زينب شكري
في الوقت الذي لا يزال فيه الجدل متواصلا حول الصورة التي ترسمها السينما الغربية للعرب والمسلمين، والتي ارتبطت في كثير من الأحيان بقوالب نمطية اختزلت هذه الشعوب في العنف أو التخلف أو التطرف، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل أنصفت السينما العالمية العربي في بعض أعمالها؟ وهل وجدت أفلام استطاعت كسر هذه الصورة السائدة وقدمت شخصيات عربية ومسلمة أكثر إنسانية وعمقا؟.
وفي هذا السياق، يرى الناقد الفني عبد الكريم واكريم، أن النقاش حول صورة العربي في السينما العالمية ظل محصورا لسنوات في رصد التمثلات السلبية، بينما لم تحظ الأفلام التي قدمت العرب والمسلمين بصورة إيجابية بالاهتمام نفسه، رغم قيمتها الفنية والإنسانية وقدرتها على تقديم نماذج مغايرة بعيدة عن التنميط.
وأوضح واكريم، أن تشويه صورة العرب والمسلمين في السينما العالمية لا يعد حالة استثنائية، إذ سبق للسينما الأمريكية أن قدمت صورا نمطية ومسيئة لأعراق وشعوب أخرى، من بينها السود والهنود الحمر، قبل أن تعرف هذه الصورة تحولات تدريجية مع مرور الزمن، وخصوصا بعد بروز أصوات جديدة داخل صناعة السينما نفسها، أعادت النظر في تلك التمثلات وقدمت رؤى أكثر توازنا وعدالة.
وفي مقابل عشرات الأعمال التي كرست صورة العربي باعتباره شخصية هامشية أو خطيرة، يؤكد الناقد المغربي، أن هناك أفلاما عالمية مهمة اختارت مسارا مختلفا، وقدمت شخصيات عربية ومسلمة تحمل أبعادا إنسانية وفكرية وأخلاقية عميقة.
ومن بين هذه الأعمال “لورانس العرب”، و”الطريق إلى الهند”، و”المحارب الثالث عشر”، و”السيد إبراهيم وأزهار القرآن”، و”ميونيخ”، و”مملكة السماء”، و”واجب مدني”، و”العودة إلى حنصالة”، و”صيد السلمون في اليمن”.
ويرى واكريم، أن هذه الأفلام لا تستحق التوقف عندها فقط لأنها أنصفت العربي والمسلم، بل لأنها أيضا أعمال سينمائية رفيعة المستوى من الناحيتين الفنية والجمالية، استطاعت أن تفرض حضورها في الذاكرة السينمائية العالمية وأن تظل مرجعا لكل من يبحث عن صورة أكثر توازنا وإنصافا للآخر.
ومن بين المخرجين الذين توقف عند تجربتهم، يبرز اسم المخرج البريطاني ديفيد لين، الذي وصفه واكريم، بأنه”صاحب رؤية إنسانية مغايرة” في تناوله للشرق العربي والإسلامي، ففي فيلم “لورانس العرب” قدم لين شخصيات عربية بعيدة عن النظرة الفوقية والاستشراقية المعتادة، وحرص على إظهارها كأفراد تحركهم المصالح والمشاعر والتناقضات الإنسانية نفسها التي تحرك أي شخصيات أخرى في العالم.
واعتبر واكريم، أن شخصية “علي”، التي جسدها الممثل المصري عمر الشريف في الفيلم، تعد من أبرز الشخصيات العربية التي ظهرت في السينما الغربية فهذه الشخصية تظهر بصورة نبيلة وشجاعة وإنسانية، وتتحول إلى ضمير حي يرافق “لورانس” ويواجهه بأخطائه ويذكره دوما بجانبه الإنساني، في صورة نادرة للعربي داخل الإنتاجات الغربية.
كما توقف الناقد عند فيلم “الطريق إلى الهند”، الذي قدم من خلال شخصية الطبيب المسلم عزيز نموذجا مختلفا للمسلم في السينما الغربية، فالشخصية تتعرض لاتهام ظالم وتجد نفسها ضحية للعنصرية والاستعلاء الاستعماري، قبل أن تظهر الحقيقة ويتم تبرئتها.
وأشار واكريم، إلى أن الفيلم شكل إدانة واضحة للسياسات الاستعمارية البريطانية وللنظرة المتعالية التي كانت سائدة تجاه سكان الهند الأصليين.
وأضاف أن الفيلم أبرز أيضا شخصيات هندية ومسلمة متسامحة وراقية أخلاقيا، مقابل شخصيات استعمارية متعجرفة، ما جعل العمل يحمل رسالة إنسانية قوية تتجاوز حدود الحكاية السينمائية إلى نقد منظومة كاملة من التمييز والعنصرية.
وفي حديثه عن فيلم “صيد السلمون في اليمن”، أبرز واكريم، أنه قدم بدوره شخصية عربية مختلفة عن السائد في المخيال الغربي، فالشيخ اليمني الذي يقود مشروع نقل سمك السلمون إلى اليمن يظهر كشخصية مثقفة ومتنورة وصاحبة رؤية تنموية وإنسانية، تسعى إلى إحياء الأرض وتحسين حياة الناس، وليس مجرد شخصية ثرية أو نمطية كما جرت العادة في العديد من الأفلام الغربية.
وسجل الناقد أن هذه الشخصية تلتقي في بعدها الإنساني مع شخصية “علي” في “لورانس العرب”، حيث يبرز العربي هنا كشخص قادر على الإلهام والتأثير الإيجابي في محيطه، بما في ذلك الشخصيات الغربية نفسها.
أما فيلم “مملكة السماء” للمخرج ريدلي سكوت، فيراه واكريم واحدا من أبرز الأعمال التي دعت إلى التسامح والتعايش بين الأديان والثقافات لأنه يقدم مدينة القدس باعتبارها فضاء للتعايش والسلام وسط عالم تمزقه الحروب والتعصب الديني، ويمنح شخصيات عربية ومسلمة مساحة إنسانية واسعة، وفي مقدمتها شخصية صلاح الدين الأيوبي.
ولفت واكريم، في قراءة نقدية عبر حسابه على “فيسبوك”، إلى أن صلاح الدين ظهر في الفيلم بصورة القائد الحكيم وصانع السلام، وهي صورة نادرا ما حظيت بها الشخصيات العربية والإسلامية في السينما الغربية، حيث جرى تقديمه باعتباره حاميا للضعفاء وداعية للتسامح، بعيدا عن منطق الانتقام والكراهية.
ورغم إشادته بهذه النماذج السينمائية، شدد واكريم، على أن العرب لا ينبغي أن يظلوا أسرى انتظار الصورة التي ينتجها الآخر عنهم، سواء كانت إيجابية أو سلبية، بل عليهم أن يبادروا إلى إنتاج صورتهم الخاصة بأنفسهم، من خلال أعمال سينمائية قادرة على مخاطبة العالم بلغة فنية وإنسانية مشتركة.
ونبه الناقد الفني، إلى أن العالم العربي يتوفر على كفاءات كبيرة من مخرجين وكتاب وتقنيين وممثلين قادرين على إنجاز أعمال مؤثرة عالميا، معتبرا أن المشكلة لا ترتبط بالإمكانات بقدر ما ترتبط بغياب الرؤية والإرادة. كما أن تقديم صورة عربية مختلفة لا يقتضي بالضرورة ميزانيات ضخمة على الطريقة الهوليودية، بل يحتاج إلى مشاريع تمتلك رؤية واضحة وتطرح الشخصية العربية في بعدها الإنساني المنفتح على العالم.
وفي سياق تحليله للخلفيات المتحكمة في هذا التشويه، أوضح الناقد الفني عبد الكريم واكريم، أن التوجه العام للسينما الغربية، وتحديدا “هوليود”، يرتكز على خلفيات تجارية وسياسية تهدف بالأساس إلى الدفاع عن المصالح الاقتصادية والسياسية الغربية، إلى جانب مغازلة شريحة واسعة من الجمهور الغربي الذي نشأ على تلك الصور النمطية، خاصة في الفترات السياسية العصيبة.
وأشار واكريم إلى أن أحداث 11 سبتمبر 2001 شكلت منعطفا بارزا، حيث انتقلت السينما الهوليودية من تقديم العربي والمسلم في قالب كاريكاتوري احتقاري، إلى تكريس نمطية “الإرهابي المتعطش للدماء”، لافتا إلى أن هذه الموجة من الأفلام جاءت مجردة من أي قيمة فنية أو إنسانية، ولم تحظ بأي تقدير نقدي، على عكس القلة القليلة من الأعمال المنصفة التي حصدت جوائز رفيعة في المهرجانات الدولية ونالت إشادة واسعة من صناع السينما عبر العالم.
إقرأ الخبر من مصدره