Étiquette : generation Z

  • جيل « زيد » والعمل السياسي


    مصطفى صغيري
    جيل زيد والعمل السياسي، حين تفرض الأجيال الرقمية أسئلة جديدة على الوساطة الحزبية: قراءة في تحولات علاقة الشباب بالعمل السياسي في ظل التحولات الرقمية ورؤية تجديد الحياة السياسية بالمغرب

    “الديمقراطية ليست فقط مؤسسات وقوانين، بل هي قبل كل شيء قدرة المجتمع على تجديد نُخَبه السياسية.” ماكس فيبر

    لم تعد التحولات التي يعرفها المجال السياسي في العالم المعاصر مرتبطة فقط بتغير موازين القوى بين الأحزاب أو بتداول النخب على السلطة، بل أصبحت تعكس تحولات أعمق في طبيعة العلاقة بين المجتمع والمؤسسات السياسية. ففي عصر الرقمنة وتسارع تدفق المعلومات، لم يعد المواطن مجرد متلقٍ للخطاب السياسي، بل أصبح فاعلاً في تشكيل النقاش العمومي وفي التأثير في اتجاهات الرأي العام، وفي قلب هذه التحولات يبرز دور الأجيال الجديدة، وخاصة ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ جيل زيد، الذي يعيد اليوم طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المشاركة السياسية وحول قدرة المؤسسات التمثيلية، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية، على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع.

    فالديمقراطيات المعاصرة تشهد تحولات عميقة تمس طبيعة العلاقة بين المجتمع والمؤسسات السياسية، وهي تحولات لم تعد مرتبطة فقط بالتوازنات الحزبية أو بتغير النخب الحاكمة، بل أصبحت تعكس تحولات بنيوية في طبيعة المجتمعات نفسها. فقد أدى تسارع التغيرات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية خلال العقود الأخيرة إلى إعادة تشكيل المجال العمومي وإلى ظهور أنماط جديدة من التفاعل مع الشأن العام، خاصة في ظل الانتشار الواسع للتكنولوجيات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    لقد أصبح الفضاء السياسي اليوم أكثر اتساعاً وتعقيداً مما كان عليه في السابق، حيث لم يعد مقتصراً على المؤسسات السياسية التقليدية مثل الأحزاب أو البرلمانات أو وسائل الإعلام الكلاسيكية، بل أصبح فضاءً متعدد المستويات تتقاطع داخله منصات رقمية وشبكات اجتماعية ومبادرات مدنية متنوعة. وقد أتاح هذا التحول إمكانيات جديدة للتعبير السياسي وللمشاركة في السجال العمومي، خاصة بالنسبة للأجيال الشابة التي نشأت في بيئة رقمية مختلفة جذرياً عن السياقات التي تشكلت فيها التجارب السياسية للأجيال السابقة.

    وفي قلب هذه التحولات يبرز ما أصبح يُعرف في الأدبيات السياسية المعاصرة بـ جيل زيد (Generation Z)، وهو الجيل الذي نشأ في ظل الثورة الرقمية وفي عالم يتسم بتدفق غير مسبوق للمعلومات وباتساع غير محدود لفضاءات التواصل. ويتميز هذا الجيل بخصائص اجتماعية وثقافية مختلفة عن الأجيال السياسية السابقة، إذ تشكل وعيه السياسي في بيئة رقمية مفتوحة تتسم بسرعة تداول المعلومات وبإمكانية التفاعل الفوري مع القضايا العامة.

    غير أن العلاقة بين هذا الجيل والسياسة لا يمكن فهمها فقط من خلال المؤشرات التقليدية للمشاركة السياسية، مثل نسب التصويت أو معدلات الانخراط في الأحزاب السياسية. فهذه المؤشرات، على أهميتها، لا تعكس بالضرورة التحولات العميقة التي يعرفها المجال السياسي في عصر الرقمنة. فالشباب اليوم لا يعبرون عن مواقفهم السياسية فقط من خلال المؤسسات الحزبية أو المشاركة الانتخابية، بل أيضاً من خلال أشكال جديدة من التفاعل مع الشأن العام، تتراوح بين النقاشات الرقمية والمبادرات المدنية والانخراط في قضايا اجتماعية وثقافية تتجاوز الأطر التقليدية للعمل السياسي.

    ومن هنا، فإن ما يوصف أحياناً بـ عزوف الشباب عن السياسة قد لا يعكس بالضرورة تراجعاً في الاهتمام بالشأن العام، بقدر ما يعكس تحولات في طبيعة العلاقة بين الأجيال الجديدة والمؤسسات السياسية التقليدية. فالمسألة لا تتعلق فقط بضعف المشاركة السياسية، بل أيضاً بوجود فجوة متزايدة بين منطق اشتغال الأحزاب السياسية وبين التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع.

    وفي إطار التجربة المغربية، يكتسي هذا الطرح أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات التي يعرفها المجتمع خلال العقود الأخيرة، سواء على مستوى التحولات الديموغرافية أو على مستوى انتشار التعليم العالي أو على مستوى توسع الفضاء الرقمي. فقد أصبح الشباب اليوم يشكلون إحدى الفئات الاجتماعية الأكثر حضوراً في الجدال العمومي، سواء عبر المنصات الرقمية أو من خلال المبادرات المدنية والثقافية التي تعكس اهتماماً متزايداً بالقضايا العامة.

    غير أن هذه الدينامية المجتمعية لا تجد دائماً ترجمتها الكاملة داخل المؤسسات السياسية التمثيلية، وهو ما يعيد طرح سؤال مركزي يتعلق بطبيعة الوساطة السياسية في المغرب وبمدى قدرة الأحزاب السياسية على مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع.
    ومن هذا المنطلق، يطرح سؤال أساسي نفسه بإلحاح:

    إلى أي حد تستطيع الأحزاب السياسية في المغرب إعادة بناء علاقتها مع الأجيال الجديدة، وخاصة جيل زيد، بما يسمح بتجديد الوساطة السياسية وتعزيز الثقة في العمل الحزبي؟

    تحولات المجال العمومي في عصر الرقمنة

    لقد أدى التطور التكنولوجي الهائل خلال العقود الأخيرة إلى إعادة تشكيل المجال العمومي الذي يتم فيه تداول الأفكار السياسية وتشكيل الرأي العام، فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للتواصل الشخصي، بل أصبحت فضاءات حقيقية للنقاش السياسي وللتعبير عن المواقف والاتجاهات المختلفة.

    وقد سبق للفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن تحدث عن مفهوم الفضاء العمومي باعتباره المجال الذي يتم فيه تداول القضايا العامة بشكل عقلاني بين المواطنين، بما يسمح بتشكيل إرادة عامة قائمة على السجال والحوار، غير أن التحولات الرقمية التي يعرفها العالم اليوم جعلت هذا الفضاء أكثر اتساعاً وتعقيداً، حيث أصبح الحوار السياسي يتم في فضاءات متعددة ومتداخلة تتجاوز الحدود التقليدية للمؤسسات السياسية ووسائل الإعلام الكلاسيكية.

    وقد أشار عالم الاجتماع مانويل كاستلز إلى أن التحولات الرقمية أدت إلى بروز ما يسميه بـ”مجتمع الشبكات”، حيث أصبحت شبكات التواصل فضاءات مركزية لإنتاج النقاش العمومي وتشكيل الرأي العام، خاصة لدى الأجيال الشابة.

    وفي هذا الإطار، أصبح الشباب أكثر حضوراً في التداول العمومي من خلال المنصات الرقمية، حيث يعبرون عن مواقفهم تجاه القضايا السياسية والاجتماعية بطرق مختلفة عن الأشكال التقليدية للمشاركة السياسية، وهو ما يعني أن المشاركة السياسية لم تعد مرتبطة فقط بالانخراط الحزبي أو المشاركة الانتخابية، بل أصبحت تتخذ أشكالاً متعددة تتراوح بين التعبير الرقمي، والمبادرات المدنية، والانخراط في الحركات الاجتماعية الجديدة.

    أزمة الوساطة الحزبية في الديمقراطيات المعاصرة

    تشير العديد من الدراسات في علم السياسة إلى أن الديمقراطيات المعاصرة تعرف ما يسمى بـ أزمة الوساطة الحزبية، وهي الأزمة التي تنشأ عندما تصبح الأحزاب السياسية عاجزة عن ترجمة التحولات الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع إلى مشاريع سياسية قادرة على تمثيل تطلعات المواطنين.

    وقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى أن الخطاب السياسي قد يتحول في بعض الأحيان إلى ما يشبه الرأسمال الرمزي الذي يسعى إلى إنتاج صورة معينة عن الفعل السياسي دون أن يعكس بالضرورة التحولات الفعلية التي يعرفها المجتمع.

    وفي الطرح المغربي، يبرز هذا الاشكال سؤالاً مهماً حول قدرة الأحزاب السياسية على تطوير خطاب سياسي جديد قادر على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة في ظل صعود أجيال جديدة أكثر تعليماً وأكثر انفتاحاً على العالم وأكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي.

    الشباب في صلب الرؤية الملكية لتجديد الحياة السياسية

    ويشكل إشراك الشباب في الحياة العامة أحد المرتكزات الجوهرية في الرؤية الملكية لإصلاح وتطوير الحياة السياسية بالمغرب. فقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس في العديد من الخطب والتوجيهات الملكية على أن مستقبل الديمقراطية بالمغرب يظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات السياسية على استيعاب طاقات الأجيال الصاعدة وعلى تمكين الشباب من المشاركة الفعلية في تدبير الشأن العام. وتنطلق هذه الرؤية من قناعة مفادها أن تحديث الحياة السياسية لا يمكن أن يتحقق فقط من خلال تطوير النصوص القانونية أو إصلاح المؤسسات، بل يتطلب أيضاً تجديداً مستمراً للنخب السياسية بما يعكس التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي.

    وقد شكل دستور سنة 2011 ترجمة مؤسساتية لهذا التوجه، حيث نص الفصل 33 من الدستور على ضرورة اتخاذ السلطات العمومية التدابير الملائمة لتوسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد، مع إحداث آليات مؤسساتية تهدف إلى تعزيز انخراطهم في الحياة العامة. ويعكس هذا التوجه الدستوري إرادة واضحة لجعل الشباب فاعلاً أساسياً في الدينامية الديمقراطية، وليس مجرد فئة اجتماعية موضوعاً للسياسات العمومية.

    وفي هذا النطاق، لم تعد قضية الشباب تُطرح في الخطاب الإصلاحي بالمغرب باعتبارها قضية اجتماعية مرتبطة بإشكالات التعليم أو التشغيل فحسب، بل أصبحت تُطرح باعتبارها قضية سياسية واستراتيجية ترتبط بتجديد النخب وبمستقبل الديمقراطية في البلاد. فالشباب، في التصور الملكي، يمثل رأسمالاً بشرياً واستراتيجياً قادراً على الإسهام في تطوير الحياة السياسية وتعزيز دينامية الإصلاح، خاصة في سياق مجتمع يشهد تحولات متسارعة على المستويات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية.

    ومن هذا المنطلق، يشكل تمكين الشباب من الولوج إلى فضاءات القرار العمومي ومن المشاركة الفعلية في الحوار السياسي أحد الشروط الأساسية لتجديد الحياة الحزبية وتعزيز الثقة في المؤسسات التمثيلية. فالأحزاب السياسية، باعتبارها إحدى القنوات الرئيسية للوساطة بين المجتمع والدولة، تجد نفسها اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتطوير آليات جديدة للتأطير السياسي قادرة على استيعاب طاقات الشباب وعلى إشراكهم في صياغة الرؤى السياسية وفي بلورة السياسات العمومية.

    إن الرؤية الملكية لتجديد الحياة السياسية لا تقتصر على الدعوة إلى إشراك الشباب في العمل السياسي، بل تتجاوز ذلك نحو إرساء نموذج سياسي يقوم على تجديد النخب وتعزيز الكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يسمح بإضفاء دينامية جديدة على الحياة الحزبية وبناء مؤسسات سياسية أكثر قدرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

    غير أن ترجمة هذا التوجه الإصلاحي إلى دينامية سياسية فعلية تظل رهينة بقدرة الفاعلين السياسيين، وفي مقدمتهم الأحزاب، على مواكبة هذه الرؤية وعلى تحويلها إلى ممارسات تنظيمية وخيارات سياسية ملموسة. فالأحزاب السياسية، باعتبارها إحدى القنوات الأساسية للوساطة بين المجتمع والدولة، تتحمل مسؤولية مركزية في تأطير الشباب وفي إدماجهم داخل الحياة السياسية. ولذلك فإن نجاح مشروع تجديد الحياة السياسية في المغرب يظل مرتبطاً بمدى قدرة الأحزاب على تجديد خطابها السياسي وعلى تطوير آليات اشتغالها التنظيمية بما يسمح لها باستيعاب التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع، وخاصة تلك المرتبطة بصعود الأجيال الجديدة.

    الأحزاب السياسية بين الشرعية التاريخية ومتطلبات التجديد

    وتواجه الأحزاب السياسية في الديمقراطيات المعاصرة تحدياً مركباً يتمثل في كيفية التوفيق بين الحفاظ على رصيدها التاريخي والرمزي من جهة، والقدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة التي يعرفها المجتمع من جهة أخرى. فالأحزاب التي تشكلت في سياقات سياسية مختلفة وأسهمت في مراحل معينة في تأطير المجتمع وفي بناء التعددية السياسية، تجد نفسها اليوم أمام واقع اجتماعي جديد يتسم بتغيرات عميقة في أنماط التواصل وفي أشكال التعبير السياسي، خاصة في ظل التحولات التي أحدثتها الثورة الرقمية وفي سياق صعود أجيال جديدة أكثر تعليماً وانفتاحاً على العالم وأكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي، لذلك لم يعد الرصيد التاريخي للأحزاب السياسية وحده كافياً لضمان استمرار دورها في الوساطة بين المجتمع والدولة، بل أصبح هذا الدور رهيناً بقدرتها على قراءة التحولات المجتمعية قراءة دقيقة وعلى تجديد خطابها السياسي وأدوات اشتغالها التنظيمية بما يسمح لها بالتفاعل مع التحولات العميقة التي يعرفها المجال العمومي.

    وقد أشار العديد من الباحثين في علم السياسة إلى أن الديمقراطيات المعاصرة تعيش ما يمكن وصفه بـ أزمة الوساطة الحزبية، وهي الأزمة التي تظهر عندما تصبح الأحزاب أقل قدرة على ترجمة التحولات الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع إلى مشاريع سياسية تعكس تطلعات المواطنين، وفي هذا المجال، يرى المفكر الفرنسي بيير روزنفالون أن الديمقراطيات الحديثة لم تعد تعاني فقط من أزمة في التمثيل الانتخابي، بل من أزمة أعمق تتعلق بتراجع الثقة في المؤسسات السياسية وباتساع الفجوة بين المواطنين والفاعلين السياسيين، كما يشير عالم السياسة برنارد مانين إلى أن الديمقراطية التمثيلية تشهد تحولات بنيوية تجعل الأحزاب السياسية مطالبة بإعادة تعريف أدوارها التقليدية في ظل تغير أنماط المشاركة السياسية وظهور فاعلين جدد داخل المجال العمومي.

    وتزداد حدة هذا التحدي في ظل ما يسميه عالم الاجتماع زيغمونت باومان بـ “الحداثة السائلة”، حيث تتسم العلاقات الاجتماعية والسياسية بدرجة عالية من السيولة والتغير المستمر، وهو ما ينعكس بدوره على طبيعة العلاقة بين المواطنين والمؤسسات السياسية، ففي مثل هذا السياق، لم يعد الانتماء الحزبي ثابتاً كما كان في المراحل السابقة، بل أصبح أكثر هشاشة وقابلية للتحول، وهو ما يفرض على الأحزاب السياسية البحث عن صيغ جديدة للتفاعل مع المجتمع قادرة على استيعاب هذه التحولات.

    وفي ضوء هذه التحولات، لم يعد السؤال المطروح أمام الأحزاب السياسية يقتصر على كيفية استقطاب أعضاء جدد أو توسيع قواعدها الانتخابية، بل أصبح يتعلق أساساً بقدرتها على تجديد دورها كفاعل أساسي في الوساطة الديمقراطية بين المجتمع والدولة، فالأحزاب التي تمتلك رصيداً تاريخياً وسياسياً مهماً يمكنها أن تلعب دوراً محورياً في تجديد الحياة السياسية إذا ما استطاعت تحويل هذا الرصيد إلى قوة اقتراحية قادرة على مواكبة التحولات المجتمعية وعلى استيعاب طاقات الأجيال الجديدة وإشراكها في صياغة الرؤى السياسية للمستقبل.

    وانسجاما مع هذا التصور، يبرز التفكير المتزايد حول فكرة التعاقد المجتمعي باعتبارها إحدى المقاربات التي تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الأحزاب السياسية والمجتمع على أساس وضوح الالتزامات السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة، فهذه الفكرة تعكس توجهاً متنامياً في الفكر السياسي المعاصر يقوم على الانتقال من منطق الخطاب السياسي العام إلى منطق الالتزام السياسي القابل للتقييم، بما يسمح بتعزيز ثقافة المساءلة داخل الحياة السياسية وبإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية.

    وفي السياق المغربي، بدأ هذا النقاش يجد صداه داخل بعض المبادرات السياسية التي تسعى إلى تجديد العلاقة بين الأحزاب والمجتمع، وفي هذا الإطار، برزت أيضاً مبادرات داخل بعض الأحزاب، من بينها ما طرحه الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين حول فكرة التعاقد المجتمعي باعتبارها مقاربة للتواصل السياسي تقوم على تعزيز المصداقية في الخطاب السياسي وربط البرامج الانتخابية بآليات واضحة للتتبع والتقييم، وتندرج هذه المبادرة ضمن الجدل المتزايد داخل الحقل الحزبي المغربي حول سبل تجديد العلاقة بين الأحزاب السياسية والمجتمع وإعادة بناء الثقة في العمل السياسي، وتكتسي مثل هذه المبادرات أهمية خاصة في ظل الحوار المتزايد حول أزمة الثقة في العمل الحزبي، إذ إنها تطرح سؤال العلاقة بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية داخل المجال العمومي، غير أن أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في المبادرات الحزبية في حد ذاتها، بل في ما يفتحه من أفق أوسع للتفكير في مستقبل الوساطة الحزبية وفي الكيفية التي يمكن من خلالها تطوير نماذج جديدة للتفاعل بين الأحزاب والمجتمع.

    ولا تقتصر المقاربة المطروحة حول سبل تجديد العلاقة بين الأحزاب السياسية والشباب على تجربة حزب بعينه داخل المشهد الحزبي المغربي، بل تندرج ضمن دينامية أوسع يشهدها الحقل الحزبي، حيث أصبحت عدة تنظيمات سياسية تدرك أن التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، وصعود أجيال جديدة أكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي وأكثر تطلعاً إلى أنماط مختلفة من المشاركة السياسية، يفرضان إعادة التفكير في أساليب التأطير الحزبي وفي طبيعة الخطاب السياسي الموجه إلى الشباب، ففي تجارب حزبية أخرى، مثل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أو حزب الاستقلال أو حزب التقدم والاشتراكية، يبرز بدوره نقاش متزايد حول مسألة تجديد النخب وتعزيز حضور الشباب داخل الهياكل التنظيمية للأحزاب، غير أن هذا الجدل يظل في كثير من الأحيان محكوماً بتحديات تنظيمية وثقافية مرتبطة بطبيعة البنيات الحزبية وباستمرارية القيادات التقليدية داخل عدد من الأحزاب.

    إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الأحزاب السياسية اليوم لا يكمن في استقطاب الشباب إلى صفوفها فقط، بل في قدرتها على إشراكهم فعلياً في صياغة الرؤى السياسية وصناعة مستقبل العمل الحزبي، ومن هنا تبرز أهمية تطوير خطاب سياسي جديد قادر على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي، وقادر في الوقت نفسه على إعادة بناء الثقة بين الأحزاب السياسية والمجتمع.

    غير أن أهمية هذا الانشغال لا تكمن فقط في المبادرات الحزبية في حد ذاتها، بل في ما يفتحه من أفق أوسع للتفكير في مستقبل الوساطة السياسية في المغرب وفي سبل تطوير العلاقة بين الأحزاب والمجتمع في سياق التحولات العميقة التي يعرفها المجال العمومي.

    إن تجديد الحياة الحزبية لا يرتبط فقط بتجديد القيادات أو تطوير الخطاب السياسي، بل يتطلب أيضاً إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الحزب والمجتمع وفي الدور الذي يمكن أن تلعبه الأحزاب باعتبارها مؤسسات للوساطة الديمقراطية القادرة على ترجمة التحولات الاجتماعية إلى مشاريع سياسية تعكس تطلعات المواطنين وتساهم في تعزيز الثقة في العمل السياسي.

    خاتمة

    إن التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي اليوم، سواء على مستوى البنية الاجتماعية أو على مستوى أنماط التفاعل مع المجال العمومي، تفرض إعادة التفكير في العديد من المسلمات التي حكمت العلاقة بين المواطن والعمل السياسي خلال العقود الماضية، فصعود أجيال جديدة أكثر تعليماً وانفتاحاً على العالم وأكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي لم يعد مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل أصبح عاملاً بنيوياً في إعادة تشكيل قواعد المشاركة السياسية وفي إعادة تعريف دور الأحزاب والمؤسسات التمثيلية داخل المجال العمومي.

    ومن هذا المنطلق، فإن التساؤل حول علاقة جيل زيد بالسياسة لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره مؤشراً على أزمة في المشاركة السياسية أو على عزوف الشباب عن العمل الحزبي، بل ينبغي فهمه أيضاً باعتباره فرصة تاريخية لإعادة التفكير في طبيعة الوساطة السياسية وفي سبل تجديدها، فالمجتمعات التي تنجح في استيعاب طاقات الأجيال الجديدة وتحويلها إلى قوة اقتراحية داخل الفضاء العمومي تكون أكثر قدرة على تجديد نخبها السياسية وعلى مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم المعاصر.

    وفي السياق المغربي، يبدو أن الرهان الحقيقي لم يعد مرتبطاً فقط بقدرة الأحزاب السياسية على الفوز بالمواعيد الانتخابية أو على الحفاظ على مواقعها داخل المؤسسات التمثيلية، بل أصبح مرتبطاً أساساً بقدرتها على إنتاج رؤى سياسية ومجتمعية قادرة على إعادة بناء الثقة بين المواطن والعمل السياسي، فالثقة، في نهاية المطاف، هي الشرط الأساسي لاستمرارية أي تجربة ديمقراطية، وهي أيضاً الأرضية التي يمكن من خلالها بناء تعاقد جديد بين المجتمع والفاعلين السياسيين حول أولويات الإصلاح والتنمية.

    إن المستقبل السياسي للمغرب سيتشكل، إلى حد بعيد، بقدر ما تستطيع الحياة الحزبية أن تنفتح على التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع، وأن تفسح المجال أمام جيل جديد من الفاعلين القادرين على الجمع بين الوعي بالتحولات العالمية والارتباط العميق بقضايا المجتمع، وهذا ما تعكسه بعض المبادرات الحزبية التي تسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الأحزاب والمجتمع، من خلال مبادرة التعاقد المجتمعي، فالديمقراطية ليست فقط نظاماً لتدبير السلطة، بل هي أيضاً قدرة مستمرة على تجديد النخب وإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

    وعليه، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً إلى تجديد الوساطة الحزبية من خلال فتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على الجمع بين المعرفة الأكاديمية وفهم التحولات الاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي، بما يسمح بإضفاء دينامية جديدة على الحياة السياسية ويعيد الاعتبار لدور الأحزاب باعتبارها فضاءات للتأطير الديمقراطي وصياغة المشاريع المجتمعية.

    وفي نهاية المطاف، فإن قدرة الحياة السياسية في المغرب على مواكبة تحولات المجتمع ستظل مرتبطة بمدى قدرتها على تجديد نخبها وعلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة، لأن الديمقراطيات الحية ليست تلك التي تحافظ فقط على مؤسساتها، بل تلك التي تمتلك القدرة المستمرة على تجديد نفسها والانفتاح على طاقات أجيالها الصاعدة.

    -باحث في السياسات العمومية والحكامة – دكتور في القانون العام والعلوم السياسية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مصدر لـ »تيلكيل عربي »: الناشطة زينب خروبي بـ »جيل زد » لم تحل بعد على النيابة العامة

    أفاد مصدر موثوق لـ »تيلكيل عربي » أن زينب خروبي، الناشطة في احتجاجات جيل زد في فرنسا، لم تحل بعد (إلى حدود كتابة هذه الأسطر) على النيابة العامة بالدار البيضاء من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية.

    وعند الإحالة على النيابة العامة، سوف يتخذ القرار، إما بالمتابعة في حالة سراح أو اعتقال.

    وجاء توقيف الناشطة زينب خروبي عشية أمس الخميس 12 فبراير، فور وصولها إلى مطار المنارة بمراكش قادمة من الديار الفرنسية.

    وحسب مصادر حقوقية، قضت الناشطة نحو ثلاث ساعات داخل المطار، قبل أن يتم نقلها إلى مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء.

    ذات المصادر، أوردت، أن زينب خروبي، حلت بمدينة مراكش، في إطار عملها بفرنسا، في مجال السينما، وبعد ذلك، كانت تعتزم زيارة العائلة والأصدقاء.

    وتتضارب الأنباء حول الأسباب وراء هذا الإجراء، إذ تشير المعطيات الأولية إلى احتمال ارتباط التوقيف بتدوينات منسوبة إليها على منصات التواصل الاجتماعي.

    في حين أفادت مصادر أخرى أن التوقيف سببه رفع لافتات احتجاجية إبان مشاركتها في تظاهرات « جيل زد » (Generation Z) بالأراضي الفرنسية.

    وطالب فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بمراكش بـ »إطلاق سراحها فورا ووقف أي متابعة في حقها ».

    إقرأ الخبر من مصدره

  • “جيل زد” والأحزاب السياسية في المغرب.. أزمة تمثيل أم بداية تحول؟

    هبة بريس – عبد اللطيف بركة

    شهدت الساحة المغربية في الأسابيع الأخيرة ولازالت عودة قوية لنبض الشارع، لكن هذه المرة بصوت جديد، بلغة رقمية، وبمطالب لا تقبل التجميل. حمل شباب حركة “جيل زد 212” شعارات تعبّر عن احتقان عميق ورفضٍ لواقع يصفونه بـ”غير القابل للاستمرار”، من تردٍّ في الخدمات الاجتماعية، إلى تصدّع الثقة بالمؤسسات، مرورًا بغياب أي تمثيل سياسي يُشعرهم بأنهم معنيون حقًا بما يحدث.

    فمن هم شباب هذا الجيل؟ ولماذا اختاروا الشارع بدل الصناديق؟ وما موقع الأحزاب السياسية من هذه الموجة الجديدة؟ وهل نحن أمام احتجاج لحظي أم لحظة فارقة تُعيد رسم العلاقة بين الدولة، الأحزاب، والمواطن؟

    – جيل لا يُشبه أحدًا

    يُعرّف جيل “زد” (Generation Z) عمومًا على أنه الفئة المولودة بين أواخر التسعينيات وبداية العقد الثاني من القرن الحالي. إنه جيل الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، والفضاء الرقمي اللامحدود. لكنه أيضًا جيل الأزمات: أزمات ثقة، فرص، هوية، وعدالة.

    في المغرب، حمل هذا الجيل وعيًا سياسيًا مختلفًا. وبدل أن ينخرط في التنظيمات الحزبية التقليدية، اختار التعبير بشكل مباشر، تلقائي، وعابر للوسائط. فخلال الأيام الماضية، دعا الآلاف من الشباب عبر منصات مثل “ديسكورد” و”إنستغرام” و”تيك توك” إلى احتجاجات سلمية في مدن متعددة. المطلب المركزي كان واضحًا: نريد كرامة يومية، لا خطابات موسمية.

    – لماذا خرجوا الآن؟

    أولًا: تراكم الإحباط

    الاحتجاجات جاءت على خلفية فواجع إنسانية مثل حادثة “مستشفى الموت” في أكادير، حيث توفيت نساء أثناء الولادة في ظروف تُوصف باللاإنسانية. لكن الغضب لم يكن وليد لحظة. بل هو تراكم لسنوات من الشعور بالتهميش، من تعطل وعود التنمية، وتراجع جودة التعليم والصحة، واستفحال الفساد.

    ثانيًا: غياب القنوات الفعالة

    في زمن يُفترض فيه أن الأحزاب تُؤطر الشارع وتُمثله، بدا واضحًا أن جزءًا كبيرًا من الشباب لم يعد يراها قنوات شرعية للتغيير. فبحسب دراسات واستطلاعات رأي وطنية، النسبة الساحقة من الشباب المغربي تعلن صراحةً أنها لا تثق بالأحزاب، ولا ترى فيها مؤسسات قادرة على التعبير عن همومها أو الدفاع عن مصالحها.

    ثالثًا: التواصل الرقمي وتجاوز الوسيط

    يبدو أن هذا الجيل لم يعد ينتظر من يمثّله أو يتحدث باسمه. المنصات الرقمية مكّنته من التنظيم والتعبئة والخطاب دون الحاجة إلى حزب، نقابة أو جمعية. لقد تجاوز الوسيط، وقرّر أن يكون هو ذاته صاحب الرسالة والشارع.

    – الأحزاب: في موقف المتفرّج؟

    من اللافت أن أغلب الأحزاب السياسية الكبرى في المغرب تعاملت في البداية بصمت مع حركة “جيل زد”،صمت فسره م المحتجّين على أنه عجز عن الفهم أو خوف من المواجهة.

    لاحقًا، صدرت دعوات خجولة إلى الحوار والإنصات، وأخرى طالبت الحكومة بالاستجابة لمطالب الشباب. لكن الخطاب ظل تقليديًا، مترددًا، وغير قادر على الوصول إلى الجيل الجديد بلغته وأساليبه.

    في المقابل، لم تخلُ بعض المواقف من محاولات للركوب السياسي، أو استغلال الموجة لتصفية حسابات داخلية. ما زاد من نفور الشباب، وأكد اعتقادهم بأن الأحزاب، بشكليتها الحالية، غير قادرة على مواكبة التحول العميق الذي يعيشه المغرب.

    – من التمثيل إلى التحول

    ما يحدث اليوم ليس مجرد احتجاجات موسمية، بل إعادة طرح لسؤال التمثيل السياسي في المغرب. هل تمثل الأحزاب فعليًا الشارع؟ وهل تتحدث باسمه أم باسم مصالح نخبوية؟ وهل يمكن تجديد العقد الاجتماعي دون إصلاح جذري للمؤسسات الوسيطة؟.

    قد تكون حركة “جيل زد” بمثابة ناقوس إنذار. لكنّها أيضًا فرصة. فرصة للأحزاب كي تعيد صياغة علاقتها بالشباب، تتبنى خطابًا صادقًا، آليات عمل جديدة، وقيادات من قلب الشارع لا من صالونات السياسة. كما قد تكون فرصة للدولة لإعادة بناء الثقة، ليس عبر وعود إعلامية، بل عبر إصلاحات حقيقية تضع التعليم، الصحة، والكرامة الاجتماعية في قلب الأولويات.

    – تحديات المستقبل

    الموجة الحالية، رغم زخمها، لا تخلو من مخاطر، فغياب تنظيم واضح قد يؤدي إلى تشتّت المطالب أو صعوبة في التفاوض، ولعل أعمال التخريب التي خرجت في سياق الحركة، جعل الوضع فوضوي في بدايته وقابله استنكار من كل مكونات الشعب المغربي، قبل أن يسفر تعاون بين المواطنين والأمن لإرجاع الأمور لوضعها الأمن في حين سمح باستمرار الاحتجاجات السلمية في الشارع، كما ساد التخوف كذلك
    من استغلال الحراك من أطراف سياسية أو خارجية قد يُفقده مصداقيته.

    لكن في المقابل، يملك هذا الجيل أدواته، لغته، ووعيه. الأهم أنه يملك إرادة التغيير، وهذا في حد ذاته بداية لزمن سياسي جديد.

    هل يمكن أن تنجح لغة الاصغاء؟

    جيل زد لا يُطالب بالمستحيل. بل يرفع مطالب واضحة: تعليم ذو جودة، صحة تحترم الحياة، فرص عمل تحفظ الكرامة، ومؤسسات تُمثّله لا تستخف به.

    فهل تسمع الأحزاب هذا الصوت؟ وهل تملك الشجاعة لتجديد نفسها بدل الدفاع عن قوالب انتهى وقتها؟ وهل ننتقل من احتجاج اللحظة إلى مشروع المستقبل؟

    – الشعب يردد صوت الملك للإصلاح

    من خلال ما ينشر من مقاطع فيديو لهتافات الشارع أو من خلال تصريحات لأفراد من جيل زد، فإن الأغلبية رددت فصول من الخطابات الملكية السامية، التي دعت ونبهت أكثر من مرة السياسيين بعدم التخادل أو الدخول في صراعات ضيقة ناسية واجبها الوطني تجاه الملك والشعب.

    لكن بعد الحراك فالجواب لن يأتي من مقرات الأحزاب، بل من قدرتها على النزول من منصاتها، إلى حيث يوجد المواطن الحقيقي: في الأحياء، في المدارس، في المستشفيات، وفي الفضاء الرقمي المفتوح، فالبلد اليوم وغدا في حاجة ماسة لتلاحم الشعب مع ملكه من أجل استشراف المستقبل، شعاره “الكثير من العمل القليل من الكلام” .

    إقرأ الخبر من مصدره