محمد عادل التاطو
أثار وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث جدلا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية داخل الولايات المتحدة، بعد أن تحدث عن الحرب الجارية ضد إيران بلغة حملت إشارات دينية واضحة، ما دفع منتقدين إلى التساؤل عما إذا كان الصراع يُقدَّم داخل بعض الدوائر الأمريكية باعتباره مواجهة ذات خلفية عقائدية.
واستخدم الوزير الأمريكي عبارات ذات طابع ديني أثناء حديثه عن الحرب، حيث استشهد بنصوص من الكتاب المقدس في سياق تبرير المواجهة مع إيران، معتبرا أن الحرب ضد إيران “مباركة من المسيح” وأن “الخير يجب أن يقف بحزم في مواجهة الشر”، وهي تصريحات رأى منتقدون أنها تضفي على الحرب بعدا دينيا يتجاوز الخطاب السياسي المعتاد.
جاء ذلك في إحاطة إعلامية عقدها هيغسيث في مقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، تحدث خلالها بنبرة متفاخرة عن العمليات العسكرية ضد إيران، قائلا إن الطائرات الأمريكية تمطر أهدافها بـ”الموت والدمار من السماء طوال اليوم”، مضيفا أن المواجهة “لم يكن يفترض أن تكون معركة عادلة”، لأن الولايات المتحدة تضرب خصومها وهم في حالة ضعف.
كما قال هيغسيث إن الولايات المتحدة تواجه ما وصفه بـ”نظام يستند إلى أوهام دينية ونبوية”، معتبرا أن السماح لإيران بامتلاك قدرات عسكرية متقدمة أو أسلحة استراتيجية سيكون “تهديدا حضاريا وأيديولوجيا” وليس مجرد خطر أمني تقليدي.
ووصف الوزير الأمريكي الضربات العسكرية بأنها جزء من مواجهة حاسمة مع القيادة الإيرانية، قائلا إن القادة في طهران “انتهى أمرهم وهم يعلمون ذلك”، معتبرا أن الولايات المتحدة “تنتصر بقوة وبلا رحمة”.
وفي تقرير موسع نشرته صحيفة The Guardian، وصف المراسل في واشنطن ديفيد سميث وزير الدفاع الأمريكي بأنه “رجل خطير”، مشيرا إلى أن أسلوبه بدا عدوانيا ومفعما بالنشوة وهو يتحدث عن الهجمات على إيران.
وأضاف التقرير أن هيغسيث، المذيع السابق في قناة Fox News، أصبح الوجه الإعلامي للحرب التي تخوضها إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد إيران، وهو ما أثار مخاوف لدى منتقدين يرون أنه غير مؤهل لقيادة الجيش الأمريكي في خضم صراع معقد في الشرق الأوسط.
ويقول منتقدو الوزير إن خطابه يتجاوز البعد العسكري، ليحمل أحيانا إشارات دينية وأيديولوجية، ما دفع بعضهم إلى اتهامه بتحويل وزارة الدفاع إلى ساحة لـ”حرب دينية”.
وفي هذا الصدد، قال روبرت ب. جونز، رئيس معهد أبحاث الدين العام في واشنطن، إن تصوير الصراع على أنه مواجهة بين حضارة مسيحية وأخرى إسلامية يخرج النقاش من الإطار السياسي التقليدي، ويقدمه باعتباره “حربا مقدسة”.
وقالت جانيسا غولدبيك، الرئيسة التنفيذية لمنظمة VoteVets المدافعة عن حقوق المحاربين القدامى، إن هيغسيث “شخص خطير للغاية”، معتبرة أن امتلاكه صلاحيات قيادة الجيش الأمريكي يمثل مصدر قلق في ظل الخطاب المتشدد الذي يتبناه.
كما أعرب مسؤولون سابقون في البيت الأبيض عن مخاوف مشابهة، من بينهم بريت بروين، المدير السابق للتواصل العالمي في إدارة باراك أوباما، الذي قال إن الأمريكيين وحلفاءهم يحتاجون إلى “قيادة هادئة واستراتيجية واضحة”، وليس إلى ما وصفه بـ”الشعارات المتفاخرة”.
شكاوى داخل الجيش الأمريكي
وتصاعد الجدل أكثر بعدما نقلت تقارير إعلامية عن بعض الجنود الأمريكيين قولهم إن قادتهم العسكريين قدموا الحرب ضد إيران خلال إحاطات داخلية باعتبارها جزءا من “خطة إلهية” أو صراع يرتبط بنبوءات دينية حول ما يسمى بمعركة “هرمجدون”.
وبحسب ما نقلته تقارير صحفية أمريكية، فإن منظمة “Military Religious Freedom Foundation”، وهي منظمة أمريكية تُعنى بحماية حرية المعتقد داخل القوات المسلحة، تلقت أكثر من 200 شكوى من جنود قالوا إن قادة عسكريين استخدموا خطابا مسيحيا متشددا عند الحديث عن الحرب ضد إيران.
وأفاد عدد من الجنود بأن الحرب قُدمت في بعض الإحاطات العسكرية باعتبارها مواجهة ترتبط بنبوءات توراتية حول معركة “هرمجدون”، وهو ما أثار قلقا لدى المنتقدين الذين يرون أن المؤسسة العسكرية يجب أن تبقى بعيدة عن التوظيف الديني أو الأيديولوجي.
وفي ضوء هذه التقارير، طالب عدد من النواب الأمريكيين بفتح تحقيق رسمي في ما إذا كان الخطاب الديني قد تسلل إلى الخطاب الرسمي لوزارة الدفاع أو استُخدم لتبرير العمليات العسكرية الجارية.
وأشار مشرعون إلى أن تقديم الحرب باعتبارها جزءا من نبوءة دينية قد يتعارض مع مبدأ الفصل بين الدين والدولة الذي يقوم عليه النظام السياسي الأمريكي، خاصة عندما يتعلق الأمر بقرارات الحرب والسلم.
ويُعرف وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بقربه من التيارات المحافظة والإنجيلية في الولايات المتحدة، كما سبق أن أدلى بتصريحات حادة ضد إيران واعتبرها أحد أبرز التهديدات للولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط.
وأثار ظهور وشمين على صدر هيغسيث مرتبطين برموز الحروب الصليبية جدلا واسعا في وقت سابق، أحدهما يحمل صليب القدس، بينما يحمل الآخر عبارة لاتينية شهيرة “Deus vult” وتعني “الله يشاء”، وهو شعار ارتبط تاريخيا بالحملات الصليبية في العصور الوسطى.
كما زاد الجدل بعد صدور كتابه عام 2020 بعنوان الحملة الصليبية الأمريكية، الذي دعا فيه إلى الدفاع عن الحضارة الغربية، معتبرا أن السياسة الديمقراطية وحدها قد لا تكون كافية لتحقيق هذا الهدف.
ويرى بعض المحللين أن الخطاب الديني الذي يرافق الحديث عن الحرب يعكس تأثير ما يعرف بـ”الصهيونية المسيحية”، وهي حركة دينية سياسية في الولايات المتحدة تربط بين الصراعات في الشرق الأوسط وبعض النبوءات التوراتية.
إقرأ الخبر من مصدره