Catégorie : حوارات

  • سفير روسيا: ندعم تسوية ملف الصحراء.. والعلاقات مع المغرب عميقة الجذور


    حاوره: عبد الرحيم العسري

    في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الملف الإقليمي لقضية الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة، وما رافق التصويت الأخير في مجلس الأمن من مواقف تاريخية لقوى دولية وازنة داعمة لمغربية الصحراء، يكشف سفير روسيا الاتحادية بالمملكة المغربية، فلاديمير بابياكوف، في حوار خاص مع جريدة هسبريس، خبايا الموقف الروسي من القرار التاريخي رقم 2797 الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية.

    وكان المغرب قد أشاد بموقف روسيا الذي اكتفى بالامتناع على قرار مجلس الأمن الدولي دون استعمال ورقة المعارضة لإسقاطه، واعتبر وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أن موقف روسيا كان “عنصرا حاسما” في صدور القرار الأخير، مشيرا إلى أن امتناعها عن التصويت “كان بمثابة مفتاح القرار”، وأن أي اعتراض روسي كان كفيلا بإسقاط النص برمّته.

    وأوضح وزير الخارجية، في تصريح سابق، أن ذلك الموقف جاء نتيجة اشتغال دبلوماسي رفيع بين الرباط وموسكو، ونتيجة احترام روسيا لميزان الدبلوماسية المغربية، خصوصا موقفها المتوازن من الحرب في أوكرانيا، إضافة إلى تقدير موسكو للدور المتبصر للملك محمد السادس.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    في الحوار التالي مع جريدة هسبريس، يقدم السفير الروسي قراءة بلاده لمسار القضية، مبرزا أن القرار الأخير لمجلس الأمن يعكس رغبة المجتمع الدولي بإيجاد حل واقعي ودائم، مؤكدا استعداد موسكو لدعم جهود الأمم المتحدة والبحث عن تسوية سياسية تراعي مصالح جميع الأطراف.

    كما يتحدث فلاديمير بابياكوف عن خصوصية العلاقات المغربية-الروسية، التي أثبتت-حسب تعبيره-قدرتها على الصمود رغم التحديات الجيو-سياسية الكبرى، لتستمر اليوم في التوسع عبر التعاون الاقتصادي والثقافي والطلابي، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والسياحة، إلى جانب إطلاق خطوط جوية جديدة بين البلدين.

    وهذا نص الحوار كاملا

    كيف تقرأ روسيا القرار الجديد لمجلس الأمن بشأن الصحراء؟ وما دلالاته في المسار السياسي الأممي؟

    تعتبر روسيا الاتحادية أن القرار الأخير لمجلس الأمن الدولي يعكس رغبة المجتمع الدولي في مواصلة دعم الجهود السياسية التي تبذلها الأمم المتحدة من أجل التوصل إلى حل واقعي، مقبول من جميع الأطراف ودائم. ونأمل أن يفتح هذا القرار الطريق لاستئناف حوار بنّاء بين الأطراف المعنية على أساس المرجعية التي وضعتها الأمم المتحدة وميثاقها.

    ومن وجهة نظرنا، لا يمكن تحقيق تسوية راسخة إلا من خلال عملية سياسية شاملة تراعي مصالح جميع الأطراف. وفي هذا السياق، فإن روسيا مستعدة لدعم جهود المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة الهادفة إلى إطلاق العملية التفاوضية وتحقيق الهدف النهائي: تسوية هذا النزاع.

    إلى أي حد تعكس مواقف الدول الأعضاء داخل مجلس الأمن، ومن ضمنها روسيا، طبيعة تعامل المجتمع الدولي مع هذا النزاع؟

    ليس من السهل تقييم مواقف الدول الأخرى؛ فكل دولة، على الأرجح، تنطلق من مصالحها الخاصة.

    ومع ذلك، من الواضح أن جميع أعضاء المجلس معنيون بالتوصل إلى حل سريع للنزاع، يفتح الطريق أمام سلام مستدام وازدهار في هذه المنطقة.

    ما الذي يميّز العلاقات المغربية–الروسية في المرحلة الحالية، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية؟

    العلاقات بين روسيا الاتحادية والمملكة المغربية عميقة الجذور، تقوم على شراكة أسّسها جلالة الملك محمد السادس ورئيس روسيا فلاديمير بوتين. وقد صمدت هذه العلاقات أمام اختبار الزمن، وحتى في الفترات الصعبة، بما في ذلك جائحة كوفيد والتقلبات الجيو-سياسية، بقيت قوية واستمرت في النمو.

    وقد شكّلت المباحثات الأخيرة بين وزيري خارجية البلدين، إضافة إلى الاجتماع الجديد للجنة الحكومية المشتركة، محطة مهمة في تطوير العلاقات الثنائية. ونحن على يقين، في كل من موسكو والرباط، بأن الاتفاقات التي تم التوصل إليها ستمنح دفعة جديدة لعلاقاتنا متعددة الأبعاد.

    بشكل عام، يمكن اعتبار مثل هذه العلاقات بين الدول، الخالية من الحسابات الظرفية والمبنية على مبادئ الاحترام المتبادل ومراعاة المصالح المشتركة، نموذجا يحتذى به.

    ويمكن بحق اعتبارها إحدى ركائز النظام الدولي الناشئ، الذي سيوفر ظروفا ضرورية لإحلال السلام الدائم وازدهار جميع الدول

    ما هو تقييمكم للمقاربة المغربية القائمة على السيادة الوطنية والوحدة الترابية كإطار للحل السياسي؟

    روسيا تقبل أي حل يرضي جميع أطراف النزاع.

    نعلم أن المغرب يدعو إلى تسوية سياسية في إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية، دون التخلي عن مبدأ تقرير المصير في شكل حكم ذاتي. وهذا ما ورد أيضا في القرار الجديد لمجلس الأمن. ونأمل أن يفتح هذا النهج الطريق لإطلاق العملية التفاوضية والتسوية النهائية لهذا النزاع الطويل. ونحن مستعدون لدعم الجهود المبذولة في هذا الاتجاه بشكل كامل.

    أي آفاق جديدة يحملها التعاون الاقتصادي والثقافي بين الرباط وموسكو في ضوء “خارطة الطريق” التي تم اعتمادها مؤخرا؟

    أسفر الاجتماع الثامن للجنة الحكومية المشتركة، الذي انعقد مؤخرا في موسكو، عن اعتماد “خارطة طريق” لتطوير علاقاتنا في جميع المجالات، بما في ذلك التعاون الاقتصادي والثقافي.

    وتسعى روسيا إلى توسيع حضور شركاتها واستثماراتها في السوق المغربية، التي تشهد نموا سريعا وتُعتبر بوابة استراتيجية إلى إفريقيا. وفي المقابل، يُظهر رجال الأعمال المغاربة اهتماما متزايدا بالتعاون مع روسيا.

    كما أن التعاون الثقافي والتعليمي يشكّل أحد ركائز العلاقات الثنائية؛ إذ يزداد عدد الطلاب المغاربة الذين يدرسون في الجامعات الروسية، بما في ذلك ضمن حصة حكومة روسيا، كما تتطور برامج تعليم اللغة الروسية في المغرب، ويزداد اهتمام الجامعات الروسية بتعليم اللغة العربية.

    كما يتزايد اهتمام السياح الروس بالمملكة. ولمواكبة هذا الطلب المتزايد، تعتزم شركة “الخطوط الملكية المغربية” قريبا إطلاق خط جديد بين الدار البيضاء وسانت بطرسبورغ، إضافة إلى خط الدار البيضاء–موسكو القائم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حجي: المهرجان الدولي للفليم بمراكش يراهن على برمجة جريئة ووازنة


    حاورته: منال لطفي

    يواصل المهرجان الدولي للفيلم بمراكش تعزيز موقعه كأحد أبرز المواعيد السينمائية في المنطقة والعالم، بعدما رسخ، على مدى أكثر من عقدين، حضوره كمنصة تجمع كبار صناع الفن السابع وتتيح اكتشاف أحدث الإنتاجات القادمة من تجارب ومدارس متعددة.

    وتحول هذا الحدث، عبر دوراته المتعاقبة، إلى فضاء حي لتبادل الخبرات، وإطلاق المواهب الجديدة، وفتح نقاشات معمقة حول تحولات السينما وتحدياتها.

    وعلى بعد أيام قليلة من انطلاق فعاليات الدورة الثانية والعشرين بقلب المدينة الحمراء، تتجه الأنظار إلى ما تحمله هذه النسخة من اختيارات فنية وبرامج مهنية وتكريمات، إلى جانب شراكات تعزز مكانة مراكش كجسر تلتقي عنده سينما العالم.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    في الحوار التالي الذي خص به جريدة هسبريس، يتوقف علي حجي، المنسق العام للمهرجان عضو لجنة الانتقاء، عند أبرز الأسئلة المحورية التي تميز دورة هذا العام، مسلطا الضوء على معايير اختيار الأفلام، ودينامية “ورشات الأطلس”، والرهانات الثقافية والمهنية التي تمنح مراكش مكانتها الخاصة داخل المشهد السينمائي الدولي.

    نص الحوار: بداية، كيف تقدمون للقراء الخطوط العريضة للدورة الثانية والعشرين من المهرجان الدولي للفيلم بمراكش؟ وما الذي يميزها عن الدورات السابقة؟

    لقد تم التفكير في الدورة الثانية والعشرون باعتبارها فضاء تتقاطع فيه مختلف تيارات السينما العالمية وتتحاور فيما بينها؛ فعلى مدى تسعة أيام، يرسم واحد وثمانون فيلما من ثلاثين بلدا خريطة حية لخيال معاصر يتشكل عبر توقيعات كبرى تميز عصرنا، وعروضا أولى تكشف عن أعمال مرتقبة، وأفلاما لمخرجين شباب تعبر بقوة عن نظرة جديدة وملحة، إلى جانب حضور مغربي لافت.

    ما يمنح هذه الدورة أهمية خاصة ويجعلها فعلا فريدة، هو الانسجام الذي طبع مختلف مكونات المشروع. فللمرة الأولى، تجتمع جميع مبادراتنا المهنية تحت مظلة واحدة هي “برامج الأطلس” التي تعبر بوضوح عن طموح المهرجان الذي يتجلى في مرافقة الأفلام منذ مرحلة التطوير إلى مرحلة توزيعها، وبالتالي المساهمة في بروز أصوات جديدة من المغرب والعالمين العربي والإفريقي.

    تمنح هذه الهيكلة المبتكرة إذن وضوحا أكبر للأعمال السينمائية، وتؤكد مكانة مراكش كفضاء تصاغ فيه مسارات مشاريع سينمائية جديدة، كما يشكل الولوج المجاني إلى جميع العروض وقسم “حوارات” إحدى السمات البارزة للمهرجان. فهذا الارتباط العضوي بالمدينة، والانفتاح الكامل على الجمهور، يخلقان مناخا فريدا من التبادل، حيث تتحاور أبرز الأصوات السينمائية مباشرة مع المتفرجين، في لحظات تفاعلية تغني التجربة وتكرس جوهر اللقاء مع الفن السابع.

    ما المعايير الأساسية التي اعتمدتها لجنة الاختيار خلال عملية انتقاء الأفلام المشاركة هذا العام، خصوصا في ظل التنافس الدولي المتزايد؟

    تقوم عملية الانتقاء على مبدأ واحد بسيط: الصرامة الفنية، فما نبحث عنه قبل كل شيء هو الكتابة الفريدة، والعمل الدقيق، وقدرة الفيلم على مساءلة عصره أو على دفعنا إلى إعادة النظر فيما نراه، وفي المسابقة الرسمية المخصصة حصريا للأفلام الطويلة الأولى والثانية، نبحث عن أصوات جديدة بالفعل.

    هذه السنة، تتميز العديد من الأفلام بتوجه سياسي واضح: إعادة قراءة أحداث تاريخية، ومساءلة الإرث الاستعماري، وحكايات مراهقين تتشكل عبر اليقظة السياسية، وتساؤلات حول العنصرية وآليات السلطة. هذه الأبعاد ليست ثمرة توجيه أو موضوع مفروض، بل تعكس ببساطة ما ينجزه الجيل الجديد من السينمائيين الشباب اليوم حول العالم.

    كما أعطينا اهتماما خاصا لكتابات تدفع الحدود إلى أبعد مدى، كتابات تمزج الأنواع، وتحقق جمعا هجينا بين الوثائقي والروائي، والأشكال البصرية الجريئة. وهذه الحرية في الشكل تعد أحد الخيوط الناظمة لاختيارات سنة 2025.

    لوحظ تنوع كبير في برمجة هذه الدورة. ما الخلفية التي تحكم هذا التنوع؟ وهل هناك توجه خاص أردتم تكريسه في البرمجة؟

    إن رغبتنا لا تكمن في وضع أفلام متباينة جنبا إلى جنب، بل في إبراز كيف تتجاوب سينمات العالم، بكل تعددها واختلافاتها؛ فمراكش هي فضاء تتقاطع فيه الحكايات الشعبية، واقتراحات سينما المؤلف، والأعمال التجريبية، والأفلام الموجهة للعائلات، إلى جانب بانوراما رحبة للسينما المغربية.

    وهنا لا بد من التأكيد على أن التوجهات الكبرى لهذه الدورة ترتكز على محورين أساسيين: أولا، دعم بروز الأصوات الجديدة من خلال مسابقة مخصصة كليا للاكتشافات الأولى. ثانيا، ضمان تداول الأعمال عبر آليات مهنية غير مسبوقة، وعلى رأسها لقاءات الأطلس للتوزيع التي تجمع لأول مرة في مراكش موزعين من إفريقيا والعالم العربي وأوروبا.

    بهذا يريد المهرجان أن يكون فضاء تعبر فيه الكتابات الحرة عن نفسها بكل تنوعها، وأن يبقى فيه حس الاكتشاف عنصرا جوهريا في التجربة السينمائية.

    كيف تقيمون مستوى المشاركة المغربية في هذه النسخة سواء في المسابقة الرسمية أو في باقي الفقرات؟

    إن المشاركة المغربية خلال هذه الدورة، قوية بشكل لافت، وتعكس الحيوية التي يعرفها المشهد السينمائي الوطني؛ فقد بُرمجت خمسة عشر فيلما مغربيا ضمن مختلف أقسام المهرجان، من بينها عرض عالمي أول داخل المسابقة الرسمية لفيلم “خلف أشجار النخيل” لمريم بن مبارك، وفي بانوراما السينما المغربية العرض العالمي الأول لفيلم “بعيون مغربية” لكريم الدباغ، إضافة إلى العرض الدولي الأول لفيلم “من يراقبون” لكريمة السعيدي.

    وفي المسابقة الرسمية، يفرض فيلم “خلف أشجار النخيل” نفسه كعمل يجمع بين الطموح الفني والتفرد، بفضل كتابة تتناول بدقة كبيرة علاقات الطبقات الاجتماعية وآثار الإرث الاستعماري.

    ويعكس هذا الحضور المغربي الوازن أيضا الأثر البنيوي الذي أحدثته ورشات الأطلس؛ فمنذ سنة 2018، رافقت هذه الورشات بروز مخرجين أصبحوا اليوم أسماء بارزة، ومنحت دفعة حقيقية لجيل جديد يستكشف سرديات حميمية أو سياسية أو مبتكرة من حيث الشكل.

    تعرف هذه الدورة حضور أسماء سينمائية وازنة على المستوى العالمي. ما معايير اختيار الضيوف؟ وما القيمة التي يضيفونها للمهرجان؟

    ندعو في هذه الدورة فنانين أسهمت مساراتهم فعليا في تشكيل ملامح السينما، من خلال أفلامهم، وأيضا عبر طريقتهم في التفكير ونقل المعرفة.

    وتجسد التكريمات التي يقدمها المهرجان هذا العام لجودي فوستر، وغييرمو ديل تورو، وراوية، وحسين فهمي هذا التوجه بوضوح: أربع شخصيات تمثل أربع علاقات مختلفة بالسينما، وأربعة أجيال، وأربع رؤى.

    ويقوم اختيار ضيوفنا أيضا على قدرتهم على الحوار مع الجيل الجديد ومع الجمهور؛ ففي مراكش لا يأتي النجوم فقط لعرض فيلم، بل يشاركون في حوارات المهرجان، ويتبادلون الأفكار مع السينمائيين المشاركين في ورشات الأطلس، ويفتحون آفاقا جديدة، ويشاركون تجربة ورؤية لمهنة السينما. إن هذا التفاعل بين الأفكار والمسارات يشكل جزءا أصيلا ومتجذرا من الهوية العميقة للمهرجان.

    يحرص المهرجان دائما على خلق جسور بين السينمائيين الشباب وصناع القرار في المجال، فما المستجدات التي يحملها برنامج “ورشات الأطلس” هذا العام؟

    أعتقد أن الإضافة الكبيرة في هذه الدورة تتجلى في إطلاق لقاءات الأطلس للتوزيع، وهي آلية محورية تستكمل المنظومة المهنية للمهرجان. فللمرة الأولى، يجتمع ستون موزعا من إفريقيا والعالم العربي وأوروبا في مراكش لاكتشاف أفلام ومشاريع في مرحلة ما بعد الإنتاج. وسيغير هذا اللقاء بصورة جوهرية المسار المحتمل لأي فيلم؛ إذ يضعه مباشرة أمام شركاء متخصصين في التعامل مع الإنتاجات السينمائية.

    وبالموازاة مع ذلك، يتوسع برنامج منصة الأطلس ليواكب اليوم مخرجين مغاربة يشتغلون على أفلام قصيرة في مرحلة ما بعد الإنتاج، التي تشكل حلقة أساسية في تكوين جيل جديد من السينمائيين، أما “أطلس بريس” فيواصل عمله في تدريب وإعداد النقاد الجدد، من خلال استقبال خمسة عشر طالبا مغربيا للانخراط في تجربة عملية في فن الكتابة النقدية.

    وهكذا، تقدم برامج الأطلس مسارا متكاملا ومتواصلا، يبدأ مع مرحلة الكتابة وصولا إلى مرحلة التوزيع، الأمر الذي يشكل دعما حقيقيا يفتح الأبواب أمام ظهور أصوات جديدة ويمنح الصناعة السينمائية آليات ملموسة للنمو.

    ما الرهانات الكبرى التي تراهنون عليها في هذه الدورة؟ وماهي الرسالة التي ترغبون في إيصالها إلى الجمهور وصناع السينما على حد سواء؟

    تتجلى أولى رهانات المهرجان في تداول الأفكار والكشف عن خيال المبدعين باختلاف مشاربهم. ما يتيح الفرصة لأعمال متنوعة للغاية كي تصل إلى جمهور واسع، وتلتقي مع موزعين، وتنفتح على آفاق جديدة ورحبة. أما الرهان الثاني فيتعلق بنقل المعرفة وتواترها؛ فالمهرجان فضاء يلتقي فيه سينمائيون كبار، ومؤلفون شباب، ومهنيو الصناعة، وطلبة، وعائلات. هذا القرب والاحتكاك الحقيقي بين مختلف الفاعلين هو جوهر هويتنا.

    وأخيرا، يتمثل الرهان في مرافقة تحول المشهد السينمائي العربي والإفريقي، من خلال بناء منظومة مهنية متينة وطموحة ومنفتحة على العالم؛ فنحن نرغب في إيصال رسالة بسيطة مفادها أن السينما فضاء للقاء، وللحرية، وللتفكير، ومراكش فضاء شاسع للتعبير بكل حرية وطلاقة.

    من موقعكم منسقا عاما وعضو لجنة الانتقاء، ما اللحظة أو التفصيل الذي تعتبرونه الأكثر تأثيرا خلال التحضير لهذه النسخة؟

    ما أثار انتباهي أكثر هذه السنة هو ذلك الانسجام الذي أخذ يتبلور تدريجيا بين الأفلام، ومشاريع ورشات الأطلس، وحوارات المهرجان، والتكريمات، والمستجدات المهنية.

    في لحظة معينة، بدا أن كل العناصر تتناغم بشكل واضح ونادر، لتؤكد قناعة أساسية خلاصتها أن هذه الدورة قادرة على أن تقول شيئا جوهريا عن زمننا، عن قلقه، ورغباته، وجرأته.

    من ناحية أخرى، هناك اللقاءات مع الأفلام: تلك اللحظات الفريدة التي يفرض فيها مشروع ما حضوره بقوة النظرة التي يحملها، وتفاجئك فيها موهبة شاب بمدى نضج رؤيته، أو يصبح فيها فيلم ما عصيا على النسيان. هذه اللحظات تحديدا هي التي تمنح عملنا معناه الحقيقي.

    كيف يساعد المهرجان في تعزيز صورة المغرب كوجهة ثقافية وسينمائية عالمية؟

    يحظى المهرجان باعتراف دولي واسع ينعكس بشكل طبيعي على صورة المغرب؛ فحضور شخصيات كبيرة، أكانوا سينمائيين أو ممثلين أو مسؤولين عن مؤسسات عالمية، مثل الرئيس التنفيذي لجوائز الأوسكار، يؤكد المكانة التي تحتلها مراكش في المشهد السينمائي العالمي.

    يجب ألا ننسى أنه ينظر إلى المغرب اليوم كبلد للإبداع، وللاستقبال، وللاحترافية. ويسهم المهرجان في هذا التحول من خلال إشعاع اختياراته الفنية، والحضور القوي للأفلام المغربية وأعمال أبناء الجالية، وبناء منظومة مهنية حقيقية عبر برامج الأطلس، إضافة إلى انفتاحه الواسع على الجمهور، الذي يمنح المهرجان بعدا ثقافيا حيا ومتاحا للجميع.

    وتعزز هذه العناصر مجتمعة: التميز الفني، والارتباط الوثيق بالمدينة، والانفتاح على العالم، صورة المغرب كوجهة أساسية في الخريطة السينمائية الدولية.

    أخيرا، ما طموحاتكم للدورات المقبلة؟ وهل هناك مشاريع تطويرية قيد الدراسة لتعزيز مكانة مهرجان مراكش ضمن خارطة المهرجانات الدولية؟

    تتمثل طموحاتنا في الدورات المقبلة في مواصلة بناء مهرجان يواكب الأفلام في كامل مسارها، من لحظة بروزها إلى تداولها، مع تعزيز تجربة الجمهور في الوقت نفسه.

    والغاية هي ترسيخ مكانة مراكش، أكثر فأكثر، باعتبارها منصة تتاح فيها للأعمال رؤية واسعة، ويلتقي فيها السينمائيون بشركاء جدد، وتتحاور فيها مختلف الأجيال الفنية بحرية كاملة.

    وستواصل برامج الأطلس تطورها من خلال ابتكار أدوات جديدة تسهل تداول الأفلام العربية والإفريقية، ودعم شبكة الموزعين، وخلق جسور أكثر صلابة بين مختلف مكونات البرنامج.

    ونعمل أيضا على سبل تعزيز حضور المهرجان داخل المدينة، من خلال إعادة تصور بعض الآليات، وابتكار أشكال جديدة للتواصل مع الجمهور، مع الحفاظ على العناصر التي تمنح مراكش خصوصيتها: الانفتاح، والصرامة الفنية، والقدرة على استقبال الأعمال بعناية استثنائية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • شعبان: الإيديولوجيات المغلقة فاشلة .. و »نوبل » تخضع لاعتبارات غير أخلاقية


    حاوره: وائل بورشاشن

    فكرٌ وعمل مدني وسياسي مشترك جمع عبر العقود مثقفين ومدافعين عن حقوق الإنسان من مختلف أنحاء المنطقة المتحدثة باللغة العربية، ومن مختلف أنحاء العالم، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين، تشهد عليه أعمال، ومسيرات، ومؤسسات حقوقية وبحثية وفكرية.

    الكاتب والأكاديمي العراقي عبد الحسين شعبان، الذي كان منتميا للحزب الشيوعي العراقي وهو اليوم من المدافعين عن عدم تسوير الفكر بإيديولوجيات وانتماءات مغلقة، والتركيز على القيم المشتركة وأساسها الحق في الحياة والعدالة، يشهد على جزء من هذا العيش المشترك، ببوحه بعلاقته بالمغرب الثقافي.

    في الحوار التالي مع جريدة هسبريس الإلكترونية، يحضر رأي أيضا في واقع حقوق الإنسان في العالم، والأدوار الممكنة للعالم الواسع، في الانعتاق من أحاديةٍ قطبية راهنة، طالت الإنصاف، والثقافة، والحقوق.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} نص الحوار: كنت ضيفا دائما على مهرجان أصيلة الثقافي، وعلى مواعيد ثقافية مغربية من بينها مهرجان السينما والذاكرة المشتركة بالناظور. هلا قربتنا، أستاذ شعبان، من علاقتكم بالمغرب الثقافي.

    تمتد علاقتي مع المغرب أكثر من 30 عاما. وقد حضرت فعاليات وأنشطة مختلفة بحكم علاقة الصداقة التي جمعتني بعدد من الشخصيات المغربية. أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر السي عبد الرحمان اليوسفي الذي اجتمعنا وإياه في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وفي إطار اتحاد الحقوقيين العرب، وفي أنشطة وفعاليات متنوعة ومختلفة.

    وعندما أصبح اليوسفي الوزيرَ الأول، ناداني من بين خمس شخصيات للحوار معنا حول أهمية اختياره لطريق التعاون مع الفعاليات والأنشطة الأخرى في إطار الإرادة الملكية للتناوب والتداول السلمي للسلطة والانتقال والتحول في المسار الديمقراطي طويل الأمد. وشرح لنا بالتفصيل مِثلَ هذه الخطوة، التي لم يكن من السهولة بمكان اتخاذها رغم بعض المعارضات أو بعض الآراء المخالفة، لكنه قال إنها تجربة وعلينا أن نخوضها بشجاعة، لقد كنا نعارض الدولة من خارجها، وشفيعنا أن بعض معارضتنا الآن هي من داخل الدولة حيث أصبحت العديد من الملفات التي كنا نعتقد أنها لن تفتح وإذا بها مفتوحة أمامنا وليست مغلقة بأبواب موصدة. وقصد بذلك ملفات التعذيب، وملفات الاختفاء القسري، والتطور الذي حصل في ميدان حرية التعبير، في ميدان حقوق الإنسان في التوقيع على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وكانت بالمغرب أول وزارة لحقوق الإنسان في العالم العربي، ولم تكن هناك وزارات لحقوق الإنسان ولا حتى مفوضيات.

    وقد تعاونت تعاونا وثيقا مع الوزير محمد أوجار طيلة فترة توليه منصب وزير حقوق الإنسان. وشاركنا في فعاليات وأنشطة في المغرب وخارج المغرب، وقد دعوته إلى لندن لإلقاء محاضرة في جامعة سواس لشرح التجربة المغربية وأهمية التداول السلمي للسلطة والانفتاح الذي حصل في إطار الحريات العامة، ولا سيما في حرية التعبير.

    إضافة إلى ذلك، تمتعت بصداقة حميمة مع ادريس بن زكري رحمه الله. وقد أهديت كتابي له مع اثنين من المناضلين عبد الرحمان النعيمي من البحرين ومحمد سيد سعيد أيضا الذي توفاه الله من مصر وادريس بن زكري، وعنوان الكتاب “الشعب يريد!: تأملات فكرية في الربيع العربي”.

    امتدت علاقتي مع هذه الصداقات والشخصيات إلى عبد العزيز البناني (عضو هيئة الإنصاف والمصالح)، ومحمد الصبار، ومحمد النشناش، وبالطبع كانت لدي علاقات وثيقة مع كبار المثقفين المغاربة، بدءا بمحمد بنعيسى منذ أواسط التسعينات حين التقيته في عدد من المحافل واللقاءات. إضافة إلى أنني كنت ضيفا دائما أو أكاد على مهرجان أصيلة الدولي وألقيت العديد من المحاضرات ولم يحدث أن هناك مدينة كبيرة في المغرب لم أزرها.

    هذه الصداقة مع كبار المثقفين امتدت إلى محمد الأشعري، محمد برادة، حسن نجمي. لقد جمعتني صداقة وثيقة مع الأحبة المغاربة. وكان فيها حقيقة نوع من المودة، إضافة إلى ذلك نتشاطر وإياهم القواعد الإنسانية المشتركة ذاتها: قيم الحرية، قيم العدالة، قيم المساواة، قيم الشراكة، قيم المشاركة.

    ما دور المثقف، في رأيك، في يوميّ العالم العربي؟

    دائما ما أردد نحن شركاء في هذا الوطن وينبغي أن نكون مشاركين باتخاذ القرار. من هنا لا بد من إعلاء شأن المثقف. إعلاء دور المثقف جزء من هذا، جزء من هذه المسؤولية تقع على الدولة. لا بد لها أن تعلي من شأن الإبداع، من شأن الثقافة، من شأن الجمال والعمران. ولا بد للمثقف أيضا أن يعلي من شأنه أيضا. ألّا يكون يحرق البخور لهذا الحاكم أو ذاك ويتنازل عن سلطته لأن الثقافة سلطة والمعرفة سلطة، حسب الفيلسوف البريطاني فرنسيس بيكون. لهذا، لا ينبغي للمثقف أن يتنازل عن سلطته لحساب مكاسب ضيقة أو آنية أو ظرفية أو طارئة أو عابرة أو فيها نوع من المجاملة.

    نعم هذه السلطة هي مسؤولية يمتلكها المثقف، هي سلطة الإبداع، سلطة العقل. نعم، وإذا ما اتحدت سلطة العقل مع الإرادة السياسية ستكون المخرجات مهمة. لهذا، أنا دائما ما أدعو إلى تجسير الفجوة بين أصحاب القرار وبين المثقفين. المثقف لا ينبغي أن يتعالى: يجلس في قفص زجاجي ويطلب من الحاكم أو من المسؤول أن يقدم له ما يريد.

    عليه أن يساهم في عملية التغيير من خلال التنوير، والتنوير عنصر أساسي في عملية التغيير وتمهيد أساسي لعملية التغيير. كما أن على الحاكم أن يراعي حساسية المثقف، وأن يوفر له الأجواء المناسبة، لا سيما حرية التعبير الخاصة بالإبداع. ولا إبداع حقيقيا بدون ضمانات، بدون طمأنينة، بدون أمن وأمان.

    يشهد العالم محاولات من أجل الانعتاق من المركزية الغربية الأمريكية الأحادية. ما موقع المنطقة العربية من هذه الطموحات نحو الانعتاق؟

    كشفت حرب الإبادة على غزة الكثير من الفضائح الفكرية والسياسية التي كان بعض (المثقفين التقدميين) بين قوسين، يتغنون بها، يتغنون بقيم الحرية والمساواة والعدالة، ويحاولون أن يتعالوا على العالم العربي بأن يعلموه قيم الحرية والجمال والإبداع والعدالة والقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي وغير ذلك. وإذا بهذه الأحداث تفضحهم، تفضح الهشاشة الفكرية، خصوصا بانحيازهم إلى جانب المعتدي ضد المعتدى عليه، ضد الضحية، وهذه كانت فضيحة حقيقية.

    واحد من هذه الأسماء الكبرى الذي ظل يصدع آذاننا بالحديث عن هذه القيم يورغن هابرماس، وكشف عن مركزية غربية متحجرة ومتعفنة في فكره عندما واجه المشكلة الأساسية التي تتعلق بالعرب والعروبة وقضية فلسطين والضحايا وغزة والإبادة وكل شيء.

    ذكرني هذا الموقف بموقف سارتر الذي نحترمه ونقدره لفلسفته ولفكره ولدعوته للحريات، وكان قد زار مصر عام 1967 قبيل عدوان حزيران يونيو 1967، وكرم من جانب الرئيس جمال عبد الناصر وذهب إلى غزة، وزارها، ولاحظ معاناة أهلها رغم أنهم كانوا تحت الإدارة المصرية آنذاك. وإذا بالأمر بعد أسابيع يحدث العدوان، فينقلب من مناصر لقضايا الحرية والتحرر والسلام والديمقراطية إلى مناصر للعدوان، مناصر لإسرائيل في حربها العدوانية على المنطقة العربية، على البلدان العربية ،على الشعوب العربية.

    هذا فضح ويفضح الآن على نحو جلي المركزية الغربية. صحيح أن ظروف 1967 قبل 60 عاما هي غيرها الآن. فهناك انعطاف دولي أصبح نحو قضايا الحقوق والعدالة وقضية فلسطين تحديدا من الشباب الأوروبي والأمريكي. فطلاب الجامعات وطالبات الجامعات انحازوا إلى جانب الحق. وقسم منهم من اليهود، وهذا لم يحدث في الحروب السابقة أو العدوانات السابقة التي تعرضت لها البلدان العربية.

    هذه المركزية الغربية بدأت تهتز على أقل تقدير. صحيح أنها ما تزال قوية، لكن بعض أركانها اهتزت بسبب ما حصل من قضية أخلاقية، من الموقف من الجرائم التي تعرض لها الشعب العربي الفلسطيني، ولا سيما أهالي غزة. عشرات الآلاف من الضحايا شهداء، وأكثر من 100 ألف من المنكوبين الجرحى والمرضى ذوي الإصابات البالغة، إضافة إلى نحو مليونيْ إنسان عانوا من ضنك العيش، من التهجير، من التدمير المنهجي، من الهدر السافر لأبسط حق من حقوق الإنسان وهو أعلى حق وأسمى حق، الحق في الحياة. وقطعوا الماء، والكهرباء، والدواء، ولو كان باستطاعتهم أن يقطعون الهواء لمنعوا الناس من التنفس.

    في الماضي كانت هناك تطلعات تسمت بالعروبة، وكانت هناك تطلعات من أجل وحدةٍ، وكفاح مشترك. كيف ترون واقع وموقع العالم العربي وهذه المنطقة المتحدثة باللغة العربية في عالم الغد الذي يتشكّل؟

    العالم العربي جزء من العالم، وما يحصل في العالم سينعكس على العالم العربي، وما يحصل في العالم العربي لا بد من أنه سينعكس على العالم أيضا. القوى التقليدية القديمة لم يعد بإمكانها التصدي لهذه التحديات الجديدة. لا القوى اليسارية، وأقصد الماركسية خصوصا، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وانحلال الاتحاد السوفياتي، ولا القوى القومية العربية بقادرة خصوصا بعد وفاة عبد الناصر، إضافة إلى انكشاف الوجه الحقيقي للأنظمة القومية في سوريا والعراق باعتبارها أنظمة دكتاتورية سافرة أذاقت شعوبها شر العذاب. ولم ينفع التشدق بالقضية الفلسطينية ومقايضة التنمية بالتسلح والعسكرة بحجة أن العدو يدق على الأبواب… ها هم أضاعوا الأرض، وأضاعوا التطور الديمقراطي، وأضاعوا الإصلاحات، وأوقفوا التنمية، أو عطلوا التنمية إلى حدود كبيرة، ولاحظ ما تعرضت لها هذه البلدان من دمار داخلي زادها الطغيان الخارجي الإمبريالي الأمريكي والإسرائيلي.

    والقوى الإسلامية كذلك أثبتت فشلها الذريع، سواء في البلدان التي حكمت فيها ولدينا أمثلة على ذلك؛ دورها في إيران، ودورها في السودان، ودورها الآن في اليمن ودورها في العراق، ومواقعها المتقدمة في لبنان، إضافة إلى فشلها في تونس، وفي المغرب، وفي الجزائر وفي عموم بلدان المنطقة في المشرق والمغرب.

    لم تعد هذه الشعارات البراقة كافية لإقناع الجمهور بالانحياز وراء إيديولوجيات نسقية مغلقة. العالم يتجه نحو التنوير، نحو التحرر، بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، وبفعل اقتصاديات المعرفة، وبفعل الطور الرابع للثورة الصناعية، ونحن ندخل الآن في الطور الخامس. نحن في مرحلة الذكاء الاصطناعي الذي سيغير كل شيء في العالم.

    لا بد أن نتغير. إن لم نغيِّر أنفسنا فسنغَيَّر بالقوة. هذا نداء ربما إلى العالم العربي، إلى العالم الإسلامي وهو مستمد من القرآن “لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. هذا القول القرآني الحكيم لا بد من استخدامه في عصرنا، أي تحويله إلى فعل حقيقي بمراجعة النفس، بالنقد والنقد الذاتي، بمراجعة التجربة، بالتأشير على أخطائها، ونواقصها، ثغراتها، عيوبها، مثالبها، إلى آخره. والتأشير أيضا على بعض إيجابياتها إن وجدت للبناء عليها للتطور. عند ذلك لا بد من تفاعلات مجتمعية جديدة ستنتج بلا أدنى شك وأرى ذلك. أرى ذلك قادما.

    هناك تيارات جديدة شبابية صاعدة متحررة من ثقل الماضي متشبثة بالعلم والتعليم والتعلم، ناظرة إلى المستقبل، متفاعلة مع المحيط الخارجي سواء الإقليمي أو الدولي. متفاعلة مع التطور الحاصل في العالم من الثورة التكنولوجية، الثورة العلمية التكنولوجية، ثورة الاتصالات، ثورة المواصلات، الديجيتال، نعم الطفرة الرقمية، كل ذلك سينتج تيارات عربية جديدة تأخذ موقعها بالتفاعل مع التيارات الغربية الأوروبية وغير الأوروبية. بالتطور الذي سيحصل في إفريقيا أيضا، فإفريقيا ستنهض، وأمريكا اللاتينية ستنهض.

    الأطرافيّون، إذا جاز لي التعبير، سيكون لهم دور في صنع المستقبل البشري، وليس القوى المهيمنة التي قامت على تحالف رأس المال مع المجمعات الصناعية الحربية. ليست هذه لوحدها، وإنما هذه الكتل البشرية سيكون لها دور في عملية التغيير على المستوى العالمي، والعرب والعروبة من جملة هذه القوى التي سيكون لها قسطها في عملية التغيير والتنوير، وبالتالي في انعكاسها على الداخل العربي والمشرقي والمغربي.

    هل في نظرك ستسهم في هذا التغيير المؤسسات الدولية القائمة المهتمة بحقوق الإنسان، أم إنها جزء من نظام الهيمنة الحالي على العالم؟

    شكرا على هذا السؤال. تذكرني بأنه سبق أن رشحت منذ سنوات إلى جائزة نوبل للسلام ولم أرد على ذلك. ولم أجب ولم أعلق، وطلب مني العديد من الأصدقاء أن أتفاعل حتى من باب الجانب الإعلامي. ورفضت (…) لاعتقادي أن هذه الجائزة لم تعد لها القيمة السابقة ذاتها لأنها سيّست في الكثير من الأحيان. منحت إلى من لا يستحقونها. وكانت وسيلة لابتزاز البعض أحيانا، فكيف أن شاعرا مثل الجواهري لم يمنح جائزة نوبل، وشاعرا كبير مثل أونيس، وسعدي يوسف، ومحمود درويشز… هؤلاء شعراء كبار، وربما من نال جائزة الأدب أدنى منهم بكثير. وقس على ذلك في المجالات الأخرى.

    حتى في العلوم، الجائزة سيّست، فما بالك بقضايا مثل السلام، الذي ينبغي أن يذهب حقيقة إلى من يستحقه، وطبعا لا أقصد بذلك مانديلا أو بابلو نيرودا أو استورياس… هؤلاء يستحقون هذه الجوائز، لكن “نوبل” في الكثير من الأحيان أخضعت لمعايير غير المعايير الاعتبارية الأخلاقية. لهذا السبب فقدت الكثير من خواصها ومن قيمتها.

    ما سبيل الانعتاق إذن في نظرك من سطوة هذه الجوائز أيضا؟

    ربما منح جوائز حتى وإن كانت بمستوى أدنى من جائزة نوبل، لأن جائزة نوبل تتمتع بنظام، وآليات، وثروات طائلة، ومؤسسة كبرى تشرف عليها بالدعم.

    من الممكن الآن أن نؤسس جوائزنا. فحتى وإن كانت الجائزة التي تقدمها الناظور باسم مهرجان السينما والذاكرة المشتركة أقل من “نوبل”، إلا أنها بالنسبة لي ذات قيمة كبيرة. وخذ على سبيل المثال عندما تمنح لعمر عزيمان وهو شخصية حقوقية ساهمت في التجربة المغربية خلال السنوات الأربعين المنصرمة، وتحتل موقعا رسميا الآن كشخصية استشارية لجلالة الملك، وهذا مكسب كبير أن يمنح المركز شخصية مثل عمر عزيمان هذه الجائزة، التي منحها سابقا إلى رئيس كولومبيا، وإلى الوزيرة الفرنسية نجاة بلقاسم، وإلى رئيس وزراء إسبانيا، وإلى اتحاد الشغل التونسي والرابطة التونسية ونقابة المحامين التونسية لموقفها من قضية المصالحة والتعاون ونزع فتيل الحرب الأهلية التي كادت أن تنفجر بين الإسلاميين وخصومهم.

    هذا الأمر مهم، وهذه الجوائز مهمة.

    سأتحدث عن قضية أخرى لها هذا البعد الأخلاقي؛ فعندما كرمتني مؤسسة الدكتورة سعاد الصباح بشخصها البالغ الاحترام، أقيم حفل كبير لي في الكويت. والحفل الآخر في العراق. واخترت أربيل، وحضرت شخصيات من بلدان مختلفة، بينها شخصيتان من المغرب، أذكرهما للمناسبة، هما الصديق عبد السلام بوطيب، رئيس مركز الذاكرة المشتركة للسلام والديمقراطية، والفقيه الدستوري عميد كلية الحقوق في عمان، ورئيس مركز القانون الدستوري في مراكش الصديق امحمد مالكي. فأخذنا قرارا بأن علينا واجبا أخلاقيا هو تكريم المبدعة الكبيرة الدكتورة سعاد الصباح.

    كانت تكرم المبدعين في حياتهم، فقلنا علينا أن نكرمها في حياتها. يوم الوفاء للوفاء؛ وقد كرمت قبلي نزار قباني من سوريا، وعبد العزيز حسين من الكويت، وعبد الكريم غلاب من المغرب، والحبيب الجنحاني من تونس، والأمير عبد الله الفيصل من السعودية، وإبراهيم الكوني من ليبيا، وزهور ونيسي من الجزائر، والشاعر إبراهيم العريض من البحرين، وثروت عكاشة من مصر، وغسان تويني من لبنان، والعبد الفقير من العراق كان آخر المكرمين.

    تكريم سعاد الصباح هنا في الناظور له أهمية كبيرة. ولاحظ كم من الشخصيات العربية حضرت تكريم الدكتورة. وكم من الشخصيات الأجنبية حضرت على هامش مؤتمر الناظور، على هامش مهرجان الناظور، سينمائيين وفنانين وأديبات وأدباء وممثلات وممثلين وموسيقيين إلى آخره. كان احتفالا مهيبا، له هيبة، وهي هيبة للجائزة العربية.

    هنا أرجع لأقول إن هيبة جائزة الناظور رغم أنها ليست فيها قيمة مادية، لأن لها قيمة اعتبارية، علينا أن نعلي من شأنها، وكلما أعلينا من شأن المبدع ومنحناها لمبدعين كبار، ارتفعنا بالجائزة إلى أعلى المستويات.

    لهذا السبب أقول: نعم بإمكاننا أن نحصد هكذا جوائز في إفريقيا. ولا بد أن نقيم شيئا بإفريقيا. شيئا مع أوروبا، أوروبا التي نحبها ونحترمها ونقدرها، أوروبا الثقافة، أوروبا الفن، أوروبا الإبداع التي هي المستودع لخير ما أنجبته البشرية، وعلينا أن نوظفه بالاتجاه الإيجابي من خلال مبدعين متنورين مناصرين لقضايا العدالة، مناصرين لفلسطين، مناصرين لقضايا الحق.

    هذا أمر مهم، والأمر المهم أيضا مع أمريكا اللاتينية، وأظن أن مركز الذاكرة المشتركة يعمل بجد لفتح نوافذ ولإحداث نوع من الاختراقات، هو يمثل قوة ناعمة حقيقية للمغرب أولا باعتباره جسرا بين المغرب والمشرق. وهو جسر بين المغرب وعرب المشرق. وهو جسر بين المغرب والخليج، وهو جسر بين إسبانيا والبرتغال وأمريكا اللاتينية من جهة، والعالم العربي من جهة أخرى.

    هذا الموقع الذي حباه الله للمغرب يمكن أن يستثمر كقوة ناعمة هادئة بالسياسة الحكيمة التي اتبعتها الدولة في المغرب، ولبعد نظرها ولسلميتها حتى وهي في التحديات التي واجهتها خلال 50 عاما، حققت اختراقا وانتصارا سلميا هادئا بالحصول على قرارات دولية مساعدة في تثبيت وتأكيد حقوقها بهذا المعنى.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مدير أكاديمية « البيضاء »: حاجيات المؤسسات التعليمية تتصدر أولويات برنامج التنمية الترابية المندمجة

    احتضنت ولاية جهة الدار البيضاء – سطات، لقاءً تشاورياً شارك فيه أكثر من 500 شخص، خصص لإعداد البرنامج المتكامل للتنمية الإقليمية (PDTI) لعمالة الدار البيضاء، وذلك في إطار تنفيذ التوجيهات الملكية التي وردت في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2025 وافتتاح الدورة البرلمانية في 10 أكتوبر 2025، والتي دعت إلى إعداد جيل جديد من برامج التنمية الترابية.

    في هذا الصدد، أجرى « تيلكيل عربي » حوارا مع محمد ديب، مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الدار البيضاء سطات.

    كيف سيتم إدماج حاجيات المؤسسات التعليمية بعمالة الدار البيضاء ضمن أولويات برنامج التنمية الترابية المندمجة، خاصة فيما يخص البنية التحتية والارتقاء بجودة التعلم؟

    يأتي سؤالكم في سياق اللقاء التشاوري الجهوي الذي احتضنته ولاية جهة الدار البيضاء–سطات، والذي خصّص لإرساء رؤية موحدة ومقاربة مندمجة لمعالجة إشكاليات التنمية الترابية، في إطار دينامية تشاركية تعبئ مختلف الفاعلين المؤسساتيين والاقتصاديين والاجتماعيين.

    وقد انخرطت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين في هذا الورش بكامل مسؤوليتها، من خلال مشاركة فاعلة لهيئاتها التربوية، إضافة إلى إشراك نخبة من التلميذات والتلاميذ في ورشات موضوعاتية، أُعِدَّت لتمكينهم من التعبير عن انتظاراتهم واقتراح حلول عملية تستجيب لمتطلبات الارتقاء بالمدرسة العمومية.

    وقد أسفرت هذه الورشات عن بلورة مجموعة من الحاجيات والأولويات الملحّة، عكست وعيا عميقا بدور المدرسة في التنمية، وحسّاً وطنياً قوياً لدى المتعلمات والمتعلمين باعتبارهم طرفاً أساسياً في صياغة المستقبل التنموي للجهة.

    في الواقع، يتم إدماج حاجيات المؤسسات التعليمية بعمالة الدار البيضاء ضمن أولويات برنامج التنمية الترابية المندمجة (PDTI) عبر اعتماد مقاربة شاملة وتشاركية تستهدف تجاوز المقاربات القطاعية المنعزلة وتحقيق العدالة المجالية، مع التركيز بشكل خاص على تحسين البنية التحتية والارتقاء بجودة التعلم.

    ويتم التركيز على الجوانب المادية للمؤسسات التعليمية، خاصة في المناطق الأقل حظاً أو التي تعاني من الهشاشة، من خلال تأهيل شامل للمدارس القروية والأحياء الهامشية، ويشمل ذلك الصيانة وتجديد البنايات القائمة، وتجهيز الفصول الدراسية بالوسائل الحديثة، وتحسين المرافق الأساسية مثل المرافق الصحية والملاعب الرياضية، وتوفير المرافق الضرورية بالعمل على ضمان الربط بشبكات الماء والكهرباء وتأهيل الداخليات ودور الطالبات لدعم تمدرس الفتيات وأطفال الأسر المعوزة، وتعزيز النقل المدرسي عبر تخصيص برامج لتأهيل وتوسيع مسالك النقل المدرسي غير الصالحة، خاصة في المناطق القروية والمحيطة بالمدينة، لضمان وصول التلاميذ بشكل آمن ومنتظم.

    ويركز البرنامج على الجانب التربوي وجودة المخرجات التعليمية، بتطوير منظومة التربية والتكوين من خلال وضع برامج بالتعاون مع الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين تتضمن مشاريع ذات أولوية ترتكز على تعلم التلميذ وتحسين أدائه، وتعميم وتجويد التعليم الأولي بالعمل على توسيع إحداث أقسام التعليم الأولي خاصة في المناطق التي تعرف خصاصاً، مع الحرص على جودة التأطير والمحتوى. مشاريع الدعم المدرسي من خلال تطوير وتوسيع برامج الدعم المدرسي الجماعي للحد من الهدر المدرسي وتحسين مستوى التحصيل للتلاميذ.

    وتفعيل « مؤسسات الريادة » عبر دعم المقاربات المبتكرة مثل مشروع المؤسسة المندمج ومنهجيات الإبداع والابتكار في الوسائل الديداكتيكية، لتعزيز انخراط المتعلمين في الشأن المحلي والمجتمعي. وإيلاء عناية خاصة للمناطق الأكثر هشاشة خاصة بالوسط القروي والمناطق المحيطة بالدار البيضاء، ضمن التوجه العام للبرنامج لتقليص الفوارق المجالية.

    ويعتمد البرنامج على مقاربة تصاعدية وتشاركية لضمان تلبية الحاجيات الفعلية من خلال التشخيص التشاركي بالتركيز على   تشخيص دقيق للحاجيات المحلية للمؤسسات التعليمية، بناءً على الإنصات إلى انتظارات المواطنين والفاعلين في المجتمع المدني والمنتخبين. ويتم العمل على توحيد جهود جميع الفاعلين (الجماعات الترابية، المصالح اللاممركزة للوزارة، المجتمع المدني) وضمان الالتقائية بين المشاريع التعليمية والسياسات القطاعية الأخرى (مثل الصحة والتجهيز).

     في ظل التحديات المرتبطة بالاكتظاظ ونقص الموارد في بعض المناطق، ما الإجراءات العاجلة التي يعتزم القطاع اعتمادها لضمان عدالة مجالية فعلية في الولوج إلى خدمات التعليم بعمالة الدار البيضاء؟

    إن الإجراءات العاجلة التي يعتزم القطاع اعتمادها لضمان عدالة مجالية فعلية في الولوج إلى خدمات التعليم بعمالة الدار البيضاء، في ظل تحديات الاكتظاظ ونقص الموارد، ترتكز على منهجية الاستعجال والاستهداف المباشر ضمن إطار برنامج التنمية الترابية المندمجة.

    وتتمثل هذه الإجراءات في محاور رئيسية، من قبيل التسريع البنيوي والحد من الاكتظاظ حيث يتم التعامل مع الاكتظاظ كأولوية قصوى تتطلب تدخلات سريعة وموجهة من خلال العمل على تسريع وتيرة بناء وتوسيع المؤسسات التعليمية في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية أو التي تشهد نمواً حضرياً سريعاً (الأحياء الجديدة والمناطق المحيطة بالمدينة)، مع اعتماد نموذج المدارس الجماعاتية في المناطق الشبه قروية لترشيد الموارد وتقريب الخدمات.

    وتخصيص ميزانيات عاجلة لإضافة حجرات دراسية جديدة وتأهيل الفضاءات غير المستغلة داخل المؤسسات القائمة، لتقليص عدد التلاميذ في الفصل الواحد. بالإضافة إلى إطلاق برامج تأهيل سريعة تركز على إصلاح البنية التحتية المتدهورة وتجهيزها (الماء، الكهرباء)، خاصة في المؤسسات التي تعاني من الهشاشة في ضواحي الدار البيضاء، وذلك لضمان بيئة تعلم لائقة.

    ولإعادة توزيع الموارد البشرية والمادية لمعالجة نقص الموارد وتحقيق العدالة في التوزيع، يتم اللجوء إلى التوزيع العادل للمدرسين بتطبيق الخريطة المدرسية بشكل صارم لتوجيه الأطر التربوية والإدارية إلى المؤسسات التي تعاني من الخصاص (خاصة في عمالات المقاطعات التي تشهد تزايداً في الهشاشة). ولتعميم التعليم الأولي الجيد يتم إحداث وتجهيز أقسام التعليم الأولي في المناطق التي لا تزال محرومة منه، كخطوة استباقية لضمان قاعدة تعليمية متينة للجميع، وهو ما يقلل من الفوارق التعليمية لاحقاً.

    ولاستهداف الهدر والدعم الاجتماعي لضمان بقاء التلميذ في المدرسة وتقوية الجودة، تم إطلاق برامج دعم مدرسي مكثفة ومجانية موجهة للتلاميذ المتعثرين أو المعرضين لخطر الانقطاع، خاصة في المناطق الفقيرة، لرفع مستواهم التعليمي وتقليص الفارق مع أقرانهم في المناطق الميسورة. كما تم تعزيز أسطول وخدمات النقل المدرسي لضمان وصول التلاميذ من المناطق البعيدة (القروية والمناطق المحيطة) إلى المؤسسات. كما يتم توسيع برامج الإطعام المدرسي والمبادرات الاجتماعية.

    ما الآليات التي ستعتمدها المديرية لضمان التقائية تدخلات قطاع التعليم مع باقي القطاعات الترابية، بما يضمن تحقيق نتائج ملموسة وسريعة لفائدة المتعلمات والمتعلمين؟

    تعتمد الأكاديمية على جملة من الآليات لضمان التقائية تدخلات قطاع التعليم مع باقي القطاعات الترابية، من بينها إدماج أولويات قطاع التعليم داخل برامج التنمية الترابية باعتباره رافعة أساسية للتنمية البشرية، وذلك بناءً على تشخيص دقيق لاحتياجات المؤسسات التعليمية على مستوى البنية التحتية، والتجهيزات، والخدمات المواكِبة. واعتماد مقاربة تشاركية عبر تفعيل لجنة قيادة جهوية، تجتمع بكيفية منتظمة، لضمان تنسيق التدخلات وتحديد الأدوار والمسؤوليات بدقة.

    وتنفيذ برامج مندمجة تشمل فتح الطرق والمسالك، وتأهيل الفضاءات المحيطة بالمؤسسات التعليمية، وتعزيز الخدمات الاجتماعية مثل النقل المدرسي والدعم الاجتماعي. واعتماد نظام معلوماتي مشترك لتتبع تقدم المشاريع بشكل دوري، بما يمكّن من تسريع وتيرة الإنجاز وتجاوز التأخيرات وضمان تحقيق نتائج ملموسة لفائدة المتعلمات والمتعلمين.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوار.. مدير الشؤون الاقتصادية بجهة الدارالبيضاء يكشف لـ »تيلكيل عربي » جوهر المقاربة الجديدة للتنمية الترابية المندمجة

    احتضن مقر ولاية جهة الدارالبيضاء-سطات أشغال الاجتماع التشاوري الخاص ببرنامج التنمية الترابية المندمجة لعمالة الدارالبيضاء.

    ويأتي تنظيم هذا اللقاء في إطار الدينامية الوطنية الرامية إلى إعداد الجیل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وتفعيلا للتوجيهات الملكية الهادفة إلى تحقيق العدالة المجالية وتحسين جودة عیش المواطنات والمواطنین.

    وفي هذا الإطار، أجرى « تيلكيل عربي » حوارا مع محمد الشرقاوي، مدير الشؤون الاقتصادية وإنعاش الاستثمار بجهة الدارالبيضاء-سطات، الذي أكد أن الهدف الرئيسي من اللقاءات التشاورية هو إشراك جميع الفاعلين في إطار التفكير المندمج.

    كيف سيتم إشراك الفاعلين المحليين والمجتمع المدني والقطاع الخاص في مراحل بلورة البرنامج؟

    هذا اللقاء شهد إطلاق المقاربة الجديدة لبرامج التنمية المجالية الترابية المندمجة، التي تستمد روحها من التوجيهات الملكية السامية، هناك مقاربة جديدة تتجاوز المقاربة القطاعية السابقة إلى مقاربة مندمجة تشمل جميع الفاعلين وتشرك المواطن وتجعله في صلب إنتاج البرنامج والمشروع وتقييمه، ثم قياس أثره على المواطن بذاته، من خلال إشراك جميع الفاعلين المنتخبين وجمعيات المجتمع المدني والإدارات كذلك.

    كان هذا اليوم الأول من إطلاق المقاربة واللقاءات التشاورية، وستليه فيما بعد لقاءات على مستوى عمالات المقاطعات الثماني لمدينة الدارالبيضاء، ثم عقد لقاءات على مستوى المقطاعات الست عشرة التي تكوّن مدينة الدارالبيضاء.

    سيتم إشراك الفاعلين من خلال الاستماع إليهم كمرحلة من المراحل، وعلى مستوى المقاطعات في مرحلة ثالثة ستكون فيها بلورة مشاريع واقتراحات مضبوطة سيساهم فيها جميع الفاعلين.

     بهدف تنزيل هذه الأفكار على شكل برامج قابلة للتطبيق باعتمادات مالية محددة، وواضحة من حيث التركيبة المالية والأثر والموقع، وأساسا قياس أثرها على المواطن.

    كيف سيتم ضمان الالتقائية بين مختلف البرامج والمشاريع الجارية، خصوصا تلك المندرجة ضمن برنامج تنمية الدارالبيضاء وبرنامج التأهيل الحضري؟

    مع الأسف البرامج السابقة هي بشكل أو بآخر مشاريع قطاعية بالأساس، على سبيل المثال مدير الأكاديمية يفكر في مجموعة من المشاريع التي تهم قطاع التعليم، في حين أن مندوب التعمير يفكر في القطاع الذي يخصه، هذا تفكير قطاعي، فالغرض من المقاربة الجديدة التفكير المندمج.

    والمشروع سيتم التفكير فيه من طرف جميع الفاعلين والمساهمة فيه، وبالأساس المواطن الذي هو الهدف والغاية من هذا المشروع.

    ما هي آليات التتبع والتقييم التي سيتم تفعيلها لضمان الشفافية وفعالية الإنجاز؟

    أولا، يكمن الأمر الأهم في المستجدات التي جاءت بها هذه المقاربة، وهي أن تكون المشاريع نابعة من المواطن، أو على الأقل ساهم في صياغتها بشكل أو بآخر، ثم إن هذه المشاريع ستخضع لمعايير علمية بالتقنيات الحالية في علم الإدارة من أجل قياس الأثر الحقيقي لها على المواطن، وتفاعل المواطن هو مقياس نجاحها.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • شكال: 400 ألف شاب يستفيدون من جواز الشباب و60 منهم اقتنوا السكن بفضله

    كشف محمد شكال، رئيس مشروع “جواز الشباب”، أن عدد الشباب الذين قاموا بتحميل التطبيق الهاتفي الخاص بالمبادرة تجاوز مليوناً وخمسمئة شاب، مضيفاً أن حوالي 400 ألف منهم يستعملون التطبيق بشكل منتظم للاستفادة من العروض والخدمات المتاحة.

    وأوضح المسؤول في حوار مع جريدة “مدار21” الإلكترونية، أن المشروع يهدف إلى توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات الموجهة للشباب عبر منصة رقمية مجانية، مشيراً إلى أن الحملة التواصلية الجارية تهدف إلى تشجيع الشباب على استعمال التطبيق أكثر وتحفيز غير المسجلين على تحميله.

    وأشار المسؤول إلى أن الفئة المستهدفة تتراوح أعمارها بين 16 و30 سنة، وأن اختيار هذه الفئة جاء بناءً على كونها الأكثر استخداماً للهاتف المحمول والتطبيقات الرقمية، معتبرا أن اعتماد الصيغة الرقمية يسهم في ضمان المساواة وتكافؤ الفرص، لأن التطبيق مجاني ومتاح لجميع الشباب المغاربة، سواء في الوسط الحضري أو القروي، شرط توفر تغطية بالإنترنت فقط، دون الحاجة إلى رصيد بيانات مدفوع.

    وأضاف المسؤول في حديثه للجريدة أن الولوج إلى التطبيق يتم بشكل مجاني، بفضل اتفاقية شراكة مع الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، موضحاً أن بعض الخدمات مرتبطة بمدن معينة مثل الترامواي في الرباط، على أن تشمل الدار البيضاء مستقبلاً، بينما توجد خدمات أخرى متاحة على الصعيد الوطني مثل التكوين عن بعد وفتح الحسابات البنكية عبر الإنترنت.

    وتطرق محمد شكال إلى مراحل المشروع، مبيناً أن النسخة الأولى من التطبيق أُطلقت بشكل تجريبي في مدينتي الرباط وسلا سنة 2022، وشملت عروضاً محدودة في النقل الحضري والمتاحف وملاعب القرب، مؤكداً أن المرحلة التجريبية مكنت من رصد مجموعة من النقائص التقنية والتنظيمية، خصوصاً في ما يتعلق بحماية المعطيات الشخصية، وتمت معالجتها قبل تعميم التطبيق وطنياً في يناير 2025.

    وأوضح المسؤول أن التسجيل في التطبيق أصبح يتم عبر ربطه بتطبيق هويتي الرقمية التابع للمديرية العامة للأمن الوطني، في إطار اتفاقية شراكة بين وزارة الشباب والثقافة والتواصل والمجلس الوطني لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، مؤكداً أن هذا الربط يضمن احترام المعايير الوطنية في حماية البيانات الشخصية.

    وأشار المسؤول إلى وجود صعوبات واجهها بعض الشباب أثناء التسجيل بسبب عدم توفر تقنية “NFC” في بعض الهواتف، خاصة في المناطق القروية، مضيفاً أن الوزارة تتلقى أسبوعياً شكايات حول هذا الموضوع عبر مركز التواصل، وأن الفريق التقني يعمل حالياً على تطوير طريقة بديلة للتسجيل تراعي هذه الإشكالية مع الحفاظ على حماية البيانات الشخصية.

    وبخصوص طبيعة الخدمات، بين المسؤول أن التطبيق يستهدف فئات متعددة داخل الشريحة العمرية من 16 إلى 30 سنة، من تلاميذ الثانوي إلى الطلبة والعاطلين عن العمل، مشيراً إلى وجود خدمات للدعم المدرسي بشراكة مع مقاولات ناشئة ومعاهد لتعليم اللغات، إضافة إلى تكوينات رقمية عن بعد تقدمها مؤسسات وطنية وشركات خاصة وتنتهي بالحصول على شهادات معترف بها.

    وأوضح المسؤول أن فئة الشباب غير المتمدرسين أو غير العاملين تستفيد من تكوينات وتأطير وفرص إدماج، فضلاً عن الولوج المجاني إلى المتاحف ودور الشباب والفضاءات الثقافية والرياضية، مشيراً إلى أن هناك خدمات موجهة أيضاً للشباب العامل، مثل العروض المرتبطة بالسكن، حيث تمكن حوالي 60 شاباً خلال الأشهر الستة الأخيرة من اقتناء سكنهم بفضل تخفيضات خاصة عبر جواز الشباب.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوار.. رئيس شبكة خبراء المياه والطاقة: نحتاج إلى مراجعة فورية للنموذج الفلاحي المغربي

    في ظل تحولات مناخية أصبحت تشكل تحديا حقيقيا للأمن المائي والغذائي، يعاني المغرب منذ أزيد من سبع سنوات من فترات جفاف متكررة. ويشهد الموسم الحالي نقصا واضحا في التساقطات المطرية، ما أدى إلى تأخير انطلاق الأنشطة الزراعية.

    ومن جهته، أشار موقع « الماديالنا » إلى أن الحكومة المغربية جعلت من تحلية المياه محورًا أساسيًا في سياستها المائية، بهدف مواجهة فترات الجفاف الطويلة، وتراجع الفرشات المائية، وارتفاع الطلب على الماء من طرف الساكنة الحضرية والفلاحية.

    ولفت الانتباه إلى أن المغرب يشهد توسعًا كبيرًا في سوق تحلية المياه، إذ يتوقع أن يرتفع حجم هذا السوق من 400 مليون دولار سنة 2024 إلى 850 مليون دولار سنة 2033، أي بزيادة تصل إلى 112 في المائة، وبمعدل نمو سنوي يقدر بـ8,74 في المائة بين عامي 2025 و2033، حسب تقرير صادر عن مكتب الدراسات الدولي «Renub Research».

    في هذا الصدد، أجرى « تيلكيل عربي » حوارا مع  جواد خراز، رئيس شبكة خبراء المياه والطاقة والمناخ، والمدير التنفيذي السابق للمركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة بالقاهرة، ومدير الأبحاث السابق في مركز الشرق الأوسط لأبحاث تحلية المياه في سلطنة عمان.

    يشهد المغرب موجات جفاف متكررة، هل كان على الحكومة اعتماد سياسات فلاحية ومائية تتكيف مع الواقع المناخي الحالي؟

    كان يجب على الحكومة العمل باستباقية في تبني سياسات تتكيف مع الواقع المناخي الجديد، لكن بطبيعة الحال، ولكي نكون منصفين، الأمر لا يتعلق فقط بالحكومة الحالية، فالسياسات المائية التي تأخذ بعين الاعتبار المعطى المناخي تحتاج إلى سنوات عديدة، إن لم أقل عقودا، من التخطيط والاستباقية من خلال دراسة السيناريوهات المختلفة.

    الآن، بعد سبع سنوات من الجفاف أصبح لدينا وضع يتميز بتراجع التساقطات بنسبة 23 في المائة مقارنة بالمعدل التاريخي، وارتفاع درجات الحرارة بمعدل درجتين مئويتين، منذ بداية القرن.

    وأرى أن مخطط المغرب الأخضر 2008-2022، كان آنذاك خطوة جريئة نحو تعزيز الإنتاجية، لكنه ركز بشكل كبير على الزراعة التصديرية كثيفة الاستهلاك للماء، مثل « الأفوكادو » والبطيخ الأحمر ومحاصيل من هذا القبيل، ما أدى إلى تصدير ما يسمى بالمياه الافتراضية، وزيادة الضغط على الفرشات المائية واستنزافها.

    ومع ذلك، أعتقد أن استراتيجية الجيل الأخضر تمثل تقدما حقيقيا بتركيزها على الاستدامة من خلال توسيع الري بالتنقيط إلى مليون هكتار إضافي وبرامج لتحلية المياه، وكان من الواجب تسريع هذه الإجراءات منذ « كوب 22 » التي احتضنتها بلادنا في مراكش.

    نتحدث عن نسبة ملء السدود التي تقف عند 32 في المائة فقط، لذا نحتاج إلى مراجعة فورية للنموذج الفلاحي المغربي ليكون أكثر عدالة وصمودا مع دعم صغار الفلاحين الذي يعانون أكثر من الفئات الأخرى، طبعا هذا ليس انتقادا في حد ذاته بل دعوة لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص لمواجهة هذا الجفاف الذي صار هيكليا.

    ما هي الانعكاسات المحتملة لتأخر وندرة التساقطات المطرية على الإنتاج الفلاحي والأمن الغذائي خلال الموسم الجاري؟

    تأخر التساقطات هذا الموسم بلغ عجزا يصل إلى 70 في المائة في بعض المناطق حتى هذا الشهر، ما يهدد بموسم فلاحي صعب على الفلاحين وعلى الجميع، وهذا امتداد لسبع سنوات من الجفاف، وأرى أن الإنتاج الفلاحي قد ينخفض بنسبة 30 إلى 40 في المائة في ما يخص الحبوب البورية « القمح والشعير » التي تشكل 70 في المائة من المساحات المزروعة مما يقلل الإنتاج إلى أقل من 70 مليون قنطار على الأمن الغذائي، وبالنسبة لهذا الأخير فذلك يعني زيادة الاعتماد على الاستيراد، مثل القمح من فرنسا وأوكرانيا وغيرها، وهذا يعني ارتفاع الأسعار بنسبة 20 إلى 30 بالمائة، وهناك كذلك إمكانية تهديد الثروة الحيوانية وانخفاض القطيع بنسبة 38 في المائة منذ 2016.

    صغار الفلاحين هم الأكثر تضررا في هذه المعادلة وقد يؤدي ذلك إلى هجرة قروية متزايدة، وفقدان فرص عمل بنسبة 40 في المائة بالنسبة للسكان الذين يعتمدون على الفلاحة، لكن يجب التذكير بأن الأمطار المتأخرة في مارس وأبريل الماضيين أنقذت جزءا من الموسم السابق، مما يذكرنا بأن التكيف السريع مثل دعم الأعلاف والبذور المقاومة للجفاف وغيرها يمكن أن تخفف الخسائر، وفي النهاية هذا يدفعنا نحو نموذج أكثر استدامة لضمان استدامة غذائية حقيقية.

    إلى أي حد يمكن أن تساهم التقنيات الحديثة وتدبير الموارد المائية بشكل مستدام في الحد من آثار التغيرات المناخية على القطاع الفلاحي؟

    يمكن أن تساهم بشكل كبير جدا، بشرط أن يتم تسريع التنفيذ، وأؤكد أن التقنيات الحديثة يمكنها أن تخفض استهلاك الماء بنسبة 50 بالمائة، بحيث يمكن أن تساعد على ترشيد المياه في القطاع الفلاحي الذي يستهلك تقريبا 88 في المائة من الموارد المائية، وكذلك استخدام الري بالتنقيط والري الذكي مع حساسات ومستشعرات والطائرات بدون طيار.

    وقد أثبت ذلك نجاحه في بعض المناطق مثل سوس ماسة، حيث تم توفير 40 في المائة من الماء وزيادة الإنتاجية بنسبة 20 في المائة، ويمكن كذلك الاعتماد على تحلية المياه بالطاقات المتجددة مثلما هو الشأن بمحطة الدارالبيضاء التي توجد قيد الإنشاء، وهنا نتحدث عن 300 مليون متر مكعب سنويا بحلول سنة 2026 ستؤمن مياه الري والشرب مع مشاريع إعادة استعمال المياه المعالجة في بعض المناطق.

    ثالثا، الزراعة الدقيقة والأصداف المقاومة للجفاف، مثل تلك المطورة في معاهد دولية، بالنسبة للجيل الأخضر هناك هدف تحلية 1.4 مليار متر مكعب بحلول سنة 2030، إضافة إلى الطريق السيار المائي لنقل المياه من الشمال نحو الجنوب، هذه الحلول ليست نظرية، بل نجحت في دول أخرى ويمكن للمغرب قيادتها إقليميا.

    بالنسبة للتحديات المتعلقة بالتمويل والتكوين والشراكات الدولية، مثلا الصندوق الأخضر للمناخ وغيره من الهيئات الدولية، فهو كفيل بمساعدتنا على الحصول على مثل هذه التمويلات، لتحويل الجفاف إلى فرصة لفلاحة خضراء ومستدامة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • كنون: الملك يطبق مبدأ التشاركية في القضايا المصيرية… والقرار 2797 سيكون له ما بعده

    تنفيذا للقرار الوارد في خطاب الملك إلى الشعب المغربي في 31 أكتوبر الماضي، عقب صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، انعقد الإثنين، بالديوان الملكي اجتماع ترأسه مستشارو الملك.

    وقد خصص هذا الاجتماع، بناءً على تعليمات الملك، لموضوع تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية.

    وفي هذا الصدد أجرى « تيلكيل عربي » حوارا مع الحسين كنون، رئيس المرصد الدولي للدراسات.

    كيف يجسد هذا الاجتماع المقاربة التشاركية التي يعتمدها الملك محمد السادس في معالجة القضايا الوطنية الكبرى؟

    إن هذا الاجتماع ينم على أن الملك محمد السادس يطبق مبدأ التشاركية ، باعتباره مبدئ إيجابي جاء به دستور 2011 ، والمتمثل في كون مؤسسات المملكة المغربية وعلى رأسها المؤسسة الملكية ، حكومة وبرلمان، ينبغي أن تخضع  في القضايا المصيرية الكبرى للبلاد ، من قبيل « قضية الصحراء المغربية، القضية الفلسطينية، قضية التنمية، قضية القوانين التي تهم الحريات، الفردية والجماعية والتنمية المجالية وما إلى غير ذلك ، والمشاريع الكبرى المهيكلة، لنقاش مجتمعي يشارك فيه الأحزاب السياسية ، المجتمع المدني، الإعلام ، محللين سياسيين لتنوير الرأي العام الوطني والدولي وفي نفس الوقت تقديم تصورات وبدائل وحلول ، هذه هي الأهم ، وليس النقاش من أجل النقاش فقط.

    قلما بعض المؤسسات أو الجهات حاملي القلم ما يحسنون صياغة تصورات من شأنها أن تكون إضافة نوعية تقدم حلول ناجعة قابلة للتطبيق تتماشى وتطورات العصر والجيل الجديد من الحقوق والحريات وما وصل إليه المجتمع الدولي.

    ما الذي ميز المقاربة الملكية في معالجة قضية الصحراء المغربية منذ سمة 1999؟

     قضية الصحراء المغربية، كانت  تدبر تحت أبواب مغلقة أو في دهاليس وأجواء مغلقة، ولكن الملك منذ أن تولى العرش سنة 1999 أعطى لكل القضايا المصيرية الكبرى للبلاد بأن تخرج إلى العلن وإلى التشارك والتشاور وإبداء وجهة النظر بحكمة ومرونة واعتدال، الغايات الفضلى والمثلى من كل هذا وهي أن نصل إلى تصور موضوعي يحافظ على السيادة المغربية وفق الطرح الذي يطرحه المغرب منذ 2007.

    ما الهدف من الدعوة الملكية لتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية في هذا الوقت؟

    لأن القرار 2797 دعا المغرب إلى تحيين مبادرة الحكم الذاتي، لأن المغرب عندما قدم المبادرة في 2007 قدم خطة وتصور مبدئي يشمل الخطوط العريضة ولكن عندما اتخذ مجلس الأمن القرار النهائي، وحدد أفقا زمنيا لنهاية بعثة المينورسو في 31 أكتوبر 2026.

     المغرب مطالب بتقديم تفاصيل وجزئيات حول كيفية تدبير الجانب الإداري والمالي والثروة كيف ستصرف، كيف ستدبر الانتخابات، وهل ستكون على أساس اللائحة، إذا الأحزاب السياسية الممثلة داخل البرلمان، مطالبة بتقديم تصورات وأفكار ومبادرات وحلول، لكيفية نظرهم للحكم الذاتي، وهناك تجارب دولية من قبيل كوردستان العراق،

     والمغرب ستكون له تجربة متفردة، من خلال وضع نموذج يتماشى وخصوصية المغرب، على اعتبار أن له مقدسات وهو دولة عربية وأمازيغية وصحراوية إسلامية تعترف بالرابط العبري وتحترم الإنسان، ويجب مراعاة هذه الخصوصية ويجب أن تكون حاضرة. وبالتالي المؤسسات المنبثقة عن الحكم الذاتي يجب أن يكون لها نفس التقدير ونفس الاحترام.

    الكل مطالب بتقديم تصور معقول من شأنه أن يغني النقاش وتقديم مقترح لمجلس الأمن محين ومعدل ومفصل ومجزء ومبوب وما إلى ذلك. وهذا يظهر حكمة  الملك في الأخذ بمبدأ التشاركية الذي يضع الأحزاب السياسية في المسؤولية التاريخية، وبالتالي هنا نستحضر  » أن هذا القرار عندما يصدر سيكون له ما بعده ».

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الدريوش: الصيد البحري بالأقاليم الجنوبية يجسد الرؤية الملكية للتنمية الشاملة


    هسبريس من الرباط

    قالت زكية الدريوش، كاتبة الدولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات المكلفة بالصيد البحري، إن قطاع الصيد البحري يشكل اليوم رافعة إستراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مضيفة أن “الأقاليم الجنوبية أصبحت نموذجا للتنمية المندمجة التي تجمع بين تثمين الموارد البحرية، وتأهيل البنيات التحتية، وتعزيز العدالة المجالية، وترسيخ السيادة الوطنية”، ومؤكدة أن “الإنجازات المحققة خلال السنوات الأخيرة، سواء في البنية الصناعية أو تربية الأحياء البحرية أو تطوير الموانئ، تؤكد قدرة المغرب على تحويل موارده البحرية إلى فرص اقتصادية واجتماعية ملموسة”.

    وأوضحت الدريوش، في حوار خاص مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن الإستراتيجية الوطنية للصيد البحري تعتمد على رؤية شاملة تجمع بين حماية البيئة البحرية وتنمية الاقتصاد الأزرق، مشيرة إلى أن “مختلف البرامج والمبادرات، من إستراتيجية أليوتيس إلى المخطط الأزرق، صممت لتعزيز الاستدامة البيئية، وتطوير الكفاءات، وتحقيق مناصب شغل للشباب والنساء، مع إدماج التكنولوجيا الرقمية في منظومة التسويق والتثمين”.

    كما شددت المسؤولة الحكومية على الدور الريادي للمغرب في تعزيز التعاون البحري مع الدول الإفريقية المطلة على الأطلسي، موضحة أن “مبادرة الحزام الأزرق تعكس التزام المغرب بدعم التنمية المشتركة، وتسهيل وصول الدول الإفريقية إلى الموارد البحرية، الشيء الذي يعزز الاقتصاد الأزرق المستدام ويكرس الشراكة جنوب–جنوب على أساس المسؤولية والتضامن”.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وسجلت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري أن موانئ الأقاليم الجنوبية، وخصوصا ميناء الداخلة الأطلسي، تمثل ركيزة إستراتيجية للتموقع الجيو-إستراتيجي للمغرب، مؤكدة أن “هذه الموانئ لا تقتصر على تعزيز التجارة الدولية والصيد البحري، بل تشكل منصات لإنتاج السيادة الاقتصادية والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، التي تجعل من الأقاليم الجنوبية قلبا نابضا للتنمية البحرية وجسرا يربط إفريقيا بأوروبا في فضاء الأطلسي”.

    نص الحوار:

    كيف تواكب الإستراتيجية الوطنية للصيد البحري التوجهات الملكية السامية لتنمية الأقاليم الجنوبية، خصوصًا ما يتعلق بتثمين الثروة السمكية وتحقيق العدالة المجالية؟

    في الواقع تنسجم الإستراتيجية الوطنية للصيد البحري بشكل تام مع التوجهات الملكية السامية التي تروم تحقيق تنمية شاملة ومنصفة بالأقاليم الجنوبية للمملكة. هذه الإستراتيجية اعتمدت منذ انطلاقها مقاربة شمولية تضع في صلب أولوياتها تثمين الثروة السمكية وخلق فرص الشغل وضمان العدالة المجالية، انطلاقا من مبدأ أساسي يقوم على توجيه الثروات البحرية لخدمة التنمية المحلية وتمكين الساكنة من الاستفادة العادلة من عائداتها.

    وقد تعزز هذا التوجه أكثر بعد القرار التاريخي الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 31 أكتوبر 2025، الذي كرس مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل واقعي ونهائي للنزاع الإقليمي. فهذا القرار أتى ليواكب واقعا تنمويا ملموسا في الأقاليم الجنوبية، حيث تشهد هذه الجهات زخما من المشاريع التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، خصوصا في قطاع الصيد البحري الذي يُعدّ أحد ركائز الاقتصاد المحلي بهذه المناطق.

    لقد أسهمت المشاريع المندمجة في القطاع بشكل فعّال في خلق آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، مع إعطاء الأولوية لأبناء المنطقة من خلال برامج التكوين والتأهيل المهني، إلى جانب تشجيع مشاركة النساء والشباب في سلاسل الإنتاج والتثمين؛ وهذا ما يُجسد فعليا العدالة المجالية التي تقوم عليها الإستراتيجية.

    وفي السياق نفسه نحرص على أن تكون تنمية القطاع مبنية على منطق الاستدامة وحماية المخزون البحري، من خلال تفعيل مخططات تهيئة المصايد، ومراقبة أنشطة الصيد لمحاربة الاستغلال المفرط، وتشجيع الاستثمار في تربية الأحياء المائية، خاصة في جهة الداخلة التي أصبحت نموذجا وطنيا للاندماج الاقتصادي والتنمية الترابية المستدامة.

    أما من حيث الأرقام فهي تُبرز بشكل واضح أثر هذه الإستراتيجية، فقد ارتفعت الكميات المصطادة ما بين 2008 و2024 بنسبة سنوية بلغت 2.6% من حيث الحجم و7.2% من حيث القيمة، لتنتقل من 756 ألف طن إلى 1.14 مليون طن، ومن 3.4 مليارات درهم إلى أزيد من 10 مليارات درهم. كما ارتفع عدد وحدات صناعات الصيد من 144 إلى 186 وحدة، بنسبة نمو بلغت 29%.

    أما الصادرات فبلغت سنة 2024 حوالي 556 ألف طن بقيمة 13.2 مليار درهم، أي بمعدل نمو سنوي قدره 8.3%. وعلى مستوى التشغيل ارتفع عدد مناصب الشغل المباشرة في صناعات الصيد من 10 آلاف سنة 2008 إلى حوالي 34 ألف منصب سنة 2024، أي بزيادة سنوية تقارب 8%.

    كما تطورت الاستثمارات في صناعات التحويل من 73 مليون درهم سنة 2009 إلى 494 مليون درهم سنة 2024. وبلغ مجموع الاستثمارات بالأقاليم الجنوبية ما قيمته 5.2 مليار درهم خلال الفترة ما بين 2010 و2024.

    واليوم تمثل الأقاليم الجنوبية أزيد من 81% من إجمالي الإنتاج الوطني للمنتجات البحرية، بقيمة تفوق 10.2 مليار درهم، أي ما يعادل 63% من القيمة الإجمالية على الصعيد الوطني. وهذه الأرقام تعكس بجلاء التحول الهيكلي العميق الذي تشهده هذه الجهات بفضل المشاريع الملكية الكبرى، والاستثمارات الموجهة نحو تثمين وتسويق المنتجات البحرية في إطار رؤية تنموية مستدامة.

    ما هي أهم المشاريع التي تم إنجازها أو المبرمجة في مدن طانطان، العيون، والداخلة وبوجدور وسيدي إفني، لتعزيز مكانتها كمحاور إستراتيجية في الاقتصاد الأزرق؟

    في البداية لا يمكن الحديث عن المشاريع المهيكلة في قطاع الصيد البحري دون استحضار الرؤية الملكية السامية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله سنة 2015 من خلال النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية. هذه الرؤية الإستراتيجية وضعت أسس تنمية شاملة ومستدامة، تستثمر في مؤهلات البحر وتحوّلها إلى رافعة اقتصادية حقيقية لجهات العيون-الساقية الحمراء، والداخلة-وادي الذهب، وكلميم-واد نون.

    وقد اكتسبت هذه المشاريع بعدا إستراتيجيا جديدا على ضوء القرار التاريخي الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 31 أكتوبر 2025، الذي كرّس المقاربة المغربية القائمة على التنمية الميدانية والحكم الذاتي كحل عملي للنزاع الإقليمي. هذا القرار جاء ليؤكد أن ما يتحقق في الميدان من إنجازات تنموية هو أبلغ تعبير عن ممارسة السيادة المغربية الكاملة في المجال البحري.

    وفي هذا الإطار جرى تنفيذ حزمة واسعة من المشاريع في الأقاليم الجنوبية، من أبرزها بناء نقطة تفريغ مجهزة بكوريزيم، وإنجاز ست وحدات لتثمين الأسماك السطحية بالداخلة، إلى جانب إنشاء محطة لمعالجة مياه الوحدات الصناعية الخاصة بهذه الأسماك. كما تم اقتناء جهاز محاكاة لتكوين البحارة في ميدان الصيد، وسفينة مدرسية للتكوين البحري، فضلا عن مواكبة تعاونيات نسائية تنشط في جمع الطحالب البحرية بأمكريو، في نموذج يُرسخ دور المرأة في الاقتصاد الأزرق.

    وعلى مستوى تثمين الثروة السمكية والحفاظ على الاستدامة تم اعتماد 32 مخططا لتهيئة المصايد، تشمل 96% من الكميات المفرغة وُدبرت بطريقة مستدامة وفق مقاربة علمية دقيقة. كما أُحدثت المحمية البحرية “ماسة” على مساحة 250 كيلومترا مربعا تمتد بين فركليك وكوريزيم، وتجري حاليا إعادة تصنيفها وتشويرها لحماية النظم البيئية وتنظيم نشاط الصيد بها.

    ولتعزيز الحكامة في تدبير الموارد تم تحيين المخطط الوطني لمراقبة أنشطة الصيد البحري، وتفعيل برامج لمحاربة الصيد غير القانوني، وتجهيز جميع السفن بأنظمة تتبع عبر الأقمار الاصطناعية (VMS)، إلى جانب استعمال نظام الترددات (RFID) لتحديد هوية القوارب التقليدية ومنع القوارب غير المرخصة. كما استفادت الأقاليم الجنوبية من برنامج “إبحار” لتحديث أسطول الصيد التقليدي، الذي شمل إعادة تأهيل 642 قاربا ورفع الحمولة الإجمالية من 2 إلى 3 أطنان.

    وفي ما يتعلق بالبحث العلمي تم إنشاء مركز جهوي للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري بالداخلة، وإنجاز رحلات علمية على طول الساحل الجنوبي لتقييم المخزونات، إلى جانب إحداث مختبرين متنقلين بميناء الداخلة ومركز المهيريز، وإنشاء محطة لأبحاث تربية الأحياء البحرية مزودة بمفرخات تجريبية. كما تم تجهيز الساحل الجنوبي بعوامات استشعار لقياس المؤشرات الأوسيانوغرافية وجودة المياه، وإنجاز مزرعة نموذجية لإنتاج الأسماك والصدفيات بسيدي إفني.

    أما في مجال تربية الأحياء البحرية فتم اعتماد مقاربة تجعل من هذا القطاع رافعة محورية لجذب الاستثمارات وخلق فرص الشغل، عبر تقديم مواكبة تقنية ومالية للمستثمرين الشباب، وتخفيض الرسوم الجمركية على أعلاف الأسماك إلى 2.5% في إطار قانون المالية لسنة 2024، لتشجيع الإنتاج المحلي وتخفيض تكاليفه.

    وبخصوص تثمين وتسويق المنتجات البحرية أُحدثت أسواق من الجيل الجديد للبيع الأولي بكل من لمهريز، الداخلة، العيون، بوجدور، وطانطان، مع إعادة هيكلة سوق سيدي إفني وبناء مصانع للثلج وغرف مبردة بعدة نقاط صيد. كما جرى إنشاء 13 نقطة تفريغ مجهزة وقرى للصيادين بكل من لكراع، أفتيسات، لاسارگا، المهيريز، والبويردة، وتجهيزها بالطاقة الشمسية وكاميرات المراقبة ونظم رقمية للبيع بالمزاد.

    وفي مجال الصناعات البحرية تم تنفيذ برامج لتشجيع الابتكار وتنويع المنتجات، مع إحداث قطب تنافسي لجهة الجنوب بمحاذاة ميناء الداخلة على مساحة إجمالية تفوق 200 هكتار، ليشكل مركزا إقليميا للابتكار الصناعي والتثمين.

    كما شملت الجهود تعزيز الحماية الاجتماعية للبحارة عبر تعميم التغطية الاجتماعية والتأمين ضد حوادث الشغل والأمراض المهنية، ودعم 52 تعاونية بالأقاليم الجنوبية بمواكبة مالية وتقنية، وتزويد المهنيين بمحركات وجرارات ومعدات رفع.

    وفي مجال الإنقاذ البحري تم تعزيز المركز الوطني لتنسيق الإنقاذ بشبكة اتصالات بحرية وجوية وفضائية على طول السواحل الجنوبية، واقتناء خافرات إنقاذ سريعة وأجهزة استغاثة فضائية.

    وأخيرا تم الارتقاء بالتكوين البحري عبر إنشاء وتجهيز وحدات تجريبية لتثمين المنتجات البحرية، واقتناء أجهزة محاكاة متطورة لتكوين البحارة، ما يجعل معاهد الصيد البحري في العيون وطانطان والداخلة وبوجدور وسيدي إفني رافدا أساسيا لتأهيل الكفاءات المحلية.

    باختصار، تشكل هذه المشاريع المتعددة أركان نموذج تنموي بحري متكامل، يروم جعل الأقاليم الجنوبية منصة إستراتيجية للاقتصاد الأزرق، ومختبرا حيا لتجسيد السيادة المغربية في بعدها الاقتصادي والبيئي والاجتماعي.

    هل يمكن الحديث عن تأثير مباشر لهذه المشاريع على فرص الشغل وخلق أنشطة موازية لفائدة الشباب والنساء في هذه المدن؟

    لا شك أن الأثر الاجتماعي والتشغيلي لقطاع الصيد البحري بالأقاليم الجنوبية أصبح اليوم ملموسا بشكل واضح، سواء على مستوى إدماج الشباب والنساء أو على صعيد خلق فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة. فخلال الخمسة عشر عاما الماضية تمكن القطاع بفضل مجهودات كافة الشركاء من تحقيق مكتسبات مهمة، ساهمت في تحسين الناتج الوطني الخام للقطاع الذي تجاوز 16 مليار درهم سنة 2024، بمعدل نمو سنوي متوسط بلغ 6,7% ما بين 2010 و2024.

    وانسجاما مع البرنامج الحكومي للنهوض بالتشغيل، خاصة في المناطق الجنوبية، اعتمدت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري مقاربة ميدانية لتفعيل عدد من البرامج والمشاريع المهيكلة، التي تجاوز حجم استثماراتها 8 مليارات درهم، منها 1,5 مليار درهم كدعم اجتماعي مباشر لفائدة الصيادين التقليديين والشباب. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن حجم الاستثمار، بل عن قدرة هذه المشاريع على تحويل الثروة البحرية إلى فرص إدماج اجتماعي حقيقية، في إطار رؤية تجعل من البحر رافعة للتنمية وترسيخ الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسكاني.

    وفي ميدان الصناعات البحرية عرف النسيج الصناعي في الأقاليم الجنوبية تطورا لافتا، إذ ارتفع عدد الوحدات الصناعية من 145 وحدة سنة 2010 إلى 186 وحدة سنة 2024، أي بزيادة تناهز 29%. وتتمركز هذه الوحدات أساسا في مدن الداخلة (104 وحدات)، العيون (51 وحدة)، طانطان (18 وحدة)، بوجدور (10 وحدات) وسيدي إفني. هذا التطور يعكس دينامية استثمارية قوية عززت تنافسية الفاعلين وخلقت آلاف فرص الشغل الجديدة، سواء في أنشطة التثمين أو التحويل أو الخدمات الموازية المرتبطة بها.

    كما تم دعم وحدات تثمين الأسماك السطحية بحصص مخصصة للصيد، قصد الرفع من إنتاجيتها، ومنح حصص إضافية لوحدات التجميد بالداخلة والعيون التي حولت نشاطها من الأخطبوط إلى تثمين الأسماك السطحية الصغيرة، وهو ما أتاح خلق صناعة تحويلية محلية قائمة على تثمين المنتج البحري داخل الجهة. وإلى جانب ذلك تم إطلاق مشروع إنجاز ست وحدات تثمين بالداخلة ووحدتين ببوجدور، في إطار طلبات إبداء الاهتمام بمصيدة الأسماك السطحية الجنوبية، شريطة إحداث وحدات صناعية محلية. هذه المشاريع وحدها مرشحة لخلق نحو 4400 منصب شغل قار بالداخلة و1400 ببوجدور.

    ومن جهة أخرى أسهم تنظيم وتطوير نشاط بيع السمك بالجملة في خلق مناصب شغل إضافية، من خلال تشجيع إنشاء أكثر من 1500 شركة و100 تعاونية مهنية. وبفضل هذه الدينامية بلغ عدد مناصب الشغل المباشرة على اليابسة بالأقاليم الجنوبية سنة 2024 حوالي 34 ألف منصب، أي ما يعادل 26% من إجمالي المناصب الوطنية، مقارنة بـ 69 ألف منصب سنة 2010، بمعدل نمو سنوي متوسط قدره 4,8%.

    أما قطاع تربية الأحياء البحرية فتم اعتماده كرافعة واعدة لتشغيل الشباب والنساء، في إطار مقاربة قائمة على الحكامة والتخطيط الساحلي والمواكبة الميدانية. وتم تخصيص دعم مالي يناهز 129 مليون درهم لهذا الغرض، من بينها 87 مليون درهم لاقتناء التجهيزات والمعدات و42 مليون درهم لتعزيز البنية التحتية لتفريغ المنتجات البحرية.

    وقد حولت هذه المقاربة الداخلة إلى قطب إستراتيجي للاستزراع البحري، حيث تمت مواكبة 244 مشروعا أحدثت ما يقارب 2600 منصب شغل، منها 100 مشروع لفائدة شباب الجهة. كما تضاعف إنتاج تربية الأحياء البحرية عشر مرات بين 2010 و2024، ليصل إلى 4271 طنا. وارتفع التشغيل من 120 فرصة سنة 2010 إلى نحو 1300 سنة 2024، بنسبة تمثل 38% من الإنتاج الوطني و49% من قيمته الإجمالية.

    إن كل مشروع بحري اليوم، سواء كان وحدة تثمين أو مزرعة أحياء بحرية أو سوق سمك، لم يعد يُنظر إليه كاستثمار اقتصادي فحسب، بل كأداة لبناء مجتمع محلي متماسك اقتصاديًا واجتماعيا. وهذا هو جوهر المقاربة المغربية التي تربط بين التنمية والسيادة، وبين العمل المنتج والكرامة الاجتماعية، لتجعل من البحر فضاء لخلق الثروة وفرص العيش الكريم على امتداد الأقاليم الجنوبية للمملكة.

    كيف تساهم موانئ الجنوب، خصوصًا ميناء الداخلة الأطلسي المرتقب، في تعزيز تموقع المغرب كقوة إقليمية بحرية وربط إفريقيا بأوروبا؟

    تُعد الموانئ البحرية في الأقاليم الجنوبية للمملكة ركيزة أساسية في مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما تمثل اليوم واجهة متقدمة للإستراتيجية الوطنية الرامية إلى تعزيز تموقع المغرب كقوة بحرية إقليمية. فبلادنا، بفضل الرؤية الملكية السديدة، تبنّت إستراتيجية وطنية متكاملة لتنمية الموانئ، ترتكز على تطوير البنية التحتية وتعزيز التنافسية في ظل التحولات العالمية في سلاسل التوريد البحري.

    وتعمل كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري على تنزيل هذه الإستراتيجية من خلال مشاريع مهيكلة تُعزز البنية التحتية الخاصة بقرى الصيد ونقط التفريغ المجهزة على طول السواحل، بما فيها الأقاليم الجنوبية التي تزخر بمؤهلات بحرية هائلة؛ فالمياه المغربية تمتد على منطقة اقتصادية خالصة تفوق مساحتها مليون كيلومتر مربع، وتُعد من أغنى المناطق السمكية عالميا، خصوصا في الجنوب؛ وهو المعطى الذي جعل بلادنا تحتل المرتبة الثالثة عشرة عالميا في مجال الصيد البحري، والأولى إفريقيا في صيد الأسماك.

    وتؤشر الأرقام على أن مفرغات الصيد بالموانئ الجنوبية تمثل أكثر من 80% من حجم الإنتاج الوطني، ونحو 63% من قيمته، ما يعكس الوزن الاقتصادي لهذه الموانئ في التنمية الوطنية؛ كما استفادت من استثمارات كبرى في مجالات التأهيل والتوسعة والتحديث، لتواكب تطور الأسطول البحري الوطني والدولي وتستجيب لمتطلبات الأسواق الجديدة. وفي السياق ذاته يحتل المغرب المرتبة العشرين عالميا والأولى إفريقيا في تصدير منتجات البحر، وتشكل صادرات الأقاليم الجنوبية نحو 70% من حجم الصادرات الوطنية وقرابة 48% من قيمتها الإجمالية.

    أما ميناء الداخلة الأطلسي فيجسد اليوم مشروعا إستراتيجيا بامتياز على مستوى القارة الإفريقية، فهو ليس مجرد بنية تحتية مينائية، بل رؤية شاملة تُترجم إرادة المغرب في تعزيز سيادته البحرية وترسيخ مكانته كقوة إقليمية صاعدة في الاقتصاد الأزرق. يتموقع الميناء عند مفترق الطرق البحرية الكبرى بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، ما يجعله منصة لوجستية كبرى لربط القارات الثلاث، ودعامة رئيسية لتوسيع الحضور المغربي على الواجهة الأطلسية.

    كما يتوفر الميناء على تجهيزات متقدمة وبنية عميقة المياه قادرة على استقبال السفن الكبرى، إلى جانب مناطق لوجستية وصناعية واسعة، بما يُحول الأقاليم الجنوبية إلى قطب تنموي متكامل ومنصة اقتصادية ولوجستية ذات إشعاع قارّي. ومن هذا المنظور يجسد الميناء أيضا البعد العملي للمقاربة المغربية في التنمية، كما أكد عليه قرار مجلس الأمن الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي نوّه بواقعية النموذج التنموي المغربي في إطار السيادة الوطنية.

    ولا يمكن إغفال البعد الإفريقي لهذا المشروع، إذ يندرج ضمن المبادرة الملكية السامية الرامية إلى تمكين عدد من دول الساحل الإفريقي من الاستفادة من ميناء الداخلة الأطلسي، في خطوة تُكرّس رؤية المغرب لتقوية التعاون جنوب–جنوب وتعزيز التضامن الإفريقي؛ لأن المبادرة تفتح آفاقا أمام دول غير ساحلية مثل مالي والنيجر وتشاد لولوج الأسواق الدولية عبر منفذ بحري حديث وآمن، بقدر ما يعزز قدراتها التصديرية ويرسخ التكامل الاقتصادي الإفريقي في إطار شراكة متوازنة.

    وفي ما يخص قطاع الصيد البحري سيُحدث ميناء الداخلة الأطلسي تحولا نوعيا في تدبير أنشطة الصيد وتنظيمها، من خلال إنشاء أرصفة مخصصة للسفن ومراكز متطورة للفرز والتبريد والتثمين، وتوفير بيئة استثمارية محفزة لصناعات التصبير والتجميد والتوزيع الدولي. هذه المكونات مجتمعة ستُسهم في رفع القيمة المضافة للمنتج البحري المحلي وإدماج الأقاليم الجنوبية في سلاسل القيمة العالمية.

    ومن هذا المنطلق يمكن القول إن ميناء الداخلة الأطلسي ليس فقط بوابة بحرية جديدة للمغرب، بل هو مشروع سيادي وإستراتيجي يُجسد رؤية متكاملة لاقتصاد المستقبل، حيث تلتقي التنمية بالسيادة، وتتحول الأقاليم الجنوبية إلى قلب الأطلسي النابض ومركز الربط بين إفريقيا وأوروبا والعالم.

    ما الدور الذي تلعبه الدبلوماسية البحرية والاتفاقيات الدولية للصيد البحري في حماية سيادة المغرب على موارده في مناطقه الجنوبية؟

    الدبلوماسية البحرية المغربية تُعد اليوم إحدى ركائز الدفاع عن السيادة الوطنية وحماية الموارد البحرية، خصوصًا في الأقاليم الجنوبية للمملكة؛ وهي دبلوماسية تنطلق من رؤية ملكية متبصرة تجعل من المحيطات مجالًا إستراتيجيًا للتعاون والتوازن الجيوسياسي، لا فقط مجالًا للتنافس على الموارد.

    وقد اعتمدت المملكة، بتوجيهات سامية من جلالة الملك محمد السادس نصره الله، مقاربة شمولية تقوم على الانخراط الفاعل داخل المنظمات الإقليمية والدولية، وإبرام اتفاقيات وشراكات متوازنة تؤكد السيادة الكاملة للمغرب ووحدته الترابية. وهذه الاتفاقيات، في جوهرها، ليست مجرد نصوص قانونية، بل أدوات دبلوماسية تضمن الاستغلال المستدام والعادل للثروات البحرية، بما فيها تلك الموجودة في مياه الأقاليم الجنوبية.

    وفي هذا الإطار تضطلع كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري بدور محوري في بلورة هذه الاتفاقيات وضمان انسجامها مع السياسة الوطنية للصيد المستدام، مع الحرص على أن تُترجم هذه الشراكات إلى برامج عملية تشمل البحث العلمي البحري، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات المحلية، وتثمين الثروات لفائدة ساكنة الجنوب، في انسجام تام مع النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية.

    وتُجسد هذه الدينامية اعترافا دوليا متزايدا بمشروعية المقاربة المغربية في تدبير الثروات البحرية ضمن نطاق سيادتها الكاملة على مياهها الجنوبية، كما تعكس في الآن ذاته حضورا مغربيا قويا في المنتديات الدولية، باعتبار المغرب فاعلا مسؤولا في حكامة المحيطات ومدافعا عن مبادئ الاستدامة والتضامن.

    وقد تُوّج هذا الحضور بمصادقة المغرب على اتفاق التنوع البيولوجي البحري في المناطق الواقعة خارج حدود الولاية الوطنية (BBNJ)، وبمشاركة وازنة في الدورة الثالثة لمؤتمر الأمم المتحدة حول المحيطات (UNOC3) بمدينة نيس الفرنسية، حيث ترأست صاحبة السمو الملكي الأميرة لالة حسناء الوفد المغربي، في تأكيد على التزام المملكة بقضايا المحيطات والبيئة البحرية العالمية.

    وفي هذا السياق تبرز أيضا مبادرة جلالة الملك لتنمية الشراكة الأطلسية بين دول إفريقيا المطلة على المحيط الأطلسي، باعتبارها رؤية إستراتيجية متجددة تُعزز التعاون جنوب–جنوب، وتكرّس مكانة الأقاليم الجنوبية كجسر للتكامل الإقليمي ومركز للنمو الاقتصادي البحري. كما أن المبادرة الملكية الهادفة إلى تمكين الدول الإفريقية الساحلية من الولوج إلى المحيط الأطلسي تُجسد البعد الإنساني والتضامني للدبلوماسية المغربية، من خلال تمكين هذه الدول من منفذ بحري حديث يربطها بالأسواق الدولية.

    إن الدبلوماسية البحرية المغربية لا تكتفي بالدفاع عن السيادة من منطلق قانوني أو سياسي، بل تمارسها فعليا عبر مشاريع وشراكات إستراتيجية ترسّخ حضور المملكة في فضائها الأطلسي، وتحوّل أقاليمها الجنوبية إلى مركز تفاعل بين السيادة الوطنية والقيادة الإقليمية في مجال الاقتصاد الأزرق.

    يبدو أن المغرب يتبنى نهجا شاملا في حماية الموارد البحرية، هل يمكن أن تخبرينا المزيد عن الإستراتيجية التي يعتمدها في هذا المجال، وخاصة في ما يتعلق بالتنوع البيولوجي البحري؟

    بطبيعة الحال، المغرب اعتمد نهجا شاملا يقوم على مفهوم “السيادة المستدامة” على الموارد البحرية، الذي يجمع بين حماية البيئة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويضع استدامة الموارد البحرية في صلب إستراتيجية وطنية متكاملة. ويُعَد هذا التوجه من أكثر التجارب تميزا على الصعيد الإفريقي، إذ يهدف إلى جعل قطاع الصيد البحري رافعة قوية للتنمية المستدامة.

    وتركز الإستراتيجية على تعزيز استدامة المصايد البحرية، وحماية الأنواع البحرية المهددة، مثل الثدييات البحرية، وأسماك القرش، والسلاحف البحرية، والطيور البحرية، بما يضمن الوفاء بالالتزامات البيئية المتفق عليها في الاتفاقيات الدولية؛ إذ أسهم هذا التوجه في تحقيق توازن بين الأداء الاقتصادي والحفاظ على التنوع البيولوجي، مع تعزيز القدرة التنافسية للقطاع.

    وتتضمن الإستراتيجية بناء منظومة وطنية متكاملة للبحث العلمي والمراقبة، يشرف عليها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، وتشمل الرصد البيولوجي والمناخي، وتقييم المخزونات، وتتبع تأثير التغيرات المناخية على الموارد البحرية. وقد تم تزويد هذه المنظومة بسفينة أوقيانوغرافية حديثة، مجهزة بأحدث التقنيات، تُستخدم لدراسة دينامية النظم البيئية البحرية وتأثير الظواهر المناخية، ما سيسهم في تعزيز القدرة السيادية على المعرفة البحرية.

    كما تهدف هذه الإستراتيجية إلى الانتقال نحو مصايد مستدامة تضمن الأمن الغذائي، وتوفير فرص عمل مستقرة، وتحقيق تنمية اقتصادية مسؤولة ومتوازنة. ويجعل هذا التوجه المغرب مرجعا قاريا في مجال الحكامة الزرقاء، حيث يجمع بين حماية البيئة وتعزيز دور الاقتصاد الأزرق في التنمية الوطنية.

    في حديثك عن إستراتيجية “أليوتيس” والمخطط الأزرق، هل يمكن تفصيل كيف يدعم المغرب التعاون مع الدول الإفريقية الأخرى المطلة على الأطلسي في هذا المجال؟

    راكم المغرب تجربة تزيد عن 15 سنة في تنفيذ إستراتيجية “أليوتيس”، وقد ساهمت في تطوير قطاع الصيد البحري محليا، مع العمل على مشاركة هذه التجربة والخبرة مع الدول الإفريقية المطلة على المحيط الأطلسي. ويشكل هذا النهج جزءا من رؤية شاملة لتعزيز التعاون جنوب–جنوب، وترسيخ مكانة الأقاليم الجنوبية كبوابة بحرية تتيح توسيع الشراكات الإقليمية في المجال البحري والاقتصاد الأزرق.

    وتجسد “مبادرة الحزام الأزرق” خطوة مهمة في هذا الاتجاه، إذ تهدف إلى تسهيل وصول الدول الإفريقية الشقيقة إلى الموارد البحرية، وتعزيز الاقتصاد الأزرق المستدام عبر الممارسات المسؤولة للصيد وحماية التنوع البيولوجي البحري. كما تركز المبادرة على بناء جسور اقتصادية بين الدول، من خلال دعم مشاريع مشتركة في تربية الأحياء البحرية، والتثمين الصناعي للمنتجات البحرية، وتطوير البنية التحتية للموانئ الساحلية.

    ويتيح هذا النهج تعزيز قدرات الدول الإفريقية في مجال الاقتصاد الأزرق، من خلال نقل التكنولوجيا، وتبادل التجارب، وبناء الكفاءات البشرية، بما يضمن الاستغلال المستدام للموارد البحرية، ويحقق عدالة مجالية وتنمية اقتصادية متوازنة على الصعيد الإقليمي؛ كما يعكس الالتزام القوي بالممارسات البحرية المسؤولة والحوكمة الرشيدة للمحيطات، مع تأكيد مكانة المغرب كفاعل إقليمي يساهم في تعزيز التكامل الاقتصادي والبيئي بين دول الساحل الأطلسي.

    وبهذا المعنى لا يقتصر دور المغرب على إدارة قطاعه البحري داخليا، بل يمتد ليشمل قيادة مبادرات إقليمية تعزز التعاون الاقتصادي والبيئي، وتضع الأقاليم الجنوبية في قلب شبكة للتنمية المستدامة على مستوى المحيط الأطلسي، مساهمة بذلك في إرساء نموذج إفريقي للتكامل في الاقتصاد الأزرق.

    هل هناك إستراتيجيات لإدماج الرقمنة في تدبير قطاع الصيد البحري، خصوصا في موانئ الجنوب؟

    اعتمد المغرب منذ سنوات إستراتيجية شاملة لإدماج الرقمنة في قطاع الصيد البحري، بهدف تعزيز الشفافية وتحسين جودة الخدمات الإلكترونية، وخاصة في الموانئ الجنوبية التي تشكل أرضية رائدة لهذه التجارب. وقد تم التركيز على تطوير منظومة متكاملة لتسويق المنتجات البحرية، بهدف ضمان تتبع مسارها وتحسين فعالية عمليات البيع بالمزاد.

    وفي هذا الإطار أُطلقت برامج طموحة لتحديث آليات التسويق، تتضمن اعتماد نظام رقمي متكامل لإدارة عمليات البيع وإعادة هيكلة النظام المعلوماتي للمكتب الوطني للصيد. ويتيح هذا النظام متابعة جميع العمليات التجارية بشكل فعال وشفاف، مع ربط جميع نقاط البيع على المستوى الوطني، بشكل يسهل تطبيق مشروع البيع عن بعد مستقبلا.

    كما تم في السياق ذاته تطوير تطبيق هاتفي خاص يمكن التجار من المشاركة في عمليات الشراء إلكترونيا، مع تعميمه تدريجيا وفق مخطط عمل منظم، تزامن مع التنسيق المستمر مع المهنيين المعنيين لضمان نجاح المنظومة. ويعتمد هذا النظام المعلوماتي على تقنيات حديثة من برامج وأجهزة، ما يوفر قاعدة تكنولوجية قوية لدعم عمليات الرقمنة في جميع مراحل سلسلة التسويق البحري.

    وعلى مستوى البنية التحتية، يضم القطاع أربعة أسواق للسمك من الجيل الجديد بالأقاليم الجنوبية، بغلاف مالي استثماري يناهز 160 مليون درهم بكل من العيون، الداخلة، طانطان، وبوجدور، مع مشاريع مستقبلية لإنجاز أسواق مماثلة بطرفاية وسيدي إفني.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سعيد عاهد: جراح الطرد التعسفي من الجزائر لم تلتئم في ذاكرة المغاربة


    حاوره : عبد الله الساورة

    في مدينة الجديدة حيث يختلط الموج بحبر التاريخ، تشكّل وعي سعيد عاهد ككاتب ومترجم وصحافي، لا بوصفه حاملا لكلمات الآخرين فقط، وإنما باعتباره مشيّدا لجسور بين الأزمنة واللغات، بين الذات وظلالها، بين الحرف وألم المعنى. رجل يكتب لأنه لا يستطيع أن يصمت، ويترجم لأنه يريد أن يُسمِع، ليس صوته بالضرورة، وإنما أصواتا كثيرة خافتة، مهمّشة، منسية أو غير مفهومة، تحتاج من يعيد تشكيلها لا ليحتكرها، بقدر ما يمنحها فرصة أخرى للعيش.

    لم تكن الكتابة لدى سعيد عاهد وسيلة هروب ولا الترجمة فعلا عابرا من ضفة إلى أخرى. فقد كانت الأولى مقاومة لإكراهات اللغة المحايدة في الصحافة، والثانية بحثا في الذاكرة المنسية عن ملامح الذات المغربية، كما تراها وترويها أعين الآخر. وبين الصحافة والإبداع والترجمة، نسج مساره، متنقلا بينها من دون أن يتنكر لأي منها، فهو يلبس قميص الصحافي، حتى لا ينسى دفء القصيدة، وحين ينكب على ترجمات تاريخية أو أنثروبولوجية معقدة، لا يخفي ولعه بالمحو والتأويل وإعادة التملّك.

    وهو في الوقت نفسه الكاتب الذي لا يدّعي إنتاج المعرفة، بقدر ما يتقاسمها. وهو المترجم الذي لا يختبئ وراء النص، وإنما يمنحه حياة جديدة في لسانه الأصل. وهو ذلك المناضل الثقافي الذي تشكل في زمن كان فيه الحرف أداة مقاومة، لا ترفا إبداعيا، وفي زمن كانت فيه الترجمة ليست فقط جسرا بين لغتين، وإنما بين سرديتين، بين تاريخ رسمي وذاكرة غائبة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    يكتب سعيد عاهد ليعيد ترتيب فوضى العالم، ويترجم ليمنح للمنسيين والمبعدين والمهجرين صوتا، ويعود إلى الشعر حين تضيق عليه اللغة الرسمية بما رحبت. وبين قصيدة تُشبه الاعتراف، ومقال يُشبه السيف، وترجمة تُشبه المرافعة، يتوزع عاهد، لا باحثا عن مجد شخصي، وإنما عن أثر، وعن معنى، وعن لحظة صفاء بين الذات ومرآتها.

    وحين يُسأل إن كان سيعيد الطريق ذاتها إن عاد به الزمن، لا يتردد في الجواب: نعم. لأن الكتابة، بكل أوجاعها، كانت تستحق أن تُعاش، ولأن الترجمة، بكل تعقيداتها، كانت فعل حب لا خيانة. ولأن الصمت، ذلك الصمت الذي يشبه الحكمة أو الريح أو هدير البحر، هو رفيق دائم، لا بديل.

    في هذا الحوار لا نكتشف فقط كاتبا ومترجما، بقدر ما نلتقي برجل يحمل مشروعا ثقافيا على كتفيه، ويؤمن بأن اللغة ليست فقط وسيلة للتواصل، فهي أداة للفهم والمقاومة والتحرر.

    نص الحوار: حين بدأت الكتابة، هل كنت تكتب هربا من العالم أم شوقا إليه؟ وهل الترجمة كانت فعل خيانة للنص أم إنقاذا للذات؟

    في البدء، كانت الكتابة حرفتي ووظيفتي، أقصد كتابة المقال الصحافي في مختلف أجناسه، والترجمة جزء لا يتجزأ من العمل المهني هذا، من العربية إلى الفرنسية أولا، ولاحقا في الاتجاه الآخر. أما الإبداع، شعرا بلغة موليير ومحكيات بلغة الضاد، فشرعت في امتطاء صهوته كفعل مقاومة للغة الصحافة وإكراهاتها التي تستلزم الدقة في انتقاء الكلمات والحرص على ألا تتسم بلبس المعنى، والالتزام بحد أدنى من الموضوعية وكبح جماح المخيلة للاكتفاء برصد الحدث الواقع على أرض الواقع بدون زيادة. بينما لغة الإبداع تجيز للمبدع ما لا تجيزه لغة الصحافة للإعلامي، يسودها تعدد المعنى وتحضر ضمنها الذات المنعتقة.

    الكتابة الصحفية ترسم العالم كما هو، أو على الأقل مثلما يتبدى، بينما الكتابة الإبداعية، في تجربتي، تعيد صياغته كما تشتاق وتتوق إليه، تهرب من حاضره لتلتمس آفاقه المستقبلية، مسعاها صياغة رؤية غده المحتمل حتى وهي تطرق أبواب الذاكرة. وعلى مستوى الترجمة، خاصة ترجمة المؤلفات التاريخية والأنثروبولوجية حول المغرب، فهي ترمي أساسا إلى تقريب قراء العربية من نظرة الآخر إليهم وإلى مجتمعهم ودولتهم وممارساتهم، وتعريفهم بهذه النظرة البرانية. ووفق هذا الهدف المبتغى، فهي إنقاذ للذات الجمعية من النسيان ومحو الذاكرة، بفعل تناولها مواضيع لفتها الكتابات بالعربية بصمت مريب. ومن جهتها، تراهن ترجمة الأعمال السردية لبعض الكتاب المغاربة فرنسيّي اللسان على إعادة نصوصهم إلى منبعها ولغتها الأصل، استعادة تملكها من قبل محيطها الطبيعي، أو لنقل المساهمة في عودة نص ضال لسانيا إلى آله وذويه.

    بين أن تكون كاتبا يُنتج المعرفة، ومترجما يُعيد تشكيلها، أيّهما كنت أولا؟ وأيّهما الأكثر خيانة لك؟ وأيهما أكثر وفاء؟

    لا أزعم إنتاج المعرفة إطلاقا، سواء كصحافي أو ككاتب. أحاول فقط، قدر إمكانياتي المتواضعة، التواطؤ في فعل ثقافي عام أفقه تحديث العقل المغربي وتحريره من ترسبات ماضي يتم تمجيده وتقديسه بشكل مبالغ فيه، من التكلس والعيش خارج العصر وقيمه الإنسانية الكونية. مساهماتي، ضئيلة العمق والكم والصدى، مجرد نقل لمعارف منتقاة أنتجها الآخرون، وتوصيفها بعملية نقل ينطبق عليها جميعها سواء وقعتها كصائغ إياها أو كمترجم لها. وفي الكتابة الشخصية كما في الترجمة، والأولى سابقة زمنيا على الثانية في حالتي، أظل وفيا لقيم ومبادئ شكّلت وعيي وأفقي منذ أصابني فيروس تسويد الصفحات لتقاسمها مع قراء مفترضين.

    هل اخترت الترجمة لأنها تمنحك سلطة المواربة والاختباء خلف الآخرين أم لأنها تُعطيك صوتا أقوى مما تتيحه الكتابة الشخصية؟

    لم أختر الترجمة قبلا مع سبق الإصرار، بل فرضتها علي مهنتي كصحافي. مارست الترجمة الصحفية في البداية كواجب مهني، لأنقل إلى اللغة الفرنسية مواقف الحزب (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) الذي أشتغل في الجريدة الناطقة باسمه الصادرة بالفرنسية (ليبراسيون) وتحليلاته، وكذلك بعض المقالات الفكرية والثقافية والإبداعات المغربية المنشورة بالعربية لتعزيز وتنويع مضمون الصفحات الثقافية للجريدة. وبعدها، عند التحاقي بجريدة “الاتحاد الاشتراكي”، أضيف لترجمة المقالات والمقاربات السياسية والفكرية إلى العربية، تمرين موسمي ضمن ملحقين يصدران مرتين في السنة، فسحة رمضان وفسحة الصيف، صرت أنشر ضمنهما ترجماتي لبعض الكتب ومواد أخرى. وشاءت الصدف أن أنشر، في هذا الإطار، مقتطفات طويلة من مؤلف لألبير ساسون، أول عميد لكلية العلوم بالرباط، موسوم بـ “خياطو السلطان: مسار عائلة يهودية مغربية”، ليتصل بي عقبها المؤلف وناشره ويطلبا مني إنجاز ترجمة كاملة للكتاب لنشرها. هكذا بدأت الحكاية ببساطة وبدون ترتيب مسبق لتشرع في وجهي أبواب ترجمة الكتب. إن ترجمة المؤلفات ذات البعد التاريخي تتيح لي، بكل صدق، إمكانية معالجة بعض القضايا الراهنة الشائكة ذات الجذور التاريخية، ولكن على لسان الآخرين. وأسوق، في هذا المقام، مؤلفين اثنين مع أسباب نزولهما: “الجريمة والعقاب في مغرب القرن 16″، وهو ليس ترجمة محضة بل معلَّق عليها من طرفي، الذي يتناول ظاهرة العنف الممارس من قبل الدولة وفي مواجهتها في تلك الحقبة التاريخية؛ وخلفية هذا العمل تكمن في استمرار الظاهرة نفسها، بتجليات مغايرة، في المغرب المعاصر. والمثال الثاني هو كتاب الدكتورة ليجي الصادر سنة 1926 الذي ترجمته تحت عنوان: “المعتقدات والطقوس الشعبية للمغاربة قبل مائة عام”، وهو يصف معتقدات وطقوسا، أغلبها خرافية، ما زالت تسكن فكر وسلوك كثير من المغاربة وتتحكم فيهما إلى حد الآن.

    كيف تشكّل وعيك بتاريخ المغرب المعاصر؟ وما الذي دفعك لترجمة هذا النوع تحديدا؟ هل كنت تبحث عن الحقيقة أم تُحاول أن تُنقذ الذاكرة من النسيان؟

    تشكل هذا الوعي مبكرا، بتزامن مع انخراطي في العمل الجمعوي والسياسي الشبابي في سلك الدراسة الثانوية. كانت معرفة جوانب تاريخ المغرب السياسية والاجتماعية ضرورة “نضالية” و”إيديولوجية” تندرج ضمن تكوين كل مناضل شاب في صفوف اليسار يحترم نفسه وانتماءه، ومعها إدراك طبيعة الدولة المغربية ومراحل تشكلها. ورغم أن تكويني المدرسي علمي محض، فقد صار التاريخ المغربي، وخاصة بياضاته والمسكوت عنه ضمنه، قارة يهوسني ويستهويني استكشافها. أما ترجمة بعض صفحاته كما رواها الآخر، فهي بالطبع محاولة متواضعة لحماية قسط يسير من الذاكرة من آفة النسيان كما أشرت إلى ذلك سابقا، ونفض غبار الصمت على بعض الصفحات التي تتناساها الرواية الرسمية أو تحكيها وفق وجهة نظر أحادية منحازة. أما الحقيقة في حقل التاريخ، فتظل نسبية إلى حد كبير، خاصة أن المنتصرين هم الذين يكتبونه! خذ مثلا كتاب “الفتان بوحمارة: محكيات من سيرة الروگي بوحمارة لصحفيين وكتاب غربيين معاصرين له”، فهو يحاول تقديم رؤية مختلفة عن الرؤية السائدة لدى مؤرخي تلك المرحلة المغاربة للرجل الذي طالب بالعرش في مطلع القرن العشرين، ومقاربة مغايرة لشخصيته وانتفاضته وتجربته، علما أنه لم يكن مجرد “روگي” (أي خارج عن طاعة السلطان ومنتفض ضد حكمه ومطالب بالعرش من دون شرعية ولا وجه حق) عابر، بل حكم مناطق شاسعة من البلاد طيلة حيز من الزمن، وأسس مخزنا مماثلا للمخزن العزيزي ببنيقاته (وزاراته) وجيشه، ومظاهر الأبهة الممارسة في طقوسه وظهائره، بما في ذلك فرقة نحاسية.

    الصحافة، الترجمة، والكتابة: ثلاث جبهات، لكل منها سلاحها. كيف توزّعت بينها؟ وأين تُقاتل فعليا؟

    الجيل الذي أنتمي إليه والذي انخرط في صفوف اليسار، إما تنظيميا أو فكريا، كان يتميز بتعدد الاهتمامات إلى حد كبير، الفرد منه يضع عدة قبعات ويمارس قناعاته في مجالات مختلفة قد تبدو متسمة بالتناقض فيما بينها للمراقب المتسرع. لكن قدر هذا الجيل تشكل على هذا المنهاج، وزمنه الحي دفعه إلى تعدد “الأنا”. كان العالم أيامها خشبة مسرح في حاجة إلى تغيير، حلبة صراع سياسي وفكري وإيديولوجي يجب الانتصار في مضمارها لقيم التنوير، ودمقرطة المجتمعات والدول، وتحقيق الكرامة المواطنة والمساواة، ومناهضة الإمبريالية والصهيونية والعنصرية والرأسمالية. وبناء على تعدد الذات هذا، فالصحافة والترجمة والكتابة ربطات عنق أضع الواحدة منها حسب السياق والمقام. أنتقل بينها مثل رحالة محترف، لا فرق لديه بين الإبحار برا أو بحرا أو جوا. ومع ذلك، فالشعر يظل أقرب إلى هواي وإلى ذائقتي. أتنفس من خلاله وبه وعبره، أتحرر حين اقترافه من أبشع السلط تسلطا في الكون، سلطة اللغة التي تتولد من رحمها أغلب السلط الأخرى. أوظفه سلاحا فتاكا لعتق الكلمة التي تقولني وتقول خيباتي وهشاشتي من أبوية سيبويه التحكمية، وطهرانية الأكاديمية الفرنسية المستبدة، وكليانية مجاميع الألسن الحية والمنقرضة. لنقل إنه زوجتي الشرعية وأم أطفالي، بينما الترجمة والمقالة الصحفية عبارة عن خليلتين أقضي وقتا ممتعا بين أحضانهما، وذلك رغم أن المدة الزمنية التي أخصصها لسرير الأخيرتين ومسامرتهما تفوق بكثير تلك التي أقضيها في معبد الشعر.

    في مشاريعك، هل كنت تختار النصوص أم كانت هي التي تختارك؟ ما الذي يجذبك في كتاب ما لتقول: “هذا يجب أن أترجمه”؟

    اختيار المؤلفات التي أقدم على ترجمتها يكون، على العموم، نتيجة تفاوض بيني وبين دار النشر، ليس على قيمة التعويض وبنود عقد الترجمة، بل على العنوان الذي إما يقترحه الناشر أو نناقش جدوى الاشتغال عليه مبادرة مني. ورغم اهتمامي أساسا بترجمة النصوص ذات المنحى التاريخي والأنثروبولوجي والسرود المغربية، فإنه حدث مرارا أن وافقت على محاورة متن لا علاقة له بهذين المجالين، وذلك نظرا إما لطرافة موضوعه أو لاعتقادي بأن توفيره لقراء اللغة العربية لا يخلو من فائدة تتجاوز مجرد لذة القراءة. اسمح لي بأن أسوق مثالين في هذا السياق. أولهما كتاب “رحلة ذهاب بدون إياب: الطرد التعسفي لمغاربة الجزائر سنة 1975” لمحمد الشرفاوي، وهو عبارة عن نص من جنس التخييل الذاتي يسترجع تلك المحنة التي هي، في الواقع، جريمة قائمة الأركان اقترفها النظام الجزائري مع سبق الإصرار والترصد. ثمة ثلاثة أسباب جوهرية بررت ترجمتي لهذا المؤلف: كوني عايشت وفود بعض هؤلاء المبعدين إلى مدينة الجديدة، مدينتي، وكون قضيتهم ليست معروفة بالقدر الكافي لدى مواطنيهم ولدى باقي الشعوب العربية، وكون مأساتهم تستلزم الاعتراف وجبر الضرر وإعادة ممتلكاتهم المسلوبة من قبل الدولة الجزائرية إليهم. كان عملي هذا مساهمة في الترافع على قضية أعتقد أن السلطات المغربية لم تخصص لها ما يكفي من الاهتمام والعناية والمصاحبة. أما المثال الثاني، فيتمثل في ثلاثة أعمال تيمتها جميعها الطائفة اليهودية المغربية، تاريخها وطقوسها وعاداتها وهجرة أغلبيتها (“خياطو السلطان” سالف الذكر، و”طعم المربيات: طفولة يهودية في المغرب” لبوب أوري أبيطبول، والمؤلف الجماعي “الذاكرة اليهودية في شرق المملكة المغربية”). وهذه الترجمات كانت تهدف إلى تسليط الضوء على أحد مكونات المغرب على امتداد تاريخه الموغل في القدم وأحد الروافد الأساسية لحضارته وثقافته وفنونه؛ مكون ورافد يجهل الكثير من الشباب إسهامه الغني وبصمته الفاعلة في ذاكرتنا الجمعية لأسباب معروفة. خلاصة القول، إن ترجمتي لنص ما تكون مشروطة أساسا بقدرته على نسج علاقة تحاب معي كقارئ أولا، وعلى منفعته المعرفية أو الأدبية ثانيا، وعلى احتمالي توليد لذة الإمتاع والمؤانسة لدى المتلقي ثالثا. أما إذا وجدت نفسي في موضع الاختيار بين نصين لا يسمح السقف الزمني المحدد بترجمة إلا واحد منهما فحسب، فإنني أعطي الأولوية للنص النسائي في حالة وجوده، انتصارا لمقاربة النوع ولأسباب جلية أخرى. هكذا، نقلت إلى العربية، ضمن منجز يصل إلى 21 عنوان تقريبا، خمسة مؤلفات تحمل توقيع نون النسوة (دراسة الدكتورة ليجي المذكورة سالفا، و”السماء تحت أقدامنا” لليلى باحساين، و”المغرب كما رأيته: فرنسية في مغرب 1908″ لماثيلد زييْس، و”عندما يتعثر الحمل” لكاتبتين كنديتين، علاوة على “الوجه الآخر للصيف”، رواية هاجر أزل التي هي قيد الطبع).

    بعد كل هذا الطريق: لو عاد بك الزمن إلى بدايتك، هل كنت ستختار أن تكون مترجما وكاتبا في آن أم كنت ستختار الصمت؟

    ثمة شريط سينمائي أمريكي شاهدته في بداية الثمانينيات وتاه عنوانه في شظايا الذاكرة، يقول بطله في نهاية الفيلم وهو يساق إلى غرفة تنفيذ حكم الإعدام في حقه: “الحياة كانت جديرة بأن تُعاش!” الكتابة والترجمة كما عشتهما ومارستهما كانتا تستحقان أن أعيشهما، وفق نفس الإدمان الراديكالي المُحبّ حد الضيوم الذي هو أسمى مراتب الحب وفق الثعالبي. كنت سأختار الصمت كذلك، ليس كبديل عن حرقتهما، بل كرفيق لدربي في مسار فضيحة اقترافهما واستنشاق عطرهما؛ أعني بالطبع الصمت الناطق بالمعنى مثل صمت الحكماء أو صمت البحر أو صمت الريح، أي ما يتبقى حين نكف عن توظيف اللسان وإصدار الأصوات للإنصات إلى هدير العالم الصامت وصمت الواقع الناطق بالمرارة. لو قدر لي الانبعاث طفلا وشابا يافعا، لسلكت السبيل ذاته، ترجمانا ومصفف كلمات زاده “الأفازيا” (الحُبسة) التي هي، وفق ميرولو-بونتي، “سجن يعتقلنا خلف قضبان الصمت”.

    إقرأ الخبر من مصدره