سعيد تبحيرات
لم تعد المعلومة تُنتَج أو تُتداوَل داخل فضاء مضبوط القواعد ولم تعد محفوفة بأخلاقيات مهنية بقدر ما صارت تتحرك في بيئة رقمية مفتوحة تتقاطع فيها المنصات الاجتماعية، وخوارزميات التوصية، وأدوات الذكاء الاصطناعي، مع مصالح سياسية واقتصادية عابرة للحدود.
في هذا السياق، تحوّلت الأخبار الزائفة والتضليل الإعلامي من ظواهر هامشية إلى إشكاليات بنيوية تمسّ جوهر الثقة العامة، وتؤثر في الاستقرار الاجتماعي وصناعة الرأي العام. وتكتسي هذه الإشكالية أهمية خاصة في السياق المغربي، حيث تتقاطع رهانات الحق في المعلومة مع تحديات الأمن المعلوماتي، ومع حملات تضليل ممنهجة تستهدف قضايانا الوطنية.
لقد أضحى التضليل الإعلامي ظاهرة يتقمصها متاجرون بقضايا الوطن وممن تستهويهم أموال الحرام وأعداء الوطن. من هنا تنبع ضرورة مقاربة علمية هادئة تُشخّص الظاهرة، وتفكك آلياتها، وتقترح سبل المواجهة دون السقوط في منطق الانفعال أو الردّ الدعائي.
الإطار المفاهيمي والاقتصادي للتضليل الإعلامي
يُعرَّف التضليل الإعلامي بأنه إنتاج أو إعادة نشر محتوى كاذب أو مُحرَّف أو خارج سياقه، بقصد التأثير في إدراك الجمهور أو توجيه سلوكه. فلم يعد التضليل فعلا عرضيا .. لقد أصبح صناعة قائمة بذاتها تقوم على اقتصاد الانتباه، حيث تُكافئ المنصات المحتوى المثير عاطفيا بسرعة الانتشار والعائد الإعلاني.
لقد أظهرت الدراسات أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع من الأخبار المتحقَّق منها بسبب بنيتها السردية المبسطة، وقدرتها على إثارة الخوف أو الغضب أو الصدمة. كما تسهم خوارزميات التوصية، المصممة لتعظيم زمن التفاعل، في تضخيم المحتوى المثير بغضّ النظر عن دقته، مما ساهم في هذا الإطار في تراجع وظيفة التحرير والتحقق، وحل محلها منطق السرعة والسبق الرقمي، فخلق فجوة بين الحقيقة وزمن انتشارها. وتزداد خطورة الظاهرة عندما تُستثمر سياسيا، فتتحول المعلومة إلى أداة ضغط أو تشويه أو ابتزاز رمزي، بما ينعكس سلبا على الثقة في المؤسسات والإعلام.
التحول الرقمي وخوارزميات التوصية كرافعة للتضليل
أحدث التحول الرقمي قطيعة مع نماذج الضبط التقليدية للمعلومة. فالمنصات الاجتماعية صارت نقطة الدخول الأولى للأخبار لدى شريحة واسعة من المواطنين، بينما تمارس الخوارزميات سلطة انتقائية غير شفافة تحدد ما يُرى وما يُحجب.
تعمل خوارزميات التوصية على تحليل السلوك الرقمي للمستخدمين وتقديم محتوى متقارب مع ميولهم السابقة، ما يخلق فقاعات معرفية تعزز القناعات المسبقة وتُضعف التعرض لوجهات نظر بديلة. في هذا السياق، يسهل إدراج محتوى مضلل داخل سلاسل توصية عالية الانتشار، خصوصا عندما يُقدَّم في قالب فيديو قصير أو صورة مُعاد تدويرها أو عنوان صادم. ويزداد التعقيد مع تقنيات التزييف العميق (Deepfake) التي تمكّن من تركيب صور وأصوات تبدو واقعية، ما يربك المتلقي ويقوّض معايير التحقق البصري؛ فتستفيد حينها هذه الدينامية من انخفاض كلفة الإنتاج وارتفاع العائد الرمزي والمادي، ما يجعل التضليل أكثر جاذبية لبعض الفاعلين.
التضليل الممنهج في القضايا الوطنية المغربية
في سياق الصراعات الإقليمية، تُوظَّف حملات التضليل كأداة ضغط ناعمة. وقد شهد الفضاء الرقمي حملات إعلامية جزائرية ممنهجة تستهدف قضايانا الوطنية، لا سيما قضية الصحراء المغربية، عبر نشر معطيات مجتزأة، أو إعادة تدوير صور قديمة خارج سياقها، أو نسب تصريحات لم تصدر عن جهات رسمية مغربية أو دولية. كما تُستعمل خرائط مُحرَّفة، وأرقام غير موثقة، وخطابات عاطفية لتأطير الرأي العام داخل سردية واحدة.
وفي الآونة الأخيرة، برز نموذج دالّ على هذا التضليل مع اقتراب تنظيم المغرب لتظاهرات كروية قارية، حيث بثّت قنوات ومنصات إعلامية جزائرية صورًا وفيديوهات مفبركة تزعم تعرض منشآت رياضية مغربية لانهيارات بسبب التساقطات المطرية. وعلى رأس هذه الادعاءات، جرى تداول محتوى يُصوِّر ملعب مولاي الحسن بالرباط وكأنه انهار بفعل الأمطار، في حين تبيّن عبر المقارنة التقنية والتحقق البصري، أن المقاطع مركّبة ومجهزة بلغة “الغباء الإصطناعي”. هنا يتحول التضليل إلى ما يشبه كوميديا سوداء إعلامية: صورة بلا مصدر، وفيديو بلا سياق، واستنتاجات بلا حدٍّ أدنى من المهنية.
يكشف هذا السلوك عن منطق دعائي يعتمد الإثارة بدل المعلومة، والتكرار بدل البرهان. فبدل مناقشة جاهزية البنيات التحتية وفق تقارير تقنية ومعايير دولية، يُستعاض عن ذلك بسرديات سريعة الاستهلاك تُراهن على الصدمة والتهويل. واللافت أن هذا المحتوى نفسه يسقط عند أول اختبار تحقق، ما يحوّله – على نحو ساخر- إلى دليل إضافي على هشاشة وغباء الخطاب الذي أنتجه. إن التهكم هنا ليس غاية في ذاته بقدر ما هو أداة تحليل تُظهر أن التضليل، حين يبالغ في ادعاءاته، ينقلب على أصحابه ويُفقدهم المصداقية.
ويُلاحظ كذلك اعتماد هذه الحملات على شبكات حسابات آلية أو شبه آلية لتضخيم الرسائل، مستفيدة من سرعة الانتشار ومنطق الترند. غير أن خطورة هذه الممارسات وانطلاقا من محتواها صارت تبرز في تآكل الثقة الذي تُحدثه لدى المتلقي، وفي تشويشها على النقاش العقلاني المبني على القانون الدولي والوثائق الأممية والمعايير التقنية. ويبرز هنا الفرق بين التواصل القائم على الحجة والوثيقة، والتضليل القائم على الإثارة والادعاء.
من الردّ إلى الوقاية .. بناء المناعة المعلوماتية
تؤكد التجارب الدولية أن الردّ اللاحق على الأخبار الزائفة، رغم ضرورته، يظل أقل فعالية من الوقاية المسبقة. وتقوم هذه الوقاية على حزمة متكاملة من السياسات: تعزيز الإطار القانوني بما يواكب البيئة الرقمية ويحفظ حرية التعبير، ودعم الصحافة المهنية ووسائل التحقق، وتطوير تواصل مؤسساتي سريع وشفاف يملأ فراغ المعلومة. كما تُعد التربية على الإعلام والرقمنة ركيزة أساسية لبناء مواطن ناقد قادر على التمييز بين الخبر والرأي، وبين المعلومة والدعاية.
على المستوى التقني، صار الواقع يفرض تجهيز غرف الأخبار بأدوات الرصد والتحقق، والتعاون مع المنصات لرفع مستوى الشفافية الخوارزمية .. وفي السياق المغربي، يبرز دور المجتمع المدني والجامعات في إنتاج معرفة علمية حول التضليل، وتحويلها إلى موارد تدريبية مبسطة.
ختاما .. إن الأخبار الزائفة والتضليل الإعلامي ليسا قدرا محتوما .. هما ظاهرتان يمكن الحدّ من أثرهما متى توفرت الرؤية، وتكاملت الأدوار، وتقدّم العقل على الانفعال. فبين حرية التعبير وواجب التحقق، وبين السرعة والدقة، يتحدد مستقبل الثقة العامة.
إن بناء مناعة معلوماتية مستدامة يمرّ عبر إعلام مهني قوي، ومواطن واعٍ، ومؤسسات شفافة، وتكنولوجيا مسؤولة .. فليست كثرة الأصوات دليلا على الحقيقة، ولا سرعة الانتشار برهانا على الصدق؛ فالمعلومة لا تصمد إلا إذا قامت على أساس متين من التحقق والأمانة.
