مصطفى ايت المعطي
تنطلق سوسيولوجيا المهن كفرع أساسي من فروع السوسيولوجيا ، من اهتمامها بدراسة و فهم نشأة المهن و تطورها ، و أدوارها داخل المجتمعات ، و قد ساهمت الكتابات الأولى للرواد الكلاسيكيين في وضع اللبنة الأساس لهذا الفرع ، فارتبط تحليل ايميل دوركايم للمهن برؤية شاملة للمجتمع ، باعتبار أن العمل هو نسق متكامل يقوم على التضامن ، و ذلك من نظريته حول تقسيم العمل الاجتماعي، التي تقر بأن تطور المجتمع الحديث أدى إلى انتقاله من التضامن الآلي الى التضامن العضوي ، مما جعل للمهن دورا مركزيا في تحقيق التماسك الاجتماعي .
و تتجلى أهم المساهمات التي قدمها ماكس فيبر في اطار سوسيولوجيا المهن كونه ربط العمل بسلسلة مفاهيمه المركزية خصوصا العقلنة و البروقراطية، حيث أن البروقراطية تشكل الاطار التنظيمي الأساسي للمهن الحديثة ، التي تتجه في المجتمع نحو مزيد من العقلانية من خلال كل من التقنين البرقراطي و اعتماد الكفاءة و الخبرة. و يشير فيبر أن المهن ليست مجرد وسيلة لكسب القوت و العيش بل هي تحوي بالضرورة بعد أخلاقي ، يتجلى في الديانة البروتستانتية ، التي تربط العمل بالقيم الدينية داخلها.
و بات علم اجتماع المهن معروفا بكونه الحقل المعرفي الذي يهتم بدراسة و تحليل خصائص العمل ، و عملياته و نتائجه ، حيث يهتم بفهم السياقات الاجتماعية و الظروف و الأبعاد المرتبطة بالعمل، و يشمل ذلك كل التفاعلات الناشئة عن العلاقات بين العمال و الفاعلين الآخرين مثل الإدارة و أرباب العمل ، كما يدرس أيضا العلاقة بين العمل و مجالات الحياة الاجتماعية خارج العمل ، كالأسرة و أوقات الفراغ و غيرها من جوانب الحياة الاجتماعية . و ركز بشكل أساسي على طبيعة العمل و تنظيمه الاجتماعي و آثاره في ظل النظام الرأسمالي ابتداء من المرحلة الفوريدية وصولا الى ما بعد الفوريدية .
تندرج سوسيولوجيا المهن ضمن فروع علم الاجتماع الاقتصادي ، و تعود مأسستها بشكل تاريخي الى التحليل الكلاسيكي الذي قدمه كارل ماركس حول خصائص العمل و عملياته و آثاره ، خصوصا علاقات الصراع الناشئة بين كل من العمال و رأسمال في بداية الرأسمالية الصناعية.[1] و يشيد العديد من علماء الاجتماع المعاصرون بأن التصور الماركسي ، هو الاطار الأكثر شمولية لموضوع المهن ، كما يعتبرون كتاب الرأسمال النموذج الأبرز لهذا التحليل ، بقدرته على الجمع بين البعد الجزئي و الكلي في التحليل و تقديم نظرية منهجية متكاملة للاقتصاد و التنظيم و العلاقات الاجتماعية[2].
و قد واصلت العديد من الاتجاهات في مجال سوسيولوجيا المهن ، الاشتغال انطلاقا من المقاربة الماركسية لتطوير هذا الحقل المعرفي ، و قد ركزت على قضايا من قبيل تفتيت العمل ، تقليص المهارات ، الاغتراب ، و تدهور شروط العمل فوفق عالم يتسارع فيه إيقاع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، لم يعد العمل مجرد نشاط يومي لكسب العيش، بل أصبح مرآة تعكس بنية المجتمع وتوازناته هذا التحول لم يستثنِ قطاع التربية. فقد سلطت دراسات معاصرة الضوء على وضعية المدرسين، حيث تشير الباحثة أوزغا (1981) إلى ظاهرة “برولتاريا المدرس”، (teacher proletarianization )
و تتعلق نظرتها بالمدرسين كونهم أعضاء في الطبقة العاملة من خلال رفضها بالبتة فكرة الفصل بين العمل الذهني و العمل اليدوي ، داخل الطبقات الاجتماعية، فبالاستناد على بعض خصائص البرولتاريا لدى ماركس ، اعتبرت أن البرولتاريا هي العملية التي تنتج عندما يحرم العامل من القدرة على المبادرة و تنفيذ العمل بشكل مستقل ، و ينزع استخدام أي مهارة في العمل، مقابل زيادة التحكم الإداري، و رغم أن هذا التحليل كان يستخدم بشكل تقليدي في تفسير وضعية العمال اليدويين ، قد أصبح أيضا يطبق على عدد من الفئات تعمل في مجالات ذات طابع مكتبي ، من بينها المدرسون.
و بصفة عامة ، أصبح يطلب من المدرس – حسب نموذجها التحليل- مرونة أكبر من خلال إعادة التكوين المستمر و تقنين المناهج الدراسية في حزمة جاهزة ، و شغل بعض المهام الإدارية ، ففي خضم هذه التحولات ، ويشير مفهوم “برولتاريا المدرس” إلى عملية تدريجية يتم من خلالها فقدان الاستقلالية المهنية، مقابل تزايد أشكال المراقبة والتحكم التنظيمي. فمهنة التدريس ، حتى وإن كانت تمارس كعمل ذهني ، يتطلب مستوى عاليًا من التأهيل، تجد نفسها خاضعة لمنطق الإنتاجية، ومقاييس الأداء، وأنظمة التقييم المستمر، مما يحد من قدرات المبادرة والإبداع.
و يمكن أن يكون هذا المفهوم واضحا ، في كثير من السياقات، كالمطالبة بتنفيذ مناهج محددة سلفًا، وفق جداول زمنية دقيقة، مع الالتزام بمؤشرات أداء قابلة للقياس، مثل نسب النجاح والتحصيل. هذا التحول الذي ينقل المعلم من “مدرس صاحب رسالة” إلى “منفذ لبرامج جاهزة” هو ما يبرز جوهر البرولتاريا الجديدة، حيث يتم تفريغ عمل المعلم من بعده الإبداعي والمهني، وتحويله إلى سلسلة من الإجراءات المعيارية.
علاوة على ذلك ، لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل تزايد الأعباء الإدارية، مثل إعداد التقارير، وتوثيق الأنشطة، والانخراط في برامج التكوين المستمر، التي تُفرض أحيانًا دون مراعاة للخصوصيات المهنية أو السياقات المحلية. وبهذا، يتحول جزء كبير من وقت العمل إلى مهام غير بيداغوجية، ما يعمق الإحساس بالضغط المهني ويفاقم ظاهرة الاحتراق الوظيفي.[3]
و يرتبط مفهوم البرولتاريا في التحليل الماركسي ، بمفهوم أخر لا يقل أهمية ، هو “تفتيت العمل”. إذ يتم تقسيم المهام إلى وحدات صغيرة، يسهل مراقبتها وتقييمها، مما يقلل من تحكم العامل في مجمل عملية الإنتاج. وفي واقع التعليم،قد يظهر ذلكجليا ، من خلال تجزئة العملية التربوية إلى كفايات ومؤشرات دقيقة، قد تفقد أحيانًا بعدها الشمولي والإنساني.
من جهة أخرى، لا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن السياق الاقتصادي العام، حيث أدت العولمة وسياسات السوق إلى إعادة تشكيل المهن وفق منطق المرونة والتنافسية. فالعامل اليوم مطالب بأن يكون “قابلاً للتشغيل” باستمرار، من خلال تطوير مهاراته بشكل دائم، وهو ما يعزز حالة من عدم الاستقرار المهني، حتى داخل الوظائف التي كانت تُعتبر مستقرة في السابق.
ومع ذلك، فإن الحديث عن “البرولتاريا الجديدة” لا يعني بالضرورة غياب كل أشكال المقاومة أو التكيف. فالكثير من المهنيين، خاصة في قطاع التعليم، يطورون استراتيجيات يومية للحفاظ على هامش من الاستقلالية، سواء عبر الابتكار داخل الفصل الدراسي، أو من خلال بناء علاقات إنسانية مع المتعلمين تتجاوز الطابع التقني للعمل.
و بشكل أكثر استفادة ، سلطت ” برولتاريا المدرس ” كمفهوم واحد من بين مفاهيم كثيرة ، الضوء على مفارقة أساسية في المهن المعاصرة، حيث كلما ارتفع مستوى التأهيل والمعرفة، زادت في المقابل أشكال الضبط والتحكم. وهو ما يدعو إلى إعادة التفكير في شروط العمل، ليس فقط من زاوية الإنتاجية، بل أيضًا من زاوية الكرامة المهنية، والاستقلالية، والمعنى الإنساني للعمل.
[1] – DANIEL G. RODEHEAVER and MILAN ZAFIROVSKI , Sociology of Work , University of North Texas, USA p1
[2] نفس المرجع، ص2
[3] – Robert G . Burgess , Education and schools : an introduction to the sociology of education , Nichols publishing company , NEW YORK , p 143


