Étiquette : soft power

  • المغرب قوة ذكية


    إدريس القري
    في قلب التحولات الدولية: المغرب قوة إقليمية ذكية داخل عالم متعدد الأقطاب تمهيد

    دخل العالم بعمق اليوم مرحلة انتقالية عميقة، تتراجع فيها الأحادية القطبية التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة، في الوقت الذي تتشكل فيه بالتدريج ملامح نظام دولي أكثر تعقيداً وتعدداً في مراكز القوة والنفوذ. وتدفع هذه التحولات مختلف الدول إلى إعادة تعريف مصالحها وتحالفاتها وأدوارها، داخل بيئة دولية مضطربة تتداخل فيها الحروب والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والأمن الغذائي والثقافة والصراع على النفوذ.

    وتكشف التطورات التي تعرفها أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، أن العالم لم يعد يتحرك وفق يقين سياسي واحد أو مركز قيادة أوحد، بل أصبح العالم مفتوحاً اليوم على توازنات جديدة وصراعات مرنة وتحالفات متحركة. وفي قلب هذه التحولات تبرز المملكة المغربية باعتبارها واحدة من أكثر النماذج الإقليمية قدرة على التكيف الذكي مع التحولات الكبرى، دون السقوط في الارتباك أو في التبعية أو في وضعية المغامرة غير المحسوبة.

    يعود ذلك إلى تراكم رؤية استراتيجية طويلة النفس، وإلى اعتماد سياسة خارجية واقعية ومتوازنة، وإلى استثمار ناجحٍ للجغرافيا وللتاريخ وللاستقرار المؤسسي، وإلى الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية والأمنية الملكية البعيدة النظر.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} عالم يتغير بسرعة

    تعيش أوروبا منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية الجارية، واحدة من أعقد مراحلها السياسية والاقتصادية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد عادت أسئلة الأمن والطاقة والحدود والهوية لتفرض نفسها بقوة على المشروع الأوروبي، بينما تواجه الولايات المتحدة تحديات داخلية وخارجية تقلص قدرتها على التحكم المنفرد في مسارات النظام العالمي.

    وفي المقابل، تواصل الصين تعزيز قوتها الاقتصادية والتكنولوجية، في الوقت الذي تسعى فيه روسيا إلى إعادة تثبيت حضورها الجيوسياسي، بينما تتحرك قوى أخرى مثل الهند وتركيا والبرازيل والسعودية، من أجل بناء مواقع أكثر استقلالية داخل التوازنات الدولية الجديدة.

    يشير هنري كيسنجر إلى أن “النظام الدولي لا يستقر إلا عندما تنجح القوى الكبرى في بناء توازن قابل للاستمرار” (Henry Kissinger, World Order). كما يؤكد صامويل هنتنغتون أن “الصراعات المقبلة ستكون مرتبطة بالثقافات والهويات بقدر ارتباطها بالمصالح السياسية” (Samuel Huntington, The Clash of Civilizations).

    وتجعل هذه التحولات من الذكاء الاستراتيجي عنصراً حاسماً في بقاء الدول وصعودها، وهو ما تبدو المملكة المغربية واعية به بشكل متزايد خلال السنوات الأخيرة.

    المغرب ومنطق الدولة الهادئة

    تبني المملكة المغربية موقعها الدولي وفق منطق الدولة الهادئة، التي تتحرك بثقة وواقعية بعيداً عن الشعبوية السياسية وعن الخطابات العدائية المتهورة. فهي لا تدخل في صدامات عبثية، ولا تستهلك طاقتها في معارك إعلامية فارغة، بل تركز على بناء التراكمات الاقتصادية والدبلوماسية والمؤسساتية، التي تضعها على طريق القوى الاقتصادية والسياسية الصاعدة.

    نجحت المملكة المغربية خلال العقد الأخير في تطوير شبكة واسعة من العلاقات الدولية المتوازنة، تجمع بين الشراكة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والانفتاح على الصين وروسيا والهند وأفريقيا والخليج.

    وتستفيد المملكة المغربية علاوة على ذلك من موقعها الجغرافي الفريد بين أوروبا وأفريقيا والأطلسي والمتوسط، كما تستفيد من استقرارها السياسي ومن قدرتها على لعب أدوار الوساطة والتنسيق الأمني في الهجرة والطاقة.

    ويؤكد برتران بادي أن “الدول الذكية ليست بالضرورة الأقوى عسكرياً، بل الأكثر قدرة على تحويل الجغرافيا والدبلوماسية إلى نفوذ فعلي” (Bertrand Badie, Le Temps des Humiliés). ، لذا تبدو المملكة المغربية اليوم قريبة من هذا النموذج في إدارة علاقاتها الدولية.

    قضية الصحراء المغربية

    تشكل قضية الصحراء المغربية المحور الأساسي داخل العقيدة الدبلوماسية المغربية، وقد شهد هذا الملف خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة لصالح الموقف المغربي.

    فقد تمكنت المملكة المغربية من إقناع عدد متزايد من الدول بجدية مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، كما شهدت مدينتا العيون والداخلة افتتاح قنصليات لدول أفريقية وعربية وأجنبية عديدة في دلالة سياسية واضحة على التحول الذي تعرفه المواقف الدولية.

    ويحمل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء أهمية استراتيجية خاصة، بالنظر إلى ثقل الولايات المتحدة داخل النظام الدولي. كما ساهمت الدبلوماسية المغربية في نقل الملف من منطق الجمود إلى منطق المبادرة السياسية والتنموية.

    ويقول الملك محمد السادس: “قضية الصحراء هي النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم” (محمد السادس، خطاب ثورة الملك والشعب). يكشف هذا التصور عن مركزية القضية الوطنية داخل الرؤية الاستراتيجية المغربية.

    كما تربط المملكة المغربية بين الدفاع السياسي عن الصحراء وبين الاستثمار الاقتصادي والتنموي داخل الأقاليم الجنوبية، من خلال مشاريع الموانئ والطاقة والبنية التحتية والربط الأفريقي الأطلسي الاستراتيجي.

    الخليج والشرق الأوسط

    تعرف منطقة الخليج والشرق الأوسط، بدورها، تحولات متسارعة بفعل التوترات المرتبطة بالصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي، وما تخلقه من مخاوف أمنية واقتصادية واستراتيجية كبرى وخطيرة.

    وقد أدت هذه التحولات إلى إعادة تفكير العديد من دول الخليج في طبيعة تحالفاتها التقليدية، وفي حدود الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية. لذلك تتجه هذه الدول نحو تنويع شراكاتها الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية.

    تستفيد المملكة المغربية من هذه التحولات عبر تعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري والسياسي داخل الفضاء الخليجي، مع الحفاظ على قدر من الاستقلالية في مواقفها الدبلوماسية.

    كما تظهر المملكة المغربية كدولة مستقرة ومعتدلة، قادرة على بناء التوازنات والحفاظ على قنوات الحوار مع أطراف متعددة، وهو ما يمنحها مكانة متزايدة داخل المنطقة من المنظور الاستراتيجي.

    أفريقيا كأفق استراتيجي

    أدركت المملكة المغربية مبكراً أن أفريقيا ستكون إحدى أهم ساحات النمو والتأثير خلال العقود المقبلة، لذلك جعلت القارة محوراً مركزياً في استراتيجيتها الخارجية.

    عززت المملكة المغربية في هذا السياق حضورها البنكي والاستثماري والطاقي والديني والثقافي، داخل عدد كبير من الدول الأفريقية، كما شكلت عودتها إلى الاتحاد الأفريقي خطوة استراتيجية مهمة في إعادة تموقع المملكة قارياً.

    يحمل مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري، من جهة أخرى، دلالات جيوسياسية واقتصادية كبرى، لأنه يربط غرب أفريقيا بالفضاء الأطلسي والأوروبي، ويمنح المملكة المغربية موقعاً متقدماً داخل خرائط الطاقة المستقبلية.

    ويؤكد جيفري ساكس أن “أفريقيا ستكون أحد أهم فضاءات النمو الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين” (Jeffrey Sachs, The End of Poverty) . تبدو المملكة المغربية واعية بهذا التحول، لذلك فهي تراهن على بناء شراكات طويلة النفس داخل القارة.

    القوة الناعمة

    لا تبني المملكة المغربية نفوذها عبر الاقتصاد والأمن والدبلوماسية فقط، بل إنها تراهن أيضاً على القوة الناعمة من خلال الثقافة والفنون والسياحة والرياضة والتعدد اللغوي والديني.

    وقد ساهمت صورة المملكة المغربية كفضاء للاستقرار والانفتاح في تعزيز جاذبيتها الدولية، كما لعبت المهرجانات الثقافية والسينما والرياضة والسياحة – موازين، مهرجان مراكش الدولي للفيلم، مهرجان فاس للموسيقى الروحية… إنجازات الفرق الوطنية لكرة القدم عالميا … إشعاع مدينة مراكش عالميا …. – دوراً مهماً في بناء حضورها الرمزي.

    يحمل تنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال دلالات تتجاوز الرياضة، نحو ترسيخ صورة المملكة المغربية كفاعل متوسطي وأفريقي قادر على التنظيم والانفتاح والاستثمار في المستقبل.

    يقول جوزيف ناي إن “القوة الناعمة تجعل الآخرين يريدون ما تريده أنت دون إكراه مباشر” (Joseph Nye, Soft Power). وتستثمر المملكة المغربية هذا البعد بشكل متزايد ضمن استراتيجيتها الدولية.

    خاتمة

    لا يخلو المسار المغربي من تحديات اقتصادية واجتماعية وتعليمية وثقافية تحتاج إلى إصلاحات عميقة ومتواصلة، غير أن ما يميز التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة هو قدرتها على التفكير الاستراتيجي الطويل النفس، وعلى تحويل الأزمات الدولية إلى فرص لإعادة التموضع والتوسع.

    وتبدو المملكة المغربية اليوم أكثر إدراكاً لحقيقة العالم الجديد الذي يتشكل أمامها، عالم لا يرحم الدول المرتبكة أو المنغلقة أو العاجزة عن التكيف. لذلك تواصل المملكة بناء موقعها الإقليمي والدولي بهدوء وبثقة، مستفيدة من التحولات الدولية بدل الارتهان لها.

    قد لا تصبح المملكة المغربية قوة عظمى بالمعنى التقليدي، لكنها تمتلك فرصاً حقيقية لتصبح قوة إقليمية ذكية ومؤثرة داخل أفريقيا والفضاء المتوسطي والأطلسي، وهي مكانة بدأت ملامحها تتشكل بالفعل داخل النظام العالمي الجديد، من خلال كل المبادرات البنيوية الملكية التي تدخل عقدها الثالث في التغلغل والثبات الاستراتيجي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • محاولات سطو الجزائر على التراث المغربي .. صراع ثقافي وتشويش رمزي


    محمد بنطلحة الدكالي*

    ينظر إلى محاولات الاستحواذ على بعض عناصر التراث الوطني من طرف الجزائر، في كثير من الأحيان، بنوع من السخرية أو الاستخفاف، وتختزل في كونها مجرد ردود فعل ناتجة عن عقدة نقص أو غيرة مرضية، أو كمحاولات تقليد بسيطة لا تستحق أكثر من التعليق العابر. غير أن هذا التبسيط يحجب أبعادا أعمق لهذه الظاهرة ويفرغها من سياقها الحقيقي، لأنه يتجاوز أن ما يحدث لا يمكن فهمه بقراءة سطحية فقط، بل ينبغي وضعه ضمن سياق أوسع وأكثر تعقيدا، حيث تتحول الثقافة إلى مجال للتنافس، وتغدو الرموز أدوات فاعلة في تشكيل موازين التأثير.

    في هذا السياق تقدم الأدبيات الحديثة مفهوما تفسيريا مهما هو القوة الناعمة (Soft Power)، الذي صاغه جوزيف ناي Joseph Nye، ويعني قدرة الدول على تحقيق مصالحها عبر الجاذبية والإقناع بدل الإكراه. فالثقافة، بما تحمله من رموز ومعان، تتحول إلى أداة تأثير في تشكيل الصورة الذهنية للدول. ومن هذا المنطلق يصبح التراث الثقافي ليس مجرد موروث، بل رصيدا رمزيا يستخدم لتعزيز الحضور وإبراز الخصوصية. وعندما ينجح بلد في تثبيت عناصره التراثية ضمن مؤسسات دولية فإنه لا يقتصر على حفظ ماضيه، بل يعزز حضوره الرمزي ويقوي صورته على المستوى الثقافي.

    هنا تبرز أهمية منظمة اليونسكو، ليس باعتبارها جهة تمنح “ملكية” قانونية، بل باعتبارها مؤسسة تنتج الاعتراف الدولي. فوفق اتفاقية 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي تمر عملية تسجيل أي عنصر عبر مسار دقيق يبدأ بإدراجه ضمن الجرد الوطني، ثم إعداد ملف علمي يتضمن توثيقا تاريخيا وتقنيا، وإثبات وجود ممارسة حية داخل المجتمع، وإشراك الحرفيين والفاعلين المعنيين، مع تقديم خطة واضحة للحفاظ عليه. بعد ذلك يخضع الملف لتقييم خبراء دوليين، قبل أن يعرض على لجنة حكومية دولية (Comité intergouvernemental) تتخذ القرار النهائي. هذا المسار لا يمنح احتكارا قانونيا، لكنه يمنح ما هو أكثر تأثيرا: شرعية مؤسساتية، ومرجعية معترف بها دوليا، وإشعاعا واسعا.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وقد برزت أهمية هذا المسار من خلال عدد من الملفات الحديثة، ففي دجنبر 2020 تم تسجيل “المعارف والمهارات المرتبطة بالكسكس” ضمن ملف مشترك بين المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا، وهو ما يعكس طبيعته كتراث متقاسم ويبرز حضور المغرب فيه كجزء أصيل ومتميز من هذا الفضاء الثقافي. وفي 10 دجنبر 2025، خلال الدورة العشرين للجنة الحكومية الدولية المنعقدة بنيودلهي، تم تسجيل القفطان المغربي كعنصر خاص بالمغرب، وهو اعتراف مهم بمنظومة تقليدية متكاملة تشمل الحياكة والتطريز ووظائف اللباس داخل المجتمع المغربي.

    أما الزليج فقد دخل بدوره مسار التثبيت الدولي، إذ أطلق المغرب في نونبر 2025 مشروع تسجيل “فن الزليج بفاس وتطوان”، قبل أن تظهر مؤخرا معطيات تفيد بتقديم شكاية لدى اليونسكو على خلفية محاولة السطو على هذا الفن من طرف الجزائر وإعادة تقديمه بصيغ قد تحدث لبسا حول أصله، وهو ما يعكس انتقال هذا الملف من النقاش الإعلامي إلى مستوى الترافع المؤسساتي.

    في هذا السياق لا يمكن فهم محاولات الاستحواذ على بعض عناصر التراث المغربي من طرف الجزائر كوقائع معزولة، بل كجزء من دينامية أوسع تسعى إلى التأثير في السرديات وإحداث نوع من التشويش الرمزي. وهنا تبرز فكرة أساسية: لم تعد الصراعات بين الدول تقتصر على الأدوات العسكرية أو الدبلوماسية التقليدية، بل امتدت أيضا إلى مجالات ذات طابع ثقافي، حيث يصبح التنافس قائما حول المعاني والرموز بقدر ما هو قائم حول المصالح المادية؛ فالمسألة لا تتعلق بإثبات امتلاك فعلي لعناصر التراث، بقدر ما تتعلق بإدخالها في منطقة رمادية تجعل إدراكها أقل وضوحا لدى المتلقي الدولي. وهذا بالضبط ما يمنح هذه الملفات أهميتها، لأنها تعكس شكلا من أشكال الصراع الثقافي الممنهج، الذي لا ينبغي التقليل من دلالاته أو الاستخفاف بأثره.

    غير أن التحدي لا يأتي فقط من الخارج، بل يرتبط أيضاً بكيفية تعاملنا نحن مع هذا التراث. وفي هذا الإطار، ورغم أن اشتغال عدد من الحرفيين المغاربة في مشاريع خارجية، خاصة في مجالات الزخرفة والترميم، يعكس قيمة الخبرة المغربية وحجم الطلب عليها، فإنه قد يتحول، في غياب تأطير واضح، إلى قناة غير مباشرة لنقل معارف دقيقة قابلة لإعادة التوظيف أو الاستنساخ. كما ساهمت المنصات الرقمية في توسيع نطاق التعريف بالفنون والمهارات التقليدية المغربية ونشرها على نطاق واسع، وهو ما يعزز إشعاعها الثقافي ويقوي حضورها، غير أن هذا الانفتاح نفسه يواكبه، في بعض الحالات، كشف جزء من التفاصيل التقنية الدقيقة المرتبطة بهذه الحرف، بما يجعل بعض معارفها قابلة للانتقال خارج أطرها التقليدية. لذلك يظل من الضروري اعتماد مقاربة متوازنة تحافظ على دينامية التعريف والانفتاح، مع قدر من الوعي في كيفية تقديم هذه المعارف، بما يضمن استمرارها داخل إطارها المهني والثقافي السليم.

    ومن هنا يصبح التعامل مع هذه المرحلة مسؤولية تتطلب تحقيق توازن دقيق بين الانفتاح والحماية. فمن الضروري تسريع وتيرة توثيق التراث وتسجيله، وتعزيز حضوره داخل المؤسسات الدولية، إلى جانب تطوير أدوات قانونية لحماية المعارف التقليدية. وفي الوقت نفسه ينبغي توجيه المحتوى الرقمي بقدر أكبر من الوعي، بحيث يسهم في التعريف دون إتاحة تفاصيله التقنية الدقيقة خارج إطارها المهني. كما يقتضي الأمر التفكير في تأطير نقل الخبرات الحرفية بما يحافظ على قيمتها ويحد من استغلالها خارج سياقها الأصلي، فضلاً عن دعم البحث العلمي وبناء أرشيف موثق يعزز المرجعية المغربية.

    في النهاية، لا يتعلق الأمر بردود فعل ظرفية أو جدل عابر، بل بوعي بطبيعة هذا المجال وحدوده؛ فما يحدث ليس أمرا بسيطا يمكن تجاهله، بل يندرج ضمن أشكال الصراع الثقافي التي تستدعي الانتباه والتعامل معها بجدية. ومع ذلك فإن هذا التحدي لا يضع المغرب في موقع ضعف، لأن قوته لا تقوم على الخطاب أو الملفات فقط، بل على عمق تاريخي، وممارسة حية، ومنظومة متكاملة من الحرفيين والمؤسسات، وهندسة معمارية دقيقة، وخبرة متراكمة ومهارة متوارثة عبر قرون. لذلك فإن هذه المحاولات، رغم ما تحمله من دلالات، تظل محدودة الأثر أمام تراث ضارب في عمق التاريخ ومتجذر في الممارسة الحية، لا تتغير هويته بإعادة عرضه ولا تنتقل ملكيته بالادعاء، بل يظل مرتبطا بأرضه ومجتمعه وامتداده الحضاري.

    ومن هذا المنطلق فإن حماية التراث لم تعد مسألة اعتزاز رمزي فحسب، بل أصبحت عملا منهجيا قائما على التوثيق والتأطير والحضور الفعلي داخل المؤسسات الدولية؛ فالتفوق في هذا المجال هو الضامن الحقيقي لبقاء التراث في سياقه الصحيح، لأن من ينظم معارفه ويثبتها عمليا هو الأقدر على منع إعادة توظيفها خارج أصلها، وصونها من أي التباس أو تحريف.

    أستاذ علم السياسة بجامعة القاضي عياض مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • كيف نربح رهان السردية؟


    محمد بنطلحة الدكالي

    عندما تستضيف الدول تظاهرات رياضية كبرى، أو تنجز مشاريع تحول اقتصادي وبنيوي، فإن نجاح هذه المبادرات لا يقاس فقط بجودتها التقنية أو بحجم الاستثمارات المرصودة لها، بل بقدرتها على أن تندرج داخل قصة مفهومة لدى الداخل والخارج. لقد أظهرت تجارب متعددة أن التظاهرات العالمية الكبرى، والمبادرات التاريخية الفاصلة، لم تستمد قوتها من حجمها المادي فقط، بل من القصة التي رافقتها وصاغت معناها بوصفها تحولا دالا داخل مسار أوسع.

    في عالم يتسارع فيه الخبر إلى درجة تفوق قدرة الناس على الاستيعاب، لم يعد التأثير مرتبطا فقط بحجم ما ينجز، بل بقدرة الفاعل على تفسير ما ينجز، إذ تتكاثر الأحداث اليوم بسرعة، لكنها لا تترسخ في الذاكرة الجماعية إلا إذا وجدت قصة تحتويها، وسياقا يربطها بغيرها، ومعنى يجعلها قابلة للفهم والاستمرار. هنا تبرز السردية، لا باعتبارها حكاية تروى، بل بوصفها إطارا لتحويل الوقائع إلى معنى، أي عملية تنظيم دلالي للأحداث (Narrative Construction) وتوجيه لإدراكها داخل الوعي الجماعي (Perception Framing).

    تبرز أهمية السردية بشكل خاص عند التعامل مع التحديات والأحداث الكبرى، التي تشكل لحظات مكثفة من حيث الدلالة الرمزية. هذه اللحظات لا تكتسب معناها من حجمها أو من صداها الإعلامي، بل من موقعها داخل قصة أوسع. السردية هي التي تحدد ما إذا كان الحدث سيتحول إلى محطة دالة ضمن مسار ممتد، أم سيظل مجرد واقعة آنية قابلة للاستهلاك السريع.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    في السياق المغربي، تبرز هذه الأهمية بوضوح من خلال تجربة تنظيم كأس إفريقيا لكرة القدم ببلادنا مؤخرا، والتي شكلت محطة تنظيمية ناجحة بكل المقاييس، عكست قدرة عالية على التدبير والاحترافية، لكنها لم تواكب بقوة سردية قادرة على تأطير هذا النجاح وقراءته داخل مسار أوسع، خاصة في سياق إقليمي وإعلامي اتسم بقدر كبير من العدوانية وسوء التأويل. وهو ما يجعل من هذه التجربة فرصة مهمة لاستخلاص الدروس، وتطوير الأداء السردي، استعدادا للمحطة المقبلة حين تنظيم كأس العالم 2030 ببلادنا. هذا الحدث لا يمثل مجرد تظاهرة رياضية، بل لحظة سردية بامتياز، إذ ينبغي أن يدرج ضمن قصة طويلة عن مسار تنموي متدرج، واستثمار في البنية التحتية، وتعزيز للتموقع الإقليمي، وبناء صورة بلد قادر على تنظيم تظاهرات كبرى بثقة واستمرارية، عوض أن يختزل في حدث احتفالي ظرفي ينتهي بانتهاء المنافسات.

    إن السردية، في معناها التحليلي الدقيق، لا تتعلق بسرد الوقائع كما هي، بل بكيفية بنائها داخل قصة كبرى تمنحها الاتساق والاتجاه، وهي بذلك تشتغل بوصفها آلية لصناعة المعنى (Meaning-Making) وبنية تفسيرية تسمح بفهم ما يحدث ولماذا يحدث، وكيف ينبغي إدراجه ضمن مسار أوسع. من هذا المنظور، لا تكون السردية مجرد خطاب، بل إطارا معرفيا ينظم العلاقة بين الفعل وتأويله، وبين الحدث وتمثله الرمزي عبر الزمن.

    بهذا المعنى، أصبحت السردية مكونا مركزيا في مقاربات القوة الناعمة (Soft Power)، لا بوصفها أداة خطابية مستقلة، ولا كبديل عن الفعل السياسي أو الاقتصادي، بل باعتبارها الإطار الذي يمنح هذا الفعل قابلية للفهم داخل الفضاء العمومي. السردية لا تصنع الوقائع ولا تضخمها، وإنما تنظم معناها وتؤطر إدراكها. من هنا تنبع أهميتها، لا لأنها الأعلى صوتا، بل لأنها الأقدر على البقاء، وعلى توجيه القراءة الجماعية للأحداث عبر الزمن.

    في بعدها السياسي والثقافي، تفهم السردية باعتبارها بنية تفسيرية (Interpretive Framework) تسمح للجمهور بفهم ما يحدث ولماذا يحدث، وكيف ينبغي إدراجه ضمن مسار أوسع. فهي لا تقدم وقائع معزولة، بل تبني منطق ربط بينها، وتحدد ما يبدو منسجما أو شاذا، متوقعا أو استثنائيا. ولهذا تختلف السردية جذريا عن التواصل (Communication) الذي يهدف إلى نقل رسالة محددة، وعن الصورة (Image) التي تنتج انطباعا لحظيا وسريعا. السردية تشتغل على مستوى أعمق، وتسعى إلى بناء إدراك طويل المدى يقوم على التراكم والاستمرارية لا على الأثر الفوري.

    ضمن هذا المنطق، تؤدي السردية دور الوسيط بين الفعل وتمثله الرمزي، فالفعل مهما بلغت جودته، لا يكتسب معناه تلقائيا، بل يقرأ داخل قصص وسياقات وإطارات تفسيرية. هنا تتجلى وظيفة السردية في خلق الاتساق بين ما ينجز وما يفهم، وفي ربط اللحظي بالبنيوي، والجزئي بالكلي.

    غير أن السردية، إذا تركت دون هندسة واعية، تصبح هشة وقابلة للاختراق. أول مظاهر هذا الضعف يتمثل في الارتهان للحظة، أي إنتاج سرديات ظرفية دون امتداد زمني، ما يمنع تشكل تراكم سردي (Narrative Accumulation). وثانيها الخلط بين السرد والترويج، حيث يتحول تنظيم المعنى إلى عملية تلميع، فتفقد السردية عنصر المصداقية. وثالثها الانغلاق الثقافي واللغوي، حين تنتج السردية داخل أفق واحد، وتفترض قابليتها للفهم خارجيا دون تكييف أو إعادة بناء.

    في هذا السياق، يطرح دور المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي إشكالا دقيقا داخل رهان بناء السردية. فالمؤثرون يشتغلون أساسا ضمن منطق اقتصاد الانتباه (Attention Economy)، حيث تكمن قوتهم في توسيع دائرة الوصول، وتسريع تداول المحتوى (Virality)، وخلق لحظات تفاعل عالية الكثافة. وبهذا المعنى، يساهمون في نقل السرد أكثر مما يشاركون في بنائه، إذ يضخمون رسالة قائمة دون أن يصوغوا إطارها التفسيري (Interpretive Frame). ورغم فائدتهم من حيث الانتشار، يظل أثرهم محدودا بسبب قصر العمر الزمني للمحتوى، وهشاشة المصداقية المرتبطة أحيانا بالشهرة أو الإشهار، إضافة إلى الارتهان للخوارزميات التي تجعل النجاح ظرفيا وغير قابل لبناء إدراك طويل المدى.

    ولا يصبح دور المؤثرين إيجابيا إلا عندما يندمج ضمن هندسة سردية أوسع (Narrative Architecture)، حيث لا يطلب منهم المدح أو الترويج، بل سرد التجربة، والعمل داخل منظومة متناسقة، واستعمالهم كوسائط لتكبير السرد (Narrative Amplifiers) لا كمنتجين للمعنى.

    وفي حالات نادرة، قد يتحول بعضهم إلى رواة (Narrators) إذا امتلكوا عمقا معرفيا، واستقلالية في الموقف، وقدرة على الاستمرارية، غير أن ذلك يظل استثناء لا قاعدة.

    في المقابل، يمكن للمؤثرين أن يتحولوا إلى عامل إضعاف حقيقي للسردية حين يشتغلون خارج أي إطار تفسيري منظم، لأن السعي إلى الضجيج الرقمي” البوز” ، أو إلى السخرية، أو إلى تضخيم الوقائع الهامشية بحثا عن الإثارة، يؤدي إلى اختزال قضايا معقدة في صور سطحية قابلة للاستهلاك السريع. في هذه الحالة، لا تتعرض السردية للتشويه من الخارج فقط، بل للتآكل من الداخل، حيث يستبدل تنظيم المعنى بمنطق التهكم، ويكسر الاتساق التفسيري (Narrative Coherence) الضروري لبناء إدراك متماسك. كما يسهم بعض المؤثرين، أحيانا دون وعي، في ترويج سرديات عدائية أو فرض قراءاتهم الخاصة بدافع التميز والاعتراف الرقمي، مما يخلق تشويشا في الإطار المرجعي العام ويضعف التراكم السردي.

    إن تطوير الأداء السردي يقتضي الانتقال من الارتجال إلى المنهج، وبناء أطر تفسيرية مسبقة، والعمل بمنطق التراكم لا القطيعة، كما يتطلب قدرة مستمرة على التكييف دون التفريط في الاتساق العام، لأن السردية الجامدة تفقد قدرتها على التفاعل مع الواقع، بينما السردية المتقلبة تفقد هويتها.

    في المحصلة، لا تشكل السردية بديلا عن الفعل، لكنها الشرط الذي يمنح الفعل معناه وقابليته للاستمرار. في زمن تتكاثر فيه الأحداث وتتسارع، يصبح تنظيم المعنى مسألة استراتيجية. فالسردية القوية لا تقوم على الضجيج ولا على المبالغة، بل على الوضوح، والتراكم، والقدرة على تفسير الذات بهدوء. ومن ينجح في بناء هذا النوع من السرد، لا يفرض روايته على الآخرين، بل يجعلها الإطار الطبيعي الذي يقرأ الواقع من خلاله.

    ولا يقتصر رهان السردية على مواكبة التظاهرات أو إبراز الإنجازات، بل يمتد إلى مستوى التموقع الجيوسياسي ضمن منطق القوة الناعمة. فالدول لا تقاس فقط بما تنجزه، بل أيضا بالقصص التي تؤطر حضورها وتحدد موقعها الرمزي في العالم. وفي هذا المستوى، تصبح السردية أداة استراتيجية لترسيخ النفوذ وبناء الثقة على المدى الطويل.

    -أستاذ علم السياسة بجامعة القاضي عياض
    مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء

    إقرأ الخبر من مصدره

  • من فاس لدكار الزاوية التيجانية كتربط المغرب والسنغال هادي قرون

    كود -عثمان الشرقي //

    صعيب نفهمو العلاقات بين المغرب والسنغال إلا ما رجعناش للعمق الروحي اللي كاين بين البلدين هادي قرون، وعلى راسو الطريقة التيجانية، اللي كتعتبر اليوم أكبر رابطة دينية صوفية فغرب إفريقيا، وقنطرة روحية حقيقية كتربط دكار بمدينة فاس،
    فاس اللي كتعتبر هي  مكة  ديال  ملايين السنغاليين.

    بالنسبة لعدد كبير من السنغاليين التيجانيين، فاس ماشي غير مدينة مغربية، ولكن عاصمة روحية ومعنى وجداني عميق. فيها استقر الشيخ المؤسس سيدي أحمد التيجاني، وفيها ضريحو اللي ولى مقصد للزيارة والتبرك، وكيشوفوه بزاف كمحطة روحية كتكمل لحج لمكة، وكيعتابروها أرض البركة والأصل.

    هاد الارتباط خلا المغرب يلقا بلاصة خاصة فالعقل الديني السنغالي، حيث كيتسمّى ملك المغرب عند عدد كبير من التيجانيين بـ“أمير المؤمنين” أو “سيدنا”، ماشي غير كرئيس دولة، ولكن رمز ديني وضامن للاستقرار الروحي.

    لسنوات طويلة  الزاوية التيجانية كان عندها تأثير كبير حتى فالسياسة الداخلية فالسنغال، المريدين التيجانيين كيشكلو قوة انتخابية مهمة ، وما كان حتى رئيس كيوصل للحكم إلا وهو خاصو يكون عندو رابط قوي مع المغرب ،الرئيس السنغالي السابق عبدو ضيوف كان معروف بلي ديما يزور المغرب، وخصوصاً فاس، قبل كل  انتخابات، باش يطلب  البركة و النجاح .

    ماشي صدفة أن عدد من الرؤساء السنغاليين، من بعد ما تنصبو، كيديرو أول زيارة خارجية لهم لفاس، باش يعطيو إشارة بلي الشرعية السياسية ما مفوصلاش على العمق الروحي،حتى مراكش كتاخد حقها من الزيارة مع الزاوية النظيفية والزاوية التيجانية  حي بريمة والزاوية التجانية فحي المواسين التي كتعتبر  أول زاوية تجانية تأسست بجنوب المغرب عام 1846م، على يد العلامة الشهير محمد أكنسوس بمساهمة من السلطان محمد بن عبد الرحمان.

    المغرب هادي سنين خدام  على تقوية هاد الرابط الروحي غير بالسكات، مني كيدعم الزوايا التيجانية، وكيستقبل المريدين والعلماء السنغاليين، ويتكونو الأئمة فمعهد محمد السادس، وينشرو نموذج ديني معتدل لي  لقى قبول كبير فغرب هادشي  الشي خلا المغرب يربح soft power ، ما عند حتى دولة أخرى فالإقليم بحالها.

    داكشي علاش خاصنا نشوفو علاقة المغرب مع السنغال ماشي غير رابح-رابح ولا جامعنا القارة و والجوار ،وانما علاقت المغرب بالسنيغال علاقة روحية دينية كتمتد من فاس تال دكار ومميمكنش هادشي لي تبنا فقرون يريب فليلة على قبل ماتش الكورة .

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الإعلام الحلقة الأضعف في تنظيم بطولة كأس إفريقيا للأمم بالمغرب

    الأحداثمحمد الكيحل، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالمعهد الجامعي للدراسات الإفريقية، ورئيس مركز إشعاع للدراسات الاستراتيجية والأمنية وتحليل الأزمات

              كثيرا ما يقال بأن الإعلام يشكل السلطة الرابعة في المجتمعات الحديثة، وفي حقيقة الأمر أن الإعلام ليس سلطة فهو لا يملك أدواتها ولكنه وسيلة تواصل شديدة النفوذ في التأثير على الرأي العام وتوجيه، حيث تزداد أهميته في معارك كسب العقول والقلوب. فالإعلام رغم أنه قوة ناعمة ” soft power” أضحى له دور مهم في حروب القرن الحادي والعشرين بما يمتلكه من إمكانيات وتقنيات الثورة الاتصالية ما يجعل هذا الدور لا يقل  خطورة عن أي نوع آخر من أنواع القوة الصلبة” power Hard ” التي تمتلكها الدولة.

         الثورة التكنولوجية التي عرفتها الساحة الإعلامية مند بداية استخدام الرقمنة والانترنيت وتكنولوجيا المعلومات، جعلت العالم يعيش عصرا اتصاليا تحكمه علاقات اجتماعية قائمة على مدى كيفية استخدام الوسائل الحديثة التي أتاحتها تلك الثورة المتمثلة في تكنولوجية التواصل الاجتماعي في إنتاج المضمون وتوفير المعلومة، و كذلك على ما مدى تأثير تلك الرسائل على المجتمع والتفاعلات الاجتماعية التي تترتب عنها خاصة إذا ما سلمنا بأن الرسالة الإعلامية هي مجموعة من الأفكار و الرؤى و القيم التي قد تؤثر على السلوك و التفكير الاجتماعي بصفة عامة.و هكذا نجد أن مضمون لرسالة إعلامية ما قد يؤثر على مجموعة من القيم و المعتقدات لمجتمع ما، كما يمكن أن يكون لذلك المضمون أو تلك الرسالة تأثير على توجهات الأفراد و سلوكهم بخصوص تلك القيم و المعتقدات و الدفع بهم إلى المطالبة بإحداث تغييرات في المجتمع الذي ينتمون إليه. كما يمكن أن تحمل تلك الرسائل الإعلامية أيضا مضمونا يعكس الرغبة في توزيع السلطة والهيمنة داخل دلك المجتمع من خلال تعزيز سلطة فئة اجتماعية أو سياسية ما على فئة أخرى.

         لقد شكل الإعلام الحلقة الأضعف في تنظيم بطولة كأس إفريقيا للأمم كأس بالمغرب، فلم يكن نجاح المغرب في تنظيم هذه التظاهرة الرياضية القارية مجرد حدث رياضي عابر؛ بل تجربة كشفت الوجه الخفي لعلاقات المملكة مع عدد من الدول الإفريقية التي كانت دائما تصنف ضمن دائرة الشراكة والصداقة. لقد أظهرت هذه البطولة بجلاء أن الكرم الذي أغدقه المغرب على عدد من الدول، في وقت كانت تعيش فيه أزمات وتمر بمراحل هشة، مهما كان كبيرا، لا يضمن دائما ولاء الشركاء التقليديين، خاصة أن بعض الأطراف لا تتوانى في اللعب على حبل الحسابات الانتقائية والمصالح الذاتية، ولو على حساب الروابط التاريخية والسياسية والاقتصادية والروحية والقيمية والثقافية.

                بل الأكثر من ذلك ، لقد لاحظنا كيف أن العديد من الدول العربية والافريقية التي توصف بالصديقة والشقيقة كيف حركت آلاتها الإعلامية ووجهت سهامها للنيل من التنظيم المحكم و النجاح الباهر الذي شهدته هذه التظاهرة الرياضية بشهادة كبار ومشاهير الرياضة في مختلف مناطق العالم، لكن بطولة كأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب لم تكشف عن حدود المنافسة الرياضية فقط، بل سلطت الضوء بشكل غير مسبوق على هشاشة المنظومة الإعلامية الوطنية؛ فالنجاح التنظيمي والاعتراف الدولي الواسع لم يترجما حضورا إعلاميا متماسكا يعكس صورة المغرب ويصون إنجازاته، بل وجد الرأي العام نفسه أمام حملات إعلامية معادية ومغرضة ومضللة لم تواجه بخطاب وطني قوي ومنهجي، مما جعل المعركة تحسم خارج الملاعب وفي الفضاء الإعلامي، حيث تصنع الانطباعات وتوجه الآراء في اتجاه يخدم أجندات دول ما فتئت تكن الحب للمغرب ظاهريا ولكنها تضمر له كل أنواع الحقد والضغينة والكراهية باطنيا.

            ولعل ما وقع مع السنغال كان مفاجأة مدوية، خاصة بالنسبة لبلد تربطه بالمغرب روابط تاريخية وروحية وقيمية وثقافية مشتركة منذ القدم، دون الحديث عن خروج الجماهير في بعض الدول العربية كالجزائر ومصر للتشفي في خسارة المنتخب المغربي. فعلى الرغم من أن هذه الجماهير لا تمثل الشعوب، فإن الأمر يسجل كسابقة في التاريخ العربي ويعد مسمارا أخيرا يدق في نعش العروبة والقومية، فحتى الأنظمة في هذه الدول لم تكن تسمح بهكذا خروج لضرب بلد عربي لم يفز في مسابقة رياضية. إن هذه السلوكات والتطورات تثير شكوكا حول نوايا مجموعة من الدول تجاه المغرب؛ وبالتالي حان الوقت لإعادة ترتيب الأوراق الدبلوماسية، لأنه كان هناك في السابق نوع من المهادنة مع العديد من الدول الإفريقية بسبب قضية الصحراء المغربية. أما اليوم، ومع قرار مجلس الأمن الأخير الذي حسم هذا الملف يجب على المغرب أن يتحرى الصديق من العدو ويضع خارطة طريق واضحة في التعامل مع العديد من الدول الإفريقية بمنطق المصلحة والبراغماتية.

         فكرة القدم وكل أنواع الرياضات لم تعد اليوم لم تعد مجرد رياضة؛ بل أصبحت فضاء متعدد الأبعاد سياسيا ودبلوماسيا وفي أحيان كثيرة، تعد مدخلا ضروريا لفهم عدد من الأمور الأخرى. وهذا ما شهده المغرب خلال تنظيمه لكأس إفريقيا للأمم، فقد تجاوزت فيه المنافسات الرياضية حدود الملعب لتصبح مؤشرا على التحولات الجيوبوليتيكية وتوازن القوى الإقليمية والدولية، حيث يمكن أن تستغل المباريات والأحداث الرياضية الكبرى كأداة للتأثير الإعلامي والسياسي، وأحيانا كستار لتصفية حسابات سياسية أو توجيه رسائل رمزية بين الدول.

            فجأة وجد المغرب بأنه بلد محاطا بمجموعة من الألغام الإعلامية والمؤامرات السياسية، حيث اتضح أن نجاحه وتقدمه على الصعيدين الرياضي والدولي أضحى يزعج بعض البلدان الافريقية والعربية. وعلى العكس من ذلك، فإن مجموعة من الدول الغربية التي لا تجمعنا معها أواصر الدين والتاريخ والثقافة أبدت إعجابها وبصوت مرتفع عن التنظيم المحكم والناجح الباهر الذي حققه المغرب بل أن العديد من بلدانها أرسلت بعثات رياضية وأمنية للاستفادة من التجربة المغربية الرائدة في مجال تنظيم التظاهرات الكبرى ليس فقط في المجال الرياضي، بل في مختلف المجالات الأخرى. وهذه مفارقة تستوجب على صناع القرار وقفة تأمل وتحليل استراتيجي لفهم مختلف خيوط هذه اللعبة القدرة  التي تحاك خيوطها في جنح الظلام. وهذا يجعل من الضروري أن يكون المغرب أكثر يقظة تجاه تحركات خصومه المحتملين، وأن يدير ملفاته الأمنية والدبلوماسية بشكل استباقي، حتى على المستوى الرياضي والأحداث الرياضية.

              لكن ما يحز في النفس هو المستوى الضعيف المسجل على مستوى التغطية الإعلامية الوطنية التي رافقت هذه التظاهرة الرياضية، مما جعل المغرب يتعرض لهجمة إعلامية شرسة ومغرضة وجد نفسه في موقف الرد غير المتكافئ في ظل وضعية الضعف الذي يعيشه الإعلام المغربي وخاصة منه الرياضي، لقد أظهرت التغطيات الإعلامية التي رافقت هذه التظاهرة الرياضية أن العديد من المنابر لا تزال تشتغل بمنطق العناوين السهلة والمحتوى السطحي، بعيدا عن الصحافة التحليلية والتفسيرية التي تتطلب فهما معمقا للسياق وإلماما برهانات الرياضة بوصفها مجالا متقاطعا مع السياسة والاقتصاد والدبلوماسية. إن الهجوم الممنهج على الإعلام الجاد ومحاولات إفراغه من المحتوى وتشجيع الصحافة التافهة، هو ما يدفع الوطن ثمنه اليوم، في صورة ضعيفة أمام العالم وغياب صوت وطني قوي قادر على الدفاع عن الإنجازات.

           لقد كشفت تجربة التنظيم، عن أهمية مراجعة التحالفات والشراكات على أسس استراتيجية طويلة المدى، وليس فقط على ضوء موقف من مباراة أو حدث رياضي محدد؛ فالأطراف التي تتخذ مواقف عدائية أو معادية اليوم لأسباب رمزية أو ظرفية قد لا تضمن عدم مفاجأة المغرب غدا في ملفات أكثر حساسية أو استراتيجية. وهذا يدفع إلى ضرورة تعزيز شبكة التحالفات القائمة على مصالح متبادلة وثقة سياسية مستدامة، لا على اعتبارات ظرفية أو تكتيكية قصيرة المدى.

          لقد بدا واضحا، أن بعض البلدان الإفريقية يعرفون أن قضية الصحراء المغربية هي الذراع الذي يوجع المغاربة. لذلك فقد تبيّن أن بعض الأفارقة قلوبهم مع علي وسيوفهم مع معاوية. ولذلك يجب  على المغاربة أن يحتاطوا من هذه الحملات غير البريئة  ولا ينساقوا إلى  ردود الفعل التي لا تولد إلا ردود أفعال متوترة  أو سلوكات  عدائية أو عنصرية؛ فهذه السلوكات ليست من قيم وشيم المغاربة الذين تربوا على قيم التسامح والتعايش بين مختلف الثقافات والقيم المجتمعية، بل يجب علينا كمغاربة أن نبقى مركزين على إنجاح كل الأوراش التنموية الوطنية أو تلك ذات الأبعاد الجهوية والقارية، فأعداء الوطن يحاولون وهم واهمون  عزلة المغرب عن قارته وإفشال مشاريعه التنموية الكبرى ذات البعد القاري والتي ستعطي للمملكة الريادة القارية.

             فالوضع الدولي الحالي للمغرب، بعد الحسم الأممي لقضية الصحراء، يعطي فرصة لإعادة ترتيب أولويات الدبلوماسية والسياسة الخارجية والاقتصاد في إفريقيا. لقد أصبح بإمكان المغرب، استنادا إلى توازنه الجديد في القوة والاعتراف الدولي المتزايد، أن يراجع بعض علاقاته الاستراتيجية، ويوازن بين مصالحه الوطنية والتزاماته الإقليمية، ويعزز موقعه كفاعل مؤثر في القارة، مع تبني مقاربة تجمع بين القوة الناعمة والصرامة عند الحاجة، أي سياسات واقعية مبنية على المصلحة الوطنية بالدرجة الأولى.

            المغرب اليوم مقبل على استحقاقات كبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2030، وهي ليست مجرد منافسة رياضية، بل اختبار شامل في التنظيم، والصورة، والنفوذ الرمزي. ومن دون إعلام وطني قوي، مستقل، مهني، قادر على مخاطبة العالم بلغته ومنطقه، سيظل الوطن يدفع ثمن الفراغ الإعلامي، وستظل الإنجازات عرضة للتشويش أمام الروايات التي لا تخدم مصالح البلاد. إن اللحظة الراهنة تستدعي شجاعة مزدوجة: شجاعة رسمية لإعادة النظر في السياسة الإعلامية ومعايير الدعم، وشجاعة مهنية داخل الجسم الصحفي للارتقاء بالممارسة، والقطع مع الرداءة، وبناء إعلام يليق بطموحات بلد اختار أن يكون فاعلًا إقليميًا ودوليا لا مجرد موضوع للتغطية.

            بالطبع، يحس المغاربة ب” الشمتة”، عندما ينظرون إلى ما قدمه ويقدمه المغرب من تضحيات في سبيل النهوض بأحوال القارة الإفريقية؛ وبالمقابل يلاحظون أن هناك من  الأفارقة  من يعتقد أن المغرب بقرة حلوب يشربون من حليبها حتى الثمالة وبعدها يوجهون  له سهام الحقد والضغينة والكراهية.  ولكن المثل الدارجي المغربي يقول: ” ملي كي كثروا العديان عرف راسك بأنك غادي مزيان”.

           

           

    هيئة التحرير24 يناير، 2026

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب بوابة الرياضة الإفريقية: من استضافة بطولة أمم إفريقيا 2025 إلى كأس العالم 2030 وتعزيز نفوذه الرياضي والثقافي على القارة

    يتبوأ المغرب موقعاً استثنائياً في المشهد الرياضي الإفريقي والعالمي، فهو أول دولة إفريقية تصل إلى نصف نهائي كأس العالم لكرة القدم، وحقق مؤخراً لقب بطولة العالم تحت 20 سنة، ليؤكد على قوته المتنامية في مجال الرياضة.

    وبحسب الصحافة الفرنسية، فإن المملكة تستعد لاستضافة بطولة أمم إفريقيا 2025، قبل أن تكون جزءاً من تنظيم كأس العالم 2030 بالتعاون مع إسبانيا والبرتغال، ما يعكس استمرار تعزيز مكانتها كمنصة محورية للأحداث الرياضية الكبرى.

    وذكرت صحيفة جون أفريك أن المغرب أصبح نموذجاً في إدارة الملاعب الذكية والبنى التحتية الرياضية المتطورة، مثل ملعب الأمير…

    إقرأ الخبر من مصدره