Étiquette : مصطفى منوزي

  • مفارقة الدولة المعكوسة: خوصصة إنتاج الكهرباء وتأميم استقلالية المحاماة

    مصطفى المنوزي*
    في ظلّ تحوّلات سياسية مُربكة، تبرز صورة لدولة تقوم بتقليب أدوارها رأسًا على عقب: فهي تخصخص ما تبقى من ممتلكات القطاع العام، بل وتتعدى ذلك إلى تفويت مقومات سيادية حيوية مثل إنتاج الكهرباء والماء. وفي المقابل، تمارس – بصمت وبالفعل – تأميمًا للقطاعات المهنية المستقلة ، وعلى رأسها المهن القانونية. (وعلى رأسها المحاماة نموذجا ) ، هذا التحول ليس مجرد مفارقة إدارية ولا خيارًا محايدًا، بل هو تجسيدٌ لاختلال جوهري في رؤية الدولة لوظيفتها وحدود سلطتها.
    فعندما يُترك قطاعا الماء والكهرباء لمنطق السوق، لا تنسحب الدولة من الاستثمار فحسب، بل تتخلى ضمناً عن أدوات حيوية لصنع القرار السيادي، محوّلة الحق في الحصول على الخدمات الأساسية إلى معادلة ربحية محضة. وهكذا يُفرغ المرفق العام من مضمونه التضامني ويُستبدل بعلاقة زبونية، مما يجعل إدارة الندرة بديلاً عن معالجتها، ويعمّق الفوارق الطبقية والمجالية ويقوّض ثقة المواطن في الدولة كضامنة للحقوق الأساسية.
    وفي الاتجاه المعاكس، يجري تأميم غير مُعلن للمهن القانونية الحرة عبر تراكم القوانين المقيدة، والتنظيم المفرط، والأعباء الضريبية، وآليات التأديب الإداري، مما يجردها من استقلاليتها ودورها كوسيط لحماية الحقوق بين الفرد والسلطة. هذا التأميم لا يهدف إلى تحسين الجودة أو تعزيز النزاهة، بل إلى إخضاع مجال الدفاع القانوني لمنطق الهيمنة، وتقليص قدرته على حماية الحقوق ومحاسبة القرارات العامة.
    وهكذا يُشن اعتداء مزدوج على الطبقات الوسطى: اعتداء رمزي عبر نزع الاعتراف بدورها التاريخي كقاعدة للاستقرار والوساطة الاجتماعية، واعتداء مادي عبر تقويض أسس عيشها واستقلالها المهني. فالتخصّص هنا يُغلف بسردية “الإصلاح”، والتأميم بسردية “الضبط”، بينما يكشف الواقع عن نقل منهجي للثروة والدور الاجتماعي من المجال العام إلى دائرة الريع، مقابل إخضاع الفئات التي يمكن مراقبتها وضبطها.
    إن سياسة الهيمنة هذه، في هذا السياق، ليست انحرافًا عابرًا، بل هي خلل بنيوي ناتج عن تحول الوصاية التي تمارسها المؤسسات المالية الدولية من دعم ظرفي إلى نمط حكم دائم. فالإصلاحات تُختزل إلى مؤشرات مالية ضيقة الأفق، تُقايض السيادة الوطنية بتصنيف ائتماني، والعدالة الاجتماعية باستقرار محاسباتي، لتنتج دولة قوية في مواجهة الضعفاء وضعيفة في مواجهة الأقوياء: فهي تشدد الخناق على المهن الحرة لأنها قابلة للمساءلة المباشرة، وتتنازل عن القطاعات الاستراتيجية لأنها مُكلفة سياسيًا.
    والنتيجة النهائية هي إعادة تشكيل المجال العام بشكل يُفرغ الحقوق من حماة، والخدمات من روحها التضامنية، ويستبدل بناء الثقة بإدارة دائمة للأزمات. ودون إعادة نظر جذرية في هذه المعادلة، في إطار رؤية سيادية وحقوقية تربط بين المرفق العام واستقلالية المهن وحوكمة القرار، ستظل “خوصصة السيادة” و”تأميم الاستقلال” وجهين لعملة واحدة: عملة الهيمنة في زمن سياسي مُتدنّ.

    *رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سرديات اللوبي الكولونيالي وضمير ذاكرة المقاومة

    مصطفى المنوزي*
    ألم نقل لكم إن اللوبي الكولونيالي لم ولن يستوعب قرار التخلي عن إلقاء خطاب ثورة الملك والشعب؟ إن ما قد يُسوَّق كخطوة بروتوكولية أو كإعادة ترتيب في الأجندة السياسية، يخفي في العمق مسعى لإضعاف ذاكرة المقاومة وإفراغها من مضمونها، في زمن عاد فيه الاستعمار بوجه ناعم، وبأدوات أخطر من البارود والسلاح: أدوات الاقتصاد والاتصال والتطبيع الثقافي.

    لقد ظل خطاب 20 غشت علامة فارقة في التاريخ الوطني، لأنه يجسد تلاحم العرش والشعب في مواجهة الاستعمار، ويعيد إلى الذاكرة أسماء الشهداء وبطولات جيش التحرير. التخلي عن هذه اللحظة الرمزية ليس مجرد غياب لطقس سياسي، بل هو هدية مجانية للذين يتربصون بذاكرتنا الجماعية، ويراهنون على النسيان كي يفرضوا سرديتهم البديلة.

    إن اللوبي الكولونيالي يعرف جيدًا أن أخطر سلاح ليس المدفع ولا الطائرة، بل القدرة على محو الذاكرة وإعادة كتابتها بما يخدم مصالحه. ولهذا فإن تقليص حضور رموز المقاومة في الفضاء العمومي، أو التعامل مع المناسبات الوطنية بروح شكلية، يفتح الباب واسعًا أمام عودة النفوذ الأجنبي بأدوات “الاستعمار الناعم”: الاستثمارات المشروطة، الإملاءات الانتخابية، الضغوط الدبلوماسية، والتطويع الإعلامي.

    وها نحن نرى اليوم كيف تتقاطع هذه الأدوات مع لحظة سياسية دقيقة يعيشها المغرب: انتخابات تفرغ من مضمونها، أحزاب تتحول إلى مقاولات تسويات، ونخب تلهث وراء الريع بدل بناء مشروع وطني. في هذا المناخ، يصبح تغييب خطاب ثورة الملك والشعب أكثر من مجرد صدفة؛ إنه إشارة مقلقة على أن الذاكرة الوطنية لم تعد في صلب الرهان السياسي.

    لهذا فإن التحذير واجب: مراجعة القرار لم تعد مسألة رمزية فحسب، بل صارت ضرورة أمنية واستراتيجية. فمن دون استحضار روح المقاومة وجيش التحرير، سنفقد البوصلة التي توجهنا في زمن التحولات الإقليمية: انفجار الأوضاع في الجوار، سباق النفوذ بين القوى الكبرى، وتطبيع غير مشروط مع أجندات تسعى لتفكيك المنطقة وإعادة تركيبها.

    إن ذاكرة المقاومة ليست عبئًا على الحاضر، بل هي سلاحه الرمزي. وكل تنازل عنها هو تنازل عن جزء من السيادة. لذلك، وجب التذكير اليوم قبل الغد: 20 غشت ليس مجرد تاريخ على الروزنامة، بل هو خط أحمر في معركة الذاكرة، ومعركة الذاكرة هي معركة السيادة.

    *منسق منتدى ضمير الذاكرة

    إقرأ الخبر من مصدره

  • نحو عقيدة أمنية ديمقراطية: من الدولة المخيفة إلى الدولة الآمنة

    مصطفى المنوزي
    تقديم
    صحيح أن الدولة، من خلال مؤسساتها وممثليها، تظل الفاعل الرئيسي في المشهد السياسي والعمومي، خاصة أمام هشاشة المشهد الحزبي وضعف مكوناته التنظيمية والفكرية. غير أن هذا الفراغ لا يمكن أن يشكل مبررًا لإطلاق اليد في الهيمنة الرمزية إلى ما لا نهاية. فالهيمنة، وإن كانت ضرورية لضبط التوازنات في مراحل حرجة، سرعان ما تتحول إلى عائق بنيوي حين تتجاوز حدودها المعقولة، لأنها تُنتج احتكارًا للشرعية، وتغذي توتر العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتعيد إنتاج دائرة الريبة وعدم الثقة.
    ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في طبيعة الشرعية وآفاق الأمن، ليس بوصفهما أدوات للسيطرة، بل كآليات للتجديد والاستباق وبناء التعاقد الاجتماعي.
    إن اللحظة المفصلية التي تحدد مآلات الدولة هي لحظة إقرار العقل الأمني بأن الشرعية التاريخية ليست مجرد إرث رمزي أو ترف مؤسساتي، بل شرط لا غنى عنه للاستمرار. غير أن هذه الشرعية، في حد ذاتها، لا تكفي ما لم تُدعَّم بشرعية الديمقراطية؛ إذ أثبت التاريخ أن الشرعيات الموازية – الدينية والوطنية والاجتماعية – لا تتجاوز وظيفة التكميل والدعم الرمزي، دون أن تحسم في معادلة الاستقرار أو بناء الثقة.
    إن جوهر الانتقال الأمني لا يقتصر على إصلاح تقني للأجهزة أو تحديث أساليب الضبط، بل هو تخلي واعٍ عن التعريف التقليدي للدولة كتنظيم يقوم على العصبية والدين، ويضمن بالقوة تناوب الأسر المهيمنة على السلطة. هذا التعريف القديم هو ما غذّى تنازع الشرعيات وتنازع السرديات، وأبقى الدولة والمجتمع في حالة هشاشة دائمة.
    ولعل ظاهرة السيبة التي عرفها المغرب، وما رافقها من تمرد الهوامش على المركز، تشكل مثالًا تاريخيًا حيًّا على أن غياب الشرعية المقنعة يولّد مقاومات بديلة. فكلما فشلت الدولة في إنتاج شرعية قادرة على الإدماج، برزت الهوامش كفضاء تمرد وعصيان، في شكل دفاع ذاتي أو كسلطة بديلة. وهكذا تحولت السيبة إلى سردية مضادة، لا مجرد واقعة ظرفية.
    إن تجاوز منطق السيبة لا يكون بالقمع ولا بإعادة إنتاج مركز متسلط، بل عبر بناء عقد ديمقراطي جديد يدمج الهوامش داخل مشروع الدولة، بدل دفعها إلى العزلة أو الانفصال الرمزي. وهنا يكمن الرهان: انتقال أمني عقائدي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة.
    ملامح السيناريو المستقبلي
    1. تحول في العقيدة الأمنية: من أمن يقوم على الحراسة والرقابة إلى أمن يقوم على الثقة والمواطنة، ومن مركز يخشى الهوامش إلى مركز يستوعبها ويعتبرها مصدرًا للشرعية والدينامية.
    2. شرعية مزدوجة: الشرعية التاريخية كذاكرة تأسيسية تحفظ عمق الدولة، والشرعية الديمقراطية كعقد مستقبلي متجدد يؤسس لشراكة سياسية وأمنية حقيقية.
    3. دولة المجتمع: دولة آمنة وليست أمنية، قوية بشرعيتها لا مخيفة بأجهزتها، قادرة على تحويل التنوعات والتوترات إلى موارد قوة لا إلى مصادر تهديد.
    أفق استشرافي
    إن أي انتقال ديمقراطي في المستقبل سيبقى ناقصًا إذا لم يواكبه انتقال أمني على مستوى العقيدة. فالدولة التي تظل أسيرة هاجس العصبية والسيطرة ستبقى عرضة لتنازع الشرعيات، ولن تبرأ من فوبيا الانقراض. أما الدولة التي تدمقرط أمنها وتحوّل سياساتها من منطق التخويف إلى منطق الشراكة، فهي وحدها القادرة على طي صفحة التنازع بين المركز والهوامش، بين النظام والسيبة، وبناء دولة المستقبل: دولة آمنة وليست أمنية، قوية وليست مخيفة.
    وكما لعب الحقوقيون دورهم الطلائعي في تيسير الإنتقال السياسي والحقوقي ودعموا إنجاح وحصاد ثمار التسوية السياسية المتوجة بصدور توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة؛ فإن أي إنتقال منشود لن يمر إلا عبر تأهيل الفعل الحقوقي وفق متطلبات الجيل الجديد من الحقوق، وعلى الخصوص الانفتاح على الحق في المشاركة في صناعة القرارات الأمنية والمالية والتشريعية المتعلقة بالسياسة العامة والقضايا المصيرية والحيوية الإستراتيجية بعد تحريرها من تمثلات المجال المحفوظ!

    إقرأ الخبر من مصدره