Étiquette : BCIJ

  • بعد 23 سنة على أحداث 16 ماي.. خبير يبرز كيف صنعت حوكمة “إمارة المؤمنين” واليقظة الأمنية تفوق النموذج المغربي

    جمال أمدوري

    أكد الباحث في القضايا الرقمية والأمنية، المحجوب داسع، أن المكتسبات التي حققها المغرب في مجال مكافحة التطرف بعد مرور 23 سنة على أحداث 16 ماي الإرهابية الأليمة، نقلت النموذج المغربي من منطق التدبير الظرفي للخطر إلى بلورة استراتيجية وطنية مندمجة وشمولية.

    وأوضح داسع، في حوار خاص مع موقع “العمق المغربي”، أن هذه التجربة الفريدة تميزت بمزاوجة ناجحة بين المقاربة الأمنية الاستباقية بقيادة الأجهزة الاستخباراتية والمكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ) لوأد المخططات في مهدها، وبين إعادة هيكلة الحقل الديني تحت توجيهات مؤسسة إمارة المؤمنين عبر هندسة مؤسساتية متكاملة، إلى جانب أنسنة العقوبة وتأهيل المدانين فكرياً من خلال برنامج “مصالحة”، وهو ما توج بتصنيف المملكة عام 2026 ضمن البلدان الأقل تأثراً بالإرهاب عالمياً برصيد “صفر نقطة” في مؤشر الإرهاب العالمي.

    وأضاف عضو منتدى الإنترنت العالمي لمكافحة الإرهاب، أن الفكر المتطرف الذي اعتمد سابقا على الخلايا التقليدية والوسائل المباشرة قد انحسر فعلياً، لكنه أعاد تشكيل نفسه في قوالب تكنولوجية جديدة تحت ما يسمى “التطرف الرقمي”، محذرا من خطورة “الخلايا النائمة افتراضياً” ونموذج “الذئاب المنفردة الرقمية” التي تستغل منصات التواصل والألعاب الإلكترونية المشفرة لتجنيد الشباب واليافعين عن بُعد، مستفيدة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتويات مفبركة وعالية الجاذبية للتحايل على أنظمة الرصد، مشيداً في هذا السياق بالوعي المغربي المبكر الذي تجسد في إطلاق المديرية العامة للأمن الوطني لمنصة “إبلاغ” الرقمية لإشراك المواطنين في تحقيق الأمن السيبراني.

    بعد مرور 23 سنة على أحداث 16 ماي، كيف تقيمون تطور “النموذج المغربي” في مكافحة التطرف، وكيف استطاع المزاوجة بين المقاربة الأمنية الاستباقية وإعادة هيكلة الحقل الديني؟
    أعتقد أن المكتسبات التي حققها المغرب في مجال مكافحة التطرف بعد مرور 23 سنة على الأحداث الارهابية الأليمة التي هزت مدينة الدار البيضاء 16 ماي 2003، لا تخطئها العين، وينبغي تثمينها والتأسيس عليها قصد معالجة الأنماط الجديدة للتطرف، خاصة التطرف في بعده الرقمي، غير أنه يمكن التأكيد بصفة عامة على أن النموذج المغربي في مكافحة التطرف انتقل من منطق التدبير الظرفي للخطر الارهابي، إلى بلورة الاستراتيجية الوطنية المندمجة والشمولية لمكافحة التطرف والارهاب، لم تهتم بجانب واحد في تشخيص ومعالجة الظاهرة الارهابية بل أخذت بعين الاعتبار أولا جميع العوامل المؤدية إلى التطرف والإرهاب، و استندت في معالجة هذا الخطر على مقاربات قانونية وحقوقية وأمنية ودينية، و اعلامية، وسوسيو اقتصادية واجتماعية.

    من بين أهم ما يميز هذه الاستراتيجية الوطنية هو كونها نتاج تربة مغربية خالصة، انتقلت من الواقع المغربي، بغية تشخيص الأسباب والعوامل المؤدية للتطرف والارهاب، لتبلور بعد ذلك الحلول الناجعة للتعاطي مع الخطر الارهابي بالاستناد الى مقاربات مختلفة ومتكاملة، لعل أبرزها هذه المزاوجة كما جاء في سؤالكم، بين المقاربة الأمنية الاستباقية و اعادة هيكلة الحقل الديني، في تناغم قلما نجده في تجارب اقليمية أو دولية أخرى.

    على الصعيد الأمني، نجح المغرب بفضل يقظة أجهزته الأمنية الاستخباراتية في وأد الخطر الارهابي في المهد، وذلك بفضل تبني عمل وقائي استباقي قائم على الرصد المبكر وتفكيك الخلايا قبل تنفيذ مخططاتها، مع التطوير المستدام للقدرات الاستخباراتية والتنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية، وهو ما مكن من إحباط عشرات المشاريع الإرهابية وتفكيك مئات الخلايا المرتبطة بتنظيمات متطرفة، خاصة مع صعود تنظيم داعش، وتهديد “الذئاب المنفردة”، كما عزز المغرب ترسانته القانونية والمؤسساتية، من خلال إنشاء المكتب المركزي للأبحاث القضائية، وتوسيع التعاون الأمني الدولي.

    بالموازة مع هذه المقاربة الأمنية، بلورت المملكة المغربية تحت قيادة أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس، مقاربة دينية هي أيضا نتاج سياق مغربي خالص، شكل ورش اعادة هيكلة الحقل الديني عمادها الأساسي، حيث تم ضبط آليات عمل المؤسسات الدينية الرسمية، و اعادة النظر في اختصاصتها، وهيكلتها من اجل تحقيق المزيد من النجاعة في عملها، و تقريب المعرفة الدينبة الآمنة الخالية من ألغام التطرف من عموم المواطنين، بالاستناد طبعا الى الاختيارات الكبرى للمملكة عقيدة ومذهبا وسلوكا، وكل ذلك من اجل انتاج خطاب ديني متسم بالوسطية والاعتدال يمتح من ثوابت المملكة المغربية، لكن منفتح أيضا على مقتضيات السياق المعولم وما يفرضه من اجتهاد المؤسسات الدينية للاستجابة لانشغالات المواطنين الراهنة التواقين الى معرفة دينية تشبهم وتشبه واقعهم المعاش وخصوصياتهم الدينية والهوياتية والقيمية.

    لذلك نجد اليوم أن تدبير الشأن الديني في المغرب ينتظم على شكل هندسة سباعية تعتبر فيها مؤسسة امارة المؤمنين بمثابة سارية العماد، التي تشتغل تحتها باقي المؤسسات في تكامل وظيفي، كل بحسب اختصاصاتها ووظائفها، من الحكامة والتدبير ممثلة في وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، الى الفتيا ممثلة في مؤسسة المجلس العلمي الأعلى، الى البحث العلمي في العلوم الاسلامية و تفكيك خطاب التطرف ممثلة في الرابطة المحمدية للعلماء، الى المجالس العلمية الجهوية والمحلية التي يتمثل دورها في الارشاد الديني من خلال تحقيق مبدأ القرب من احتياجات المواطنين الدينية و الدنيوية، الى باقي المؤسسات التي تعنى بتخريج العلماء مثل دار الحديث الحسنية، ومعهد تكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، وصولا الى البعد الافريقي للاستراتيجية المغربية من خلال عمل مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة. كل هذه المؤسسات الدينية أدوارها و اختصاصتها لا تتعارض بل تتكامل فيما بينها لتفرز لنا اليوم ما يسمى بهندسة تدبير الحقل الديني تحت توجيهات مؤسسة امارة المؤمنين، التي لها أدوار وظيفية تدبيرية، وهو ما يمنح المغرب، هذا التميز اقليما و دوليا، قلما نجده في تجارب أخرى.

    لذلك فان المزاوجة بين المقاربة الأمنية الاستباقية و اعادة هيكلة الحقل الديني، هو الذي يمنح التجربة المغربية في مكافحة التطرف والارهاب هذا الزخم والثراء، والتفرد مقارنة بتجارب اقليمة افريقية أو عربية أخرى، ويجعلها تجربة فضلى تزداد الرغبة من اجل الاستفادة منها، خاصة و أود التأكيد على هذه النقطة أن المغرب انتقل من مرحلة انتظار وقوع الحدث الارهابي و التدخل بعد وقوعه إلى اعتماد استراتيجية استباقية للوقاية لا تكتفي بمحاصرة نتائج الإرهاب والتطرف، بل يوجه الجهود لمعالجة العوامل والأسباب العميقة التي تنتج الفكر المتطرف على جميع المستويات.

    أود أيضا الاشارة الى مكسب مهم في تجربة المغرب في التعاطي مع التطرف والارهاب، ويتمثل في كون المملكة انتقلت من المقاربة الأمنية الصرفة إلى مقاربة إدماجية شمولية تراهن على الإنسان، وعلى إمكانية المراجعة الفكرية وإعادة الاندماج داخل المجتمع مجددا. بعد أن كان التركيز في مرحلة أولى منصبا على توقيف المتورطين وتفكيك الخلايا وإدانتهم، تطورت الرؤية المغربية نحو العمل على تأهيل هؤلاء المدانين ومواكبتهم فكريا ونفسيا واجتماعيا داخل المؤسسات السجنية، في إطار برنامج نوعي يسمى “مصالحة” الذي تم اضفاء طابع مؤسساتي عليه من خلال انشاء مركز “مصالحة”.

    هذه المقاربة الادماجية حققت نتائج مهمة، من خلال تمكين عدد من المستفيدين من مراجعة قناعاتهم المتشددة، والانخراط مجدداً في المجتمع بروح جديدة قائمة على التعايش و الانضباط للمجتمع وقوانينه ومؤسساته ونظمه، وهو ما مكن العديد من المدانين في قضايا التطرف والارهاب من الاستفادة من العفو الملكي السامي في مناسبات عديدة، مما يؤكد أن قوة النموذج المغربي تكمن في كونه لم يختزل مكافحة التطرف في العقوبة فقط، بل جعل من التأهيل الفكري والمصالحة مع المجتمع مدخلاً أساسياً لتحصين الأفراد من العودة إلى الفكر المتشدد، وهو ما يمنح هذه التجربة المغربية بعدا إنسانيا واستراتيجيا بالغ الأهمية يتجاوز أسوار السجون الى مواكبة المدانين خارجها.

    هل تعتقدون أن الفكر المتطرف الذي أنتج “انتحاريي 16 ماي” قد انحسر فعليا، أم أنه أعاد تشكيل نفسه في قوالب رقمية جديدة يصعب رصدها؟
    انحسار الفكر المتطرف من عدمه، يمكن النظر اليه من زاوية الوسائل التي تعتمد من أجل التجنيد والاستقطاب والترويج للفكر المتطرف. ما هو مؤكد أن الفكر المتطرف الذي كان يعتمد على الجماعات الصغرى والضيقة باعتماد وسائل تقليدية مباشرة من كتب وأشرطة و منشورات في التعبئة والحشد والتجنيد والاستقطاب، انحسر فعليا بفضل يقظة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية، و أيضا بفضل يقظة المواطنين المغاربة، و الجهود التي بذلتها الدولة طيلة السنوات الماضية في مجالات التربية والتعليم والاعلام، غير أن الطفرة الرقمية الراهنة أعادت كما جاء في سؤالكم تشكيل التطرف في صيغة جديدة يصطلح عليه اليوم ب”التطرف الرقمي” أو “الالكتروني” لايمكن التكهن بتشكلاته المستقبلية لكون العالم الرقمي اليوم مفتوح على جميع الاحتمالات التي تتيحها التكنولوجيا في مجال التطور.

    لذلك تعمل الحركات المتطرفة على تطويع التكنولوجيا الرقمية لخدمة أجنداتها و أهدافها التخريبية، حيث تحولت منصات التواصل الرقمي، إلى فضاءات لنفث سم التطرف والكراهية والعنف، و استقطاب مستخدمي الانترنت، خاصة فئة الشباب واليافعين و المراهقين، الذين يعتبرون الفئة الأكثر اقبالا على شبكات التواصل الاجتماعي. مثلما تستخدم التكنولوجيا الرقمية بشكل ايجابي خدمة لأهداف التواصل الانساني بصفة عامة، وجدت الحركات المتطرفة في هذه الامكانيات الرقمية الجديدة فرصة لتحقيق أهدافها الايديولوجية، خاصة أن هذه المنصات تمتاز بخاصيات الجذب و التواصل التفاعلي، والابهار البصري، مما يحقق لها قابلية لدى فئات عريضة من مرتادي المنصات الرقمية، خاصة فئتي الشباب والأطفال عبر استعمال مثلا الألعاب الإلكترونية في نشر الدعاية المتطرفة والتجنيد و الاستقطاب.

    هذا الوعي المبكر بأن الفكر المتطرف يبرز على شكل قوالب رقمية جديدة، دفع المديرية العامة للأمن الوطني الى اطلاق المنصة الرقمية “إبلاغ” المخصصة للتبليغ عن المحتويات غير المشروعة على شبكة الأنترنيت، والتي تسمح لمستخدمي شبكة الأنترنيت ورواد مواقع التواصل الاجتماعي بالتبليغ الفوري والآمن عن كل المحتويات الرقمية الإجرامية والعنيفة، أو تلك التي تتضمن تحريضا على المساس بسلامة الأفراد والجماعات، أو تنطوي على إشادة بالإرهاب والتحريض عليه، أو تمس بحقوق وحريات الأطفال القاصرين وغيرهم.

    هناك اذن وعي مبكر و استحضار للبعد الرقمي في اعادة تشكل الفكر المتطرف، و وتعزيز التفاعل بين المؤسسة الأمنية ومحيطها المجتمعي، وكذا تطوير آليات عملية وناجعة لمكافحة الجرائم المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة عبر إشراك المواطنين في تحقيق الأمن الرقمي وصيانة الانترنت كفضاء آمن وخال من التهديدات والسلوكيات الإجرامية.

    بصفتكم عضواً في منتدى الإنترنت العالمي لمكافحة الإرهاب، كيف تغيرت استراتيجيات الجماعات الإرهابية في استقطاب الشباب المغربي من “الخلايا التقليدية” إلى “الذئاب المنفردة الرقمية”؟
    شهدت استراتيجيات الجماعات الإرهابية خلال العقدين الأخيرين تحولا جذريا؛ فبعدما كانت تعتمد على “الخلايا التقليدية” القائمة على اللقاء المباشر، والتجنيد داخل الفضاءات المغلقة، والارتباط التنظيمي الصارم، أصبحت اليوم تميل أكثر إلى نموذج “الذئاب المنفردة الرقمية”، الذي يقوم على الاستقطاب الفردي عن بعد، دون حاجة إلى بنية تنظيمية واضحة أو اتصال مباشر بالقيادات.

    في مرحلة ما بعد 16 ماي، كان التجنيد يتم غالبا عبر شبكات محلية محددة: أحياء هامشية، حلقات مغلقة، علاقات شخصية، أو خطاب تعبوي مباشر، لكن تغيرات المعادلة حيث انتقلت الجماعات المتطرفة إلى استثمار البيئة الرقمية بشكل مكثف، مستفيدة من سرعة انتشار المحتوى، ومن الخوارزميات التي تعيد إنتاج ما يصطلح عليه بـ”فقاعات فكرية” مغلقة تسهل عملية التأثير النفسي والفكري على الشباب.

    التحول الأخطر في سيرورة استقطاب وتجنيد الشباب نحو الجماعات المتطرفة والارهابية، هو أن التنظيمات لم تعد تبحث دائما عن عضو منضبط تنظيميا، بل عن فرد قابل للتأثر، يمكن دفعه إلى التطرف الذاتي أو تنفيذ فعل عنيف بشكل منفرد دون الحاجة الى العودة الى القواعد كما كان عليه الأمر سابقا، ومن هنا ظهر نموذج “الذئب المنفرد”، الذي قد لا تكون له علاقة تنظيمية مباشرة، لكنه يتشبع بخطاب التطرف عبر الإنترنت، ويتحول إلى مشروع تهديد قائم بذاته.

    كما تغيرت أدوات الاستقطاب نفسها، فبدل الخطاب الدعوي التقليدي المتعارف عليها، أصبحت الجماعات المتطرفة توظف تقنيات رقمية حديثة، مثل فيديوهات قصيرة عالية التأثير العاطفي، ألعاب ورموز بصرية، غرف دردشة مشفرة، استغلال قضايا الهوية والتمييز والغضب الاجتماعي، توظيف الذكاء الاصطناعي والتعديل البصري لإنتاج محتويات أكثر جاذبية واحترافية. واللافت أن هذه التنظيمات أصبحت تخاطب الشباب بلغتهم النفسية والثقافية، لا فقط بلغتهم الدينية. فهي تستثمر مشاعر العزلة، وفقدان المعنى، والرغبة في البطولة أو الانتقام الرمزي، وهو ما يجعل المقاربة الأمنية وحدها غير كافية.

    المثال على هذا التحول من الخلايا التقليدية الى الذئاب المنفردة الرقمية، هو حالة الشاب الذي تم توقيفه يوم الأحد 10 غشت 2025، بمدينة سطات، من قبل المكتب المركزي للأبحاث القضائية، بناء على معلومات استخباراتية وفرتها مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، حيث أظهرت الأبحاث أنه قام بالترويج عبر منصات إعلامية لمحتويات تتضمن عمليات إرهابية لمقاتلي ‘داعش’ وأخرى تحرض على تنفيذ مشاريع تخريبية، بعد أن كان على اتصال مع أحد القياديين الميدانيين المغاربيين لتنظيم داعش والذي قام بتحريضه على تنفيذ مشروع إرهابي بالمملكة ومده بمراجع وإصدارات تتطرق لكيفية صناعة المتفجرات.

    أحداث 16 ماي تم التخطيط لها في فضاءات مادية؛ اليوم، ما مدى خطورة “الخلايا النائمة افتراضيا”، وكيف يساهم الذكاء الاصطناعي في تعقيد مأمورية رصد خطاب الكراهية؟
    خطورة الخلايا النائمة افتراضيا تكمن في كونها تجاوزت الحيز المادي الجغرافي في مجالات الحشد والتعبئة والتجنيد والاستقطاب، لتنتقل في عملها نحو فضاءات رقمية افتراضية، فهذه الخلايا تواكب الطفرة الرقمية المعاصرة، و آخرها بروز الذكاء الاصطناعي، مما يضع الدول و منها المغرب أمام تحديات جديدة ينبغي الاشتغال على مواكبتها بتكوين جيل جديد من الموارد البشرية مؤهلة لمجارة هذه الدينامية المدمرة.

    على المستوى الرقمي نحن اليوم أمام أفراد أو مجموعات قد لا تجمعهم علاقة تنظيمية مباشرة مبنية على التسلسل الاداري الهرمي، كما كان عليه الأمر في الفضاءات التقليدية المباشرة، حين كانت اللقاءات تتم بشكل مباشر في أماكن مغلقة، لكن اليوم نحن أمام بروفايلات قد لا تستطيع الوصول الى هويتها و تتلبس على شكل هويات مجهولة داخل فضاءات رقمية مشفرة وعابرة للحدود، ما يجعل عملية الرصد و التتبع أصعب بكثير مما كان عليه الأمر سابقا.

    الخطر المحدق يتمثل في كون هذه الخلايا الافتراضية تعتمد على مايسمى بالتخفي ، أي أن مستخدما لموقع أو منصة معينة في الفضاء الرقمي، قد يبدأ بمتابعة محتويات تبدو عادية توفر كل خصائص الابهار البصري والجاذبية التي تبنى عليها المضامين الرقمية، ثم يجد نفسه تدريجيا دون أن يعي ذلك داخل دوائر أو فضاءات أكثر تشددا بفعل الخوارزميات والتوصيات الآلية للذكاء الاصطناعي، إلى أن يصل إلى مرحلة التطبيع مع خطاب الكراهية أو العنف الذي قد يأتي على شكل ألعاب الكترونية مثلا، وهنا مكمن الخطر الحقيقي لأن الشباب والأطفال والمراهقين واليافعين أكثر اقبالا على هذه الألعاب والمضامين التي تقدم على انها ترفيهية أو سياسية أو دينية عادية في الأساس، لكنها في الواقع تنفث خطابات تحرض على التطرف والارهاب والعنف والكراهية.

    ما هو مؤكد أن الذكاء الاصطناعي، وامكانياته الهائلة يسهم في اعادة تشكيل المضامين الرقمية، بشكل يصعب معه معرفة هل هي حقيقية أم معدلة، وهو ما أضاف بعدا جديدا للتهديدات الارهابية. اليوم الحركات المتطرفة والارهابية لم تعد تكتفي بإعادة نشر الدعاية التقليدية، بل تشتغل على تطويع أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى أكثر احترافية وإقناعا، بتوظيف أكثر تقنيات الابهار البصري، من خلال إنشاء فيديوهات وصور مفبركة عالية الجودة، تقليد الأصوات والخطب، وتوليد محتوى بلغات متعددة بشكل فوري، و التحايل على أنظمة الرصد عبر تعديل الكلمات والصور والرموز، وهذا ما يعقد مأمورية المنصات الرقمية وأجهزة الرصد المتخصصة في التتبع والتعقب. وضع يفرض على المغرب ضرورة أولا الرصد التكنولوجي عبر تطوير أدوات ذكاء اصطناعي مضادة قادرة على اكتشاف الأنماط الجديدة للخطر الارهابي، و تعزيز تعاونه الدولي المتعدد الأطراف خاصة مع الشركات العالمية في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، خاصة وأن العالم اليوم يعمل على تعزيز التعاون الدولي والمنصاتي بين الحكومات وشركات التكنولوجيا ومنظمات المجتمع المدني، الى جانب ورش يتعين العكوف عليه وهو ضرورة ادماج الثقافة الاعلامية والرقمية في مناهجنا التعليمية على مختلف المستويات من أجل تمنيع الأجيال الناشئة ضد كل أضرب الاختراقات القيمية والسلوكية، وعلى رأسها التطرف والارهاب، في عصر رقمي لا يؤمن بالحدود الجغرافية.

    في ذكرى 16 ماي، دائماً ما نستحضر الضحايا؛ كيف يمكن توظيف “شهادات الناجين” وضحايا الإرهاب في المنصات الرقمية لإنتاج خطاب مضاد يؤثر في الأجيال الناشئة؟
    سؤال وجيه يفرض نفسه اليوم في عز الثورة الرقمية الحالية التي ينبغي حسن استثمارها بعقلانية قصد بلورة مضامين رقمية بديلة ومضادة لخطابات العنف والتطرف والكراهية، من منطلق أن المعركة مع الحركات المتطرفة هي في واقع الأمر معركة سرديات وخطابات ومضامين تجري أطوارها اليوم على المستوى الرقمي الافتراضي، لذا أعتقد أن توظيف شهادات الناجين وضحايا الإرهاب في الفضاء الرقمي يمكن أن يشكل أحد أكثر الطرق تأثيرا في بناء خطاب مضاد للتطرف على المستوى الرقمي، لأن هذه الشهادات تنقل النقاش من مستوى الترف الفكري حول أسباب وعوامل التطرف والارهاب، على أهمية هذا النقاش، إلى مستوى آخر يغوض في التجربة الإنسانية الحية المؤثرة التي تمتزج فيها الأحاسيس والمشاعر خاصة الحزينة منها، ومعلوم أن الانسان بطبعه يتأثر بمشاعر خاصة اذا كانت صادقة ونابعة من شهادات حية حقيقية معاشة، كما هو الحال بالنسبة للناجين من أحداث الدار البيضاء الأليمة، التي لازالت جرحا لم يندمل في وجدان كل المغاربة.

    الطرق التقليدية للتواصل مع الأجيال الحالية التي أسميها ب” الأجيال الرقمية”، خاصة جيلي “ز” و ألفا”، وهي أجيال بالمناسبة لها مميزات خاصة، وانتظارات معينة، وطرق تواصل خاصة، ( الطرق التقليدية ) للتواصل معهم، لم تعد نجدي نفعا في عز انتشار الذكاء الاصطناعي، بتطبيقاته المختلفة، وشبكات التواصل الاجتماعي، لذلك أعتقد أن الأجيال الناشئة تميل أكثر الى شهادات انسانية حية حقيقية نابعة من الواقع، يمكن بلورتها على شكل كبسولات رقمية هادفة حاملة لقيم الحب والسلام والتسامح، تمزج بين مضامين مختزلة ومكثفة المعاني و الدلالة، و مبهرة شكلا تتوفر فيها كل أشكال الجاذبية والابهار البصري، لأن العملة الأثمن في الفضاء الرقمي اليوم هي “شد وجذب الانتباه” ومن يحسن تملك ناصية هذه العملة المؤثرة سيكون له قصب السبق في الفضاء الرقمي بغض النظر عن ما ينشره من مضامين.

    لذلك أعتقد أن الورش المضموني على المستوى الافتراضي، ينبغي العكوف عليه قصد بلورة مضامين رقمية هادفة بانية متزنة وسطية معتدلة تبرز من جهة مخاطر التطرف والارهاب، وتعلي من قيم الحب والسلام والتعايش بين الأديان و الثقافات، من جهة ثانية، و الدور منوط هنا بالفاعلين الدينين، و الاعلاميين، و الشباب، والفاعلين في جمعيات المجتمع المدني، وكذا المؤثرين و المؤثرات، و صناع ألعاب الفيديو، وكتاب القصص القصيرة، الذين ينبغي أولا تكوينهم معرفيا وقانونيا في المجالات المتصلة بمكافحة التطرف والارهاب، وبالاستراتيجية المغربية بهذا الخصوص، و بالخصوصيات الدينية للمغرب، و أيضا بناء كفاياتهم التقنية حتى يكونوا مؤهلين معرفيا و تقنيا، لبلورة مضامين رقمية متزنة بانية توظف شهادات الناجين من أحداث 16 ماي الارهابية، وضحايا الارهاب بصفة عامة، توظيفا يراعي خصوصيات وانتظارات مستخدمي الانترنت، خاصة الشباب واليافعين و المراهقين، ويراعي كذلك ما يفرضه الفضاء الرقمي من ابداع في مجالات بناء الخطابات المضادة والبديلة على مستوى الشكل والمضمون، لأن الخطابات المضادة تسهم بشكل كبير في تفكيك المقولات والمفاهيم التي تستند اليها الحركات المتطرفة والارهابية، خاصة كما قلت اذا كانت هذه الخطابات المضادة فعالة وناجعة شكلا ومضمونا تراعي انتظارات مستخدمي الانترنت، خاصة فئة الشباب واليافعين و المراهقين.

    ان المطلوب اليوم هو العمل على تفكيك الخطاب المتطرف، عبر تقديم خطاب بديل ومضادة، أصيل ومتزن ووسطي، يزاحم المضامين المتطرفة و الارهابية، داخل الفضاء الرقمي ويعيد الاعتبار لقيم الرحمة والتعايش والاختلاف والتنوع.

    هل يمكن القول إن المغرب اليوم، بفضل ترسانته القانونية ومؤسساته (مثل BCIJ)، قد طوى صفحة 16 ماي للأبد، أم أن “السيولة الإرهابية” في منطقة الساحل تفرض تحديات لا يمكن التكهن بها؟
    أحداث 16 ماي الارهابية نبهت المغرب الى أن الخطر الارهابي قائم، و أنه من الضروري العكوف قصد استجلاء جميع العوامل والأسباب المؤدية الى التطرف والتطرف العنيف والارهاب، وهو ما نجحت فيه المملكة كما أسلفت الذكر سابقا من خلال اعتماد الاستراتيجية الوطنية المندمجة والشمولية لمكافحة التطرف والارهاب.

    لاشك أن جراح أحداث 16 ماي لم تندمل بعد و لازالت حاضرة في المخيال الشعبي لكل المغاربة، غير أن المغرب نجح في تجاوز هذه الذكرى بفضل اللحمة الوطنية بين الشعب وجميع المؤسسات وعلى رأسها المؤسسة الملكية، وهو ما يتضح من خلال نجاح السلطات المغربية في القضاء على أصل التطرف ومظاهر الغلو، من خلال تفكيك عدة خلايا متطرفة وتوقيف عدد من العناصر في مراحل مبكرة دون أي كلفة اجتماعية أو أمنية، لكن الارهاب بطبيعته ظاهرة متحولة وعابرة للحدود الجغرافية لتصل اليوم الى ماهو رقمي باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يطرح تحديات جمة ينبغي على المؤسسات الوصية مواكبتها والقيام بالمتعين ازاءها خاصة على مستوى تكوين الموارد البشرية والتأطير والتأهيل لمواجهة هذه التحديات الرقمية المتزايدة.

    لقد نجح المغرب منذ أحداث 16 ماي بالدار البيضاء، في بناء منظومة أمنية وقانونية جعلته من أكثر الدول يقظة وفعالية في مكافحة الخطر الإرهابي، سواء عبر العمل الاستباقي أو تطوير التعاون الاستخباراتي الدولي أو إحداث مؤسسات متخصصة مثل المكتب المركزي للأبحاث القضائية، لكن التحولات الجيوسياسية والإقليمية تجعل التهديد الارهابي، قائما وإن بأشكال مختلفة، كما يؤكد على ذلك المسؤلون الأمنيون المغاربة في مختلف المناسبات التواصلية و الاعلامية.

    بالعودة الى التقارير الدولية، نجد أن المغرب مصنف ضمن البلدان الأقل تأثرا بالارهاب على الصعيد العالمي، وفقا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026، بعدما حل في المركز الـ100 من أصل 163 دولة، برصيد صفر نقطة، مصنفا ضمن خانة الدول التي تكاد تنعدم فيها التهديدات الإرهابية. لكن ما يعتمل داخل منطقة الساحل من نزاعات و أجندات ورهانات يتقاطع فيها ماهو ايديولوجي بما هو سياسي، بسبب تداخل الإرهاب مع شبكات التهريب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والانقلابات السياسية، يفرض على المغرب بحكم موقعه الجغرافي وانخراطه الإقليمي والدولي في مواجهة الخطر الارهابي، ضرورة اليقظة الدائمة والتفكير في الانتقال من منطق مكافحة الإرهاب فقط إلى منطق إدارة المخاطر الأمنية المتغيرة خاصة المخاطر السيبيرانية، لأن الجماعات المتطرفة في الساحل لم تعد تتحرك وفق النموذج التقليدي، بل أصبحت أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات الحاصلة أمنيا واستخباراتيا ورقميا، وعلى استثمار الفراغات الأمنية والاجتماعية، بل وحتى التحولات التكنولوجية والرقمية خدمة لأجنداتها ورهاناتها.

    اجمالا، يمكن القول أن المغرب نجح في الحد من تكرار سيناريو أحداث 16 ماي الارهابية، لكن يواجه اليوم تهديدات أكثر تعقيدا وأقل قابلية للتنبؤ، خاصة مع التحولات التي تعرفها منطقة الساحل، وتنامي التطرف في بعده الرقمي، وبالتالي فالتحدي الارهابي لازال قائما و يكتسي طبيعة جديدة و بأدوات جديدة، و اليقظة واجبة لمواجهته.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • زلزال أمني في طنجة ومايوركا! كيف أحبط “صقور حموشي” مخطط داعش بين المغرب وإسبانيا؟

    تفاصيل العملية الأمنية النوعية التي هزت مضيق جبل طارق صباح اليوم الأربعاء. بتنسيق استخباراتي رفيع المستوى، نجح المكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ) والمفوضية العامة للاستعلامات الإسبانية في تفكيك خلية إرهابية كانت تنشط بين طنجة ومايوركا.
    نحلل في هذا الفيديو كيف نجحت الأجهزة الأمنية المغربية، بقيادة السيد عبد اللطيف حموشي، في تتبع خيوط التمويل والدعم اللوجستي المتجه نحو ‘مثلث الموت’ في الساحل والصومال، وكيف تم إجهاض مخطط إرهابي فردي في إسبانيا. إشادة مستحقة لرجال الظل الذين يسهرون على أمن المغاربة في صمت واحترافية دولية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أمن المغرب يعيد رسم توازنات المتوسط والساحل: معادلة استباقية في مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية

    أمن المغرب يعيد رسم توازنات المتوسط والساحل: معادلة استباقية في مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية

    في عام 2026، أصبح أمن المغرب ليس مجرد خط دفاع وطني، بل عمودا أساسيا في استقرار المتوسط بأكمله، من مضيق جبل طارق إلى سواحل جنوب أوروبا. تقارير الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تؤكد أن استقرار الرباط أصبح ضمانة مباشرة لأمن الضفة الشمالية، خاصة مع تصاعد تحديات الهجرة غير النظامية والإرهاب. لم يعد المغرب مجرد دولة حدودية، بل تحول إلى فاعل استراتيجي يعيد تشكيل المعادلة الأمنية الإقليمية، مدعوما بدبلوماسية نشطة وقدرات ميدانية متقدمة.

    في 8 و9 فبراير 2026، احتضنت السفارة الأمريكية في مدريد اجتماعا رباعيا تاريخيا جمع المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا، برعاية المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، وتحت قيادة مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولوس، والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز. لم يكن هذا اجتماع مراقبين، بل مشاورات مباشرة بين الأطراف، وهو الأول من نوعه منذ 2019. يأتي هذا الاجتماع بعد أشهر قليلة من اعتماد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي جدد ولاية بعثة مينورسو حتى أكتوبر 2026، وأشار صراحة إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي، الذي قدمه المغرب عام 2007، كأساس واقعي للحل السياسي، مع الإشارة إلى أن « الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية » يمثل « الحل الأكثر قابلية للتحقيق ». صوت 11 عضوا لصالح القرار، وامتنعت ثلاث دول (الصين وباكستان وروسيا)، بينما لم تشارك الجزائر في التصويت.

    هذا التحول يعكس انتقال إسبانيا والمجتمع الدولي من موقف الحياد إلى الشراكة الأمنية الصريحة. أمن المغرب أصبح امتدادا مباشرا لأمن المضيق، خاصة مع ارتباطه بخطوط الطاقة والتجارة عبر المتوسط. إسبانيا، التي تعاني من ضغط الهجرة، أدركت أن استقرار الرباط هو الدرع الفعلي لأوروبا الجنوبية.

    لم يعد بإمكان الجزائر الادعاء بأنها مجرد مراقب. حضورها الفعلي في مدريد، ومشاركتها في المشاورات الرباعية، يكشف أنها طرف مباشر في النزاع، يخضع لضغوط أمريكية متزايدة. التراجع النسبي في حدة الخطاب الجزائري الرسمي، والقبول بالجلوس إلى طاولة واحدة مع المغرب، يعود جزئيا إلى القرار 2797 والدعم الدولي المتزايد للمقترح المغربي. غير أن هذا التحول لم يمر دون مقاومة. بعض الدوائر الجزائرية لجأت إلى حملات إعلامية رقمية لمهاجمة الولايات المتحدة، محاولة إعادة توجيه الصراع نحو « الفاعل الخارجي ». هذا السلوك يعكس، في العمق، انتقال الجزائر من موقع « الفاعل غير المعلن » إلى « الطرف المكشوف »، مع كلفة سياسية ودبلوماسية متزايدة. البوليساريو نفسه يجد نفسه أمام واقع متغير. المقترح المغربي للحكم الذاتي يحظى بدعم دولي متزايد، مما يضيق هامش المناورة ويجعل أي تصعيد عسكري أو إعلامي ذا كلفة باهظة.

    في موازاة الضغط الدبلوماسي، برزت مؤشرات على محاولات اختراق إقليمي من قبل الحرس الثوري الإيراني. تقارير استخباراتية وإعلامية دولية تشير إلى نشاط متزايد لعناصر مرتبطة بالحرس الثوري في غرب إفريقيا، عبر مسارات غير مباشرة تشمل الجزائر وموريتانيا. هذه التحركات تتجاوز الدعم اللوجستي التقليدي للبوليساريو، وتشمل تدريبات عسكرية غير تقليدية، ونقل تكنولوجيا، ومحاولات زرع شبكات أيديولوجية. السياق التاريخي يعزز هذه المخاوف، إذ سبق أن تورطت عناصر إيرانية في تسليح بعض الفاعلين في تندوف، ووجود خبراء من حزب الله في المخيمات. في ظل الحرب المعلوماتية الجديدة، أصبح الفضاء الرقمي ساحة موازية، حيث ينتشر محتوى مفبرك باستخدام الذكاء الاصطناعي يهدف إلى رفع التوتر وإرباك صناع القرار.

    وفي هذا الإطار، بدا التوجس الغربي أكثر وضوحا حيال ما تصفه أجهزة استخبارات في أوروبا والولايات المتحدة بـ »تنقل دبلوماسي إيراني مرن » بين الجزائر العاصمة ونواكشوط، وهو توجس يعكس قدرة هذه التحركات على استخدام مسارات شبه رسمية لإعداد أنشطة تخريبية محتملة. وقد أكدت التقارير أن طهران لم تكتف بإظهار النفوذ الدبلوماسي، بل توعدت صراحة حلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل بعمليات قد تستهدف مصالحهم الإقليمية، ما يرفع من أهمية متابعة تحركاتها بدقة.

    رغم هذه التحديات، يظل المغرب حجر الزاوية في المعادلة الإقليمية، بفضل قدرته المكتسبة على حماية حدوده ومصالحه الحيوية، ومهاراته الاستباقية في مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية. فالخبرات الاستخباراتية المتراكمة، والتنسيق الفعال بين مختلف الأجهزة الأمنية والمخابراتية المغربية، بالإضافة إلى شراكات المغرب الاستراتيجية مع الدول الأوروبية وحلفائه في الساحل، تجعل من الرباط مركز ثقة قادر على التصدي لأي تحركات تخريبية محتملة، وضمان استقرار الفضاء المتوسطي الإفريقي، دون الحاجة إلى تدخلات خارجية.

    ويظل أمن المغرب حجر الزاوية في هذه المعادلة. خلال 2025، أحبطت السلطات المغربية أكثر من 42,400 محاولة هجرة غير نظامية، وفككت أكثر من 188 شبكة تهريب بشري. هذا الجهد ساهم في انخفاض الوصول غير النظامي إلى إسبانيا بنسبة 42.6%، مما خفف الضغط عن أوروبا وأكد دور المغرب كشريك أساسي للاتحاد الأوروبي. كما سجل المغرب غيابا شبه تام للعمليات الإرهابية الكبرى، بفضل النهج الاستباقي للمكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ) والتنسيق الدولي. مشاركة المغرب في مناورات « الأسد الإفريقي » مع حلف شمال الأطلسي تكرس جاهزية عالية وتنسيقا متعدد الأطراف.

    لعبت المخابرات المغربية، ممثلة في المديرية العامة للدراسات والتوثيق (DGED) بقيادة محمد ياسين المنصوري، دورا محوريا في دول الساحل الإفريقي (مالي، النيجر، بوركينا فاسو). ساهمت الـDGED في تحرير رهائن غربيين ومغاربة، مثل إطلاق سراح أربعة سائقي شاحنات مغاربة في مالي عام 2025، بالتنسيق المباشر مع الوكالة الأمنية المالية، ووساطة ناجحة في إطلاق سراح جواسيس فرنسيين في بوركينا فاسو، بالإضافة إلى دعم الجيش النيجري في تحييد قادة جماعات إرهابية مثل بوكو حرام وعمليات أخرى.

    أصبحت الرباط مركز تنسيق استخباراتي رئيسي لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، من خلال تبادل المعلومات الدقيقة، وتدريب القوات المحلية، ووساطات دبلوماسية سرية مع الأنظمة الانتقالية، مما جعل المغرب « برج المراقبة الأمني » للساحل-المتوسط، وقلل من نفوذ الجماعات المتطرفة العابرة للحدود.

    أما في أوروبا، فقد أثبتت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، بإدارة عبد اللطيف الحموشي، شراكتها الاستراتيجية الاستثنائية مع الدول الأوروبية، خاصة إسبانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا. من خلال الاجتماعات الثلاثية المنتظمة وتبادل المعلومات الاستخباراتية الآني، ساهمت في تفكيك شبكات الإرهاب والتهريب المرتبطة بالساحل، وإحباط آلاف محاولات الهجرة غير النظامية، ومنع هجمات محتملة قبل تنفيذها.

    هذا التعاون الوثيق جعل المغرب الشريك الأساسي للاتحاد الأوروبي في حماية المتوسط، حيث يُثنى عليه رسميا في تقارير الاتحاد كـ »الدرع الفعال » ضد التهديدات الإرهابية والمخدرات القادمة من الجنوب. ويعود هذا الإنجاز الاستثنائي إلى تناغم تام يشبه الأوركسترا المتناسقة تحت إدارة قائد واحد، حيث تعمل كل الأجهزة الأمنية والمخابراتية والعسكرية المغربية، من الـDGED والـDGST إلى القوات المسلحة الملكية والمكتب المركزي للأبحاث القضائية، بتنسيق محكم وكأنها جسد واحد، تحت القيادة الحكيمة والمباشرة لجلالة الملك محمد السادس، مما يحول الرباط إلى نموذج فريد من الاستباقية الاستراتيجية عالية الفعالية.

    لا يمكن فهم دور المغرب بمعزل عن التحولات الأوسع في إفريقيا. القارة بدأت بلورة نموذج أمني جديد يجمع بين البعد المؤسسي والاستجابة الميدانية. من أبرز عناصر هذا النموذج إعادة دمج المقاتلين الأجانب عبر مسارات قانونية منظمة، تقوم على ثلاث مراحل أساسية: المحاكمة العادلة أمام محاكم وطنية، ثم برامج التأهيل النفسي والاجتماعي والمهني لإعادة اندماجهم في المجتمع، وأخيرا نظام مراقبة مستمر يعتمد على التتبع الإلكتروني والتقارير الدورية. إداريا، يتطلب ذلك تنسيقا بين وزارات العدل والداخلية والشؤون الاجتماعية، وبناء قواعد بيانات دقيقة ومشتركة لتتبع كل حالة على حدة.

    وفي السياق نفسه، برزت أهمية إنشاء وحدات تنسيق مشتركة بين الأجهزة الأمنية والقضائية، تعتمد على مؤشرات أداء واضحة ومحددة لقياس الفعالية. هذه الوحدات سمحت بتفكيك الخلايا الإرهابية قبل تنفيذ عملياتها، مما يمثل انتقالا نوعيا نحو الاستباقية الكاملة بدلا من الرد اللاحق. على المستوى الإقليمي، اتجهت الدول الإفريقية نحو تشكيل قوى أمنية موحدة، تعمل وفق مقاربات مرنة تراعي الخصوصيات المحلية لكل بلد، وتعزز التنسيق الحدودي في مواجهة الجماعات المسلحة العابرة للحدود. هذه القوى ليست نسخة طبق الأصل من النماذج الغربية، بل نماذج هجينة تدمج بين التقنيات الحديثة والمعارف التقليدية للمجتمعات المحلية.

    وبالتوازي، أصبح ربط الأمن بالتنمية محورا أساسيا في استراتيجيات الاتحاد الإفريقي. يسعى الاتحاد إلى إرساء آليات تمويل مستدامة تدعم برامج التعليم والتشغيل والتنمية المجتمعية، بهدف معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية للتطرف، بدلا من الاكتفاء بالحلول الأمنية التقليدية التي لا تعالج الأسباب العميقة. كما تواجه القارة تحديا متصاعدا في مجال الحرب الرقمية، مما دفعها إلى تطوير وحدات متخصصة لرصد المحتوى المتطرف ومكافحة التضليل الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي. وتشمل هذه الجهود سن تشريعات حديثة للتعامل مع الأدلة الرقمية، وتدريب متخصصين على كشف الصور والفيديوهات المفبركة، للحد من تأثير المنصات الإلكترونية في نشر الدعاية المتطرفة ورفع منسوب التوتر.

    أما على صعيد تأمين البنى التحتية الحيوية، فقد أصبحت أولوية استراتيجية من خلال تنظيم تدريبات مشتركة مدنية-عسكرية، ووضع خطط طوارئ شاملة تضمن استمرارية الإمدادات الحيوية مثل الطاقة والمياه والنقل والصحة، وتقلل من أثر أي تهديد محتمل، سواء كان إرهابيا أو طبيعيا.

    في قلب هذا النموذج الإفريقي الجديد، يقدم المغرب نموذجا عمليا متكاملا يجمع بين السيادة الوطنية والتنمية الشاملة والاستقرار الأمني، تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس.

    أمن المغرب لم يعد شأنا وطنيا فقط، بل أصبح عنصرا مركزيا في استقرار المتوسط وإفريقيا. بين ضغوط التسوية الدبلوماسية (مدريد + قرار 2797) ومحاولات الاختراق الإيرانية المستمرة عبر مسارات غير تقليدية، تتشكل مرحلة جديدة تعكس إعادة توزيع أدوار القوة في المنطقة.

    وفي ضوء ما سبق، تتشكل ملامح معادلة إقليمية جديدة تعكس إعادة توزيع تدريجية للأدوار والنفوذ في المنطقة، في ظل تداخل المسارات الدبلوماسية مع التحديات الأمنية غير التقليدية. وفي هذا السياق، يظل تطور هذا المسار رهينا بمدى قدرة مختلف الأطراف على التفاعل مع المبادرات المطروحة، واستيعاب التحولات الجارية ضمن مقاربة واقعية توازن بين متطلبات الاستقرار وحسابات السيادة. وبذلك، يبرز الدور الذي يضطلع به المغرب كأحد العناصر المؤثرة في معادلة الاستقرار الإقليمي، خاصة على مستوى الفضاءين المتوسطي والإفريقي، مؤكدا قدرته على حماية حدوده ومصالحه الاستراتيجية في مواجهة كل التحديات.

    وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال البعد الدولي المتنامي للدور المغربي، حيث يندرج ضمن إعادة تعريف أدوار الحلفاء الإقليميين لإعطاء دينامية أوسع لإعادة تشكيل منظومات السلم والأمن على المستوى العالمي، خاصة في ظل المبادرات التي برزت خلال إدارة دونالد ترامب، والتي سعت إلى إعادة ترتيب أولويات الاستقرار الإقليمي عبر مقاربات براغماتية قائمة على الشراكات الثنائية وتعزيز أدوار القوى الإقليمية الصاعدة. وفي هذا السياق، يبرز المغرب كفاعل موثوق وشريك استراتيجي في دعم جهود السلم والاستقرار، من خلال انخراطه في مختلف المبادرات الأمنية والدبلوماسية متعددة الأطراف، بما يعزز موقعه كركيزة أساسية في منظومة الأمن الإقليمي والدولي، وكجسر توازن بين الفضاءين المتوسطي والإفريقي.

    وفي ظل هذه التحولات، لم يعد المغرب مجرد فاعل داخل معادلة الأمن الإقليمي، بل أحد أبرز صانعيها ومحددي اتجاهاتها.

    *هفتي ضرار: كاتب ومحلل سياسي واستراتيجي مغربي متخصص في الأمن الإقليمي والتحولات الجيوسياسية، حاصل على ماجستير في القانون العام والعلوم السياسية، ويكتب في عدد من المنابر الإعلامية المغربية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • استئنافية فاس تدين بارون مخدرات بـ15 سنة سجناً بتهمة التخابر والمس بأمن الدولة

    أدانت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بفاس، زوال اليوم الاثنين، بارون مخدرات بـ 15 سنة سجناً نافذاً، بعد تورطه في قضايا جنائية ثقيلة تتعلق بالمس بأمن الدولة الداخلي والخارجي، والتخابر مع جهات أجنبية معادية للمملكة.

    وقضت المحكمة بمؤاخذة المتهم (م.د) من أجل المنسوب إليه، بما في ذلك إهانة مؤسسة دستورية، ومد جهات خارجية بتقارير ومقاطع فيديو توثق لمواقع ومنشآت حساسة بهدف الإساءة لمؤسسات الدولة، حيث تم النطق بالحكم حضورياً مع تحميله الصائر وإشعاره بآجال الاستئناف القانونية.

    وتعود وقائع القضية إلى يناير الماضي، حين أوقف المكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ) المشتبه فيه، لتكشف التحريات عن تورطه في تصوير مقاطع فيديو لأماكن استراتيجية وإرسالها لجهات معادية للمساس بسلامة التراب الوطني، بالإضافة إلى توثيقه لأحداث شغب شهدتها مدينة القليعة إبان احتجاجات جيل “زيد”.

    وكانت النيابة العامة قد وضعت المتهم تحت…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المنظومة الأمنية المغربية… من جهاز سيادي إلى قوة تأثير دولي وصناعة للاستقرار

    يرسم المغرب اليوم ملامح نموذج أمني متقدم لم يعد يكتفي بحماية الحدود أو مواجهة الجريمة في بعدها الداخلي، بل تحول إلى أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية التي تساهم في صياغة معادلات الاستقرار على المستوى الإقليمي والدولي. ففي عالم تتشابك فيه التهديدات العابرة للحدود وتتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، لم يعد الأمن مجرد وظيفة تقليدية، بل أصبح ركيزة سيادية تحدد موقع الدول داخل نظام دولي مضطرب.

    لم يعد الأمن في عالم اليوم مجرد وظيفة إدارية لحماية الحدود أو مواجهة الجريمة، بل تحول إلى أحد أهم عناصر القوة الشاملة للدول، وإلى معيار مركزي في تحديد مكانتها داخل النظام الدولي. وفي هذا السياق المتشابك، حيث تتقاطع المخاطر العابرة للحدود مع الانهيارات الجيوسياسية في مناطق التوتر، يبرز النموذج المغربي كأحد أكثر التجارب الأمنية تطورا وفاعلية في المجالين الإقليمي والدولي.

    لقد نجح المغرب خلال العقدين الأخيرين في بناء منظومة أمنية متكاملة، لم تعد تشتغل بمنطق رد الفعل أو التدخل المتأخر، بل بمنهج استباقي يقوم على المعلومة الدقيقة، والتحليل الاستراتيجي، والعمل الوقائي متعدد الأبعاد. ومن هنا، لم تعد المؤسسات الأمنية المغربية مجرد أدوات لحفظ النظام، بل أصبحت رافعة سيادية كبرى، ومصدرا للثقة الدولية، وعنصرا أساسيا في صناعة الاستقرار الجماعي.

    وتتجسد هذه المعادلة بوضوح في الدور المتقدم الذي تقوم به المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، والمديرية العامة للأمن الوطني (DGSN)، والمكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ)، ضمن هندسة أمنية حديثة يشرف عليها عبد اللطيف حموشي، والتي استطاعت أن تجعل من المغرب أحد أبرز اللاعبين في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ليس فقط داخل حدوده، بل أيضا خارجها.

    إن أدوات تأثير المنظومة الأمنية المغربية لا تكمن فقط في القوة التنفيذية، بل في عناصر أعمق تتعلق بمنهجية العمل الأمني، حيث جمع المغرب بين ثلاثة مستويات متكاملة:

    أولا: الاستباق الاستخباراتي بدل التدخل المتأخر

    لقد رسخ المغرب نموذجا يعتمد على تفكيك الخطر قبل تحوله إلى حدث، عبر شبكات معلومات دقيقة، وقدرات تحليلية عالية، مما جعل الأجهزة المغربية قادرة على إفشال مخططات إرهابية معقدة داخل البلاد وخارجها. وتؤكد تقارير دولية، بما فيها التقارير الأمريكية حول الإرهاب، أن المغرب يعتمد تعاونا استخباراتيا فعالا وتشريعات صارمة لمواجهة التهديدات المتطرفة.

    ثانيا: التموقع الدولي عبر الأمن كشراكة لا كحاجز

    ما يميز التجربة المغربية أنها لم تنغلق داخل مفهوم “الأمن الوطني”، بل وسّعت دورها ليصبح جزءا من الأمن الإقليمي والأوروبي. ولهذا ينظر إلى المغرب داخل المؤسسات الأوروبية باعتباره شريكا استراتيجيا في مكافحة التطرف والراديكالية.

    ثالثا: الأمن كأداة نفوذ دبلوماسي صامت

    لقد تحول الأداء الأمني المغربي إلى مصدر تأثير سياسي غير مباشر. إذ إن الثقة الأمنية تولد الثقة الدبلوماسية، وتفتح للمغرب مواقع متقدمة داخل شبكات التعاون الدولي.

    ولعل أبرز مثال حديث على ذلك، العملية التي أعلنت عنها السلطات النمساوية رسميا، بعد توقيف مشتبه به مرتبط بتنظيم “داعش”، بناء على معلومات دقيقة قدمتها الاستخبارات المغربية، وهو ما يعكس بوضوح أن المغرب لم يعد فقط مستهلكا للأمن، بل منتجا له ومساهمًا في حماية الآخرين.

    وهكذا، يرسخ المغرب اليوم حقيقة استراتيجية جديدة،أن الأمن لم يعد مجرد درع دفاعي، بل أصبح صناعة سيادية للاستقرار، ورافعة للتموقع الدولي، ومنصة تأثير إقليمي داخل فضاء دولي مضطرب.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حجز 16 طنا من “الحشيش” وتوقيف 8 متورطين في عملية نوعية للـ”BCIJ”

    تمكن المكتب المركزي للأبحاث القضائية، على ضوء معلومات أمنية دقيقة وفرتها المصالح المركزية للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، من تفكيك شبكة إجرامية تنشط في الاتجار والتهريب الدولي للمخدرات تستغل الشواطئ المحاذية لمدينة الدار البيضاء كنقطة انطلاق لعمليات التهريب عبر المسارات البحرية باستعمال الزوارق المطاطية.

    وذكر بلاغ للمكتب المركزي للأبحاث القضائية أنه، الثلاثاء، خلال هذه العملية التي تأتي في إطار المجهودات الأمنية الحثيثة الرامية إلى محاربة الجريمة المنظمة، وخصوصاً ظاهرة الاتجار الدولي في المخدرات، تم إيقاف 8 أشخاص، من بينهم امرأتان، بكل من…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الإستخبارات الرقمية ورهان السيادة الأمنية المغربية في عصر العولمة السيبرانية

    لم يعد مفهوم الأمن الوطني في عالم اليوم يقتصر على حماية الحدود الترابية أو مواجهة التهديدات العسكرية التقليدية، بل أصبح رهينا بمدى قدرة الدولة على إمتلاك إستخبارات رقمية متقدمة تتيح لها التعرف على الخطر قبل أن يتجسد، وتمنحها أدوات إستباقية لمواجهته في فضاء سيبراني متحول وسريع التشكل. و في زمن تذوب فيه الحدود أمام سرعة وزخم تدفقات المعلومات، زمن تتشابك فيه مصالح الدول والجماعات في الفضاء الرقمي، لتغدو المعلومة الدقيقة والقدرة على تحليلها سلاحا إستراتيجيا يوازي قوة الجيوش.

    ويقصد بالإستخبارات الرقمية مجموع الأنشطة التقنية والتحليلية التي تستهدف جمع المعطيات من المصادر الرقمية المفتوحة والمشفرة، وتحويلها إلى معلومات ذات قيمة أمنية. وتشمل هذه المجالات فرع الإستخبارات المفتوحة OSINT المعتمدة على تحليل البيانات والمنشورات العامة، وإستخبارات وسائل التواصل الإجتماعي SOCMINT المعنية بتفكيك الخطاب الرقمي وتحليل سلوك الجماعات الإفتراضية، والإستخبارات الاتصالية SIGINT/COMINT التي تتابع شبكات الإتصالات والبيانات المشفرة، والإستخبارات الجغرافية GEOINT التي تستند إلى الصور والمواقع المكانية، إضافة إلى الإستخبارات المالية FININT التي تترصد مسارات التمويلات المشبوهة، وإستخبارات التهديدات السيبرانية Cyber Threat Intelligence المتخصصة في رصد الهجمات الرقمية وبرمجيات الإختراق. هذه الفروع المتعددة تشكل اليوم العمود الفقري لأي جهاز أمني يسعى لحماية إستقرار الدولة ومؤسساتها الحيوية.

    لقد أدرك المغرب بما يتميز به من رؤية أمنية إستباقية، أن امتلاك أدوات الإستخبارات الرقمية أصبح ضرورة إستراتيجية لحماية الأمن الوطني والسيادة المعلوماتية. فالتجربة المغربية التي أضحت نموذجا إقليميا يحتذى، قامت على بناء منظومة إستخباراتية متكاملة تضم أجهزة متعددة تتكامل أدوارها في الداخل والخارج، وتعمل بتنسيق محكم لضمان فعالية الرصد والردع.
    وتضطلع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني DGST بمهام الإستخبارات الداخلية، وهي العين الساهرة على أمن الوطن ضد أي تهديد داخلي أو إختراق تجسسي أو نشاط إرهابي أو تخريبي. أما المديرية العامة للدراسات والمستندات DGED، فهي الجهاز الخارجي المكلف بمراقبة المخاطر التي قد تنبع من خارج الحدود، وتحديد مصادر التهديد في المحيط الإقليمي والدولي. كما يعد المكتب المركزي للأبحاث القضائية BCIJ الذراع العملياتي والتنفيذي الذي يترجم المعلومة الإستخباراتية إلى فعل ميداني، سواء عبر تفكيك الخلايا الإرهابية أو تتبع الشبكات الإجرامية المنظمة. في حين تضطلع المديرية العامة لأمن نظم المعلومات DGSSI بحماية البنية الرقمية للمؤسسات الوطنية، والتصدي للهجمات السيبرانية التي قد تستهدف الإدارات العمومية أو القطاعات الحساسة كالمطارات والطاقة والمالية.

    وتكمن قوة الإستخبارات المغربية في قدرتها على الدمج بين هذه الأجهزة ضمن منظومة تفاعلية تقوم على تبادل المعلومة في الزمن الحقيقي، حيث تحول المؤشرات الرقمية إلى إنذار مبكر، وتتخذ على ضوئها القرارات الأمنية المناسبة. فعندما ترصد DGED نشاطا مشبوها خارج البلاد، يثم نقله تحليله إلى DGST لتقييم امتداداته الداخلية، ثم يحال إلى BCIJ لإطلاق التدخل الميداني وفق الإطار القضائي المحدد، بينما تواكب DGSSI الجانب التقني لحماية الأنظمة الرقمية وضمان عدم تسريب المعطيات. بهذا الشكل تتحقق سلسلة إستخباراتية متكاملة تربط بين التحليل المعلوماتي والعمل القضائي والتدبير التقني، في إطار وحدة الهدف وتكامل المهام.
    كما لا يقتصر العمل الاستخباراتي المغربي على المجال الوطني، بل يتجاوز حدوده إلى تعاون دولي واسع النطاق مع أجهزة إستخباراتية عربية وإفريقية وأوروبية. فالمغرب يرتبط بعلاقات أمنية قوية مع بلدان الاتحاد الأوروبي، خصوصا فرنسا وإسبانيا، في إطار تبادل المعلومات حول الإرهاب والهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة. كما يشارك بفاعلية في المنتديات الإفريقية والأطلسية المعنية بالأمن السيبراني، ويعد شريكا موثوقا للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء. هذا التعاون يقوم على مبدأ المقايضة الاستخباراتية، والتي تعني ببساطة، تبادل المعلومة الدقيقة مقابل تعزيز قدرات الرصد المشترك، بما يضمن إحباط المخططات قبل بلوغها التراب الوطني.

    أظهرت التجربة الميدانية أن التنسيق المغربي و الأوروبي مكن من تفكيك شبكات تجنيد وإرهاب عابرة للحدود، كما ساعد التعاون مع دول الساحل في كشف تحركات جماعات مسلحة كانت تستهدف مصالح مغربية وغربية على حد سواء. هذه النجاحات لم تكن لتتحقق لولا امتلاك المغرب قدرات تحليل رقمية متطورة، وخبرات بشرية قادرة على إستثمار المعطيات التقنية في إنتاج معرفة إستخباراتية دقيقة.
    إن بناء منظومة استخبارات رقمية فعالة لا ينفصل عن ضرورة إرساء إطار قانوني وأخلاقي يضمن شرعية المراقبة وحماية المعطيات الشخصية. فالدولة الحديثة لا تبنى على المعلومة وحدها، بل على الثقة بين المواطن ومؤسساته الأمنية. لذلك ينبغي أن يتواصل تطوير آليات الرقابة القضائية والمؤسساتية على العمل الإستخباراتي بما يوازن بين متطلبات الأمن وصيانة الحقوق الدستورية للأفراد.
    وفي أفق التحولات القادمة، يبدو الرهان الأكبر هو توطين الذكاء الإصطناعي في العمل الإستخباراتي المغربي، عبر توظيفه في تحليل البيانات الضخمة وإكتشاف الأنماط السلوكية المريبة، بما يعزز من دقة التنبؤ بالخطر. كما يتطلب الأمر الإستثمار في رأس المال البشري الأمني من خلال تكوين ضباط ومحللين رقميين قادرين على فهم منطق الحرب المعلوماتية الجديدة.

    ختاما، يتضح أن المغرب و بما راكمه من خبرة مؤسساتية ورؤية إستباقية، يسير بخطى واثقة نحو تشييد سيادة أمنية رقمية تواكب رهانات القرن الحادي والعشرين. فالمعلومة أصبحت اليوم ميدان المعركة، والإستخبارات الرقمية هي درع الوطن وحصنه أمام كل أشكال التهديد، سواء كانت إرهابا ميدانيا أو تخريبا سيبرانيا أو تجسسا عابرا للحدود. إن المغرب و بحكم موقعه الجيوسياسي وإستقراره المؤسساتي، مؤهل لأن يكون قطبا إستخباراتيا محوريا في المنطقة، يجمع بين صرامة الأمن ورصانة القانون، وبين يقظة الدولة ووعي المجتمع، في سبيل حماية الوطن ودرئ كل خطر يهدده، و من كل من تسول له نفسه المس بأمنه الداخلي أو الخارحي للنيل من إستقراره و سيادته.

    ذ/ الحسين بكار السباعي
    محام وباحث في الهجرة وحقوق الإنسان.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب يعزز ترسانته القانونية لمواجهة التهديدات الرقمية والجرائم العابرة للحدود

    يشهد المغرب تحولًا نوعيًا في استراتيجيته الأمنية والاستخباراتية، استجابةً لتحديات متسارعة تتراوح بين الإرهاب العابر للحدود، والهجمات السيبرانية المعقدة، وحملات التضليل، وصولًا إلى التهديدات الناشئة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية.

    ويأتي هذا التطور في سياق إرادة رسمية للحفاظ على التوازن بين حماية الأمن وصون الحريات، وترسيخ الثقة لدى المواطنين والشركاء الدوليين.

     السياق والتطور التاريخي

    تعود جذور العمل الاستخباراتي في المغرب إلى تقاليد “المخزن” في المراقبة وجمع المعلومات لحماية وحدة التراب والنظام العام.

    بعد الاستقلال عام 1956، تأسست أجهزة منظمة شملت المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED) للاستخبارات الخارجية، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) للأمن الداخلي، إضافة إلى مصالح الاستعلامات العامة والأمن والدرك الملكي.

    شكّلت تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003 منعطفًا حاسمًا، إذ أُقرّ قانون 03-03 لمكافحة الإرهاب، ما منح العمل الاستخباراتي إطارًا قانونيًا أوضح وعزز التعاون الدولي. ومع دستور 2011، ترسخ مبدأ عمل الاستخبارات في إطار دولة القانون، مع حماية الحياة الخاصة وضمان الحق في الوصول إلى المعلومة.

     الإطار المؤسساتي

    تعتمد المنظومة الحالية على قيادة موحدة للأمن الوطني وDGST تحت إشراف عبد اللطيف الحموشي، ما أتاح تنسيقًا أكبر.

    أما DGED بقيادة ياسين المنصوري، فتلعب دورًا محوريًا في الدبلوماسية الأمنية وتعزيز النفوذ الإقليمي.

    وتتوسع المنظومة لتشمل المكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ)، والمديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI)، والهيئة الوطنية للمعلومات المالية (ANRF).

     الإطار القانوني

    من أبرز القوانين المنظمة:

    03-03 (مكافحة الإرهاب)

    53-05 (المعاملات الإلكترونية)

    09-08 (حماية المعطيات الشخصية)

    43-05 / 12-18 (مكافحة غسل الأموال)

    05-20 (أمن نظم المعلومات)

    ويتكامل ذلك مع انضمام المغرب لاتفاقيات دولية، مثل اتفاقية بودابست واتفاقية 108+

    التهديدات والتحديات

    تطورت التهديدات من الانفصال والحركات المتطرفة والجريمة المنظمة التقليدية إلى طيف واسع من المخاطر الجديدة:

    الإرهاب العابر للحدود

    الحرب الهجينة (تضليل + هجمات سيبرانية)

    الجرائم الإلكترونية عالية التعقيد، ومنها برامج الفدية، والتجسس الصناعي، وقرصنة البيانات الاستراتيجية

    استغلال العملات المشفرة في غسيل الأموال والاتجار بالبشر

    مخاطر الحوسبة الكمومية وتقنية “الحصاد الآن وفك التشفير لاحقًا”

    تهديدات ناشئة مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي والتزييف العمي

     التدابير المتخذة

    فرض تصنيف وحماية إلزامية للبنى التحتية الحيوية

    إلزام المشغلين بالإبلاغ عن الحوادث الأمنية

    تعزيز قدرات DGST بالتنسيق مع مركز maCERT

    تطوير التعاون مع الإنتربول وأفريبول في مكافحة الجريمة العابرة للحدود

     خطوات استراتيجية مقترحة

    تقارير أمنية توصي بـ:

    1. إصدار قانون إطار للاستخبارات يحدد الصلاحيات وآليات الرقابة

    2. تحديث المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية لتواكب تحديات التشفير والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية

    3. تفعيل إلزامية تدقيق السلامة للبنى التحتية الحيوية

    4. دمج التشفير ما بعد الكمي في السياسات الوطنية

    5. وضع حوكمة واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المراقب.

    6. إعداد تقرير سنوي علني عن أنشطة الاستخبارات لتعزيز الشفافية والثقة

    7. آفاق 2030

    منذ 2003، انتقل المغرب من مقاربة دفاعية إلى نهج استباقي يعتمد على الابتكار السيادي والتعاون الدولي، مع الحفاظ على المرونة القانونية.

    ومع دخول حقبة التهديدات الرقمية والذكاء الاصطناعي، يبقى الرهان على بناء منظومة أمنية متطورة تضمن السيادة الوطنية، وتحافظ على موقع المغرب كفاعل موثوق في الأمن الإقليمي والدولي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • توقيف « شاب داعشي » بإقليم سطات


    هسبريس ـ و.م.ع

    تمكن المكتب المركزي للأبحاث القضائية، على ضوء معلومات استخباراتية وفرتها مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، أمس الأحد، من توقيف عنصر حامل للفكر المتشدد الذي يتبناه تنظيم “داعش” الإرهابي، يبلغ من العمر 18 سنة، وينشط بدوار العمارنة بإقليم سطات، وذلك في سياق العمليات الأمنية المتواصلة لتحييد مخاطر التنظيمات الإرهابية التي تحدق بأمن المملكة وسلامة المواطنين.

    وذكر بلاغ للمكتب المركزي للأبحاث القضائية، حسب المعلومات الأولية للبحث، أن المعني بالأمر، الذي أبدى اهتماما بمجال صناعة المتفجرات والأحزمة الناسفة، يشتبه في تحضيره لعمليات إرهابية من شأنها المس الخطير بسلامة الأشخاص والنظام العام، مشيرا إلى أنه كان على اتصال مع أحد القياديين الميدانيين المغاربيين لتنظيم “داعش” والذي قام بتحريضه على تنفيذ مشروع إرهابي بالمملكة ومده بمراجع وإصدارات تتطرق لكيفية صناعة المتفجرات.

    وأضاف المصدر ذاته أن “البحث الأولي أظهر، أيضا، أن المشتبه فيه الموقوف قام بالترويج عبر منصات إعلامية لمحتويات تتضمن عمليات إرهابية لمقاتلي ‘داعش’ وأخرى تحرض على تنفيذ مشاريع تخريبية”.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    كما أشار بلاغ “BCIJ” إلى أنه “تمت إحالة المشتبه فيه على المكتب المركزي للأبحاث القضائية، حيث تم وضعه تحت تدبير الحراسة النظرية من أجل تعميق البحث معه الذي يجري تحت إشراف النيابة العامة المكلفة بقضايا الإرهاب، وذلك للكشف عن جميع المشاريع الإرهابية المنسوبة له وتدقيق ارتباطاته المحتملة داخل المغرب وخارجه، وهو ما يؤشر مرة أخرى عن تنامي المخاطر الإرهابية التي تستهدف المملكة”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الإرهاب يخترق فئات شابة مثقفة عبر مدخل الهشاشة النفسية

    الرباط – المغرب اليوم

    كشفت واقعة توقيف المكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ)، بناء على معلومات استخباراتية دقيقة وفرتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، متطرفة (21 سنة) موالية لتنظيم “داعش” الإرهابي وتتابع دراستها في أحد المعاهد التقنية العليا للاشتباه في تورطها في الإعداد والتحضير لتنفيذ مخطط إرهابي بالغ الخطورة يستهدف المساس الخطير بالنظام العام عن تغيّر لافت في أساليب الاستقطاب والاستدراج لغايات تخريبية.وجسّد هذا التوقيف، الذي جرى الرباط، “تعاونا عملياتيا وتنسيقا معلوماتيا بين المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني وبين الأجهزة…

    إقرأ الخبر من مصدره