Étiquette : GPS

  • العدالة الجنائية بين هاجس “التلبس” وضمانات البراءة: نحو ترشيد “الإشتباه” و تحديث “حالات التلبس” على ضوء اليقين العلمي

    تعتبر حالة التلبس من أدق المواضيع في قانون المسطرة الجنائية، نظرا لما تمنحه من صلاحيات استثنائية تمس بالحرية الفردية. وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في حالات التلبس المنصوص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية، والتي ظلت جامدة بالرغم من التحيين والتغيير الذي طال قانون المسطرة الجنائية المعدل بالقانون 03.23.

    أولا: قصور المعايير المادية في المادة 56 وتأثيرها على الحرية الشخصية

    بناء على القراءة التقنية للمادة 56 من قانون المسطرة الجنائية، نجد أن المشرع ربط التلبس بمظاهر خارجية واستنتاجات بصرية قد تخطئ الصواب. ففي الفقرة الثانية، نجد حالة الملاحقة بـ “صياح الجمهور”، وهو معيار غير دقيق، إذ قد يكون الجري نتاج ذعر أو خوف من “عدالة الشارع” وليس دليلا على الجرم. أما الفقرة الثالثة، فتربط التلبس بوجود الشخص حاملا لـ “أدوات أو أسلحة أو عليه آثاردماء على ثيابه اوعلى يده…”وهي معايير قد تكون مضللة جدا في واقع الأمر. إذ أن رؤية شخص في وضعية ملتبسة ضمن كافة أنواع الجرائم الجنحية والجنائية (سواء كان واقفا بجانب ضحية اعتداء، أو ملطخا بالدماء في مكان معزول، أو متواجدا في مكان سرقة وبيده غرض ما) تدفع ضابط الشرطة القضائية آليا نحو “الاشتباه” بناء على الاستدلال الظاهري.

    وبالتالي فالتواجد  في مسرح الجريمة ليس دائما دليلا على الجرم؛ ولعل خير مثال على ذلك، هو حالة شخص يمارس الرياضة في الغابة، سمع أنين فتاة ضحية اعتداء شنيع، وحين حاول إسعافها تلطخت ثيابه بدمائها، ليجد نفسه فجأة محاصرا بصياح الجمهور وبتهمة ثقيلة كالاغتصاب أو القتل بمجرد حضور الشرطة، ليتحول “المسعف”في لحظة إلى “متهم” بسبب جمود النص القانوني وغياب اليقين العلمي. ولعل جمود النص القانوني وغياب اليقين العلمي في المادة 56 يؤدي إلى “الوصمة الجنائية” التي تدمر سمعة الأفراد، وتجعل البريء يعترف تحت الضغط النفسي للاعتقال بجرائم لم يرتكبها.

    ومن تم، إن غياب التمييز العلمي في المادة 56 يؤدي إلى “الوصمة الجنائية” التي تدمر سمعة الأفراد، وتجعل البريء يعترف تحت الضغط النفسي للاعتقال بجرائم لم يرتكبها.

    ثانيا: من “وصمة الاشتباه” إلى “المعني بالتحري”

    وفي سياق متصل، فإن إصلاح العدالة الجنائية يقتضي بالضرورة مراجعة فلسفة المصطلحات القانونية؛ فاستخدام مصطلح “المشتبه به”في المراحل الأولى للبحث التمهيدي، في غياب أي دليل مادي علمي صادر عن المختبر،يعد انتهاكا جسيما لحق الإنسان في البراءة والكرامة والحرية. فهذا المصطلح المشتق من “الشبهة” ليس مجرد وصف قانوني، بل هو وصمة اجتماعية قد تطال بريئا وجد بالصدفة في مسرح الجريمة؛ سواء كان مسعفا مدفوعا بوازعه الإنساني، أو شخصا وقع في فخ محكم من القرائن الظاهرية.

     لذا، ومن أجل تكريس قرينة البراءة، نقترح استبداله بمصطلح “المعني بالتحري” أو “الخاضع للمساءلة”. فمن شأن هذا التعديل أن يضمن وضعية قانونية محايدة للفرد، ويجعل من إجراءات التحقيق وسيلة للبحث عن الحقيقة وليس وسيلة للإدانة المسبقة بناء على مظاهر قد تكون خادعة. فـ “الإنسان “بريء” حتى تثبت إدانته، والإنسان ليس “بمشتبه به” حتى تثبت الأدلة الجنائية العلمية ذلك”.  بمعنى لالاشتباه بدون دليل علمي يقيني.

    وبذلك، وتماشيا مع مستجدات قانون المسطرة الجنائية 03.23، نقترح تعديل الفقرة الاخيرة من المادة الاولى من ق.م.ج ب: “كل معني بالتحري أو خاضع للمساءلة يعتبر بريئا إلى ان تثبت إدانته قانونا بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به مبني على اليقين المادي، وبناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية” .

    ثالثا: اليقين العلمي كصمام أمان لترشيد تدابير التلبس

    يقتضي إصلاح المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية الانتقال من “شهادة الأفواه” إلى “شهادة الأشياء”وذلك عبر الاستبدال بـ “البصمة الوراثية والبيومترية الفورية”؛ فبدلا من اعتبار “الدماء على الثياب” أو “حيازة أدوات وأسلحة” دليلا كافيا للتلبس ،يجب الاعتماد على التحليل الجيني السريع (Rapid DNA) الذي يحقق يقينا يقترب من المطلق في تحديد الهوية؛ ذلك أن الشخص قد يحمل أدوات الجريمة بدافع إسعاف الضحية أو قد يكون ضحية “فخ” محكم.

     وترتيبا عليه، لا يعتبر الشخص في حالة تلبس إلا إذا طابقت الآثار المادية الموجودة عليه هوية الضحية عبر فحص تقني فوري ، أو وجود بصماته في “نقطة التماس” الجرمية بشكل لا يقبل التأويل العلمي.

    علاوة على ذلك، يجب تعويض “صياح الجمهور الذي يعتبر “شاهدا غير واع” قد يخطئ” بـ “الدليل الرقمي” كشاهد محايد عبر سجلات المراقبة الذكية (CCTV) أو بيانات التموقع الجغرافي GPS)). ونقترح ايضا تفعيل “مبدأ لوكارد” (Locard’s Exchange Principle) لضمان وجود “تبادل مادي” حقيقي؛ فلا يكفي وجود السكين بيد المعني بالتحري، بل يجب إثبات انتقال جزيئات مادية من الضحية إلى السلاح ومنه إليه عبر خبرة تقنية فورية.

    وختاما، إن الانتقال من “هاجس التلبس” إلى “ضمانات البراءة” يمر حتما عبر بوابة اليقين العلمي ورؤية السياسة الجنائية المعاصرة. وبذلك، فإن ترشيد الاشتباه وتحديث حالات التلبس ليس مجرد ترف فقهي، بل هو ضرورة حتمية لأنسنة العدالة الجنائية. ونحن نتطلع من خلال هذه المقترحات أن يكون المغرب سباقا وأول من يتبنى هذا التحديث المعاصر في منظومته الجنائية، ليقدم نموذجا إقليميا ودوليا في التوفيق بين فعالية التحري وصيانة كرامة الإنسان، انسجاما مع التزاماته الدستورية والدولية.

    ومن أجل ذلك، نوصي بما يلي:

    • تحديث المادة 56: جعل “الدليل العلمي والرقمي” هو الأساس لتوصيف حالة التلبس. الانتقال من “شهادة الأفواه” (صياح الجمهور) إلى “شهادة الأدلة المادية ” (اليقين المختبري). وبذلك،لا يمكن اعتبار الشخص في حالة تلبس إلا إذا طابقت الآثار المادية هويته عبر فحص تقني فوري (DNA) أو وجود بصماته في “نقطة التماس” بشكل لا يقبل التأويل. وكذا استخدام سجلات المراقبة الذكية (CCTV) كشاهد محايد عوضا عن صياح الجمهور. 
    • تفعيل مبدأ لوكارد: إثبات التبادل المادي الحقيقي بين الضحية والجاني عبر خبرة تقنية فورية، عوض الاكتفاء بالاستنتاج البصري المجرد الذي قد يخطئ. 
    • أنسنة المصطلحات: ضرورة استبدال مصطلح “المشتبه به” الذي تحول لوصمة اجتماعية، بمصطلحات أكثر حيادا وأنسنة مثل “المعني بالتحري” أو “الخاضع للمساءلة”. 
    • تفعيل البدائل التقنية والقضائية: استثمار مستجدات القانون 03.23 عبر إقرار “السوار الإلكتروني”، والدعوة إلى تعويض الحراسة النظرية في حالات التلبس “المشكوكة” بـ “تدبير وقائي تقني” استعجالي؛ عبر وضع الشخص تحت “المراقبة القضائية الاستعجالية” (كسحب جواز السفر وإلزامية التوقيع اليومي لدى مصالح الأمن)، ضمانا لحضور المعني بالتحري وتجنبا للآثار النفسية والاجتماعية للاعتقال في غياب اليقين العلمي.
    • الحماية الرقمية: منع نشر صور الأشخاص في مرحلة التحري وتفعيل “الحق في النسيان الرقمي” صيانةً لسمعة المواطنين. 
    • التسجيل الإلزامي: تعميم “التسجيل السمعي البصري” لعمليات التدخل في حالات التلبس لضمان الشفافية وحماية حقوق الأفراد. 
    • إرساء قاعدة “التوقيف المشروط بنتيجة المختبر”؛ بحيث لا يتم تمديد الإجراءات القسرية إلا بناء على تقرير تقني أولي إيجابي (DNA، خبرة رقمية…) و يطلق سراح المعني فورا إذا كان التقرير التقني الأول سلبيا.

    باحثة بكلية الحقوق مكناس-

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المرشد الأزرق


    عبد الفتاح لحجمري
    الآلة التي دلّت الإنسان على نفسه

    كيف استطاعَ جهازٌ صغيرٌ أن ينتزعَ من الإنسان هذا القَدر من الثِّقة؟ وكيفَ صَار صوتٌ إلكتروني عابرٌ أقرب إلى الطمأنينة من حدسٍ راكمته التَّجارب؟ ولماذا يهدأ القلب حين يسمع تعليمات الطريق، كأن أحدًا يشاركه عبور المسافة ويتكفّل عنه بقلق الاختيار؟ أهو انتصار للتقنية وحدها، أم أنه يكشف حاجةً أقدمَ في الإنسان: حاجتُه إلى من يُرافقه، ويطمئنه، ويخفِّف عنه عبء الحَيرة كلما تشعّبت السُّبل؟

    حين صار الصوت الإلكتروني رفيقَ الحيرة

    كان ال GPS في بداياته، وعدًا صغيرًا بالنجاة: جهازٌ لا يضلّ، عينٌ لا تنام، وصوتٌ أنثويٌّ لطيف يهمس لك: “بعد مئتي متر، انعطف يمينًا”. لم يكن يخبرك فقط بالطريق، كان يمنحك شيئًا أعمق: شعورًا دافئًا بأنك لست وحدك في هذا العالم المتشابك، وأن هناك عقلًا كونيًا يراقب ارتباكك ويعيد ترتيب خطواتك. في ظهوره الأول، لم يدخلGPS حياتنا بوصفه أداةً تقنية، دخلها بوصفه فكرةً تمسّ أحد أعمق احتياجات الإنسان: الحاجة إلى الطمأنينة وسط التيه. لقد بدا كأنه تعويض حديث عن هشاشة الكائن البشري أمام اتساع العالم وتعقّد مسالكه؛ فحين كان السائق يقترب من مفترق الطرق، كان الجهاز يقدّم له إشارةً جغرافية، ويسكب في داخله يقينًا ناعمًا بأن الخطأ لم يعد قدرًا لازمًا، وأن الضياع نفسه صار قابلًا للترويض. هكذا تحوّل الصوت الخارج من الآلة إلى قرين يوميّ، يرافق الإنسان في لحظات ارتباكه الصامت، ويخفّف من وطأة شعوره بالعزلة في المدن الغريبة والطرقات المتشابكة.

    الذكاء الذي بدّد وحشة الطريق

    غير أن القيمة الرمزية لهذا الجهاز تتجاوز وظيفته العملية بكثير؛ لأن الإنسان لم يبحث يومًا عن الطريق بمعناه المادي وحده، فقد ظلّ يبحث، منذ بدايات وَعْيِه، عن دليل يقيهِ حيرة الاختيار. فالطريق في التجربة الإنسانية مسافة بين نقطتين، وهو أيضا صورة مكثّفة عن المصير، وعن السؤال الذي يرافق كل كينونة: كيف أصل؟ وإلى أين أمضي؟ من هنا اكتسب GPS دلالة شبه فلسفية، إذ منح الإنسان إحساسًا بأن الفوضى الظاهرة للعالم تخفي نظامًا خفيًا يمكن بلوغه، وأن الخرائط ليست حِبْرًا وخُطوطًا، بقدر ما هي وعْد بأن الواقع نفسه قابل للفهم والتوجيه. لقد أشاع في النفس وهمًا جميلاً مؤدّاه أن كُلَّ ارتباك يمكن ضبطه، وأن كل انحراف عن المسَار يمكن تصحيحه بعبارة هادئة: “أعِدْ تحديدَ الطَّريق”.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    هكذا، لم يعد هذا الجهاز مجرد وسيط بين الإنسان والمكان، صار وسيطًا بين الإنسان وقلقه الوجودي. فالإنسان الحديث، رغم ما راكمه من معرفة، ما يزال كائنًا خائفًا من المجهول، يتظاهر بالسيطرة ويضطرب من الداخل كلما غابت عنه العَلامات. ولذلك أحبَّ هذا الاختراع لا لأنه يُرشده، وإنما لأنه يقدّم له صورة مصغّرة عن عالم عاقل، لا يتركه نهبًا للتَّخْمين، ويهمس له باستمرار أنَّ هناك ترتيبًا ممكنًا، وأن الخطأ ليس نهاية الرحلة وأنه جزء من هندستها. من هذه الزاوية، يكشف GPS عن ميل حضاري عميق إلى استبدال الحدس البشري بإرشاد خارجي، وإلى تحويل الحرية من مغامرة مفتوحة إلى مسار محسوب مُسبقًا.

    يحمل هذا الاطمئنان في طياته مفارقة دقيقة؛ لأن الإنسان كلما سلّم أمره لصوت الآلة، خسر شيئًا من مهارته القديمة في قراءة العالَم. لقد كان يهتدي بالشمس، وبالنجوم، وبالعلامات الصغيرة التي تتركها الأمكنة في الذاكرة، أما اليوم فقد صار يميل إلى الثقة فيما تقوله الشاشة أكثر من ثقته فيما تراه عيْناه.

    المرشد الأزرق وقلق الكائن الحديث

    من هنا يبرزُ سؤال فلسفي حادّ: هل أنقذنا GPS من الضياع، أم أعاد تعريف الضياع على نحو جديد؟ ربما لم نعد نضلّ في الطرقات كما كنا من قبل، لكننا صرنا نرتبك سريعًا حين يغيب عنا هذا المرشد الإلكتروني، وكأن التقنية التي وعدتنا بالاستقلال دفعتنا، في الآن نفسه، إلى نوع مستحدث من التبعية الهادئة.

    ومع ذلك، لا ينبغي أن نقرأ هذه التجربة قراءة تشاؤمية محضة؛ لأن قيمة GPS تكمن أيضًا في كونه يفضح توْقَنا العميق إلى من يدلّنا، وإلى من يبدِّد غموض المسافات، إلى من يقول لنا إن المسير ممكن وإن الوصول ليس وهْمًا. ولعل دهشته الحقيقية لا تكمن في الأقمار الصناعية ولا في الخوارزميات ولا في دقة الحساب، وإنما في قدرته على مُلامسة منطقة حميمة في النفس البشرية: منطقة الخوف من الانقطاع، والرغبة في أن يصاحبنا صوت ما ونحن نعبر المجهول. لذلك لم يكن GPS جهازًا للاتجاه وحده، كانَ أيضا استعارة حديثة عن حاجة الإنسان الأزلية إلى المعنى، وتعبيرا عن أمله المستمر في أن يجد، وسط تشابك العالم، عقلًا يرشده، وصوتًا يُواسيه، وطريقًا لا يخُونه.

    كم هو مدهش أن يتحول الإنسان، هذا الكائن الذي رسم النجوم واكتشف البحار، إلى كائنٍ يرتبك أمام دائرةٍ زرقاء تدور على الشاشة. ليست الطمأنينة التي يمنحها ال GPS بريئة، إنها طمأنينة مشروطة: أنتَ مطمئنٌ ما دمتَ داخل النظام، وما دامت الإشارة قائمة، وما دُمت تطيع الصوت. أما خارج ذلك، فأنتَ كائنٌ مَنسيّ، خارج الخريطة، وخارج اليَقين.

    GPS حين تقودنا الآلة إلى أكثر من طريق

    فماذا يعني إذن أن نكسِب دقَّة الوُصول ونفقدَ شيئًا من يقظة الرُّوح؟ وهل يقرّبنا هذا الدَّليل الإلكتروني من العَالم فعلًا، أم يعلّمُنا أن نراه فقط من خلال شاشَته؟ ثم أيُّ معنى يبقى للطريق، إذا صار الإنسان يقطع المسافات آمنًا، لكنه يرتبكُ عند أول صمْتٍ للإشارة؟ ألاَ يدعونا ال GPS، في النهاية، إلى أن نسأل أنفسنا: هل نبحث عن الطريق فقط، أم نبحث عمّن يمنح رحلتنا ثقةً وَطمأنينة؟

    لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ارتفاع أسعار المحروقات يضع أسطول « سيارات المصلحة » تحت المجهر


    هسبريس – يوسف يعكوبي

    في ظل التقلبات الاقتصادية الراهنة والارتفاع المطّرد في أسعار المحروقات بمحطات المغرب عاد ملف “سيارات المصلحة” (سيارات الدولة) ليشكل مادة دسمة للنقاش العمومي.

    ومع تزايد الضغوط على ميزانية الدولة والقدرة الشرائية للمواطنين تعالت أصوات فعاليات مدنية وحقوقية للمطالبة بـ”قطيعة حقيقية” مع مظاهر “الريع” في استغلال الأسطول العمومي من السيارات، التي يجب أن تظل حصرًا للاستخدام المهني، واعتماد آليات رقابية رقمية كفيلة بضمان حكامة جيدة وتدبير أمثل للمال العام.

    الحكامة والفاعلية

    تؤكد إلهام بلفحيلي، الفاعلة المدنية في الشبكة المغربية للتحالف المدني للشباب، أن تدبير المحروقات المستهلكة من طرف سيارات الدولة يجب أن ينبني على مبدأ دستوري أصيل، وهو “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، مع “ضرورة تفعيل مبدأ الحكامة كركيزة أساسية”.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وترى بلفحيلي، ضمن حديثها لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “ترشيد هذا المجال كان ضرورة ملحة حتّى قبل الارتفاعات الحالية في الأسعار”، معتبرة أن ما يشهده الواقع من تبديد للمال العام ليس سوى نوع من “الريع المتفشي” الذي وجب القطع معه نهائياً، ومحذرة من أن “استمرار الوضع الحالي سيؤدي حتماً إلى تضاعف الضغط على ميزانية الدولة، وتزايد السخط المجتمعي الفاقدة بعضُ فئاته للثقة في مسؤولين عموميين”.

    وفي ما يخص الحلول العملية تطرَح الفاعلة الجمعوية ذاتها “مقترحات عمليّة” تبدأ بـ”ضرورة تقليص أسطول سيارات الدولة بنسبة 50%، ليقتصر فقط على المهام الإدارية المستعجلة”، كما أثارت اقتراحَ “اعتماد نظام تحديد المواقع ‘GPS’ على كافة السيارات، مدعوماً بـ’دفتر تتبع’ دقيق يسجل المسارات لضمان عدم استغلالها خارج نطاق الوظيفة”، مشددة على “أهمية تقديم الدولة القدوة في حماية البيئة عبر استبدال الأسطول الحالي بسيارات كهربائية لخفض التكلفة الطاقية والمادية”.

    وفي السياق ذاته انتقدت المتحدثة للجريدة، بحدّة، “الاستغلال الشخصي والحزبي لهذه السيارات”، واصفةً مشهد ركن “سيارات الدولة” أمام المقاهي ليلاً أو استخدامها في لقاءات حزبية بـ”الأمر المستفز” الذي يضرب ثقة الشباب في المؤسسات، وترى أن استمرار هذه الممارسات في وقت يعاني المواطن من تبعات تحرير المحروقات وغلاء المعيشة يعكس خللاً في منظومة العدالة الاجتماعية، حيث يواصل البعض استغلال سيارات المصلحة لأغراض شخصية بعيدة كل البعد عن روح المسؤولية.

    وخلصت المصرحة إلى أن “تفعيل المراقبة ليس عائقاً تقنياً، فالعديد من السيارات المكتراة حالياً تتوفر أصلاً على أنظمة تتبع، بل العائق الحقيقي هو غياب إرادة سياسية وأخلاقية للتنفيذ”، داعية إلى محاسبة حقيقية تنهي حالة “الفساد الذي يحمي نفسه”، وفق توصيفها، ومؤكدة أن “استنزاف المال العام بهذا الشكل الفج لم يعد مقبولاً تحت أي ظرف من الظروف، ويتطلب حزماً في تنزيل القوانين على أرض الواقع”.

    رقمنة شفافة

    سجل عبد الإله الخضري، فاعل حقوقي وباحث أكاديمي، “أهمية التوجه الحكومي نحو إرساء نظام رقمي لتتبع نفقات الموظفين”، معتبراً إياه “خطوة أولية نحو تعزيز الحكامة”؛ ومع ذلك يرى أن هذه الخطوة “ستظل منقوصة ما لم تندرج ضمن رؤية إصلاحية شاملة قائمة على الشفافية المطلقة، ومرتبطة بآليات واضحة للمحاسبة تضمن عدم إفلات المتجاوزين من الجزاء، بعيداً عن الحلول الترقيعية”.

    وربَط الخضري هذا الملف بالسياق الدولي المتقلب، حيث تشير التوقعات إلى “منحى تصاعدي في أسعار النفط نتيجة التوترات الجيوسياسية، ما ينعكس مباشرة على المغرب لاعتماده الكبير على الاستيراد الطاقي”؛ هذا الوضع، بحسبه، يفرض “استنفاراً وطنياً لترشيد النفقات، لأن أي زيادة في كلفة المحروقات العمومية تعني ضغطاً إضافياً على القدرة الشرائية للمواطنين، ما يضع الدولة أمام مسؤولية أخلاقية واقتصادية جسيمة”.

    وفي صلب نقاش العدالة الاجتماعية يوضّح المصرح عينه لهسبريس أن “نفقات سيارات الدولة لا تتوقف عند المحروقات، بل تمتد لتشمل الصيانة وسوء الاستعمال، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول نجاعة تدبير المال العام الذي يمثل رصيداً مشتركاً للمجتمع”، مبرزا أن “مطالبة المواطنين بتحمل تبعات الغلاء في مقابل استمرار الاختلالات في تدبير أسطول السيارات يمس بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ويقوض مبدأ التضامن الوطني في مواجهة الأزمات”.

    الحقوقي ذاته اختتم رؤيته بالتأكيد على أن “المرحلة تقتضي الانتقال من الإجراءات الظرفية إلى سياسات مستدامة ترتكز على الرقمنة الشفافة، ونشر المعطيات بشكل دوري للعموم”، مشددا على “ضرورة تقليص الأسطول الإداري إلى الحد الأدنى الضروري، ومنع كافة أشكال الاستعمال غير الرسمي، مع تسريع الانتقال نحو حلول طاقية بديلة”؛ كما يرى أن “ترشيد هذه النفقات أضحى ضرورة ملحة تقتضي إرادة سياسية قوية لتعزيز الثقة في المؤسسات وتكريس مبادئ دولة الحق والقانون”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • 119 مليار لجمع النفايات المنزلية وتنظيف الدار البيضاء بالذكاء الاصطناعي

    0

    كشفت وثائق مرتبطة بطلب منافسة أطلقته جماعة الدار البيضاء عن اقتراب المدينة من دخول مرحلة جديدة في تدبير مرفق النظافة وجمع النفايات المنزلية والمشابهة لها، وذلك مع اقتراب انتهاء عقود التدبير المفوض الحالية المبرمة مع شركتي “أفيردا” اللبنانية و”أرما” المغربية، المرتقب انقضاؤها خلال شهر مارس المقبل.

    وتفيد الوثائق المتعلقة بالصفقة الجديدة، والتي يتوفر عليها موقع “هاشتاغ” بأن جماعة الدار البيضاء حددت الكلفة التقديرية الإجمالية السنوية للخدمات في ما مجموعه مليار و194 مليونا و815 ألفا و910 دراهم، أي ما يفوق 119 مليار سنتيم، وهو رقم ضخم يعكس الوزن المالي الكبير لهذا الورش داخل العاصمة الاقتصادية، وحجم الرهان الموضوع على تحسين خدمات جمع النفايات والتنظيف داخل مختلف المقاطعات.

    وبحسب الوثائق ذاتها، جرى تقسيم الصفقة إلى أربعة حصص كبرى، تهم الحصة الأولى عمالتي مقاطعات الدار البيضاء أنفا والفداء مرس السلطان، بينما تشمل الحصة الثانية عمالتي مقاطعات الحي الحسني وعين الشق، وتهم الحصة الثالثة عمالتي مقاطعات بن امسيك ومولاي رشيد، فيما تشمل الحصة الرابعة عمالتي مقاطعات عين السبع الحي المحمدي وسيدي البرنوصي.

    وتكشف الأرقام الواردة في الملف أن الحصة الأولى استحوذت على أكبر غلاف مالي، بكلفة تقديرية سنوية تصل إلى 412 مليونا و593 ألفا و141 درهما، متبوعة بالحصة الثانية بـ292 مليونا و112 ألفا و163 درهما، ثم الحصة الرابعة بـ263 مليونا و363 ألفا و469 درهما، في وقت بلغت فيه الكلفة التقديرية للحصة الثالثة 226 مليونا و747 ألفا و137 درهما.

    وتنص وثائق الصفقة التي يتوفر عليها موقع “هاشتاغ” على تجهيز الشاحنات والوسائل المعتمدة بأنظمة تحديد المواقع “GPS”، إلى جانب معدات وكاميرات تستند إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، بهدف تتبع المسارات ومراقبة جودة الخدمات ورفع مستوى الصرامة في تدبير هذا المرفق الحيوي الذي ظل في قلب الانتقادات المرتبطة بوضع النظافة داخل العاصمة الاقتصادية.

    وتأتي هذه الصفقة في ظرفية دقيقة، بالنظر إلى أن ملف النظافة ظل واحدا من أكثر الملفات استنزافا للميزانية الجماعية وإثارة للنقاش العمومي، سواء من حيث الكلفة المالية أو من حيث جودة الخدمات المقدمة على الأرض.

    كما يعيد هذا الورش إلى الواجهة أسئلة الحكامة والنجاعة وربط الإنفاق العمومي بمؤشرات الأداء الفعلي، لاسيما في مدينة بحجم الدار البيضاء، حيث يتحول ملف جمع النفايات إلى امتحان يومي لمدى قدرة الجماعة على فرض دفتر تحملات صارم وضمان تنفيذ فعلي يرقى إلى حجم الاعتمادات المرصودة.

    وفي انتظار حسم مسار طلب المنافسة واختيار الشركات التي ستفوز بهذه الحصص الأربع، تبدو جماعة الدار البيضاء أمام اختبار ثقيل جديد، عنوانه الكبير: هل ستنجح الصفقة الجديدة في طي صفحة أعطاب الماضي وفرض نموذج أكثر نجاعة، أم أن المدينة ستواصل الدوران في الحلقة نفسها تحت أرقام أكبر وكلفة أضخم؟

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تباطؤ سرعة دوران الأرض.. أيامنا تطول بوتيرة غير مسبوقة منذ 3.6 مليون سنة

    تشهد الأرض ظاهرة فريدة تتعلق بسرعة دورانها حول محورها، إذ تشير دراسة علمية حديثة إلى أن طول اليوم يزداد بوتيرة لم تسجل منذ 3.6 مليون سنة، في تحول يربطه العلماء مباشرة بتغير المناخ وذوبان الجليد القطبي.

    ورغم أنه من المفترض أن يستغرق دوران الأرض دورة كاملة خلال 24 ساعة، فإن الواقع أكثر تعقيداً؛ فطول اليوم يتغير بقدر ضئيل جداً بفعل عوامل جيولوجية وجاذبية القمر وحركات الغلاف الجوي والمحيطات.

    وقد برزت هذه الظاهرة بشكل واضح في يوليو وأغسطس 2025 عندما أدى اقتراب القمر من الأرض إلى إطالة اليوم بأكثر من 1 ملي ثانية، وفقاً لما ذكره موقع « IFLScience ».

    لكن ما يقلق العلماء اليوم ليس تغيراً مؤقتاً، بل اتجاه طويل المدى سببه تغير المناخ الذي يذيب الكتل الجليدية المتراكمة منذ آلاف السنين. ومع تحول هذا الجليد إلى مياه تتوزع عبر المحيطات وترفع مستوى البحار، تتغير كتلة الأرض وتتجه نحو خط الاستواء، ما يؤدي إلى إبطاء دوران الكوكب.

    ويشبه العلماء هذا التأثير بحركة لاعبي التزلج الفني: عندما يمدون أذرعهم إلى الخارج، تتباطأ سرعتهم، وعندما يضمونها تزداد سرعتهم. فالجليد في القطبين قريب من محور دوران الأرض، وحين يذوب ويتجه نحو الأطراف (خط الاستواء)، تتباطأ حركة الأرض بنفس الآلية.

    ما يحدث اليوم لم يسبق له مثيل

    البحث الجديد الذي أجراه علماء من جامعة فيينا والمعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich)، سعى إلى معرفة ما إذا كانت الأرض قد شهدت في الماضي تباطؤاً مشابهاً في دورانها. وبالاعتماد على بيانات تمتد منذ أواخر العصر البليوسيني، كانت النتيجة واضحة:

    الوتيرة الحالية لطول اليوم غير مسبوقة خلال 3.6 مليون سنة.

    وقال الباحث من جامعة فيينا، مصطفى كياني شاهواندي: « أظهرنا في أبحاث سابقة أن ذوبان الجليد المتسارع في القرن الحادي والعشرين يرفع مستوى البحار ويبطئ دوران الأرض، تماماً كالمتزلج الذي يبطئ دورانه حين يمد ذراعيه. »

    وأضاف: « لكن ما لم يكن معروفاً هو ما إذا كانت هناك فترات سابقة ارتفع فيها طول اليوم بالسرعة نفسها… واليوم نؤكد أن ذلك لم يحدث. »

    وخلصت الدراسة إلى أن طول اليوم يزداد حالياً بمعدل 1.33 ملي ثانية لكل قرن، وهو معدل يرتبط بشكل مباشر بإعادة توزيع الكتلة بسبب ذوبان الجليد. ويرى العلماء أن هذا التباطؤ سيزداد مع استمرار ارتفاع حرارة الأرض خلال العقود المقبلة.

    وأكد أستاذ الجيوديسيا الفضائية في « ETH Zurich »، بنديكت سوجا: « الزيادة الحالية في طول اليوم تشير إلى أن تغير المناخ الحديث لا مثيل له منذ 3.6 مليون سنة، وأن العامل البشري هو المحرك الرئيسي لهذا التغير. »

    وحذر من أن تأثير المناخ على دوران الأرض سيكون، بنهاية القرن الحالي، أقوى حتى من تأثير القمر على حركة الكوكب، رغم أن التغيرات تقاس بالمللي ثانية.

    تغير بمقدار « جزء من ألف جزء من الثانية » لن يلحظه البشر في حياتهم اليومية. لكن الخطر الحقيقي يكمن في التقنيات الحساسة للوقت، مثل، أنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية (GPS)، وشبكات الاتصالات، وأسواق المال عالية السرعة، وأنظمة الملاحة الفضائية التي تتطلب تحديداً دقيقاً لدوران الأرض.

    فأي انحراف ولو بسيط بمقدار بضعة أجزاء من المللي ثانية، يمكن أن يؤدي إلى خلل في التوقيت الدقيق الذي تعتمد عليه هذه الأنظمة.
      العلم الإلكترونية – وكالات

    إقرأ الخبر من مصدره