجدل الحالي لا يرتبط بالأسماء في حد ذاتها، بقدر ما يرتبط بفكرة “تكرار الوجوه نفسها” في مختلف التظاهرات، مقابل غياب أسماء أخرى أو تهميش طاقات شابة لم تحظ بعد بأي التفاتة رمزية أو اعتراف مهني داخل بلدها.
كما يتساءل كثيرون عن “الجديد” الذي تضيفه هذه التكريمات حين تتحول إلى مواعيد متكررة لنفس الشخصيات في فترات زمنية متقاربة.
وفي هذا السياق، قال الناقد الفني أحمد سيجلماسي، إن بعض المهرجانات المغربية باتت تشتغل بمنطق تبادل المجاملات أكثر من اشتغالها بمنطق الاعتراف الفني الخالص، مستحضرا ما وصفه بشعار غير معلن داخل عدد من التظاهرات: “كرمني نكرمك”.
وأشار سيجلماسي، إلى أن عددا من مديري المهرجانات المصرية أصبحوا من الوجوه الأكثر حضورا في المغرب، مقابل استضافة منظمي مهرجانات مغربية داخل تظاهرات تقام بمصر، وعلى رأسها مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية.
وأوضح الناقد الفني أحمد سيجلماسي، أن اسم مدحت العدل يظل من بين أكثر الأسماء التي أعادت إشعال النقاش حول طبيعة التكريمات في المهرجانات المغربية، مشيرا إلى أن الاحتفاء المرتقب به في الداخلة يعد الرابع من نوعه داخل المغرب في ظرف أربع سنوات فقط، بعدما سبق تكريمه في مهرجان وجدة المغاربي للفيلم سنة 2022، ثم في مهرجان بنسليمان للزجل سنة 2024، قبل أن يحظى بتكريم جديد في مهرجان الحسيمة الدولي للفيلم خلال ماي 2025.
واعتبر سيجلماسي أن هذا التكرار المتقارب زمنيا يطرح أكثر من علامة استفهام بشأن المعايير المعتمدة في اختيار المكرمين، متسائلا عما إذا كان الأمر يرتبط فعلا بتقدير فني متجدد، أم بتحول التكريم إلى ما يشبه “اشتراكا سنويا” يتكرر من مهرجان إلى آخر، في ظل غياب أسماء أخرى تستحق بدورها الالتفات والاحتفاء.
وأضاف المتحدث ذاته، في تصريح لـ”العمق”، أن الجدل لا يقتصر على مدحت العدل فقط، بل يشمل أيضا الممثلة الإيفوارية ناكي سي سافاني، التي سبق أن جرى تكريمها خلال الدورة الأخيرة من المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة سنة 2024، قبل أن تعود مجددا إلى قائمة المكرمين في الداخلة سنة 2026.
وأشار سيجلماسي إلى أنه، رغم الاعتراف بالمسار الفني والثقافي الطويل للممثلة الإيفوارية، باعتبارها فنانة سينمائية ومسرحية وفاعلة ثقافية تدير مهرجانا سينمائيا بالكوت ديفوار وتنشط في قضايا تعليم المرأة والثقافة الإفريقية، فإن إعادة تكريمها بعد فترة قصيرة أعاد طرح السؤال نفسه حول محدودية الأسماء التي يتم تداولها داخل المهرجانات الإفريقية والمغربية.
واعتبر الناقد الفني أن هذا النوع من الاختيارات يعكس -في نظره- ما وصفه بـ”الدبلوماسية الثقافية غير المعلنة” وتبادل المصالح بين منظمي المهرجانات، مبرزا أن عددا من الأسماء باتت تنتقل بشكل متكرر بين التظاهرات نفسها، في وقت تظل فيه طاقات سينمائية مغربية شابة خارج دائرة الضوء والتقدير.
كما شدد سيجلماسي على أن المهرجانات السينمائية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بإعادة النظر في فلسفة التكريم، والبحث عن التوازن بين الاحتفاء بالأسماء المعروفة وفتح المجال أمام وجوه جديدة صنعت حضورا فنيا حقيقيا، سواء داخل المغرب أو على المستوى الإفريقي والعربي.



