الوسم: وجهة نظر

  • سنة بعد العفو الملكي عن مزارعي القنب الهندي.. تقييم الواقع وتحديات المستقبل

    عادل راشدي

    “مسيرة الكرامة” التي نظمها مزارعو منطقة غفساي باتجاه عمالة إقليم تاونات يوم الثلاثاء 5 غشت 2025، كشفت عن تحديات عميقة في مسار تقنين زراعة القنب الهندي، مع محاولة تقييم ما تحقق وما ينقص لتحقيق تنمية مجالية مندمجة.

    العفو الملكي: خطوة نحو السلم الاجتماعي
    كان العفو الملكي عن مزارعي القنب الهندي وأسرهم بمثابة خطوة تاريخية أنهت عقوداً من الخوف والمتابعات القضائية، وأسهمت في تعزيز أجواء السلم الاجتماعي في مناطق زراعة القنب الهندي. لكن، على الرغم من هذا الإنجاز، فإن آليات التنسيق بين الدولة، الجماعات الترابية، والمجتمع المدني لم ترقَ إلى المستوى المطلوب، مما يعيق بناء مستقبل تنموي مستدام لهذه المناطق. فما الذي تحقق على أرض الواقع؟ وما هي التحديات التي كشفت عنها مسيرة الكرامة؟

    مسيرة الكرامة: جرس إنذار وتساؤلات جوهرية
    شكلت مسيرة مزارعي غفساي نقطة نظام وجرس إنذار حول المقاربة التي تتبعها الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي. هذه المسيرة أثارت أسئلة حاسمة تستحق التأمل:
    ● طبيعة المقاربة المعتمدة: هل تعتمد الوكالة مقاربة أمنية تركز على المراقبة والضبط، أم مقاربة تنموية مندمجة؟ التجارب تُظهر أن التركيز على المراقبة وحدها يؤدي إلى انتكاسات على المدى المتوسط والبعيد، مما يستدعي إعادة تقييم هذا النهج.
    ● إدماج المنتجين الصغار: هل تم إشراك المنتجين الصغار في جميع مكونات سلسلة القيمة؟ الواقع يؤكد أن دور التعاونيات يقتصر على الإنتاج، دون المشاركة في عمليات التثمين والتسويق، حيث تتحكم الشركات الكبرى في هذين المجالين. هذا الوضع يثير تساؤلات حول ظروف تأسيس التعاونيات، ويوحي بظهور اقتصاد ريعي جديد يستفيد منه فاعلون كبار على حساب المنتجين الصغار. في المقابل، كانت سلسلة القيمة في زمن “اللاقانونية” تعتمد على “البزناس”، الذي كان قريباً من المنتجين، يمول عمليات الإنتاج ويقدم تسبيقات وسلفيات في أوقات الأزمات، وهو ما يغيب عن النموذج الحالي.
    ● غياب النقاش العمومي: هل فتحت الوكالة الوطنية نقاشاً حقيقياً وشاملاً حول تنزيل برامج تقنين القنب الهندي؟ الإجابة هي النفي، حيث افتقرت عملية التنزيل إلى الشفافية والمشاركة المجتمعية، مما أدى إلى هفوات ونقائص، وغياب مشروع مجالي تشاركي يعكس تطلعات الساكنة.
    ● المسؤولية عن الوضع الحالي: مؤسساتياً، تقع المسؤولية على الوكالة الوطنية وفق قانون 13-21، بينما يبدو تحميل المسؤولية للجماعات الترابية أو الغرفة الجهوية للفلاحة محاولة للالتفاف على جوهر المشكلة. الجماعات الترابية تُعد حلقة ضعيفة في سلسلة التنسيق والمواكبة. والأكثر إثارة للقلق هو تأخر مستحقات المزارعين لأكثر من 10 أشهر، رغم تحديد العقود مهلة شهر واحد للدفع، مع إشراف الوكالة. فلماذا صمتت الأطراف المعنية طوال هذه المدة؟ وأين كانت أصوات الأحزاب السياسية، جمعيات حقوق الإنسان، والمجتمع المدني قبل وأثناء وبعد المسيرة؟ هذا الصمت يكشف عن ضعف الوسطاء التقليديين وغياب الديناميات المحلية القادرة على المرافعة.

    تحديات سلسلة القيمة الحالية
    مسيرة الكرامة سلطت الضوء على اختلالات سلسلة القيمة الحالية. فالمنتجون الصغار، الذين يشكلون العمود الفقري لزراعة القنب الهندي، محرومون من الاستفادة من مراحل التثمين والتسويق، حيث يتركز هامش الربح الأكبر. هذا الوضع يثير مخاوف من تكريس اقتصاد ريعي جديد، يُحرم المزارعين من حقوقهم ويعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية. السؤال المطروح: كيف يمكن الخروج من هذا الوضع الرمادي؟

    رؤية لتنمية مجالية مندمجة
    لتحقيق تنمية مستدامة في مناطق زراعة القنب الهندي، يجب اعتماد رؤية شاملة تستند إلى المنطلقات والمبادئ التالية:
    ● المنطلقات الملكية: أكد الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش 2025 على ضرورة القضاء على مظاهر الفقر والهشاشة، خاصة في العالم القروي، ورفض فكرة “مغرب بسرعتين”. هذا التوجه يشكل أساساً لتصور تنموي عادل ومندمج.
    ● المبادئ المؤسسة: التكامل والتضامن بين المجالات الترابية، من خلال مقاربة تشاركية تعتمد على:
    ● بناء مشروع مجالي مشترك يوظف الذكاء الجماعي ويثمن الرأسمال اللامادي لهذه المناطق.
    ● التدبير المستدام للموارد المائية، وهو أمر حيوي في سياق تغير المناخ.
    ● المشاريع المقترحة:
    ● برنامج استعجالي لفك العزلة عن مناطق زراعة القنب الهندي عبر تحسين البنية التحتية.
    ● تأهيل الخدمات الاجتماعية (الصحة، التعليم، التكوين المهني) وشبكات الاتصال.
    ● إحداث مراكز قروية مندمجة توفر فرص عمل ودخلاً من خلال برامج مثل الجيل الأخضر، السياحة القروية، والتمكين الاقتصادي للنساء.
    ● دعم التشغيل وتهيئة مناخ ملائم للمبادرة والاستثمار المحلي.
    ● التأطير والمواكبة:
    ● تنظيم المنتجين الصغار في تعاونيات وإحداث اتحادات إقليمية لتسهيل المواكبة والتأهيل.
    ● تأسيس فيدراليات إقليمية للمرافعة والمساءلة أمام الجهات المختصة.
    ● إنشاء شركات تنمية جهوية وفق القانون التنظيمي 111-14، تضم اتحادات التعاونيات، الجهة، الوكالة الوطنية، الأبناك، والمستثمرين. هذه الشركات ستضمن هامش ربح أفضل للمنتجين الصغار، وستعزز جاذبية جهات طنجة-تطوان-الحسيمة وفاس-مكناس، مع تحقيق التكامل الترابي.

    خاتمة
    مسيرة الكرامة لم تكن مجرد احتجاج، بل دعوة لإعادة تقييم مسار تقنين القنب الهندي. إن تحقيق تنمية مجالية مندمجة يتطلب نقاشاً عمومياً موسعاً، وإشراكاً حقيقياً للمنتجين الصغار في سلسلة القيمة. مغرب اليوم، كما أكد الخطاب الملكي، بحاجة إلى تعبئة كل طاقاته وكفاءاته لبناء وطن يتسع للجميع، ويضمن العدالة المجالية وكرامة مواطنيه.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تحليل: الأندلس ومفهوم الحضارات من وجهة نظر الأستاذ عبد الواحد أكمير

    العلم الإلكترونية – هشام الدرايدي 
    تبادل عبد الواحد أكمير أستاذ باحث في التاريخ وخبير في العلاقات الدولية أفكارا حول مفهوم “تحالف الحضارات” من خلال دردشة مع الباحث الإسباني “ماكسيمو كخال”، وبينما أثارت مفاهيم التلاقح والتحالف والحوار الحضاري نقاشًا، تفاجأ أكمير بذكر “ماكسيمو” للعالم ابن خلدون ودوره في هذا السياق، واهتمامه بالحضارات.   وحسب ما أدلى به أكمير، فإن ابن خلدون، يعتبر المؤسس الشهير لفلسفة التاريخ وعلم العمران، والذي يرتبط بمفاهيم السياسة والمجتمع، ولم يُعتبر العالم الأندلسي مهتما بمفهوم الحضارات، إلا أن “ماكسيمو” أشار إلى تضمين ابن خلدون لهذه المفاهيم في أعماله. وتحدث أكمير عن تفسير “ماكسيمو” لمصطلح “الدول” في نصوص ابن خلدون، حيث يُفسر عادة الدول بأنها تمثل الحضارة الأندلسية.   أكد “ماكسيمو” عند مناقشة دور الأندلس في مفهوم التحالف الحضاري، أن تجربة الأندلس كانت فريدة من نوعها وتعتبر أساسا مرجعيا لدراسة التحالف بين الحضارات، وبناء على ذلك، أوضح أكمير أهمية الأندلس كنموذج للتعايش الثقافي والديني، مستشهدا بأفكار “أميركو كاسترو” ودور ابن حزم في تاريخ الأدب الإسباني.   وباختصار، يرى “ماكسيمو” و”أكمير” أن الأندلس تمثل تجربة فريدة في التعايش الحضاري وتحالف الثقافات، مما يجعلها محوراً لأي دراسة حول هذا الموضوع..    وندرج المقال التحليلي كاملا على لسان الأستاذ أكمير:  


    منذ سنوات التقيتُ بأحد أوائل الذين استخدموا مفهوم “تحالف الحضارات” وهو الباحث الإسباني “ماكسيمو كخال”، وكانت لي معه مناقشة أريد أن أتقاسمها معكم. قلت له إنني أستغرب قليلاً لمفهوم “تحالف الحضارات”، لأن الحضارات تتلاقح ولكنها لا تتحالف، والتلاقح حتمي بينما التحالف إيرادي، وبالتالي ربما الأكثر تعبيراً عن واقع الأشياء هو الحوار وليس التحالف. رد قائلاً إن “تحالف الحضارات” هو مستوى أعلى من حوار الحضارات، لأن حوار الحضارات يعني التحاور مع إمكانية الاختلاف، أما التحالف فيعني بالضرورة الوجود في صف واحد رغم الانتماء إلى حضارات مختلفة.     
    إلى هنا كلامه منطقي، لكن الذي فاجأني هو قوله إن موضوع تحالف الحضارات لمَّح له ابن خلدون منذ قرون. أجبته أنني أعرف أن ابن خلدون هو مؤسس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، ولكن قضية الحضارات لم تكن في صلب اهتماماته.     
    ليؤكد لي العكس، جاءني “ماكسيمو كخال” بنص لابن خلدون يقول: “يحتاج صاحب هذا الفن (فن التاريخ)، إلى العلم بقواعد السياسة، وطبائع الموجودات، واختلاف الأمم، والبقاع، والأعصار (العصور)، والسير، والأخلاق، والعوائد، والنحل، والمذاهب، وسائر الأحوال، والإحاطة بالحاضر من ذلك، ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق، أو ما بينهما من الخلاف، وتعليل المتفق منهما والمختلف، والقيام على أصول الدول والملل ومبادئ ظهورها، وأسباب حدوثها ودواعي كونها، وأحوال القائمين بها وأخبارهم”.    
    بادرته بالقول إنني بعدما اطلعت على النص، لم أعثر على أي ذكر لمفهوم الحضارات. رد علي بأن كلمة دول التي تظهر في النص، يَقصد بها ابن خلدون الحضارة، لأن ابن خلدون يستعمل مفهوم الدول أحياناً بدلالة سياسية وأحياناً بدلالة حضارية. عندما يربط ابن خلدون الدول بالأديان كما فعل في النص الذي نتحدث عنه، أو عندما يربط الدول بالعمران، فهو يقصد بها الحضارة. الحضارة بالنسبة لابن خلدون هي قمة العمران. فاجأتني مرة أخرى قدرة “ماكسيمو كخال” على الغوص في الفكر الخلدوني.      
    وبسبب معرفته المسبقة باهتماماتي الأندلسية، قال لي “ماكسيمو كخال”، لعلك تعرف أن ابن خلدون ميز بين الحضارة الأندلسية والحضارات الأخرى، واعتبر أن الحضارات تدخل مرحلة الأفول عندما تقع ارتجاجات في السياسة. أجبته بأن ابن خلدون عندما قال هذا، استثنى الأندلس لأنه رأى بأن الحضارة الأندلسية هي بناء مرصوص، يقوم على الموروث الروماني اللاتيني الذي كان يوجد في أرض إسبانيا قبل وصول الإسلام، وبما أن الأساس متين فإن الصرح متين، لذا لم تتأثر الحضارة الأندلسية بارتجاجات السياسية.     
    انتقل “ماكسيمو كخال” من ابن خلدون إلى ابن رشد وابن حزم، وبدأ يقرأ لي بعض النصوص التي وردت عندهما، غايته إيجاد خيط ناظم بين “تحالف الحضارات” وبين الفكر الأندلسي. بعد الانتهاء من القراءة قال لي، إن وصول الإسلام إلى الأندلس، مثَّل بداية التعددية الثقافية والدينية التي تعتبر من أسس “تحالف الحضارات”، وإن الأندلس استفادت كثيراً من تلك التعددية لأنها سمحت لها بتكوين هوية متنوعة ومتعددة الجذور، وإن هذا ما استخلصه هو من نصوص ابن رشد وابن حزم.  
    قلتُ له إذا كان لا بد من الحديث عن تحالف الحضارات لدى ابن رشد وابن حزم، فإنني أرى أن مساهمتهما في هذا الاتجاه، يجب البحث عنها بالنسبة لابن رشد في “الظاهرة الرشدية” التي أسست للعقلانية الأوروبية منذ القرن الرابع عشر. ويجب البحث عنها بالنسبة لابن حزم، في علم حوار الأديان، والذي يعد ابن حزم أحد أهم مؤسسيه كما نستخلص من مساجلاته مع أهل الديانات. كما يجب البحث عنها ـ ودائماً عند ابن حزم ـ ، في الأدب، لأن كتاب طوق الحمامة، هو المرجعية الأولى للأدب الإسباني ما بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر. وأضفت أن ذلك هو ما خلص إليه “أميركو كاسترو” أحد أبرز منظري الفكر التاريخي في القرن العشرين، وقد خصص “كاسترو” في كتابه الموسوعي عن التعايش بين الثقافات الثلاث في الأندلس، مائة صفحة لابن حزم.   
    رد علي “ماكسيمو كخال” منهياً الكلام، بأنه يعتبر التجربة الأندلسية هي الأساس المرجعي لأية أطروحة حول تحالف الحضارات، بكل بساطة لأنه لم يعثر على أي تجربة مشابهة في كل الحضارات التي عرفها العالم ما بين القرنين الثامن والخامس عشر.   

    إقرأ الخبر من مصدره