Étiquette : 7 أكتوبر

  • الرفع من العتبة الانتخابية ومقاومة الأحزاب الصغرى (2)

    محمد شقير

    لقد فاقم تناسل هذه الأحزاب الصغرى تشرذم المشهد السياسي وصعوبة قراءته بوضوح لا من طرف السلطة ولا من طرف الرأي العام . إذ لم يستوعب هذا الأخير وجود هذا الكم الهائل من أحزاب معظمها انفصل عن أحزاب قائمة. في حين أن السلطة حاولت سواء في نهاية حكم الملك الراحل الحسن الثاني أو في عهد الملك محمد السادس عقلنة المشهد الحزبي للتحكم فيه، الشيء الذي اعتبرته الأحزاب الصغرى تهديدا لوجودها ، لتتعبأ لمقاومته.

    وهكذا لجأت السلطة للتقليص من عدد هذه الأحزاب إلى آليتين تتمثلان في الرفع من العتبة الانتخابية ، والرفع من عدد المؤسسين

    -الرفع من العتبة الانتخابية

    بعد نسبة العزوف غير المسبوقة التي عرفتها انتخابات 2007 ، رغم كل الجهود التي بذلتها السلطة من أجل توسيع نسبة المشاركة بما في ذلك عملية التسويق التي قامت جمعية دابا لنور الدين عيوش ، تم التفكير في إعادة هيكلة المشهد الحزبي من خلال التقليص من عدد الأحزاب الصغرى.

    وفي هذا السياق تم الرفع من نظام العتبة من 3 في المائة إلى 6 في المائة في الانتخابات الجماعية لسنة 2009، مما أثار سخط زعماء الأحزاب الصغرى على هذا الإجراء الذي اعتبر كنوع من الإقصاء السياسي ويتناقض مع مبدأ التعددية الحزبية .وقد عكست بعض الصحف مظاهر هذا السخط ، حيث ورد في يومية المساء بشأن سؤال حول ما مصير الأحزاب الصغرى في الانتخابات الجماعية القادمة بعد التعديلات الأخيرة في الميثاق الجماعي، التي قضت برفع نظام العتبة من 3 في المائة إلى 6 في المائة من أصوات الناخبين لتشكيل مجالس المدن والمقاطعات خلال الانتخابات الجماعية؟

    رد الأمين العام لحزب القوات المواطنة والحزب العمالي بما يلي:
    (فقد قال عبد الرحيم الحجوجي، الأمين العام السابق لحزب القوات المواطنة، إن الضرورة تقتضي اليوم إلغاء هذا النظام الذي يحصر العتبة في 6 في المائة لأن الهواجس التي تحكمت في إقراره لها صلة بضبط الأحزاب الصغرى والحد من حركيتها وتمثيليتها، مشيرا في هذا السياق إلى أن مثل هذه التعديلات لا تخدم التعددية المطلوبة في المشهد الحزبي بالمغرب، خاصة مع وجود إرادة سياسية تدفع في اتجاه تخليق الحياة العامة . وفيما يبقى الحل بالنسبة إلى الحجوجي هو العودة إلى النظام السابق الذي يحصر العتبة في 3 في المائة باعتبار هذا النظام يسمح للمغاربة بالتعرف، عن قرب، على برامج الهيئات السياسية بدون إقصاء لأي طرف… فالعائق الذي يحول دون تكوين أقطاب سياسية منسجمة فكريا وإيديولوجيا، بالنسبة إلى بنعتيق، هو ذاك المرتبط بعدم وجود نظام انتخابي في دورتين، الأولى تكون للتعريف ببرامج جميع الأحزاب، فيما الدورة الثانية تخصص لتحالفات حزبية على أساس التقارب الفكري والإيديولوجي وليس على أساس الولاءات المصلحية الضيقة، داعيا في الوقت نفسه إلى ضرورة تمكين المنتخبين في المجالس المحلية من صلاحيات تساعدهم على تنزيل برامجهم التي على أساسها تم التصويت عليهم. وحذر بنعتيق من اختزال وظيفة الأحزاب في الترشح للانتخابات، وقال إن هناك وظيفة أسمى للأحزاب، وهي وظيفة التأطير السياسي للمواطنين. ) ( 2)
    وقد تكرر تعبير زعماء الأحزاب الصغرى عن سخطهم قبيل الاستحقاقات الانتخابية التي أطرها دستور فاتح يوليوز 2011 الصادر في سياق تداعيات الحراك السياسي الذي تزعمته حركة 20 فبراير بكل أطيافها الشعبية والسياسية.

    فقد ( خلف مشروع القانون التنظيمي لمجلس النواب، الذي سلمه وزير الداخلية مولاي الطيب الشرقاوي، يوم الخميس الماضي، إلى الأحزاب السياسية، حالة من الاستياء في صفوف الأحزاب الصغرى. وشن شاكر أشهبار، الأمين العام لحزب التجديد والإنصاف، هجوما حادا على وزارة الداخلية، متهما إياها ب«التواطؤ» مع ما أسماها الأحزاب الكبرى المهيمنة، والعمل على تكريس هيمنتها على المشهد الحزبي عن طريق إجراءات قانونية «لآخر ساعة»، مشيرا إلى أن حزبه لن يقبل بمشروع القانون التنظيمي للغرفة الأولى في صيغته الحالية، الذي وصفه ب«الإقصائي». وقال أشهبار ل«المساء»: «حينما يطلب منا التقدم بآرائنا، دون أن تؤخذ بعين الاعتبار، فيما يتم الأخذ باقتراحات أحزاب أخرى خلال اجتماعات ثنائية، وحينما يتم إسقاط اتحادات الأحزاب من مشروع القانون التنظيمي للأحزاب، الذي لم يرد في أي مذكرة من مذكرات الأحزاب المقدمة إلى الداخلية، وإنما جاء خدمة لمصلحة أحزاب ليس من مصلحتها الذهاب إلى الانتخابات في وجود اتحادات حزبية تجهض حلمها في رئاسة الحكومة.. ألا يمكن أن نسمي ذلك تواطؤا من الداخلية». وأضاف أن «إقرار عتبة 6 في المائة يحمل معنى واحدا هو أننا غير معنيين بما يجري، وأنه لا مجال لدعوتنا إلى مناقشة القوانين المؤطرة للعملية الانتخابية. واختصارا، يريدون إشراكنا لتزكية الأمر الواقع المفروض من طرف بعض الأحزاب المهيمنة التي تتقن لعبة الضغط في مفاوضاتها مع وزارة الداخلية».

    وسجل المصدر ذاته أن المشروع لم يبذل أي مجهود فيما يخص شروط الترشيح، التي تجعل البرلماني القادم مؤهلا إلى ذلك، اعتبر مولاي أحمد العراقي، القيادي في الحزب الاشتراكي، أن المشروع يبقي على ما يسمح للفئات المهيمنة بالعودة من جديد، معتبرا في اتصال مع «المساء» أن الخطر الكبير بالنسبة إلى المستقبل هو البقاء على الحال القديم مع الادعاء بأن هناك تغييرا يروم إعادة النظر في التوجهات الكبرى. وقال إنه بالرغم من بعض الإيجابيات التي حملها المشروع، من قبيل التصويت بالبطاقة الوطنية ومحاسبة المنتخبين، فإن «روح القانون تبقى دائما خاضعة لعقلية تقليدية من الصعب أن نعتبرها كافية لبلوغ الأهداف المنشودة»، مشيرا إلى أنه لا يمكن لأي قوة سياسية خلال شهرين أو ثلاثة أشهر أن تقنع المواطن بالتخلي عن العزوف أو التصويت لصالحها. واعتبر مولاي أحمد العراقي أن الإسراع بتنظيم الانتخابات من شأنه أن يسمح لمن يمتلك الإمكانات المادية والمعنوية بالعودة من جديد، مشيرا إلى أن الإبقاء على سقف العتبة في 6 في المائة يقصي بالضرورة الأحزاب التي لا تتوفر على الإمكانات الكافية …) (3)

    وعلى الرغم من محاولة وزارة الداخلية التقريب بين وجهات نظر الأحزاب الكبرى والصغرى فيما يتعلق بالعتبة ، فقد بقي الخلاف قائما بين الطرفين ، حيث تشبث كل طرف بموقفه انطلاقا من رهاناته السياسية ، وحساباته الانتخابية حيث كتب أحد المتتبعين بهذا الصدد ما يلي :
    ( تأجل الحسم في مسألة العتبة، إلى تاريخ لاحق، بسبب استمرار الخلاف بين الأحزاب “الكبرى”، من جهة، وتلك التي تُصنف في خانة الأحزاب”الصغرى”، من جهة أخرى.
    ولم يؤد اجتماع الطيب الشرقاوي، وزير الداخلية، بزعماء وممثلي الأحزاب مساء السبت الماضي، إلى التوافق حول العتبة، بسبب تشبث الأحزاب بمواقفها”المبدئية” من هذه المسألة، إذ جددت قيادات الأحزاب الصغرى موقفها الرافض للعتبة، فيما لم تُبد قيادات الأحزاب الكبرى أي استعداد للتنازل عن دعوتها إلى إقرار عتبة محددة لنيل المقاعد، وطنيا ..

    بدأ الصراع خفيا بين الأحزاب الكبرى والصغرى، حول العتبة، قبل أن تبدأ المشاورات بين القوى السياسية والداخلية بشأن التحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ولكن سرعان ما ظهرت الخلافات إلى العلن، مع بدء هذه المشاورات، في ظل دعوات عدد من الهيآت السياسية، إلى تبني عتبة لا تقل عن 6 في المائة، بل إن بعض الأحزاب استماتت في الدفاع عن عتبة 8 في المائة، ما تسبب في انتفاضة الأحزاب الصغرى.

    وتعتبر الأحزاب الكبرى أن فرض عتبة 6 في المائة، على الأقل، يندرج في سياق عقلنة المشهد السياسي، ومحاربة البلقنة، غير أن استماتتها في الدفاع عن العتبة يستند، بالخصوص، إلى نسب الأصوات التي حصلت عليها في الانتخابات التشريعية الماضية، التي تمنحها الثقة في تحسينها، والحصول على نتائج أفضل، يجعلها تتجاوز نسبة 6 في المائة من الأصوات، غير أن الأحزاب الصغرى تعتبر أن تحديد العتبة محاولة لإقصائها من التباري، ومن المقاعد، وسعي إلى فرض إلغائها من منطلق أن الدستور الجديد يجب أن يكون فاتحة لضمان مبدأ تكافؤ الفرص بين كل القوى السياسية..

    وسبق لثلاثة أحزاب سياسية، هي الحركة الاجتماعية الديمقراطية، والعهد الديمقراطي، والشعب، أن أصدرت، في الفترة الأخيرة، بيانا أكدت فيه رفضها للعتبة الانتخابية، فيما يخص اللائحة الوطنية والتمويل العمومي للأحزاب، معتبرة هذا الإجراء إقصائيا في حق أغلبية الأحزاب الوطنية، ولا يخدم المرحلة الانتقالية الحاسمة التي يعيشها المغرب …) (4).

    لكن يبدو أنه على الرغم من انتقاد أمناء الأحزاب الصغرى لهذا الإجراء (5)، فقد تمت المصادقة على القانون التنظيمي لمجلس النواب من خلال التوصل إلى حل وسط يرضي رغبة الطرفين، حيث احتفظ بنسبة العتبة في 6 في المائة بالنسبة إلى الدوائر الانتخابية المحلية، و 3 في المائة، بالنسبة إلى الانتخاب على مستوى الدائرة الانتخابية الوطنية (6) وفي ظل هذا الوضع، عبأت الأحزاب الصغرى كل إمكانياتها لتغطية الدوائر الانتخابية ، صرح لحسن مديح، الأمين العام للوسط الاجتماعي، إن “الحزب عمل على تغطية ما يعادل 50 في المائة من الدوائر”، في حين صرح أحمد فطري، الأمين العام للوحدة والديمقراطية، لموقع “إيلاف” إن “الحزب غطى فقط 40 في المائة من الدوائر الانتخابية بسبب قلة الوسائل”، موضحا أن حزب الوحدة والديمقراطية “لديه مرشحين يتوفرون على حظوظ كبيرة جدا للفوز بعدد من المقاعد البرلمانية”، و “نحن نثق بالشعب المغربي لأن هناك وعي لدى مجموعة كبير من المواطنين، الذين يؤمنون بالتغيير وينتظرونه”، مشيرا إلى أن “الحزب قام بحملة في عدة مناطق في المملكة، ويراهن على مرشحيه، الذين يتمتعون بمستويات ثقافية عالية” “.

    لكن رغم ، كل هذه التصريحات والجهود التي بذلتها هذه الأحزاب ، فإن نتائج الانتخابات التشريعية ل 25 نونبر 2012 كرست قوة الأحزاب الكبرى التي فازت بأغلبية المقاعد البرلمانية ، حيث حصل حزب العدالة والتنمية على المرتبة الأولى ب 107 مقعدا ، وحزب الاستقلال بالمرتبة الثانية ب60 مقعدا ، وحزب التجمع الوطني للأحرار بالمرتبة الثالثة ب 52 مقعدا ، وحزب الأصالة والمعاصرة و بالمرتبة الرابعة ب 47 مقعدا ،بينما احتل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ب 39 مقعدا ، والحركة الشعبية الرتبة السادسة ب 32 مقعدا ، و الرتبة السابعة حزب الاتحاد الدستوري ب23 مقعدا، وجاء و الرتبة الثامنة حزب التقدم والاشتراكية ب18 مقعدا ، في حين اقتسمت الأحزاب الصغرى باقي المقاعد بواقع أربعة مقاعد للحزب العمالي و مقعدان لكل من الحركة الديمقراطية الاجتماعية ، وحزب البيئة والتنمية المستدامة ، والتجديد والإنصاف ، والعهد الديمقراطي ، في حين حصل كل من حزبي اليسار الأخضر ، والحرية والعدالة الاجتماعية على مقعد فريد ، ليكون مجموع ما حصلت عليه هذه الأحزاب الصغرى 14 مقعدا من أصل 325 مقعدا برلمانيا أي بنسبة 1.4 بالمائة ، في حين بقيت باقي الأحزاب الصغرى تنشط خارج البرلمان.

    – الرفع من عدد مؤسسي الحزب

    تنبه الحكم ، خاصة بعد تولي الملك محمد السادس لدواليب السلطة ، إلى ضرورة إعادة هيكلة المشهد الحزبي والعمل على خلق أقطاب سياسية كبرى على غرار ما عمله الملك الراحل الحسن الثاني في نهاية حكمه (6) . وفي هذا السياق عملت السلطة على طرح في 2001 مشروع قانون خاص بالأحزاب ، يتضمن مجموعة من المقتضيات التي تروم عقلنة المشهد الحزبي والعمل على تقليص من كثرة مكوناته ، الشيء الذي رأت فيه الأحزاب الصغرى استهدافا لها ، و تهديدا لوجودها . مما دفعا للتكتل من أجل تجميد هذا المشروع ، والمطالبة بتعديله. وقد عكس بيان حزب النهج الديمقراطي ، أحد ممثلي هذه الأحزاب حدة مقاومة هذا المشروع ومقاومته من خلال ما يلي :

    ( سبق للنهج الديمقراطي أن ساهم ، سنة 2001 ، بجانب الجمعيات الحقوقية والصحافة الوطنية وبعض لتنظيمات السياسية اليسارية في الحملة المناهضة لمشروع قانون الأحزاب الذي أعدته المديرية العامة للشؤون الداخلية بوزارة الداخلية آنذاك.، لكونه ينبني على الهاجس التحكمي في المجال السياسي بإقصاء الرأي الآخر والتدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب … كما أصدر بيانا مشتركا في الموضوع مع حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي . ونظرا لرفض ذلك المشروع من طرف العديد من الهيئات تم تجميده، واكتفى المشرع بإصدار قانون جديد للحريات العامة ينظم تأسيس الجمعيات، بما فيه الأحزاب والجمعيات دات الصبغة السياسية ، بتتميم وتعديل ظهير 15 نونبر 1958 بالقانون 00 – 75 ل 23 يوليوز 2002 ).

    لكن هذا لم يمنع من إعادة طرح هذا المشروع في سنة 2004 ، في سياق التداعيات السياسية المترتبة عن تفجيرات الدارالبيضاء في 16 ماي 2003 .ففي خطاب افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان في أكتوبر 2004 ، وصف الملك محمد السادس التعددية السياسية في المغرب بالعشوائية، وانتقد المزايدات السياسية التي لا تهتم ببناء برامج واقعية في الإصلاح، حيث دعا إلى تركيب أقطاب سياسية متجانسة قادرة على تأطير المجتمع وتأهيل النخب، وذلك من أجل مشهد سياسي معقلن، وقادر على بلورة برامج سياسية واجتماعية واقتصادية لمواجهة تحديات الواقع المغربي في صورها المختلفة. وضمن هذا الإطار أعلن عن مشروع قانون جديد للأحزاب المغربية سيعرض على المؤسسات التشريعية بهدف مناقشته وإقراره .

    و قد تضمنت أهم عناصر هذا المشروع التركيز على منع تأسيس الأحزاب على أساس عرقي أو لغوي أو جهوي أو ديني، و مطالبة الأحزاب ببرامج سياسية محددة، ودعوتها إلى إعلان وسائل تمويلها، وطرق عملها، وكذا إخضاعها للمراقبة القضائية، بالإضافة إلى تحديد إجراءات التأسيس ، حيث تم في هذا الإطار رفع العدد الضروري لمؤسسي الأحزاب ، حيث اشترط ضمان ( 1000 عضو مؤسس على الأقل يلتزم بمقتضاه الموقعون بعقد المؤتمر التأسيسي للحزب داخل سنة على أبعد تقرير ابتداء من تاريخ نشر مستخرج طلب تأسيس الحزب بالجريدة الرسمية وأن يكون هؤلاء الموقعون موزعين على نصف عدد جهات المملكة على الأقل ، شرط ألا يقل عدد الأعضاء المؤسسين في كل جهة عن 5 % من مجموع عدد الأعضاء المؤسسين المطلوب قانونا …) .ويبدو ، أن هذه النقطة الأخيرة قد أثارت سخط الأحزاب الصغرى الذي رأت فيه نوعا من تقييد حريتها ونية مبيتة لإقصائها من المشهد الحزبي . وهكذا أصدر حزب النهج الديمقراطي بيانا انتقاديا مطولا بشأن مشروع هذا القانون تضمن ما يلي :

    ( في الشهور الأخير أثير النقاش من جديد حول “قانون الأحزاب السياسية” خاصة بعد خطاب محمد السادس ل 30 يوليوز 2004 الذي تحدث فيه عن ” ضرورة وضع قانون للأحزاب في إطار التشاور …”. وفي أواخر شهر أكتوبر 2004 ، بادر وزير الداخلية بعقد لقاءات مع مسؤولي الأحزاب السياسية (باستثناء النهج الديمقراطي وحزب الطليعة) لتسليمهم ورقة في شأن الأحزاب السياسية أطلق عليها اسم ” المسودة الأولية لمشروع قانون الأحزاب ” وطالبهم بتقديم ملاحظاتهم حولها قبل نهاية شهر دجنبر 2004 . إن المسودة المذكورة اعتمدت في صياغتها نفس الأسس الفلسفية التي تحكمت في وضع ” مشروع 2001 “، كما تم الحفاظ على أغلبية السلبيات التي وردت في مشروع 2001 ، بل وأضيفت له فصول أخرى زجرية.و قد ساهمت الكتابة الوطنية ، في إطار سكرتارية الهيئة التنفيذية لتجمع اليسار الديمقراطي على بلورة مشروع ورقة، حول المسودة المذكورة أعلاه، سميت ب” ورقة ملاحظات وتحليل حول المسودة الأولية لمشروع قانون الأحزاب” ،سبق أن وزعت على أعضاء اللجنة الوطنية، ونوقشت في اجتماع الهيئة التنفيذية لتجمع اليسار يوم 21 نونبر 2004 ، كما ستخصص لها جلسة في الملتقى الوطني لتجمع اليسار الذي سينعقد بالرباط يوم 12 دجنبر 2004.

    تفنيد الدواعي التي يبرر بها النظام وضع قانون خاص بالأحزاب السياسية

    جاء في المذكرة التقديمية لمشروع قانون الأحزاب ، لسنة 2001 ،الذي أعدته المديرية العامة للشؤون الداخلية بوزارة الداخلية أنه “أصبح من اللازم وضع إطار قانوني جديد يحل محل أحكام ظهير (…) 15 نونبر 1958 الذي يضبط بموجبه حق تأسيس الجمعيات”. والملاحظ أن المذكرة التقديمية المذكورة لم تقدم ما من شأنه أن تبرر عزل قانون تأسيس الأحزاب عن قانون الحريات العامة. كما أن المسودة الحالية لا تقدم أي شيء يبرر ذلك واكتفت بمقتطفات من خطابات محمد السادس(…)

    في المادة 8 من مشروع 2001
    2 ) اشتراط تقديم تصريح مكتوب يحمل توقيعات مصادق عليها لـ 1000 عضو مؤسس على الأقل يلتزم بمقتضاه الموقعون بعقد المؤتمر التأسيسي للحزب داخل سنة على أبعد تقرير ابتداء من تاريخ نشر مستخرج طلب تأسيس الحزب بالجريدة الرسمية وأن يكون هؤلاء الموقعون موزعين على نصف عدد جهات المملكة على الأقل ، شرط ألا يقل عدد الأعضاء المؤسسين في كل جهة عن 5 % من مجموع عدد الأعضاء المؤسسين المطلوب قانونا ( م.7/2 ) . إن هذا الاشتراط يعتبر تعجيزا وتعقيدا ومساهمة في إفساد الحياة الحزبية :

    فالتعجيز والتعقيد يظهران في العدد الضخم للموقعين وضرورة أن يكون هؤلاء موزعين بنسب معينة على ما لا يقل عن نصف جهات المغرب ، وتضمهم لائحة تتضمن حالتهم المدنية .وترفق هذه اللائحة بالنسبة لكل موقع بنسخة من السجل العدلي ونسخة من بطاقة التعريف الوطنية وشهادة للسكنى وكذا بشهادة التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة .

    وأما الإفساد للحياة السياسية فيتجلى في كون مثل هذا الاشتراط سيدفع الراغبين في تأسيس حزب معين إلى أن يبدأ مشواره الحزبي بشراء توقيعات الانتهازيين ، مع أن المنطق هو أن تبدأ الأحزاب مشوارها ، المنطلق من التأسيس ، بالقلة العددية للمؤسسين ويكون تكاثرها وتوسعها مرهونا ، من ناحية بمدى استجابة أهدافها لرغبات وتطلعات الجماهير ، وبمدى مصداقيتها وتلاحمها مع الجماهير وتضحياتها من أجلهم ، وقدرتها على توعيتهم واستقطابهم وتعبئتهم من ناحية أخرى .

    3 ) إن ربط صحة انعقاد المؤتمر التأسيسي بحضور 1500 مؤتمر على الأقل (م.13) ينطوي على تعجيز وإفساد للحياة السياسية الحزبية وذلك لنفس الأسباب التي سقناها بالنسبة لاشتراط تصريح مكتوب موقع عليه من 1000 عضو مؤسس على الأقل .)

    وقد خضع هذا المشروع لمناقشات دامت أكثر من سبع سنوات ، لم يتم الحسم فيها إلا في سياق تداعيات الحراك السياسي الذي عرفه المغرب ، حيث تم في الأخير المصادقة عليه من طرف مجلس النواب، مساء الجمعة 7 أكتوبر2011، بالأغلبية، وذلك بموافقة 52 نائبا ومعارضة 24 آخرين، وذلك من بين 325 نائبا هم أعضاء المجلس، أي في ظل غياب 249 نائبا .(7)
    لكن يبدو أن تفعيل هذا القانون ، والتي كانت تتخوف منه عدة أحزاب صغرى ، لم يمنع من تأسيس أحزاب نجحت في تغطية كل الشروط التي ينص عليها هذا القانون الجديد للأحزاب و استكمال كل الإجراءات للحصول على ترخيص وزارة الداخلية . وهكذا تأسس حزب الديمقراطيون الجدد في 2014 ، ليتأسس حزب البديل الاشتراكي في 2015 .

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حرب إسرائيل على إيران بين الدوافع السياسية والاهداف الاستراتيجية

    محمد شقير

    على الرغم من الجدل السياسي الذي واكب اندلاع الحرب الصاروخية بين التحالف العسكري الإسرائيلي الأمريكي ضد إيران والذي تركز حول أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو الذي جر الرئيس الأميركي إلى الحرب ضد إيران أو ما صرح  به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه”ربما أكون أنا قد أجبرت إسرائيل على اتخاذ هذا القرار”، إلا أنه يبدو أن إسرائيل  كانت لها أهداف استراتيجية  قوية لشن حرب ضد إيران بعيد انتصارها العسكري في حرب غزة ضد حماس.

    1- الدوافع السياسية للحرب الإسرائيلية ضد إيران

    شكلت إيران في العقيدة الإسرائيلية العدو الاستراتيجي الوجودي  الذي ينبغي القضاء عليه بشكل أساسي أو نهائي .فعقب الثورة الإيرانية وسقوط نظام بهلوي سنة 1979، اتخذت إيران موقفًا متشددًا ضد إسرائيل ، حيث قطعت إيران جميع العلاقات الرسمية مع دولة اسرائيل . كما توقفت عن قبول جوازات السفر الإسرائيلية، ومنع حاملو جوازات السفر الإيرانية من السفر إلى فلسطين المحتلة. في حين أغلقت السفارة الإسرائيلية في طهران وسُلمت إلى منظمة التحرير الفلسطينية . وقد وصف آية الله الخميني إسرائيل بأنها ” عدو للإسلام ” و” الشيطان الصغير “. بينما وصفت الولايات المتحدة بـ” الشيطان الأكبر ”  ووفق هذا المنطلق السياسي . قدمت إيران الدعم للأحزاب الإسلامية الشيعية اللبنانية ، وساعدت في توحيدها في منظمة سياسية وعسكرية واحدة، تمثلت في  حزب الله ، حيث زودته بالتلقين الأيديولوجي والتدريب العسكري والمعدات اللازمة لمهاجمة أهداف إسرائيلية وأمريكية. كما قدمت إيران لحزب الله كميات كبيرة من التدريب والأسلحة والمتفجرات، بالإضافة إلى الدعم المالي والسياسي والدبلوماسي والتنظيمي، في الوقت الذي حثّت فيه حزب الله على اتخاذ إجراءات عسكرية ضد إسرائيل. وقد ذكر بيان حزب الله لعام 1985، ضمن أهدافه الأربعة الرئيسية، “انسحاب إسرائيل النهائي من لبنان تمهيدًا لإبادتها النهائية”. وبحلول أوائل التسعينيات من القرن الماضي ، برز حزب الله، بدعم من سوريا وإيران، كقوة عسكرية رائدة، مُحتكرًا قيادة العمليات المسلحة في جنوب لبنان. لذا فإن مشاركة إسرائيل في توجيه ضرباتها الصاروخية ضد القيادة الإيرانية إلى جانب القوات العسكرية الأمريكية لم يثن إسرائيل على جر حزب الله إلى هذه الحرب ، حيث ركزت إسرائيل على ضرب مواقع بحزب الله بلبنان  مستغلة رغبة القيادة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله في إطار احتكار الدولة اللبنانية للعنف المشروع والتحكم في المؤسسة العسكرية فمنذ إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل في 2 مارس 2026، ردا على مقتل المرشد الأعلى الإيراني في ضربات إسرائيلية أميركية، واصلت إسرائيل شن غارات على أنحاء لبنان تسببت في مقتل أكثر من ألف شخص وتهجير أكثر من مليون نازح ، بعدما كثف الجيش الإسرائيلي غاراته على ضاحية بيروت الجنوبية. كما جدد الجيش الإسرائيلي إنذاره لسكان أحياء واسعة في الضاحية الجنوبية، بإخلائها، ليواصل “مهاجمة البنى التحتية العسكرية التابعة لحزب الله في مختلف أنحاء الضاحية وبقوة متزايدة”. بينما شن الطيران الإسرائيلي عدة غارات على الضاحية الجنوبية، استهدفت مناطق: بئر العبد، الرويس – أطراف المنشية، حارة حريك، أوتوستراد السيد هادي نصرالله، السان تيريز، برج البراجنة والكفاءات”. مما يظهر رغبة إسرائيل استغلال هذه الحرب للقضاء على حزب الله بعد أن تم القضاء على قوة حماس وشل تحركات الميليشيات التابعة لحزب الله التي كانت تنشط بسوريا بعد إسقاط نظام بشار الأسد. فقد شنت إسرائيل تحركات عسكرية برية وجوية مكثفة في سوريا فور سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، تمثلت في احتلال المنطقة العازلة بالجولان من خلال السيطرة على نقاط مراقبة استراتيجية في جبل الشيخ وجنوب سوريا. وتدمير الأسلحة الاستراتيجية (الصاروخية والجوية والبحرية) لمنع وصولها للمعارضة أو إيران من خلال  تنفيذ مئات الغارات استهدفت مستودعات صواريخ بعيدة المدى، وبطاريات دفاع جوي، ومراكز بحوث علمية، وإنشاء منطقة أمنية عازلة  من خلال احتلال أجزاء واسعة من المنطقة المنزوعة السلاح التي كانت تراقبها الأمم المتحدة UNDOF) بطول 75 كم)، معلنة انهيار اتفاقية فصل القوات لعام 1974. من هنا يظهر بأن الأهداف الاستراتيجية لتحركات إسرائيل، كانت تتمثل في منع وقوع الأسلحة الاستراتيجية والكيميائية السورية في أيدي فصائل المعارضة أو جهات “متطرفة”.وقطع النفوذ الإيراني من خلال القضاء على أي بقايا للوجود الإيراني ومحور “حزب الله” في سوريا. وعلى نفس المنوال تعمد إسرائيل إلى استغلال هذه الحرب لاعادة نفس السيناريو العسكري السوري بجنوب لبنان لتحييد أي تهديد إيراني بلبنان في المستقبل. فبعد دخول حزب الله الحرب إلى جانب إيران، شنت إسرائيل “عملية برية محدودة ومُحددة الأهداف” ضد حزب الله. وقد توغلت عدة فرق من الجنود الإسرائيليين منذ ذلك الحين في جنوب لبنان. والهدف المُرجّح هو إنشاء منطقة عازلة لمنع حزب الله من تهديد شمال إسرائيل من جنوب لبنان.

    2- الدوافع الاستراتيجية للحرب الإسرائيلية ضد إيران

    تتمحور دوافع إسرائيل في مشاركتها في هذه الحرب إلى جانب القوات الأمريكية في عدة أهداف استراتيجية من أبرزها :

    أولها :تدمير مقومات النظام الإيراني الداخلية على المستويات الأمنية والحكومية وحتى الاقتصادية. وقد ظهر ذلك في استهداف وتدمير مراكز الشرطة، والحرس الثوري، وقوات الباسيج، ومخازن النفط في طهران، إلى جانب تنفيذ هجمات سيبرانية على المؤسسات الحكومية والمالية للنظام. وتهدف إسرائيل من خلال ذلك إلى إضعاف النظام داخليا وتقليص قدرته على مواجهة حالات “التمرد” أو الاحتجاج الداخلي، وكسر هيبته في الداخل، بحيث يبقى في حالة هشاشة وتصدع داخليين، فضلًا عن تعميق الأزمة الاقتصادية تمهيدًا لإضعافه وربما إسقاطه من الداخل. وقد خرج رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في اليوم الحادي عشر للحرب بتغريدة دعا فيها الشعب الإيراني إلى استغلال الهجمات الامريكية والاسرائيلية العسكرية  على المدن الإيرانية خاصة العاصمة  طهران  للخروج ضد النظام ، وهو طلب كرره عدة مرات خلال أيام الحرب. وبالتالي  فقد كان الرهان الإسرائيلي يقوم على عودة الاحتجاجات الشعبية في إيران بعد العملية  العسكرية الأولى التي استهدفت اغتيال المرشد العام  خامينائي ، وأن تتصاعد هذه الاحتجاجات إلى حد إسقاط النظام. فإنهاء التهديد الإيراني في المنظور الاسرائيلي لا يتحقق عبر اتفاق مع النظام الإيراني، حتى لو كان يستجيب لمخاوف إسرائيل، بل من خلال تغيير النظام نفسه أو إسقاطه.

    ثانيها: تدمير القوة العسكرية الإستراتيجية الإيرانية، وتحديدًا البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي؛ فهذه القوة تمثل مفتاح النفوذ الإيراني في المنطقة، ومصدر التهديد الإستراتيجي لإسرائيل. لذلك فإن تدمير هذه القدرات، بما في ذلك مراكز التصنيع والإنتاج المرتبطة بها، من شأنه أن يضعف إيران بوصفها قوة إقليمية مؤثرة.

    ثالثها :الاعتبارات الشخصية والانتخابية لرئيس الوزراء نتنياهو. فإلى جانب الحسابات الأمنية، يمثل الهجوم على إيران رهانا سياسيا وانتخابيا مهما بالنسبة له في سنة انتخابات، بامتياز خصوصًا إذا أسفرت نتائج هذه الحرب عن إضعاف كبير لقدرات النظام الإيراني. وبالتالي ينظر نتنياهو إلى هذه الحرب الثانية على إيران بوصفها حلقة حاسمة في مسعاه لتعزيز موقعه في الانتخابات المقررة في أكتوبر2026. كما يسعى نتنياهو، من خلال هذه الحرب وتحقيق الانتصار فيها، إلى تجاوز إخفاق 7 أكتوبر2023. فهو يرى أن الحرب على إيران، وإضعاف النظام الإيراني وربما إسقاطه لاحقًا، قد تشكل لحظة تاريخية في مسيرته السياسية، يمكن أن تطغى على الفشل الكبير المرتبط بأحداث عملية 7 أكتوبر 2023 من خلال محاولة محو الآثار الداخلية والإقليمية والعالمية التي خلفتها عملية طوفان الأقصى التي ستظل حاضرة لسنوات طويلة داخل الذاكرة الجمعية وذلك على الرغم من الدمار، والإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل. فعلى الصعيد الداخلي، قد تصب الحرب وإطالة أمدها مع إيران في مصلحة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. فإسرائيل توحد صفوفها في أوقات الحرب، لا سيما عندما يكون العدو هو إيران. وهذا أحد أسباب ندرة الانتقادات من أشد خصوم نتنياهو السياسيين.

    وعموما ، فإذا كانت هذه الحرب على إيران من الوجهة الأمريكية  ليست للردع فقط، بل استراتيجية لتدمير جميع مرافق البحث والإنتاج التابعة للبرنامج النووي الإيراني ، ومنع إيران من امتلاك قنبلة نووية مع استغلال الوقت قبل اشتداد المنافسة بين القوى العظمى للسيطرة على الطاقة والمعادن النادرة والممرات المائية، فإن مقاربة إسرائيل لهذه الحرب ترمي إلى تقليص القدرات العسكرية الإيرانية وبالتحديد تدمير صواريخ إيران بعيدة المدى والباليستية، فضلًا عن أنظمة إطلاقها، ومنع الهجمات المباشرة على الأراضي الإسرائيلية قدر الإمكان خاصة من جنوب لبنان. بالإضافة إلى زعزعة استقرار النظام الإيراني وتعطيل قيادته. فتغيير النظام ليس الهدف الأساسي، رغم أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرغب فيه بشدة. حيث أعرب  في خطاب له، عن أمله في أن إضعاف النظام في طهران، عسكرياً وبشرياً، سيمنح الشعب الإيراني فرصة إسقاطه. وأضاف نتنياهو أن هذا لن يحدث بين عشية وضحاها، “لكن إذا ثابرنا، فسنمنحهم الفرصة لتولي زمام مصيرهم بأنفسهم”.

    ولعل هذا التباين في أهداف محاربي إيران و قدرة النظام الإيراني على الصمود واستمرار قصف صواريخه للعمق الإسرائيلي ودول الخليج سيرخي بظلاله على التحالف الأمريكي الإسرائيلي في  مواصلة هذه الحرب بعدما  ظهر منذ بداية هذه الحرب تعارض بين أهداف الجانبين. فعند إطلاق الحملة الجوية المشتركة صباح يوم السبت في 28 فبراير 2026، أكد كل من الرئيس دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو “أن هدفهما هو إسقاط النظام الإيراني”. لكن بعد يومين، وفي خطاب ألقاه في البيت الأبيض، ظهر وكأن الرئيس الأميركي لم يعد يُولي الإطاحة بالنظام الإيراني الأولوية القصوى، وذلك عندما أكد أن الولايات المتحدة “تسعى بالدرجة الأولى إلى تدمير الصواريخ والبحرية الإيرانية ومنع الجمهورية الإسلامية من امتلاك أسلحة نووية”. وفي اليوم نفسه، صرّح وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث في مؤتمر صحفي بأن العملية ليست “حرباً لتغيير النظام”. في المقابل، دعا بنيامين نتنياهو الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع والإطاحة بقادتهم، وصرح يوم الاثنين، في 2 مارس 2026، على قناة “فوكس نيوز”: “سنعمل أولاً على تهيئة الظروف التي تُمكّن الإيرانيين من أخذ مصيرهم بأيديهم”. وفي الخطاب المتلفز الذي ألقاه مساء يوم السبت في السابع من مارس 2026 خاطب الشعب الإيراني بقوله: “إن لحظة الحقيقة تقترب، إسرائيل لا تحاول تقسيم إيران، إنما تحاول تحريرها، لكن في نهاية المطاف الأمر يعتمد عليكم لتحرير إيران”. وبالتالي ، فقد كان هذا التباين في الرؤى أول مؤشرات  هذا التعارض في الأهداف الذي سيتطور بعدما تحول الرهان العسكري حول الصراع على مراقبة مضيق هرمز وتأثيراته السلبية على أسعار الطاقة بما سيؤدي إلى خيارين إما  أن تقوم إدارة ترامب بنشر وحدات المارينز والسيطرة على جزيرة خرج من خلال القيام بتوغل بري مما سينذر بحرب طويلة المدى أو خيار التوصل إلى اتفاق مع القيادة الايرانية الجديدة رغم تشددها إذ ستؤثر الضغوط المتعلقة بالسياسة الداخلية الأميركية على تفكير الرئيس دونالد ترامب مع استمرار الحرب وتوسع نطاقها. خاصة وأن بعض مسؤولي البيت الأبيض يخشى “من أن تُعرّض هذه المغامرة الحربية فرص الجمهوريين في الاحتفاظ بالسيطرة على الكونغرس للخطر بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل”. ويزداد هذا الاحتمال قوةً بالنظر إلى أن الصراع الدائر، الذي “يعطل أسواق الشحن والطاقة، قد تكون له تداعيات على القدرة الشرائية، وهو مصدر قلق بالغ للأميركيين” سيما وأن هناك “الرفض الذي تواجهه الحكومة الامريكية من شريحة واسعة من الناخبين الأميركيين، بما في ذلك اليمين داخل قاعدة ترامب الشعبية”.  وبالتالي فإن ما يدور من تصريحات وتسريبات حول إمكانية  عقد مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بوساطات باكستانية أو تركية أو عمانية تعكس على ما يبدو إمكانية انسحاب الرئيس  دونالد ترامب من الحرب وتترك الإسرائيليين يواجهون إيران بمفردهم، وهو سيناريو يقدّر المؤرخ الفرنسي بيير رازو، المدير الأكاديمي لـ “مؤسسة البحر الأبيض المتوسط للدراسات الاستراتيجية”، أنه ربما يحدث على المدى المتوسط، ذلك أنه “في غياب نصر عسكري حاسم، وفي ظل تزايد السخط الشعبي الأميركي، قد يختار دونالد ترامب الانسحاب” .ويتفق روموالد سكيورا الخبير في السياسة الأميركية في “معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية” في باريس مع هذا التحليل، معتبراً أن الولايات المتحدة “زجّت نفسها في صراعٍ تبدو نتائجه غير مؤكدة، وقد يتفاقم، وهو عكس ما يريده الرئيس الأميركي تماماً”، وأضاف: “لن أتفاجأ إذا ما غيّر ترامب موقفه تماماً”، ذلك أنه حالياً “مصاب بالشلل جراء احتمال نشوب حرب طويلة الأمد وخسائر بشرية فادحة ستكلفه بلا شك خسارة انتخابات التجديد النصفي”، متوقعاً أن ينجح ترامب في التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني؛ وبذلك “لن يكون كل شيء قد ضاع، إذ يمكنه حفظ ماء وجهه وإنهاء الصراع بتقديم نفسه كمنتصر عظيم على إيران، على عكس جميع أسلافه الذين، بحسب قوله، اضطروا للخضوع ‘ . وإذا ما تم تبني هذا الخيار ، فستكون إسرائيل أمام موقفين إما الانضمام إلى أي اتفاق أمريكي مع إيران  أو مواصلة حربها وحيدة مع إيران ؟؟ أو على الأقل متابعة عملية حربها  مع حزب الله لإنشاء منطقة أمنية خالية من السكان في جنوب لبنان، خاصة وأن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا ودول أخرى تصنف هذا الحزب كـ “منظمة إرهابية”. في حين أن حكومة لبنان أصدرت قرارا بنزع أسلحته معتبرة بأن عملياته تهدد الأمن القومي وتخدم سياسة إيران الشيء الذي جعلها تعتبر السفير الإيراني بلبنان شخصية غير مرغوب فيها .

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التصعيد الأمريكي والنظام الإيراني .. هل يتحول التهديد إلى عمل عسكري؟


    الحسن بوقنطار

    في ظل التصعيد الأمريكي الراهن ضد إيران، المتمثل في انتشار حاملة الطائرات أبراهام لنكولن، وعدد من المدمرات، يبقى السؤال الأساس الذي يطرحه كل المتتبعين لهذا الفصل الجديد في الصراع الأمريكي الإيراني هل سيقدم الرئيس الأمريكي على توجيه ضربات عسكرية، أم إن الأمر لا يعدو أن يكون تهديد النظام لدفعه إلى تقديم مزيد من التنازلات حول مجموعة من القضايا الخلافية؟.

    لا أحد يملك جوابا حاسما، اعتبارا إلى السلوك غير المتوقع الذي يسم الرئيس الأمريكي، وإلى سياسة التمويه التي غالبا ما يلتجئ إليها قبل الإقدام على ضربته لمفاجأة خصومه، كما فعل ذلك عندما نفذ هجومه ضد المفاعلات النووية في يونيو الماضي؛ لكن مجموعة من المؤشرات تتجه نحو احتمال توجيه هذه الضربة لتأكيد إصراره على فرض الهيمنة الأمريكية في ظل خفوت ردود الفعل المناهضة لسياسة القوة التي يمارسها ترامب من جهة، وتدهور صورة النظام الديني الإيراني بفعل انتهاكاته الجسيمة لحقوق مواطنيه المناهضين لتدهور الشروط المعيشية، من جهة أخرى.

    أولا: إيران / أمريكا.. من التحالف إلى العداء

    إذا كانت العلاقة بين البلدين توجد اليوم في منعطف حاسم فإن ذلك ليس وليد الصدفة، بل إنه إفراز لسلسلة من التطورات، لا تهم البلدين فقط، بل تمتد إلى الجوار الإقليمي المثخن بالأزمات والصراعات.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    بعدما كانت إيران تعتبر أهم حليف للغرب ولإسرائيل في عهد الشاه فإن الثورة الإيرانية ستغير تدريجيا هذا المعطى. ولا شك أن اقتحام السفارة الأمريكية في طهران من طرف عدد من الطلبة، واحتجاز عدد من الدبلوماسيين في نونبر 1979 ردا على سماح إدارة الرئيس كارتر للشاه المخلوع بالدخول للأراضي الأمريكية قصد العلاج، فضلا عن صعود الجناح المحافظ داخل الولايات المتحدة، عاملان سيغيران هذا التحالف. وإذا كانت الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت طيلة الثمانينات أجلت الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل فإن بداية الألفية الثالثة ستكرس القطيعة بين الطرفين. وتجلى ذلك خاصة مع إدراج إيران بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001 ضمن ما سمي في عهد الرئيس بوش الابن محور الشر.

    ومن ثم فإن الإستراتيجية الأمريكية باتت تعتبر إيران بمثابة الخطر الأساسي، وخاصة مع إصرار الأخيرة على تطوير برنامجها النووي، ودعم نظام للصواريخ يصل إلى قلب تل أبيب، ومساندة حركات مناهضة لإسرائيل كما هو الأمر بالنسبة لحزب الله وحماس، علاوة على النظام السوري؛ ما جعلها تظهر كدولة مارقة، وكمصدر للإزعاج للنظام الشرق أوسطي، وللأمن العالمي.

    من الواضح أن ما وقع في 7 أكتوبر 2023 عمق القطيعة بين الطرفين، وزاد من حدة الدعوات الغربية الرامية إلى مزيد من الضغط على النظام الإيراني لدفعه إلى تغيير سياسته، سواء في ما يتعلق بتحالفاته الإقليمية، أو في ما يخص الملف النووي، أو ترسانته العسكرية، أي بصيغة أخرى تحجيم دوره في المنطقة.

    هذا الشعور غذاه الرئيس الأمريكي الذي سبق له خلال فترته الرئاسية الأولى التخلي عن الاتفاق النووي الذي كان أبرم مع إيران في 4 أبريل 2015 بواسطة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا، وبموجبه وافقت إيران على قبول القيود المفروضة على تخصيب الأورانيوم وتخزينه وإعادة النظر في عدة منشآت نووية، علاوة على السماح بزيارة المفتشين لها، مقابل رفع العقوبات المفروضة عليها من طرف الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي ومؤسسات مالية دولية أخرى.

    هذا التوجه المعادي للنظام الإيراني، سواء من طرف أمريكا أو إسرائيل، وأطراف أخرى، سيكرس مع الإستراتيجية التي تبناها بشكل واضح الرئيس الأمريكي بعد إعادة انتخابه في نوفمبر 2024، وهي التي تتلخص إجمالا في إعادة الهيبة والقوة إلى الولايات المتحدة من خلال وسائل وأدوات لا تتقيد بأعراف الدبلوماسية الكلاسيكية.

    فالدفاع عن المصالح الأمريكية، كما يدركها ترامب، لم يعد يعبأ كثيرا بعدد من آليات الحكامة الدولية القائمة؛ فتدبير التحالفات لم يعد يرتكز على الاعتبارات الإيديولوجية والأخلاقية، بل بات يرتكز أكثر على سمو المصالح، حتى ولو تطلب الأمر الدخول في تناقضات واضحة مع الحلفاء، كما هو الأمر اليوم بالنسبة للموقف من الحرب الروسية الأوكرانية، أو قضية غرينلاند، أو العلاقة مع كندا. تحقيق المصالح الأمريكية أصبح هدفا ساميا يتحقق إما بالإذعان أو باللجوء إلى وسائل الإكراه، سواء منها الاقتصادية، كما هو الأمر بالنسبة لسلاح الرسوم الجمركية، أو استعمال القوة، كما وقع بالنسبة لضرب المفاعلات النووية الإيرانية في يونيو الماضي، أو بالنسبة لاختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته، وتقديمهما للمحاكمة أمام محكمة أمريكية بدعوى الاتجار بالمخدرات، وهو ما يمثل خرقا واضحا لسيادة الدول.

    وتدعم هذه المقاربة بالتنكر لعدد من أشكال الضبط الدولية السائدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، التي تتوخى المساهمة المتعددة، وتفضيل الطرق السلمية لحل الخلافات، كلما كان ذلك ممكنا؛ فنحن الآن أمام توجه جديد يسعى عمليا إلى تقويضها، تارة بدعوى عدم فعاليتها، كما هو الأمر بالنسبة لنظام الأمم المتحدة، وتارة بسبب عدم انصياعها للإملاءات الأمريكية، كما هو الأمر بالنسبة للمؤسسات القضائية الدولية، ولا سيما تلك التي تناهض جرائم الحرب، وتتابع مرتكبيها، كما هو الأمر بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية التي قررت متابعة نتنياهو ووزير دفاعه.

    سنة بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض أعلنت الولايات المتحدة انسحابها من ست وستين منظمة واتفاقية دولية، وهي في مجملها لا تساير مصالحها، كما هو الأمر بالنسبة لمجلس حقوق الإنسان، أو اليونيسكو أو المكتب الخاص باللاجئين الأنروا UNRWA؛ كما قررت عقوبات ضد بعض قضاة المحكمة الجنائية الدولية الذين ساهموا في متابعة المسؤولين الإسرائيليين، وكذا المقررة الخاصة للأمم المتحدة حول انتهاكات حقوق الإنسان في غزة فرانسيسكا ألبانز FranciscaAlbanez.

    إجمالا فإن عددا من الممارسات الأمريكية اليوم، سواء خارجيا أو حتى داخليا، تعطي الانطباع بأننا بصدد إعادة صياغة نظام دولي لم يعد يقوم على قوة القانون، بل على قانون القوة.

    لكن هذه المقاربة الترامبية لا تخلو من مفارقات وحدود، لعل أبرزها الطبيعة المزاجية للرئيس الأمريكي نفسه، الذي يبقى غير متوقع، فهو يسعى إلى الحصول على جائزة نوبل للسلام، ويفتخر بكونه ساهم في حل عدد من النزاعات، لكنه في الوقت نفسه لا يتردد في خطاباته وتصرفاته، مع تأجيج الصراعات، واستهجان كل من يعارض أو ينتقد قراراته؛ فضلا عن ذلك، ورغم هذه النزعة نحو تدبير العلاقات من منطق الصفقات والقوة، فإنه يدرك أن التاريخ يذكر أن المغامرات العسكرية التي قام بها أسلافه وغيرهم كلها باءت بالفشل، ولم تحقق الأهداف المرجوة منها. فسواء تعلق الأمر بأفغانستان أو العراق أو ليبيا، أو السودان اليوم، فهي تقوم شاهدة على الدمار الناجم عن التدخلات العسكرية غير المحسوبة؛ لذلك يسعى ترامب إلى الإبقاء على نوع من التوازن الصعب بين حيوية الدفاع، أولا وأخيرا، عن مصالح أمريكا، وفي الوقت نفسه تجنب الانخراط ما أمكن في مغامرات عسكرية قد تكون وبالا على مستقبله السياسي.

    وأخيرا فإن حدود هذه الإستراتيجية الترامبية المندفعة تكمن في درجة مقاومة الأطراف الأخرى لها؛ فكلما كانت واضحة ومتماسكة كلما خففت الإدارة الأمريكية من جموحها، وهو ما لمسناه سواء من خلال الموقف من غرينلاند أو حتى في ما يخص فنزويلا، حيث تأكد أن الهدف ليس هو مصلحة الشعب الفنزويلي، بقدر ما يتعلق بتحقيق مآرب اقتصادية وجيو سياسية مرتبطة بتقليص النفوذ الصيني في المنطقة.

    ثانيا: في خصوصية الحالة الإيرانية الراهنة

    إذا كان الصراع الأمريكي الإيراني كما أسلفنا ليس وليد اليوم فإنه وصل إلى خط اللارجعة، في حمأة التطورات التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط منذ 7 أكتوبر2023. ولا شك أن المسالة الإيرانية أصبحت تشكل هاجسا للإدارة الأمريكية، والإسرائيلية المعنية بها، بالدرجة الأولى.

    وبات السؤال مطروحا حول كيفية تحييد إيران، حتى يتسنى بناء نظام شرق أوسطي ذي هيمنة أمريكية إسرائيلية بدعوى بناء السلام والرفاهية دون الاهتمام فعليا بشعوب المنطقة، كما هو الأمر بالنسبة للشعب الفلسطيني الذي أصبح الغائب الأكبر في عملية التسوية الرائجة حاليا.

    فقد تم بشكل كبير إضعاف إيران بفعل الضربات، سواء تلك الموجهة لحلفائها، خاصة حزب لله، وحركة حماس، وانهيار نظام الأسد في سوريا، أو بفعل الضربات التي وجهت لها مباشرة من طرف أمريكا وإسرائيل، واستهدفت برنامجها النووي، سواء من خلال ضرب مفاعلاته، أو من خلال تصفية عدد من الخبراء البارزين في هذا المجال، علاوة على عدد من الشخصيات العسكرية.

    لقد زادت عزلة النظام الإيراني، وتآكلت شرعيته أكثر بفعل القمع الذي استهدف مواطنيه في حمأة المظاهرات ضد غلاء المعيشة، والأوضاع الاقتصادية الصعبة. وبصرف النظر عن تضارب الأرقام حول عدد الضحايا فمن المؤكد أن رد فعل الأجهزة الأمنية الإيرانية وسلطاتها ليس مقبولا، مهما كانت المبررات، ومهما كانت الذرائع المسوقة. فقد شكل ذلك عنصرا إضافيا للتشكيك في شرعية النظام الإيراني، والزيادة في عزلته، تحاول الإدارة الأمريكية الاستناد إليه لتبرير كل ضربة عسكرية.

    ومن المؤكد أن ترامب ليس معنيا بمستقبل الديمقراطية في هذا البلد، فبالنسبة له، أسوة بإسرائيل، فإن المهم هو تطبيع إيران، ودفعها إلى الاستسلام في ما يتعلق ببرنامجها النووي، أو في ما يخص برنامج الصواريخ البالستية التي ينبغي أن يتم تحجيم قدراتها حتى لا تشكل خطرا على إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

    لذلك مع صعوبة التنبؤ بنوعية الضربة الأمريكية وأهدافها وانعكاساتها المحتملة يتفق أغلب المحللين المتابعين للتصعيد الحالي على أنه مهما كان مآل الضربة الحالية فإنها قد تقتصر على أهداف محددة، وقد لا تفضي إلى إسقاط النظام؛ فمن الناحية الإستراتيجية العسكرية المحضة فإن الترسانة الأمريكية المنتشرة حاليا في الخليج الفارسي لا تعطي الانطباع بأنها مجهزة لحرب طويلة المدى، بل تستهدف بالأساس بعض الأهداف الإستراتيجية المتحكمة في القرار الإيراني، مع انتظار تداعياتها، ومدى استثمارها من طرف قوى داخلية قد تكون مستعدة لتغيير النظام الحالي.

    ومن الناحية الإستراتيجية تصعب مقارنة الحالة الإيرانية بحالة فنزويلا، فنحن أمام بلد يتوفر على أكثر من تسعين مليون نسمة. وأكثر من ذلك فإن النظام الإيراني رغم الضربات التي وجهت له، والأزمات المتتالية التي مر بها، فإنه ظل إلى حد الساعة متماسكا بفعل استمرار بعض مصادر المساندة الداخلية، وانتفاء معارضة، أو شخصيات ذات كاريزما، ومصداقية كفيلة بتعويض النظام الحالي.

    لذلك يدرك الرئيس الأمريكي، رغم استعراض مظاهر القوة وعوامل الوهن التي تعتري الجسد الإيراني، أن هذه العملية لا ينبغي أن تكون مصدرا لقلاقل يمكن أن تكون لها تداعيات على الاستقرار في المنطقة. وذلك ما تخشاه أغلب الدول المجاورة؛ فالتوصل إلى تفاهمات مع نظام إيراني ضعيف ربما أفضل من مغامرة عسكرية غير محسوبة النتائج.

    لكن مع ذلك فإن الحذر واجب، إذ إن الرئيس الأمريكي عود العالم على قرارات وتصرفات قد تكون غير متوقعة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • على خلفية إخفاق السابع من أكتوبر: رئيس الأركان الإسرائيلي يقيل كبار قادة الجيش والاستخبارات بعد تقرير يكشف فشل حماية المدنيين

    أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير الاثنين، إقالة عدد من كبار الضباط على خلفية الإخفاق في منع هجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي نفذته حركة حماس.

    وقال زامير بعد تحقيق في الأحداث المتعلقة بالهجوم، إنه أقال أو عاقب قادة عسكريين كبارا بسبب فشل الجيش في “حماية مدنيّي إسرائيل”.

    ومن بين الضباط الذي شملهم القرار، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية أهارون حليفا، وقائد المنطقة الجنوبية يارون فنلكمن، ورئيس شعبة العمليات أودي باسيوق.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أغلبية الإسرائيليين تطالب بلجنة تحقيق رسمية في “زلزال 7 أكتوبر”.. وحكومة نتنياهو تتهرب من المساءلة

    أظهر استطلاع للرأي، الجمعة، تأييد 64 بالمئة من الإسرائيليين تشكيل لجنة رسمية للتحقيق بفشل المؤسستين الأمنية والعسكرية في التصدي لهجوم حركة “حماس” في 7 أكتوبر 2023.

    وتعارض حكومة بنيامين نتنياهو تشكيل هذه اللجنة خشية تحميلها مسؤولية الإخفاقات الأمنية والعسكرية التي أكدها سابقا مسؤولون إسرائيليون.

    الاستطلاع أجراه معهد “لازار” (خاص) في 22 و23 أكتوبر الجاري، بعينة تمثيلية بلغت 500 شخص ممن تبلغ أعمارهم 18 عاما فأكثر من اليهود والفلسطينيين داخل إسرائيل، وبهامش خطأ 4.4 بالمئة، وفق ما نشرت صحيفة “معاريف” العبرية.

    ووفقا لنتائج الاستطلاع فإن غالبية…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بعد تهديد إيرلندا بالإنسحاب.. هولندا حتى هي قالت انها ماتنافسش فمسابقة “يوروفيجن” الى شاركات إسرائيل

    وكالات//

    انضمت هولندا إلى أيرلندا في إعلانها عدم مشاركتها في مسابقة الأغنية الأوروبية “يوروفيجن” لعام 2026 إذا شاركت إسرائيل فيها، وذلك نظرًا لحجم المعاناة في غزة، وفقًا لقناة “أفروتروس” الهولندية.
    ووصفت قناة “آر تي إي” الأيرلندية مشاركة إسرائيل بأنها “غير مقبولة” بالنظر إلى “الخسائر الفادحة والمستمرة في الأرواح في غزة”.

    وشهدت النسخ الأخيرة من مسابقة الأغنية الأوروبية احتجاجات على مشاركة إسرائيل بسبب الحرب الدائرة في غزة، والتي أعقبت الهجوم الذي شنته حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر2023.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • لعنة غزّة.. هل بدأ “ملك إسرائيل” يخسر حلفاءه الغربيين؟

    يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ،المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، قد دخل في طور جديد من “أطوار العظمة” مع ما يجره ذلك من صدام مفتوح مع الجميع، فالسياسي اليميني الذي تفاخر أكثر من مرة بتغيير الشرق الأوسط، لم يكتف بذلك، بل بات يعتبر العالم بأسره ساحة لمعركته الممتدة وبطولاته المتوهمة. هذه المرة ذهب في معاركه إلى شتم حلفائه التاريخيين في الغرب الذين صنعوا دولته وأقاموا مجدها.

    فقد شهدت علاقات إسرائيل مع حلفائها الغربيين الأوروبيين والأستراليين مؤخرا تصدعًا واضحا على خلفية تصاعد الدعوات للاعتراف بدولة فلسطين، ورفض نتنياهو وقف حربه في غزة. ففي الجهة الفرنسية، اتهم نتنياهو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن اعتزامه الاعتراف بالدولة الفلسطينية في شتنبر المقبل يُغذّي معاداة السامية ويُضعف إسرائيل في مواجهة “إرهاب حماس”، وهو ما ردّت عليه الرئاسة الفرنسية ببيان حاد وصف تصريحاته بأنها “دنيئة” و”مبنية على مغالطات”، مؤكدة أنّ حماية اليهود الفرنسيين لا علاقة لها بالموقف من الاحتلال. وأبدت فرنسا كذلك امتعاضها من الحرب في غزة، والسياسة الاستيطانية، ورفض تسليم الأسلحة.

    أما في نيوزيلندا وأستراليا، فقد بدا الشقاق أكثر وضوحا؛ إذ وصف رئيس الوزراء النيوزيلندي كريستوفر لوكسون سياسات نتنياهو بأنها تدل على أنه “فقد صوابه” بسبب التمادي في الحرب والتسبب في مآسٍ إنسانية لا تُحتمل في غزة، في حين انضمت أستراليا إلى موجة الاعتراف المرتقب بفلسطين، وقد رد نتنياهو باتهام رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز بالخيانة والضعف، فما كان من أستراليا إلا أن ردّت عبر وزير داخليتها بأن “القوة لا تُقاس بعدد من تفجرهم أو تجوّعهم”، مؤكدة أن اتخاذ موقف أخلاقي تجاه المأساة في قطاع غزة هو ما يملي السياسة الخارجية الأسترالية اليوم حتى على حساب الصداقة التاريخية مع إسرائيل.

    إن فهم التصدعات التي تحصل اليوم بين الغرب وإسرائيل يتطلب فهم الجذور التاريخية لهذا التحالف المتين، والذي يمتد على مدى عقود، حيث تطور بشكل كبير عبر مراحل تاريخية متعددة. ففي الفترة التأسيسية (1948- 1967)، كان الدافع الأساسي للغرب هو الشعور بالذنب التاريخي تجاه اليهود بعد المحرقة. وقد دفع هذا الشعور أوروبا إلى اعتبار الاعتراف بإسرائيل خيارا أخلاقيا قبل أن يكون سياسيا. وفي هذا السياق، كانت الولايات المتحدة سباقة في الاعتراف بإسرائيل بعد دقائق من إعلان قيامها، مما رسّخ مبدأ أن “أمن إسرائيل جزء من المصالح الحيوية للغرب”.

    يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ،المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، قد دخل في طور جديد من “أطوار العظمة” مع ما يجره ذلك من صدام مفتوح مع الجميع، فالسياسي اليميني الذي تفاخر أكثر من مرة بتغيير الشرق الأوسط، لم يكتف بذلك، بل بات يعتبر العالم بأسره ساحة لمعركته الممتدة وبطولاته المتوهمة. هذه المرة ذهب في معاركه إلى شتم حلفائه التاريخيين في الغرب الذين صنعوا دولته وأقاموا مجدها.

    فقد شهدت علاقات إسرائيل مع حلفائها الغربيين الأوروبيين والأستراليين مؤخرا تصدعًا واضحا على خلفية تصاعد الدعوات للاعتراف بدولة فلسطين، ورفض نتنياهو وقف حربه في غزة. ففي الجهة الفرنسية، اتهم نتنياهو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن اعتزامه الاعتراف بالدولة الفلسطينية في شتنبر المقبل يُغذّي معاداة السامية ويُضعف إسرائيل في مواجهة “إرهاب حماس”، وهو ما ردّت عليه الرئاسة الفرنسية ببيان حاد وصف تصريحاته بأنها “دنيئة” و”مبنية على مغالطات”، مؤكدة أنّ حماية اليهود الفرنسيين لا علاقة لها بالموقف من الاحتلال. وأبدت فرنسا كذلك امتعاضها من الحرب في غزة، والسياسة الاستيطانية، ورفض تسليم الأسلحة.

    أما في نيوزيلندا وأستراليا، فقد بدا الشقاق أكثر وضوحا؛ إذ وصف رئيس الوزراء النيوزيلندي كريستوفر لوكسون سياسات نتنياهو بأنها تدل على أنه “فقد صوابه” بسبب التمادي في الحرب والتسبب في مآسٍ إنسانية لا تُحتمل في غزة، في حين انضمت أستراليا إلى موجة الاعتراف المرتقب بفلسطين، وقد رد نتنياهو باتهام رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز بالخيانة والضعف، فما كان من أستراليا إلا أن ردّت عبر وزير داخليتها بأن “القوة لا تُقاس بعدد من تفجرهم أو تجوّعهم”، مؤكدة أن اتخاذ موقف أخلاقي تجاه المأساة في قطاع غزة هو ما يملي السياسة الخارجية الأسترالية اليوم حتى على حساب الصداقة التاريخية مع إسرائيل.

    إن فهم التصدعات التي تحصل اليوم بين الغرب وإسرائيل يتطلب فهم الجذور التاريخية لهذا التحالف المتين، والذي يمتد على مدى عقود، حيث تطور بشكل كبير عبر مراحل تاريخية متعددة. ففي الفترة التأسيسية (1948- 1967)، كان الدافع الأساسي للغرب هو الشعور بالذنب التاريخي تجاه اليهود بعد المحرقة. وقد دفع هذا الشعور أوروبا إلى اعتبار الاعتراف بإسرائيل خيارا أخلاقيا قبل أن يكون سياسيا. وفي هذا السياق، كانت الولايات المتحدة سباقة في الاعتراف بإسرائيل بعد دقائق من إعلان قيامها، مما رسّخ مبدأ أن “أمن إسرائيل جزء من المصالح الحيوية للغرب”.

    بالإضافة إلى ذلك، يكمن التغيير في صعود جيل سياسي غربي جديد، فزعماء مثل الرئيس الفرنسي ماكرون، ورئيس الوزراء الأسترالي ألبانيز، ورئيس وزراء نيوزيلندا لوكسون، لا يحملون الثقل العاطفي نفسه لإرث الحرب العالمية الثانية والمحرقة. وهؤلاء القادة باتوا يرون أن مصالح بلدانهم العالمية تتضرر من الارتباط المستمر مع ما تعتبرها شعوبهم “جرائم إسرائيل في غزة”.

    أخيرا، لعب سلوك نتنياهو الشخصي والتصادمي دورا كبيرا في توتر العلاقات. فقد اعتمد نتنياهو إستراتيجية “الضغط عبر الإحراج”، مستغلاً هشاشة الحكومات الغربية أمام تهمة “معاداة السامية”. لكن هذا الأسلوب، الذي كان فعالًا في الماضي، أصبح يُنظر إليه الآن في عواصم مثل باريس وكانبرا ولندن بوصفه ابتزازًا سياسيا فجًّا، مما دفع القادة الغربيين إلى التعبير عن مواقف أكثر جرأة ورفضًا لهذا السلوك.

    تمثل التوترات العلنية بين رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وعدد من قادة الدول الغربية، مثل فرنسا وأستراليا ونيوزيلندا، تحولًا مهما في طبيعة العلاقات التقليدية بين إسرائيل وحلفائها التاريخيين. ويمكن فهم هذه التراشقات من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة:

    أدت الحرب في غزة وما صاحبها من ارتفاع هائل في أعداد الضحايا المدنيين وظهور صور المجاعة والدمار إلى خلق رأي عام غربي ضاغط على حكوماته. هذا الضغط الداخلي أجبر قادة مثل ماكرون وألبانيز ولوكسون على اتخاذ مواقف أكثر نقدية للحكومة الإسرائيلية من أجل الحفاظ على الشرعية الأخلاقية أمام شعوبهم التي باتت ترفض دعم العمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين.

    يعتمد نتنياهو خطابًا قائمًا على معادلة ثابتة “من ينتقد إسرائيل فهو يغذي معاداة السامية”. هذا الخطاب، الذي نجح سابقًا في “ضبط” سلوك العواصم الغربية، لم يعد مقبولًا اليوم، خاصة حين يوجَّه إلى رؤساء دول كبرى، مما يعتبره هؤلاء ابتزازا سياسيًا فجا. وقد أدى هذا الأسلوب إلى نتائج عكسية، حيث أصبح القادة الغربيون أكثر جرأة في التعبير عن مواقفهم الناقدة.

    بعد فشل المسار التفاوضي لعقود، تنامى الاقتناع الغربي بأن حلّ الدولتين يتطلّب خطوة رمزية كبرى، وعليه فقد أصبح الاعتراف بدولة فلسطين يُطرح كأداة ضغط ووسيلة لـ”إعادة التوازن السياسي” في المنطقة. وفي المقابل، يرى نتنياهو في ذلك تهديدًا إستراتيجيا لأنه يخشى أن يتحول هذا الاعتراف الرمزي إلى كرة ثلج دبلوماسية تفتح بها أبواب العقوبات والعزل السياسي لاحقًا، مما يهدد إستراتيجية حكومته.

    يُعد نتنياهو محاصرًا داخل إسرائيل بملفات فساد وبانتقادات لأدائه في أحداث 7 أكتوبر2023. لذلك، يحتاج إلى تصعيد خارجي يُظهره كزعيم صارم وقوي. ولعلّ مهاجمة الحلفاء “الليّنين” تخدم روايته الداخلية بأن إسرائيل “مظلومة حتى من أصدقائها”، مما يساعده على تعزيز شعبيته في أوساط اليمين المتطرف.

    هناك انقسام متزايد في “معسكر الغرب” بين من يعتبر إسرائيل حليفًا بلا شروط، ومن يرى أنها أصبحت عبئًا أخلاقيا وسياسيا. فبينما لا تزال الولايات المتحدة وبريطانيا داعمتين بشدة، بدأت دول كفرنسا وأستراليا ونيوزيلندا ترى أن الاصطفاف الأعمى مع إسرائيل يضر بصورتها الدولية، خاصةً مع صعود قوى أخرى مثل الصين وروسيا. هذه الانقسامات تعكس تحولًا أعمق في قواعد اللعبة الجيوسياسية، ومحاولة الغرب استعادة نفوذه الأخلاقي عالميا.

    لا يمكن القول إن التحالف الغربي الإسرائيلي يتفكك بالكامل في الوقت الحالي، لكن من الواضح أنه يمر بتغيير جذري. يمكن فهم هذا التغيير من خلال أبعاد مختلفة:

    البعد العسكري الأمني: هذا البعد لا يزال راسخًا جدا، خاصة مع الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا. فالدعم العسكري والتعاون الأمني بين هذه الدول وإسرائيل لم يتوقف. هذا الارتباط مبني على عقود من المصالح الإستراتيجية المشتركة، ولا تزال هذه الدول ترى في إسرائيل شريكًا أمنيا أساسيا في المنطقة.

    البعد السياسي الدبلوماسي: على عكس البعد الأمني، يشهد هذا البعد اهتزازًا جديا، خصوصًا في أوروبا الغربية. المواقف الدبلوماسية لهذه الدول بدأت تتغير، وأصبحت أكثر انتقادًا لسياسات إسرائيل، كما يتضح من قرارات كالاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتصريحات قادتها التي تصف سلوك نتنياهو بـ”الابتزاز السياسي”. هذا التغيير يعكس ابتعادًا عن الدعم السياسي المطلق الذي كان موجودًا في السابق.

    البعد الأخلاقي الخطابي: لأول مرة منذ عقود، تخسر إسرائيل تفوقها في “المظلومية “، فالصور والتقارير القادمة من غزة، بالإضافة إلى الخطاب الأممي حول “الإبادة والتجويع”، قد أثرت بشكل كبير على الرأي العام الغربي. هذا الأمر قلل من قدرة إسرائيل على استخدام ورقة “معاداة السامية” بالفعالية نفسها، ووضعها في موقف دفاعي على الصعيد الأخلاقي أمام شعوب حلفائها.

    البعد الاقتصادي: بدأ خطر المقاطعات الشعبية والرقابة على تصدير السلاح يظهر كعامل ضغط جديد. فالحركات الشعبية في الغرب تدعو لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية، وتطالب الحكومات بوقف بيع السلاح لإسرائيل. هذه التوجهات، على الرغم من أنها قد لا تكون مؤثرة بشكل كامل حتى الآن، فإنها تمثل تحولا محتملا في المستقبل، وقد تفرض ضغوطًا اقتصادية على إسرائيل إذا ما توسعت.

    يبدو أن مسار العلاقة بين إسرائيل وحلفائها الغربيين يتجه نحو تغييرات جوهرية، يمكن تلخيصها في عدة سيناريوهات مستقبلية، لعل أبرزها هو تصاعد التعارض العلني بين الطرفين، فمن المتوقع أن تستمر الدول الغربية في الاعتراف بفلسطين كخطوة رمزية لا تغير الواقع على الأرض بشكل كبير، لكنها تخدم هدفًا سياسيا أساسيا: عزل إسرائيل دوليًا ودفعها نحو حل سياسي. هذا الاعتراف سيزيد من التوتر العلني، لكنه في الوقت نفسه يعكس تحولاً في المواقف السياسية لهذه الدول.

    أما السيناريو الثاني فيكمن في تحوّل العلاقة من “عاطفية” إلى “وظيفية”، إذ إن الدول الغربية قد تحتفظ بإسرائيل كحليف أمني نظرًا لدورها الإستراتيجي في المنطقة، لكنها لن تضع سمعتها الأخلاقية رهينة لسلوك الحكومة الإسرائيلية. وهذا يعني أن التعاون العسكري والاستخباراتي سيستمر، في حين ستتقلص مساحة الدعم السياسي والدبلوماسي غير المشروط، مما يجعل العلاقة أكثر عملية وأقل عاطفية.

    وطبعا هناك سيناريو ثالث، وهو قيام محاولة أميركية لإعادة احتواء المسار، ففي ظل تزايد التوتر، قد تتدخل واشنطن من خلال الضغط على إسرائيل لتشكيل حكومة “أقل تطرفًا” بعد عهد نتنياهو. وقد تحظى هذه الحكومة بـ”وجه مقبول” لدى الحلفاء، ويرجح أن تكون هذه الحكومة الجديدة أداة واشنطن لإعادة توازن العلاقات والحفاظ على شبكة التحالفات الغربية متماسكة.

    أما آخر هذه السيناريوهات المحتملة، فهو تشكّل كتلة دولية جديدة لـ”ردع” إسرائيل سياسيا. ففي ظل بقاء نتنياهو في السلطة مع تعنت خطابه، فقد تتشكل كتلة دولية جديدة بقيادة دول مثل فرنسا وأستراليا ونيوزيلندا وأيرلندا وإسبانيا، بدعم من الاتحاد الأوروبي. ويمكن أن تمارس هذه الكتلة ضغطًا سياسيا ودبلوماسيا على إسرائيل، مما يمنح الفلسطينيين قوة تفاوضية جديدة لم تكن متاحة لهم في السابق. وقد يفتح هذا السيناريو الباب أمام تغييرات حقيقية في ديناميات الصراع.

    لا شك في أن التراشقات الحالية بين نتنياهو والرؤساء الغربيين لا تعني نهاية التحالف الغربي مع إسرائيل، لكنها تكشف عن تشقق حقيقي في بنيته لأول مرة منذ عقود. لقد تحوّلت بعض العواصم الغربية من “شركاء داعمين” إلى “حلفاء نقديين”، فقد شكلت الحرب في غزة لحظة اختبار أخلاقي وسياسي. وقد اختار نتنياهو المواجهة العلنية بدلاً من احتواء الانتقادات، مما يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة الغربية الإسرائيلية خلال السنوات القادمة.

    إن الصراع الحالي ليس مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل هو علامة فارقة على أن الغرب لم يعد قادرًا على تحمل تكلفة إسرائيل سياسيًا وأخلاقيا كما كان في الماضي. وستظل العلاقات قائمة ولكن ضمن معادلة جديدة من الندية والمحاسبة، في وقت يخسر فيه نتنياهو وحتى إسرائيل على المدى الطويل مكانتها التي احتكرتها منذ 1948 باعتبارها الطفل المدلل للغرب.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • نتنياهو يقر خطة “حسم حماس”: تهجير غزة قبل 7 أكتوبر… ومعارضون يحذرون من مجازر وورطة تاريخية

    قال بيان صادر عن رئاسة الوزراء الإسرائيلية، عند الخامسة صباح اليوم، إن الكابنيت، وبعد مداولات استمرت عشر ساعات في الليلة الفائتة، قد صادق على خطة اقترحها رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو بحسم “حماس”، رغم تحفظات واضحة من المؤسسة الأمنية.

    تشمل الخطة خمسة مبادئ: نزع سلاح “حماس”، إعادة المخطوفين أحياء وأمواتاً، تحييد غزة من السلاح، فرض السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وإقامة إدارة مدنية بديلة ليست “حماس” ولا السلطة الفلسطينية.

    حسب الخطة، سيستمر إخلاء أهالي مدينة غزة حتى 7 أكتوبر القادم، وهو تاريخ مشحون بدلالة رمزية تشي برغبة الاحتلال في إغلاق…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • منذ اليوم الأول بعد 7 أكتوبر.. إسرائيل كانت تهدف لقتل كل الفلسطينيين في غزة

    بدأ بعض الإسرائيليين الليبراليين أخيرًا بالاعتراف بما أدركه العالم منذ زمن طويل: ما يحدث في قطاع غزة هو إبادة جماعية، حقيقة كانت واضحة لكل من يمتلك عينين وحسًّا أخلاقيًا منذ اللحظة الأولى لهذه المأساة، حسبما ذكرت الكاتبة كايتلين جونستون في مقال نشرته على منصتها الخاصة.

    منذ أكتوبر 2023، كان واضحًا أن إسرائيل تسعى للقضاء على جميع الفلسطينيين في غزة. فمن غير المنطقي أن تعامل دولةٌ ما شعبًا بهذه الوحشية إذا كانت تخطط لترك ناجين على حدودها، لأن هؤلاء الناجين سيسعون حتمًا للانتقام لاحقًا.

    يشبه الأمر ما يُعرف بمشكلة “إينغو مونتويا”: إذا قتلت والد شخص…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عمر نجيب يكتب: هل بدأت الحرب العالمية الثالثة بالفعل؟

    تعرف الساحة السياسية الدولية حالة من الفوضى التي يتسع مداها وخطرها في وقت يؤكد فيه العديد من السياسيين والمحللين أن العالم يعيش عمليا بداية الحرب العالمية الثالثة ولكن حتى الآن بدون السلاح النووي.
     الولايات المتحدة التي رسخت هيمنتها على النظام العالمي مع بداية العقد الأخير من القرن العشرين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي توجد الآن في منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين في حالة من الاستنفار القصوى بسبب ما تعتبره تهديدا لها وكل معسكرها الغربي مع بروز عالم متعدد الأقطاب. واشنطن بقيادتها الحالية تحت سلطة الرئيس ترامب تظهر مستعدة لركوب حتى مخاطر حرب عالمية ثالثة لمنع انهيار ما يصفه بعض المؤرخين بالنظام الإمبراطوري الأمريكي. غير أن كثيرا من المحللين يقدرون أن سياسات ترامب المتذبذبة والتي يعتقد في البيت الأبيض أنه يمكنها إنقاذ سلطة واشنطن تسرع في الواقع من وتيرة الانحدار.
     قرب نهاية سنة 2024 صرح « جيمي ديمون » رئيس بنك « جيه بي مورغان »، إن التوقعات الاقتصادية أصبحت محدودة التأثير مقارنة بالوضع الجيوسياسي الذي يواجهه العالم اليوم، معتبرا أن الحرب العالمية الثالثة بدأت بالفعل.
     وخلال جلسة ضمن الاجتماع السنوي لمعهد التمويل الدولي في واشنطن العاصمة، الخميس 24 أكتوبر 2024، أعرب « ديمون » عن أسفه للحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط، والتعاون المتزايد بين « خصوم الولايات المتحدة » بما في ذلك روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران.
     وأضاف: « من الواضح أنهم يتحدثون عن تفكيك النظام الذي وضعته الولايات المتحدة وحلفاؤها بعد الحرب العالمية الثانية »، والذي ينسب إليه « ديمون » الفضل في حقبة من النمو الاقتصادي العالمي غير المسبوق.
     وأكد أن انتشار الأسلحة النووية هو « أكبر خطر تواجهه البشرية »، ويتفوق على تغير المناخ من حيث الخطورة، متابعا: « المخاطر غير عادية، لقد بدأت الحرب العالمية الثالثة بالفعل، ولديك معارك على الأرض في بلدان عدة ».
     وأوضح أن فرق إدارة المخاطر في بنكه « نفذت سيناريوهات ستصدم الكثيرين »، من حيث العواقب الاقتصادية المحتملة للصراع العالمي الذي يخرج عن نطاق السيطرة.

     الفيلسوف الفرنسي إيمانويل تود وهو مؤرخ ينتمي إلى ما يعرف بمدرسة المدى الطويل، بمعنى أنه لا يدرس الظواهر في صورها الضيقة وتفاصيلها الدقيقة المباشرة وإنما يدرس الحقب التاريخية والظواهر الممتدة، أصدر كتابين عنوانهما: هزيمة الغرب، وما بعد الإمبراطورية.
    كتاب « هزيمة الغرب » الذي صدر في بداية عام 2025 يمكن اعتباره من أهم أعمال تود، وعلى الرغم من أنه لم يترجم بعد ولو إلى اللغة الإنجليزية فإنه أثار الكثير من الجدل في العالم الغربي، وتناولته الصحف والمنصات المختلفة من الولايات المتحدة الأمريكية إلى شرق أوروبا.

    والسبب ليس فقط أن تنبؤات تود تحققت بالفعل في السابق، ولكن أيضا لتوقيت الكتاب، فبينما يحارب الغرب في أوكرانيا، ويساند إسرائيل في حربها الإبادية ضد الشعب الفلسطيني، يأتي تود ويقول للغربيين إنهم في طريقهم إلى الهزيمة، ويبين لهم من خلال مؤشرات متعددة وبيانات هائلة أنهم على شفا الانهيار. ويقول تود إنه حاول في هذا الكتاب أن يتحرر تماما من الخوف من الأحكام الأخلاقية وأن يقرأ المشهد بشكل علمي غير مؤدلج.
    كذلك يصل تود إلى درجة القول بأن إيران ينبغي أن تمتلك سلاحا نوويا، لأن هذا هو الحل الوحيد لكي يسود السلام في المنطقة ويتوقف جيش الاحتلال الإسرائيلي عن طغيانه. بالنسبة لتود فإن امتلاك الأسلحة النووية بالتساوي هو السبيل الأمثل للسلام، وليس أن تمتلكه بعض الدول فقط، فهو يرى مثلا أن امتلاك الاتحاد السوفياتي لأسلحة نووية هو ما منع الولايات المتحدة الأمريكية من استخدام أسلحتها ضد الأراضي السوفياتية، عكس ما فعلت مع اليابان في الحرب العالمية الثانية، وكذلك إذا امتلكت إيران القنبلة النووية فستتوقف إسرائيل عن القتل والتشريد دون حساب.
     في موسكو صرح نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، للصحفيين يوم الخميس 10 يوليو 2025، إن التناقضات في تصرفات وتصريحات إدارة الرئيس الأمريكي ترامب لا تجعل العمل أسهل معها. وأشار ريابكوف إلى أن « إدارة ترامب متناقضة للغاية في تصرفاتها وتصريحاتها.
     من علامات الاضطراب الأخرى في الساحة السياسية الدولية ما سجل من زيادة في الثلث الثاني من سنة 2025 من معدل الأخبار التي تروج أساسا في وسائل الإعلام الغربية والتابعة لها بإسلوب أو بآخر، للحديث عن محادثات تجري وراء الستار في السر بين مجموعات من عدة أطراف توجد في حالة مواجهة عسكرية أو سياسية أو اقتصادية عالية المخاطر وتسعى من وراء ذلك إلى تجنب مزيد من التصعيد وما يحمله في طياته من مخاطر.
     المشكل أنه بموازاة هذا الفيض عن المحادثات التي يقال أنها تجري في سرية يتم تقديم ملخصات عما سيتم أو تم الاتفاق عليه وفي الغالب يكون جوهر ما تم التوصل إليه مرضيا وعاكسا لمطالب المعسكر الغربي، ولكن في النهاية ومع مرور بعض الوقت يتضح أن الكثير مما قيل مجرد أوهام وتمنيات وكذب مطلق.
     المحاور الأساسية والأكبر تأثيرا بالنسبة لهذه « المحادثات » سواء ما كان منها مصنعا أو ملموسا على الصعيد الدولي تدور بين ما يمكن وصفه بتكتلين، غرب وشرق، روسيا من جانب والولايات المتحدة ومن خلفها حلف الناتو من جانب آخر، حول الحرب في وسط شرق أوروبا (أوكرانيا) ونزاعات الشرق الأوسط غزة-سوريا-لبنان-اليمن-إسرائيل ونووي إيران. وبين طهران وواشنطن ومن خلفها تل أبيب حول التسلح النووي وغيره وتقاسم مناطق النفوذ، وبين بكين وواشنطن حول كل شيء تقريبا من مستقبل جزيرة تايوان مرورا بالتجارة والاقتصاد وسباق التسلح والتوازنات في جنوب آسيا وغيرها.
     عندما تنهار الإمبراطوريات أو توشك على ذلك، غالبا ما تتبعها فترات من عدم الاستقرار والتحولات الجذرية في النظام العالمي. قد يشهد العالم صراعات جديدة، وتغييرات في موازين القوى، وحتى انهيار اقتصادي.
     يمثّل صعود القوى العظمى في النظام الدولي تحديا سياسيا ووجوديا للقوة المهيمنة على هذا النظام، لكنَ تغير بنية النظام الدولي يعَد أمرا طبيعيا ومحتوما لاستمرارية النظام كلّه، إذ لا يمكن تصور أن تكون دولة ما مهيمنة على النظام الدولي إلى الأبد.
    وكما يقول بول كينيدي في كتابه «نشوء وسقوط القوى العظمى»، فإن صعود الأمم لا بدَ أن يمر بنهاية محتومة تنذر بانهيار القوة المهيمنة، وتبشر بقدوم قوة أخرى بديلة.
     تتعدد أسباب نهاية الإمبراطوريات والنهاية واحدة: اقتصادية، اجتماعية، عسكرية، تنظيمية. فقد يكون نمط تنظيم الإمبراطورية نفسه سبب اختفائها، وذلك على شاكلة ما حدث للإمبراطورية المقدسة التي اختفت نسيا منسيا يلفها جو من عدم المبالاة بعد أن تهافت تماسكها شيئا فشيئا إلى أن لم تعد مؤسساتها تصلح لأي شيء على الإطلاق، اللهم إلا في ديمومة تأمين خدمة بريد بين الدول الأعضاء التي لطالما ادعت أنها وريثة روما الإمبراطورية !وعلى شاكلة ما حدث من قبل أيضا بالنسبة إلى إمبراطورية الإسكندر الأكبر الذي مات شابا ولم يهتم بتنظيم بدواته وغزواته. وعلى شاكلة ما حدث للإمبراطوريتين المغولية والعثمانية من غياب للعقلانية السياسية والإدارية والترقيع بإصلاحات بدت مسكنة مهدئة ولم تكن فعالة منجية.
     ابن خلدون، في مقدمته الشهيرة، تناول أسباب سقوط الدول ضمن إطار نظريته عن عمران البشر ودورة حياة الدولة، حيث شبه الدولة بالكائن الحي الذي يمر بمراحل: النشوء، القوة، ثم الهرم والسقوط. ومن أبرز الأسباب التي ذكرها لسقوط الدول:
    1. الترف والفـساد…: عندما تنغمس الطبقة الحاكمة في الترف وتبتعد عن قيم الجد والعمل، تبدأ مؤسسات الدولة بالضعف.
    2. الظلم: الظلم المستمر يضعف ولاء الناس للدولة ويؤدي إلى الفتن والانقسامات.
    3. ضعف العصبية: يرى أن الدولة تقوم على « العصبية » (الولاء الجماعي)، وإذا ضعفت هذه العصبية، تفككت الدولة.
    4. التكلف في النفقات والجباية: زيادة الضرائب والجبايات لإرضاء الترف تؤدي إلى إرهاق الشعب وتدمير الاقتصاد.
    5. الصراع الداخلي: النزاعات داخل الأسرة الحاكمة أو بين القبائل والعشائر تؤدي إلى انهيار الوحدة السياسية.
    6. الاعتماد على غير أهل الدولة: أي الاعتماد على المرتزقة أو الأجانب في إدارة الدولة بدلا من أصحاب الولاء الحقيقيين.



    لحظات مفصلية

    تمثل الحروب لحظات مفصلية في تاريخ الدول، والحروب غير المشروعة قد تكون مميتة عندما تشكل ذروة سنام انحدار البلدان التي تخوض غمارها. وينطبق ذلك بوجه خاص على إمبراطوريات حكمت أجزاء من العالم.

    بهذه المقدمة استهل روبرت كابلان، رئيس كرسي روبرت شتراوس هوبي في الجغرافيا السياسية في معهد أبحاث السياسة الخارجية (فيلادلفيا/بنسلفانيا)، مقالا له في مجلة فورين أفيرز الأميركية (Foreign Affairs)، مستعرضا بعض الشواهد من التاريخ الحديث ليخلص إلى أن سقوط الإمبراطوريات أو القوى العظمى تتبعه فوضى واندلاع حروب.

     عندما نجمع كل هذه المعطيات يتقوى إدراكنا أننا نعيش فترة إنتقال كبرى لكل الكوكب بكل مخاطرها وثمارها في آن واحد.



    أوهام النصر والتفوق

    منذ 7 أكتوبر 2023 وإنطلاق معركة طوفان الأقصى من غزة لم تتوقف آلة الإعلام الغربية الإسرائيلية، وساسة تل أبيب وواشنطن ولندن ومن تبعهم في الحديث عن الحسم القريب وتصفية المقاومة الفلسطينية بقيادة حماس وتهجير سكان غزة، ولكن بعد 22 شهرا تعجز آلة الحرب الغربية عن تحقيق الحسم ويتصاعد الحديث عن استنزاف جيش تل أبيب متعدد الجنسيات وحروب الثلاثين عاما وإنهاك وعطل معدات الحرب الغربية وإرتفاع خسائر خصوم الشعب الفلسطيني وهجرة عشرات آلاف المستوطنين خارج « أرض الميعاد » وانهيار الاقتصاد، نعم في الجانب الفلسطيني استشهد ما يفوق 60 الف غالبيتهم العظمي من الشيوخ والنساء والاطفال، ولكن ذلك ليس مقياس من ينتصر ومن ينهزم فالتاريخ عني بالأمثلة لتضحيات كبرى لشعوب مناضلة انتصرت.
     كشفت صحيفة « يديعوت أحرونوت » يوم 27 يوليو 2025 أن عدد الجنود الإسرائيليين المصابين منذ 7 أكتوبر2023 تجاوز 18.500 جندي، من بينهم آلاف يعانون من أضرار نفسية حادة، وسط تقديرات تشير إلى بلوغ عدد الجرحى 100 ألف بحلول عام 2028.
    وأوضحت الصحيفة، نقلا عن تقارير ومعلومات صادرة عن وزارة « الأمن » الإسرائيلية، أن هؤلاء الجنود « خرجوا من الخدمة ليس فقط كعناصر عسكرية، بل أيضاً من سوق العمل »، ما يعني أن تأثيراتهم تمتد إلى الاقتصاد و »المجتمع » الإسرائيلي بشكل عام.
     ويظهر التقرير، أن نصف الجنود المتوقع إصابتهم خلال السنوات المقبلة، سيعانون من مشكلات في الصحة العقلية، على رأسها، اضطراب ما بعد الصدمة.
    وأضافت « يديعوت أحرونوت » أن الرقم الذي كان من المتوقع سابقاً الوصول إليه في عام 2030، بات مرجحاً في عام 2028، بسبب التسارع الكبير في تسجيل الحالات النفسية، الأمر الذي دفع الجهات المختصة إلى إعادة تقييم أنظمتها وموازناتها وخططها العلاجية.
    لم تفلح آلة الحرب الإسرائيليوغربية في تركيع غزة فلجأوا إلى التجويع وغطوه بمساعدة واشنطن بتنظيمات مختلفة ففشلوا، وتسابقت لندن لتقدم فكرة جديدة إسقاط المعونات جوا ففشلت. راهنوا على رضوخ حماس لبعض شروطهم بالتجويع وتصوير وجوه الغزاويين والتجسس عليهم، ولكن شعب غزة رفض وتمسكت حماس بشروطها. انهم لا يزال يناورون ولكن الزمن لا يعمل لصالحهم.
     لم تنجح واشنطن وحلفاؤها رغم حشدهم لأحدث حاملات الطائرات الأمريكية وأسطول مساندتها وحوالي 28 ألف بحار وطيار في إخضاع صنعاء، وأجبرت واشنطن بعد حوالي 30 يوما من القصف الجوي والصاروخي على اليمن على الانسحاب بعد أن خسرت أكثر من 4.5 مليار دولار.
     نجحوا مرحليا في لبنان في تجميد هجمات حزب الله على إسرائيل بعد إغتيال زعيمه حسن نصر الله ولكنهم لم ينجحوا في نزع سلاحه أو منعه من إعادة تعزيز قوته.
     نجحوا في نشر الفوضى في سوريا بعد سقوط دمشق في 8 ديسمبر 2024، ولكنهم وجدوا أنفسهم بعد أشهر قليلة في مواجهة خصم ظل خامدا حتى الحين ولكنه وجد أن ما يجري على جناحه الجنوبي من تقسيم وشرذمة يشكل تهديدا وجوديا ووجد نفسه راضيا أو مجبرا على خوض مواجهة متسعة مع تل أبيب وتحالفاتها.
     قضوا سنوات في الإعداد لتوجيه ضربة قاتلة لإيران، ولكن بعد الساعات الأولى للهجوم من فجر يوم الجمعة، 13 يونيو 2025، تبخرت أوهام النجاح، وكانت نتيجة مماثلة تنتظر واشنطن فجر يوم 22 يونيو2025، ضمن عملية عسكرية أسمتها عملية مطرقة منتصف الليل (بالإنجليزية Operation Midnight Hammer) استهدفت منشآت نووية إيرانية في كل من منشأة فردو لتخصيب اليورانيوم، ومنشأة نطنز النووية، وأصفهان.
     بعد إنهيار دفاعات القبة الحديدية ومقلاع داوود وما جاورهما خلال 12 يوما تحت قصف الصواريخ والمسيرات الإيرانية، طلبت واشنطن وتل أبيب وقف إطلاق النار. وفي الأسابيع التالية اعترف الغرب بفشل تصفية البرنامج النووي الإيراني، وتسير طهران حسب الخبراء على نفس الطريق الذي جعل كوريا الشمالية قوة نووية.
     في شرق أوروبا تبخرت خطط الناتو لهزيمة روسيا عسكريا على الساحة الأوكرانية وتتخبط واشنطن وأغلب من حالفها في أوروبا في البحث عن مخرج. هؤلاء أنفسهم يتصارعون حول التجارة ومناطق النفوذ وشعوب أوروبا حائرة في ظل أوضاع صعبة سياسيا وإقتصاديا.
     دول أمريكا اللاتينية تتمرد على إملاءات وهيمنة واشنطن، وافريقيا تبحث عن شركاء جدد وتلفظ بعيدا علاقاتها مع مستعمريها القدماء، وفي شرق آسيا توسع الصين نفوذها في كل مكان وتتجاوز الغرب اقتصاديا وعلميا وصناعيا وتقترب من ذروة القوة العسكرية.
     إنه عالم يعاد بناؤه.



    فلسطين ستحرر

    كتب النائب الفرنسي توماس بورتس، في منشور على صفحته بمنصة « إكس »: « تحرير فلسطين كاملة أمر لا مفر منه، ولن يوقفه شيء، لا إسرائيل ولا غيرها ».
    وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قد أعلن في وقت سابق، أن باريس ستعترف بدولة فلسطينية مستقلة، مؤكدا الحاجة الملحة لوقف الحرب في غزة وإنقاذ المدنيين.
     حركة « فرنسا الأبية » رحبت بإعلان الرئيس الفرنسي عزمه الاعتراف رسميا بدولة فلسطين، خلال مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، سبتمبر المقبل.
    وشددت الحركة على أن خطوة الرئيس إيمانويل ماكرون تبقى « غير كافية » في ظل ما وصفته بـ »الوضع الكارثي » في قطاع غزة، وطالبت بعقوبات على الحكومة الإسرائيلية وإجراءات ميدانية فورية.
    ووفقا لتقرير نشرته صحيفة « لو فيغارو » الفرنسية، اعتبر زعيم الحركة اليسارية، جان-لوك ميلانشون، في تدوينة له، أن إعلان ماكرون يمثّل « نصرا معنويا » يعكس ضغط الشارع الفرنسي، وتضامنا شعبيا واسعا مع الشعب الفلسطيني خلال الأشهر الأخيرة. لكن ميلانشون لم يخفِ انتقاده الشديد لتوقيت الإعلان، معتبرا أنه محاولة « للهروب الإعلامي من أزمات داخلية ».
    وتساءل: « لماذا الانتظار حتى سبتمبر؟ سكان غزة يقتلون الآن، وليس بعد شهرين »، منتقدا ما وصفه بـ »التحركات الاتصالية الفارغة » من قبل الإليزيه.
    في الولايات المتحدة أصدر عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بيانا مشتركا مساء الجمعة 25 يوليو، طالبوا من خلاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بتغيير مساره في الحرب على غزة فورا، ودعوا إدارة ترامب للضغط على نتنياهو.
    كما قال السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز، إن الحكومة الإسرائيلية المتطرفة بعد أن قتلت وجرحت 200 ألف فلسطيني، تستخدم التجويع الجماعي لتدبير التطهير العرقي في قطاع غزة.
    المحلل سيث جيه فرانتزمان كتب في مجلة « ذا ناشونال إنترست » الأمريكية يوم 25 يوليو 2025:
     يظهر أن نيل الإرهاق من « الجيش » الإسرائيلي وصمود حركة حماس العنيد قد يفضيان إلى احتمال وقف إطلاق النار في غزة في الشهرين المقبلين دون نصر إسرائيلي.
     وسط الفوضى حول مستقبل التطورات في غزة وفي مؤشر على تخبط خصوم حماس ذكرت صحيفة جيروزاليم بوست يوم 28 يوليو نقلا عن مصدر مطلع: أن مسؤولون بإدارة ترامب يرون الوقت مناسبا لصفقة شاملة تؤدي لإطلاق كل الرهائن وإنهاء الحرب، وأضافت الاتصالات استمرت في اليومين الماضيين بين إسرائيل والوسطاء بقطر ومصر لإحياء المفاوضات كما ان المبعوث الأمريكي ويتكوف التقى مسؤولين قطريين كبارا في جزيرة سردينيا الإيطالية عدة مرات.



    أزمة جيش إسرائيل

    كشفت صحيفة « معاريف » الإسرائيلية يوم الاثنين 21 يوليو 2025عن أزمة حادة في الجيش الإسرائيلي وسط نقص كبير في الضباط خصوصا في سلاح الهندسة.
    وأضافت أن « الجيش » الإسرائيلي يشكو حاليا من نقص يقدر بـ300 ضابط في مناصب قادة فصائل القوات البرية، مشيرة إلى أن النقص يتركز في سلاح الهندسة الذي يعاني نقصاً حاداً في قادة الفصائل وفرق الهندسة والتفكيك.
    وصرح المحلل العسكري آفي أشكنازي لـ »معاريف » بأن « الجيش » يقر بصعوبة إقناع الجنود ذوي الكفاءة بالالتحاق بدورة الضباط، قائلا إنه « لأول مرة يعترفون بأن نطاق الاستنزاف كبير، وأن حجم الجيش لا يتناسب مع حجم المهام الملقاة عليه، إذ تشير التقديرات إلى نقص بنحو 7500 مقاتل ونحو 2500 عنصر دعم حربي ».
    كما أقرت الصحيفة بأنه نظرا للنقص في تولي مناصب قادة السرايا، اضطر جيش الاحتلال على مدار الأشهر الماضية إلى تعيين ضباط وحدات نظامية واحتياطية لم يجتازوا دورة قادة السرايا.
    ويعود السبب الرئيسي لهذا النقص الكبير في الضباط إلى الزيادة في أطر الوحدات المقاتلة، حيث « شهد سلاح المدرعات زيادة في حجمه بنسبة تفوق 30 في المئة منذ بداية الحرب، فيما تضاعف حجم سلاح الهندسة الحربية تقريبا، وأُنشئت المزيد من الفصائل المقاتلة ضمن ألوية المشاة »، بحسب الصحيفة.
    كما نقلت الصحيفة عن « الجيش » اعترافه بأن عددا كبيرا من الضباط والقادة سقطوا خلال الحرب، وأُصيب مئات آخرون، من بينهم عشرات لم يتمكنوا بعد من استكمال مرحلة التعافي والعودة إلى مهامهم القتالية.
    وفي السياق أفاد قادة في الوحدات النظامية والاحتياط في « الجيش » الإسرائيلي بأن أزمة الضباط لا تقتصر على مستوى قادة الفصائل والسرايا فقط، بل تمتد أيضا إلى نواب قادة الكتائب وقادة الكتائب أنفسهم، الذين يعانون ضغطا عملياتيا هائلا وظروفا معقدة.



    جبهة اليمن

    في دعم لصمود غزة أعلن المتحدث العسكري اليمني باسم أنصار الله يوم الأحد 27 يوليو: قررنا تصعيد عملياتنا العسكرية والبدء في المرحلة الرابعة من الحصار على العدو التي تشمل استهداف كل السفن التابعة لأي شركة تتعامل مع موانئ العدو في أي مكان وبغض النظر عن جنسيتها وبغض النظر عن وجهتها.
    ودعا المتحدث العسكري كل الدول للضغط على العدو لوقف عدوانه على غزة إذا أرادت تجنب التصعيد.
    وفي سياق متصل، اعتبر الخبير الإسرائيلي في شؤون « الشرق الأوسط » وأفريقيا ونائب رئيس جامعة « تل أبيب »، إيال زيسر، أن هجمات اليمنيين « لم تعد مجرد إزعاجات في ساعات الفجر، بل تحولت إلى تهديد فعلي له تداعيات اقتصادية وأمنية مباشرة على إسرائيل ».
    وأشار الخبير الإسرائيلي إلى أن الصواريخ والمسيرات التي تطلق من اليمن تفرض أثماناً باهظة على « إسرائيل »، أبرزها تعطيل حركة الملاحة نحو البحر الأحمر، وشل ميناء « إيلات ».



    وعيد مكرر وخطة تهجير

    رغم ذلك ومرة أخري صعد الرئيس الأمريكي ترامب لهجته تجاه حركة « حماس »، متهما إياها بإفشال جهود التوصل إلى اتفاق تبادل الأسرى في غزة، مؤكدا في الوقت نفسه أن « القتال ضدها بات ضرورياً ».
    وفي تصريحات صحفية أدلى بها مساء الجمعة 25 يوليو، قال ترامب إن واشنطن « انسحبت من مفاوضات غزة »، واصفا القرار بـ »المؤسف »، لكنه أشار إلى أن « حماس لم تبد أي اهتمام بإبرام صفقة »، مضيفا أنه: « لا بد من القضاء على حماس.. لقد وصلنا إلى نقطة يجب فيها الانتهاء من المهمة. سيتعين عليهم (الإسرائيليون) القتال وتطهير المنطقة. سنحتاج إلى التخلص منهم (حماس) ».
    وتابع: « أعتقد أن حماس تعرف ماذا سيحدث بعد استعادة كل الرهائن، ولهذا لا تريد التوصل إلى اتفاق. هي لا تريد عقد صفقة… أعتقد أنهم يريدون الموت، وهذا أمر سيء للغاية »، على حد قوله.
    وأوضح ترامب أن بلاده ساهمت في إطلاق عدد كبير من الأسرى المحتجزين في قطاع غزة، لكنه أشار إلى أن « عملية إطلاق من تبقى منهم ستكون أصعب، لأن حماس لم يعد لديها أوراق مساومة ».
    وختم ترامب تصريحاته بالتعبير عن خيبة أمله من بعض تفاصيل محادثاته مع نتنياهو، قائلاً: « لا أستطيع البوح بما دار بيننا، لكنه كان مخيبا إلى حد ما ».
     هناك اعتقاد متنامي لدي الكثير من الأوساط أن رئيس البيت الأبيض لا يزال يراهن على تهجير سكان غزة.
    كتب المحلل ثابت العمور يوم 24 يوليو 2025:
    طرح الرئيس الأمريكي ترامب بشكل مفاجئ، ومن دون سابق إنذار ومن دون وجود مباحثات أو مفاوضات، « إمكانية التوصل إلى حل سريع » في أزمة سد النهضة الإثيوبي. وفي منتصف يونيو 2025، خرج ترامب بتصريح مثير للجدل قال فيه إن « الولايات المتحدة مولت بشكل غبي سد النهضة الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، والذي أثار أزمة دبلوماسية حادة مع مصر ».
    وذكر ترامب أزمة سد النهضة ثلاث مرات خلال أقل من شهر، الأمر الذي يثير عدة تساؤلات عن أسباب إثارته أزمة سد النهضة، وفي هذا التوقيت بالذات، فما دوافع ترامب من ذكر سد النهضة؟ وهل يرتبط التركيز الأمريكي بقضايا إقليمية ودولية؟ وهل هناك مقايضة أمريكية تقوم على تسوية أزمة سد النهضة مقابل قبول مصر بتهجير سكان قطاع غزة إلى سيناء؟.
     وهل طرح ترامب تسوية أزمة سد النهضة مقابل أن تغض القاهرة الطرف على المشروع الإسرائيلي المتعلق ببناء مدينة خيام في رفح تمهيداً لتنفيذ مخطط التهجير؟ هل تتقاطع تصريحات ترامب المتكررة حول سد النهضة بالمتغيرات الحاصلة، والتي تتقاطع بموضوع التهجير، كالترويج الإسرائيلي مثلا بأن إثيوبيا وليبيا وإندونيسيا قد تقبل بتهجير سكان قطاع غزة إليها؟.



    كارثة اقتصادية

    بينما تواصل تل أبيب وواشنطن التهديد بشن هجوم جديد على إيران يستبعد جزء كبير من الخبراء وقوع ذلك لأنه أولا غير مضمون النجاح خاصة بعد تصعيد الدعم العسكري والمادي الصيني الروسي لطهران، وكذلك خشية الغرب من النتائج الكارثية لو أغلقت إيران مضيق هرمز وشلت النقل البحري في الخليج العربي حيث يمر عبره حوالي 20 مليون برميل من النفط يوميا وكميات هامة من الغاز المسال.
     وقد أوضح الخبير الإستراتيجي في مجال النفط، جوليان لي، أن ربع تجارة النفط العالمية تقريبا يمر عبر هذا الممر المائي الضيق عند مدخل الخليج العربي، وإذا حالت إيران دون وصول الناقلات العملاقة التي تنقل النفط والغاز إلى أوروبا وغيرها من المناطق الرئيسية المستهلكة للطاقة، فإن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل هائل وسريع وربما زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي.
    ممر هرمز المائي يربط الخليج بالمحيط الهندي، حيث تقع إيران شماله والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان جنوبه.
    ويبلغ طوله 161 كيلومترا وعرضه 32 كيلومترا تقريبا في أضيق نقطة فيه، حيث يبلغ عرض الممرات الملاحية في كل اتجاه 3 كيلومترات ونيف.
    غير أن أعماقه الضحلة تجعل السفن التي تمخر عبابه عرضة للألغام، كما أن قربه من اليابسة -وإيران على وجه الخصوص- يجعل السفن تواجه خطر الصواريخ التي تنطلق من الشواطئ أو الاعتراض من قبل زوارق الدوريات والمروحيات.
    ومما يعكس أهمية مضيق هرمز أن السفن العملاقة نقلت عبره في عام 2024 وحده ما يقرب من 16.5 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمكثفات من السعودية والعراق والكويت والإمارات وموانئ إيران الشمالية، وفقا للبيانات التي جمعتها وكالة بلومبيرغ. كما أن أكثر من خمس الإمدادات العالمية من الغاز -معظمها من دولة قطر– عبرت من خلاله في الفترة نفسها.



    السلاح الضرورة

    اعترف المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي بأنه لا يمكن وقف البرنامج النووي الإيراني بالوسائل العسكرية، وأن الحل يكمن في اتفاق شامل يتضمن نظام رقابة.
    وفي مقابلة مع صحيفة Rzeczpospolita البولندية، أوضح غروسي أن « إيران دولة كبيرة ذات اقتصاد قوي وقدرات صناعية وتقنية متقدمة، ولا يمكن تدمير هذه المقومات بالقوة، الإيرانيون قادرون دائما على إخفاء جزء من أنشطتهم، وبالتالي لا يمكن حل هذه المشكلة عسكريا ».
    وأضاف أن الاتفاق وحده، إذا تضمن نظاما رقابيا صارما، يمكن أن يمنع طهران من تطوير سلاح نووي دون علم المفتشين.
    وأشار إلى أن العديد من المسؤولين في إسرائيل والولايات المتحدة يشككون في جدوى الاتفاقات، لكنه شدد على أن « الظروف الصارمة تجعل من الصعب للغاية على إيران تطوير سلاح نووي سرا ».
    وأكد غروسي أن الوكالة لا تمتلك أدلة مؤكدة على امتلاك إيران سلاحا نوويا، رغم وجود مؤشرات على قدراتها التقنية في هذا المجال، مشيرا إلى أن التقرير الصادر قبيل اندلاع الحرب الأخيرة أشار إلى عدم شفافية إيران بشأن بعض أنشطتها، دون أن يثبت امتلاكها القنبلة النووية.
    وفي سياق متصل، أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف مؤخرا عن تعليق التعاون مع الوكالة، متهما إياها بـ »الانحياز لإسرائيل »، ومشددا على أن استئناف التعاون مشروط بضمان أمن المنشآت النووية الإيرانية.
     من جانبه أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن تهديد طهران بالعقوبات لا يجدي نفعا. مشيرا إلى أنه ليس من المنطقي أن تتخلى إيران عن صواريخها في ظل التهديدات الإسرائيلية والأمريكية. وقال عراقجي في مقابلة مع صحيفة « لوموند » الفرنسية نشر يوم 10 يوليو: « التهديد بالعقوبات لا يجدي نفعا للدبلوماسية. إذا أرادت أوروبا حقا أن تلعب دورا محوريا، فعليها أن تثبت استقلاليتها وحيادها ».
    وأضاف: « من مظاهر هذا الحياد إدانة عدوان إسرائيل والهجوم الأمريكي على المنشآت الإيرانية – وهو أمر لم تفعله فرنسا حتى الآن ».
    وتابع: « في مثل هذه الظروف، كيف يمكننا أن نتوقع من إيران الالتزام بقواعد اللعبة الدولية؟ ».
    وأكد وزير الخارجية الإيرانية أنه يمكن لأوروبا أن تلعب دورا بناء في الحفاظ على الاتفاق النووي وخفض التوترات، شريطة أن « تدين سلوك إسرائيل العدواني ».
    كما أعرب عن دعمه للدور البناء للدول الأوروبية الثلاث (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) في إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة، شريطة أن تمتنع عن الإجراءات الاستفزازية وغير البناءة مثل التهديد باستخدام آلية إعادة فرض العقوبات، والتي نعتبرها بمثابة هجوم عسكري.
    وشدد على أنه « من وجهة نظر إيران، يعني هذا الإجراء نهاية دور فرنسا وأوروبا في البرنامج النووي السلمي الإيراني ».
    وأشار إلى أنه « إذا كانت فرنسا تتسامح مع تطوير بعض الدول للصواريخ بعيدة المدى، بل وتبيعها، فلماذا تعارض برنامج الدفاع الصاروخي الإيراني، محدود المدى، والذي يعد جزءا من قوة الردع الإيرانية؟ وقد أكدنا مرارا أن برنامجنا الصاروخي دفاعي ورادع بحت ».
    وأضاف عراقجي أنه في ظل تهديدات إسرائيل والولايات المتحدة المتواصلة لإيران، والتي أصبحت الآن هدفا لهجوم، ليس من المنطقي أن نتوقع من طهران التخلي عن قدراتها الدفاعية.
     من جانبه أكد المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني علي‌ محمد نائيني أن القوات الإيرانية لم تغفل لحظة واحدة عن تعزيز جاهزيتها، ولو استمرت عملياتها الصاروخية بنفس القوة لما بقي من إسرائيل شيئا.
    وقال نائيني تعليقا على تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ضد إيران: « هذه التصريحات العبثية هي في الغالب عمليات نفسية.
    وأكد أن « الكيان الصهيوني انهار خلال الحرب العدوانية التي استمرت 12 يوما، ولو استمرت عمليات الصواريخ للقوات المسلحة الإيرانية بنفس القوة، لما بقي من هذا الكيان اليوم شيئا ».



    الصين الصاعدة

     بعيدا عن الشرق الأوسط المركز بألاف الكيلومترات تخوض واشنطن ما تعتبره قيادتها معركة مصيرية ضد الصين، ويركز البيت الأبيض على فكرة فصل التحالف الصيني الروسي.
    في هذا الصدد كتبت كسينيا لوغينوفا، في « إزفيستيا »، يوم 22 يوليو 2025 تحت عنوان ترامب يمتدح الصين ويعد حلفاءَه للصراع معها، عن لعبة الولايات المتحدة المزدوجة مع الصين:
     أشاد ترامب بالخطوات التي اتخذتها الحكومة الصينية لوقف تدفق الفنتانيل إلى الولايات المتحدة، حيث يستمر وباء المخدرات منذ عدة سنوات بسبب انتشار هذا الأفيون الاصطناعي. من المحتمل أن يكون الرئيس الأمريكي، بتخفيف لهجته تجاه الصين، يستعد للاجتماع مع شي جين بينغ. ويولي رجال الأعمال الأمريكيون الذين يتعاملون مع الصين اهتماما خاصا بهذا الأمر. ومع ذلك، لا يمنع هذا واشنطن من إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع شركائها الآسيويين وبناء قواعد جديدة، ما يثير ردة فعل سلبية في بكين.
    وفي الصدد، قال مدير معهد آسيا وإفريقيا بجامعة موسكو الحكومية، أليكسي ماسلوف، إن ترامب توقع انتصارا سريعا على الصين. وأضاف:
    « استأنفت الصين إمداد (الولايات المتحدة) بالمعادن الأرضية النادرة ردا على تخفيض الرسوم الجمركية. اتفق الجانبان الصيني والأمريكي على مواصلة الحوار، ومن المفترض أن يستمر مبدئيا في يوليو وأغسطس، كما هو مخطط له، ثم في سبتمبر. لكن يتضح من تصريحات الصحافة الصينية أن الأمريكيين لم يلتزموا بالرسوم الجمركية التي وعدوا بها. نتيجةً لذلك، قد تبطئ الصين أيضا تصدير المعادن الأرضية النادرة. أي أن ما وصف بأنه تقارب لم يفلح تماما. ومن المثير للاهتمام أن الولايات المتحدة لا تزال تمارس ضغوطًا شديدة على عدد من الدول الآسيوية بفرض رسوم جمركية. يبدو أن ترامب يريد في المقام الأول الضغط على جنوب شرق آسيا، القريبة أيديولوجيا واقتصاديا من الصين من نواح عديدة. لكنني أظن أن الأمور كلها ستعتمد على المفاوضات الأمريكية الصينية، التي يفترض أن تعقد في نهاية الصيف ».
     
      للتواصل مع الكاتب:

    عمر نجيب

    [email protected]

    إقرأ الخبر من مصدره