Catégorie : حوارات

  • خالص: زيادة مقاعد مجلس النواب مطلب نخبوِيّ لا يعكس الأداء الديمقراطي


    حاوره: عبد العزيز أكرام

    أكد عبد الرحيم خالص، الأستاذ الباحث في العلوم القانونية والسياسية، أن “مخرجات المشاورات المتواصلة ما بين الأحزاب السياسية ووزارة الداخلية بخصوص “تشريعيات 2026″، يرتقب أن تتأرجح بين مراجعة القوانين الانتخابية بإحداث تعديلات تقنية جد ضيقة، وبين إحداث تعديلات تقنية وسياسية في الوقت نفسه”.

    واعتبر الأستاذ الجامعي بكلية الحقوق بأيت ملول، في حواره التالي مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن “اقتراح بعض الأحزاب السياسية الرفع من عدد مقاعد مجلس النواب لا يعدو كونه مطلبا نخبويا بمنطق الترف السياسي الذي يتمسّك بالمبرر الديمغرافي، ناسيا أو متناسيا أن العبرة تبقى بالأداء وفقا للمبرر الديمقراطي”.

    وشدّد خالص على “ضرورة التفكير في ميثاق الشرف الحزبي (الخاص بنزاهة الترشيحات) بمنطق التعاقد السياسي الشريف، بعيدا عن اتخاذه شعارا انتخابيا”، مبرزا أن “ما دون ذلك سيكون وراء استهلاك ما تبقى من الثقة لدى المواطنين في الأحزاب السياسية”.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    ويرى صاحب كتاب “البرلمان المغربي والمواطن الناخب” أن جعل جميع الإصلاحات الانتخابية ذات أثر حقيقي وواقعي “رهين باعتبار المواطن محور العملية كلها، أي أن تقاس كل هذه الإصلاحات بمدى تعزيز الثقة في الفاعلين والمشاركة السياسية لدى مختلف المواطنين/الناخبين”.

    وأفاد أيضا بأنه “إذا استطاعت الأحزاب السياسية تجنب مصالحها الضيقة نحو أفق انتخابي بمنطق المصالح المشتركة، فقد تتحول المنافسة الانتخابية إلى حوار سياسي حقيقي قائم على برامج واضحة وكفاءات قابلة للمساءلة، حيث ستشكل الانتخابات بوابة حقيقية لتجديد الحياة السياسية وبناء التعددية الحزبية الحقيقية بالمغرب”.

    وفيما يلي نص الحوار: مع اقتراب انتهاء المشاورات بين الأحزاب السياسية ووزارة الداخلية بخصوص مراجعة القوانين الانتخابية، في مرحلتها الأولى، يُطرح السؤال حول الهامش الذي يمكن أن تشمله التعديلات المرتقبة.

    في البداية، وجب التذكير بأن وزارة الداخلية قليلا ما تتعامل بشكل تفاعلي مع مطالب الأحزاب السياسية، خارج التوجيهات الملكية كما شهدت أغلب التجارب الانتخابية السابقة. ولذلك، يظل الهامش المتاح متأرجحا، في نظري، بين ثلاث حالات؛ تهم الأولى مراجعة القوانين الانتخابية بإحداث تعديلات تقنية جد ضيقة، تهدف إلى ضمان فقط تنظيم الاستحقاقات المقبلة في ظروف جيدة (تطوير عمليات التسجيل في اللوائح، تنظيم عمليات تمويل الحملات، تعزيز آليات الشفافية والمراقبة يوم الاقتراع). وهذا لا يحتاج في الأساس إلى تدخل مستمر من طرف الأحزاب لأنه يتعلق بمسألة تنظيمية أكثر مما يتعلق بجوهر العملية السياسية الانتخابية.

    وتتمثل الحالة الثانية في إحداث تعديلات تقنية وسياسية في الوقت نفسه (تعديل العتبة الانتخابية، إعادة النظر في تمثيلية النساء أو الشباب أو هما معا، إعادة النظر في خارطة التقطيع الانتخابي). وهذا الأمر يحتاج إلى تفاوض مستمر مع الوزارة، من خلال تكتلات حزبية واسعة.

    أما الحالة الثالثة فتهم إجراء تعديلات عميقة وحاسمة (قد تتعلق بطبيعة الاقتراع المعتمد ونمطه، إحداث تقطيع انتخابي واسع جدا، اعتماد التصويت الإجباري من خلال الآلية الإلكترونية). وهذا النوع من التعديلات يحتاج صراحة إلى نفس كبير في التفاوض والتوافق في الوقت نفسه. أولا، من خلال توافق أغلب الأحزاب السياسية حول الأمر؛ وثانيا، من خلال بحث الأحزاب السياسية عن سند لتطلعاتها، كالتوجيهات الملكية وحرص الدولة على الاستقرار الانتخابي المبني على الإصلاحات السياسية المتدرّجة.

    وفي جميع الأحوال، يمكن للحالتين الأولى والثانية أن تكونا موضوع هامش الاستجابة من طرف وزارة الداخلية لجانب من مطالب وتطلعات الأحزاب السياسية، بينما تظل الثالثة أصعب في الظرفية الحالية، ما لم تستند على سبيل المثال إلى تدخلات أعلى سلطة بالبلاد.

    طرحت بعض الأحزاب السياسية مقترحا يهم توقيع ميثاق شرف يقضي بالالتزام بعدم ترشيح نخب فاسدة أو مشبوهة. هل يشكل ذلك اعترافا بأن التحدي الأكبر حاليا هو تشكيل مجلس نوابٍ قادر على ممارسة مهامه الرقابية بدون تشويش، خصوصا بعد المتابعات القضائية التي تفجّرت خلال السنة الماضية؟

    تُذكّرني فكرة صياغة ميثاق شرف بميثاق الأغلبية الذي عرفته تجارب حكومة ما بعد دستور 2011، أي إن فكرة الميثاق، في حد ذاتها، فكرة محمودةٌ وإن كانت تنطوي داخلها على اعتراف ضمني بوجود الفساد واستفحاله في المحطات الانتخابية، سواء ما يتعلق بالترشيحات أو بشراء الأصوات أو بالحملات السرية القبلية وغيرها من الأفعال التي يسعى ربما هذا الميثاق إلى محاربتها.

    غير أن ما يبدو عليه الأمر، في نظري، هو أن فكرة الميثاق باعتباره تعهّدًا جماعيا بالتماس أنظف الطرق لاتقاء الشبهات، يظل رهانا مرتبطا بالعقلية الانتخابية؛ فالمواثيق وحتى القوانين يصعب عليها الحد من السلوكيات المشينة وغير الأخلاقية ما لم يكن الإنسان، سواء المنتَخب أو المنتخِب، متشبعا بروح الديمقراطية والتنافسية المشروعة والإيمان بالتمثيل الممنوح ثقة وليس التمثيل المسروق حيلاً. وهذا الأمر يجعل المؤسسة البرلمانية، نُواباً ومستشارين، أمام تحدٍ حقيقي، يربط مصداقيتها وتمثيليتها الديمقراطية بمصداقية الأحزاب، مترشحين ومصوتين.

    وأمام ما تشهده الساحة السياسية الانتخابية مؤخرا حيال العديد من المتابعات القضائية التي توبع أصحابها بشبهات مالية وإدارية أو ما أعلنته المحكمة الدستورية من مقاعد شاغرة بعد تجريد أصحابها منها، تكون المؤسسة البرلمانية أمام امتحان استعادة ثقة المواطنين في العملية الانتخابية عموما وبناء الرهانات السياسية للاستحقاقات القادمة بحسن نوايا قد يتضمنها نص الميثاق نفسه.

    وأود في هذا الصدد الإشارة إلى أن قوة الميثاق ومصداقيته تتطلب في البداية إرادة حزبية قوية بنوايا حسنة لها ضماناتها القانونية والإجرائية التي ستبرهن على فعاليتها في محاربة الفساد الانتخابي بصفة خاصة، والمفسدين السياسيين بصفة عامة.

    وتستوجب أيضا، في رأيي، آليةً مستقلة لمراقبة العمليات الانتخابية، بما فيها عمليات منح التزكية وعمليات قيادة الحملات وعمليات التصويت يوم الاقتراع، وأي خرق في هذا الإطار يتم الكشف عنه أمام الرأي العام ومنعه من أي تعامل حزبي مستقبلا، انتماءً أو ترشحا أو حتى تصويتا؛ فضلا عمّا يمكن اتباعه من مساطر قانونية في هذا الشأن أمام الجهات القضائية المختصة، زيادة على ضرورة تفعيل الآليات القضائية لمواكبة العمليات الانتخابية والسهر على احترام القانون والإرادة الشعبية للمواطنين في الاختيار الحر والنزيه.

    ما أود كذلك أن أشير إليه هو أن استرجاع الثقة المفقودة في أدوار ومهام البرلمان في الولاية البرلمانية الحالية، مع الأسف الشديد، يوجب التفكير في ميثاق للشرف بمنطق التعاقد السياسي الشريف، الذي يجعل المصلحة العامة من أولوياته وخدمة المواطَنة المغربية من أولى أهدافه. وما دون ذلك، سيكون الميثاق مجرد شعار انتخابي لاستهلاك ما تبقى من الثقة لدى المواطنات والمواطنين حيث ستحصد الأحزاب السياسية عزوفا لا مثيل له، قد يتجاوز عزوف تشريعيات 2007، وهو ما نتمنى عدم حصوله نهائيا، لأنه لن يخدم لا الأحزاب السياسية ولا المواطنات والمواطنين نهائيا.

    أبعد من ذلك، أثارت بعض المقترحات الحزبية الداعية إلى رفع عدد مقاعد مجلس النواب ردود فعل قوية. هل يوجد فعلا ما يبرر طرح هكذا مقترح في سياق ما يُثار من ملاحظات بشأن مردودية العمل النيابي؟

    بصراحة، هذا المقترح يثير الكثير من علامات الاستفهام في نظري، وهي علاماتٌ إما ذات طابع تقني أو ذات طابع سياسي. فمن الناحية التقنية، يمكن تبرير رفع عدد المقاعد باستحضار عاملين: الأول هو الزيادة السكانية وتوسع الخريطة المجالية، حسب الاستحقاقات الإحصائية الأخيرة (2024)، ما قد يستدعي إعادة النظر في التمثيلية العددية للمواطنين داخل البرلمان؛ وهو أمر مشروع إلى حد ما. أما الثاني فهو الرغبة في تحسين تمثيل الفئات الهشة والمجالات المهمشة عبر دوائر إضافية. وهذا سيقودنا إلى فكرة إعادة التقطيع الانتخابي وفق الحالة الثالثة التي تحدثنا عنها سابقا، وهي الحالة الأصعب في الحدوث، مما يعني عدم مصداقية مثل هذا الطلب أو المقترح.

    ومن الناحية السياسية، فإنه من الصعب الموازنة بين مطلب الزيادة في المقاعد والمردودية البرلمانية. فلو أننا أمام إنتاج برلماني يسعد كل المغاربة ويبني الثقة في المؤسسة البرلمانية بشكل كبير لكان هذا المطلب مطلبا شعبيا قبل أن يكون مطلبا حزبيا. وهنا، موضع التساؤل التالي: هل يقبل العقل أن ندخل للبرلمان المزيد من المقاعد التي تثقل كاهله ماديا في الوقت الذي لا تنتج أي مردودية لتغطية ذلك الثقل (ولو أداءً)؟

    والإشكال الكبير، وفق ما يبدو لي، إشكالٌ نوعي وليس عدديا، على اعتبار أن النوعية ترتبط بالأداء والمردودية والإنتاجية، وهذه الأمور لم تتحقق بالشكل المنتظر خلال هذه الولاية. وهناك دراسات سابقة في الموضوع تثبت بما لا يدع مجال للشك أن الأداء يظل ضعيفا جدا سواء عند النواب المنتمين إلى الدوائر الانتخابية بالمجالات الحضرية أو بالمجالات القروية.

    وماذا يعني ذلك إذن؟

    يعني أننا لسنا بحاجة إلى إضافة مقاعد قانونية بمنطق الكراسي الواقعية، بينما نحن بحاجة إلى إضافة أدمغة تشريعية ورقابية وتقييمية في مجال السياسات العمومية والشؤون البرلمانية والعمل البرلماني. ويتضح بذلك أن هذا المطلب، في جذريته، ليس سوى مطلب نخبوي بمنطق الترف السياسي الذي يتمسك بالمبرر الديمغرافي، ناسيا أو متناسيا أن العبرة ليست بالعدد وإنما بالأداء تبعا للمبرر الديمقراطي.

    ضمن مذكراتها دائما، لم تغفل الأحزاب السياسية التأكيد أيضا على ضرورة تعزيز تمثيلية الشباب والنساء داخل مجلس النواب، لكن السؤال المطروح هو كيف يمكن التوفيق بين هذا المطلب وبين متطلبات الكفاءة الضرورية من جهة، وأولوية الحيلولة دون جعل ذلك منفذا للريع السياسي والحزبي من جهة ثانية؟

    في البداية، لا أحد يجادل في أن إدماج الشباب والنساء في البرلمان هو رهان أساسي لتجديد النخب وضخ دماء جديدة في الحياة السياسية المغربية. لكن السؤال هو بأية طريقة يمكننا ذلك؟ وما هي الطريقة المثلى التي تحفظ وجاهة العملية دون أن تكون مجرد غطاء ريعي وليس آلية استحقاقية؟

    المتعارف عليه هو أن تخصيص نسبة مئوية للنساء والشباب كما هو معمول به في أغلب الاستحقاقات الانتخابية السابقة بالمغرب، عن طريق ما يسمى “الكوطا”، تظل آلية غير ديمقراطية في نظري، لأنها أقرب إلى الزبونية والريع الحزبي من أي آلية أخرى تقبلها اللعبة السياسية الانتخابية النبيلة.

    والمشكل – لدي شخصيا – ليس مشكل مبدأ، بل مشكل آلية لتفعيل المبدأ على أرض الواقع؛ إذ يجب ألا يكون شكليا كما عن طريق “الكوطا”، وإنما يجب أن يكون موضوعيا بطريقة أكثر منطقية وعقلانية. فالتجربة المغربية أظهرت أن بعض اللوائح المخصصة للنساء والشباب تحولت إلى أداة لإعادة تدوير النخب الحزبية، حيث يتم اختيار أسماء مقربة من الزعامات الحزبية بدل فتح المجال أمام طاقات مستقلة وذات كفاءة. وهنا، يضيع الهدف النبيل للعملية السياسية الانتخابية المتمثل في مبدأ تجديد النخب. وبالتالي، يتحول الهدف إلى مجرد توزيع داخلي للمقاعد عن طريق الزبونية الحزبية.

    أما المشكلة الكبيرة فهي أن كثيرا من الأحزاب السياسية تتعامل مع الموضوع كشعار انتخابي أكثر منه كرهان استراتيجي.

    وهي بذلك تدافع عن التمثيلية لكن دون أن تقدم أية ضمانات واضحة حول معايير الاختيار أو آليات المراقبة، مع العلم بأن الحل ليس في المفاضلة بين الكفاءة والتمثيلية مثلا، بل في إيجاد صيغة ذكية تجمع بين الاثنين، لأن التمثيلية من دون كفاءة تتحول إلى ريع، والكفاءة من دون تمثيلية تبقى نخبوية وتتعالى عن الواقع الاجتماعي.

    ومن بين المقترحات التي يمكن أن تجيب عن هذا الواقع، في حالة الضرورة، ربط آلية “الكوطا” بقاعدة الكفاءة (مثل الشواهد العلمية والتخصص التشريعي والرقابي واكتساب مهارات وآليات التقييم السياسي…)، واعتبارها آلية ظرفية بامتيازٍ ستقود فيما بعد إلى اكتساب الخبرة والتجربة على دخول المعترك السياسي ومنه الانتخابي بكل كفاءة في المستقبل، وبالتالي التنافس الشريف على مقعد انتخابي بأهداف تنموية وشعبية، لا نخبوية أو ظرفية.

    ينضاف ذلك إلى مقترح آخر يخص اعتماد آليات شفافة ومعايير موضوعية لاختيار المرشحين، على اعتبار أن النزاهة تستدعي اختيار الأنسب للمكان المناسب وفق شروط محددة مسبقا، تساهم في وضعها أطرافٌ أو جهات مستقلة، ولم لا غير حزبية حتى تكون فرصة الولوج إلى المناصب الحزبية متساوية عند الجميع (ممن تتوفر فيهم طبعا الشروط والمعايير المحددة لذلك مسبقا).

    اللافت ضمن مذكرات الأحزاب بشأن تشريعيات 2026 أيضا أنها تضمنت كلها تقريبا مقترح إعادة النظر في التقطيع الانتخابي. كيف يمكن الاستجابة لهذا المطلب بغرض إحداث نوع من التوازن بين الدوائر الانتخابية ومنح الصوت الانتخابي قيمته الحقيقية؟

    في كل إصلاح انتخابي يظل التقطيع الانتخابي واحدا من أكثر القضايا حساسية؛ لأنه يتصل مباشرة بميزان القوة بين الأحزاب السياسية من جهة، وبقيمة الصوت الانتخابي لدى المواطن من جهة أخرى. وقد سبق أن أدخلناه ضمن الحالة الثالثة التي يصعب تحقيقها بخصوص مطالب الأحزاب السياسية أمام وزارة الداخلية، ما لم يكن هناك تدخل من طرف أعلى سلطة سياسية في البلاد كما أسلفنا الذكر. ولذلك، فما تطالب به الأحزاب اليوم يعكس رغبة في معالجة حالات عدم التوازن التي برزت في الانتخابات السابقة، سواء بسبب اتساع بعض الدوائر بشكل لا يسمح بتمثيل عادل أو بسبب صغر دوائر أخرى، مما قد يجعل مقعدا واحدا يُكتسب بفارق ضئيل جدا بين مختلف المتنافسين.

    وأؤكد أيضا أن هذا المطلب صعب جدا؛ إذ يحتاج إلى تفكير مسبق في الموضوع ودراسة تقنية معمقة حول آلياته وطرقه فيما لا يقل عن سنتين أو أكثر. والسنة التي تفصلنا عن الاستحقاقات المقبلة غير كافية بتاتا لإجراء تقطيع جذري فاعل وفعال، لأن الأمر سيحتاج ــ بالضرورة ــ إلى اعتماد معايير موضوعية وشفافة في إعادة التقطيع، من قبيل: احتساب الكثافة السكانية، تحديد مختلف وأنواع الامتدادات الجغرافية الحالية والممكنة في المستقبل القريب، مراقبة مدى توفر التجانس المجتمعي ثم محاولة تجنب السرعة في التقطيع لأسباب ضيقة أو انتقائية قد تعيد إنتاج الوضعية نفسها أو أسوأ منها.

    من هذا المنطلق، وبتحقيق مثل الشروط والظروف المشار إليها، يمكن إعادة النظر في التقطيع الانتخابي كخطوة مهمة لتقوية الرابط بين الناخب ومُمثّله المنتخَب، لكن بشرط توفر مساحة كافية للتفكير الموضوعي والتدبير العقلاني ثم التوافق الوطني بين الأحزاب من جهة، وبين الدولة والأحزاب من جهة أخرى، وليس بمنطق الغلبة السياسية.

    علاقة بمغاربة العالم، لم تمر المملكة بعد إلى مرحلة الإشراك الفعلي لهذه الفئة في الانتخابات التشريعية كما ينص على ذلك صراحة دستور 2011. والسؤال المطروح إذن هنا هو كيف يمكن تفعيل هذا المكتسب الدستوري لما ينطوي عليه من أبعاد سياسية؟

    تعد هذه النقطة، بالنسبة لي، من أبرز الإشكالات الدستورية العالقة في المغرب منذ اعتماد دستور 2011. المشرع وضع نصا واضحا يقضي بإشراك المغاربة المقيمين بالخارج في العملية الانتخابية، إلا أن تفعيل هذا المكتسب يتطلب أكثر من مجرد إعلان نوايا ولو بنص قانوني دستوري. فتكريس هذا المقتضى يحتاج فعلا إلى آليات ملموسة على أرض الواقع لضمان التسجيل والمشاركة وتمثيل فعلي داخل مؤسسة البرلمان.

    وعلى هذا النحو يمكن اتخاذ عدد من الإجراءات، تشمل تحديث قاعدة بيانات الناخبين بالخارج ليكون لدينا العدد الحقيقي لأفراد الجالية المغربية بالخارج الذين يحق لهم المشاركة والتصويت، ثم تبسيط إجراءات التصويت الإلكتروني أو التصويت عن طريق البريد، من خلال اعتماد دلائل توضح تلك العملية وتعمل على تدقيقها وعدم تعقيدها في الوقت نفسه.

    زيادة على ذلك، من المهم ضمان وجود دوائر تمثيلية حقيقية تعكس حجم الجالية المغربية وتنوعها، مع استماع الأحزاب السياسية لمختلف مطالب الجالية المغربية بالخارج، وليس الاكتفاء فقط بترشيح أسماء رمزية لأغراض انتخابية فقط.

    وهذا إن تم كما ينبغي الأمر، فإن كل ما يتعلق بمشاركة الجالية المغربية بالخارج سيتحول من مجرد شعار أو مشاركة بمقاعد رمزية إلى مشاركة فعلية وديمقراطية. وهذا سيعطي للدستور أيضا بعده الواقعي، حيث ستمنح الجالية وضعية شريك رئيسي بمثابة فاعل سياسي أساسي، في ظل المعادلة الانتخابية التي تحتكم إليها الأحزاب السياسية، وفي إطار تنزيل ديمقراطي حقيقي لمنطوق الدستور.

    من بين الملاحظات التي أثيرت أيضا بشأن مذكرات الأحزاب السياسية هي أنها ركزت بشكل كبير على ما هو تقني وتنظيمي صرف، مقابل عدم نفاذها إلى عمق الإشكالات المطروحة، على رأسها تعزيز المشاركة السياسية والثقة في العملية الانتخابية. هل تحضر لديكم الملاحظة نفسها؟

    في إطار تتبعي للاستحقاقات الانتخابية منذ 1998 إلى اليوم، نشرت كتابا في الموضوع حول التواصل البرلماني وسوسيولوجيا الانتخابات، يتطرق إلى بعض مخرجات انتخابات 2007 إلى حدود انتخابات 2021. ومما لاحظته أن الأحزاب السياسية قبيل كل استحقاق انتخابي تطرح مجموعة من المطالب التي تظل في أغلبيتها شكلية أو جزئية ولا تنصب على صلب العملية الانتخابية، ولا سيما في إطارها التنافسي والديمقراطي.

    وعليه، يمكن القول بأن ما تتجه إليه الأحزاب السياسية من إصلاحات شكلية أو تقنية يعود لكونها سهلة التفاوض من جهة ولا تتطلب وقتا طويلا لتفعيلها من جهة أخرى، فضلا عن كونها سريعة التنفيذ، بينما يتم تجنب المطالب التي تتطلب جهدا ووقتا وآليات معقدة، لأنها تحتاج لإرادة سياسية حقيقية ومخاطرة بالمصالح الحزبية أساسا.

    وكما تعلمون، المشكلة الأساسية في مطالب الأحزاب السياسية ليست في ما هو تقني، بل في الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات السياسية عامة، وبين المواطن والعمليات الانتخابية خاصة. وللعلم، فتحسين الإجراءات التدبيرية لا يرفع بالضرورة نسبة المشاركة السياسية في الانتخابات من طرف المواطنين.

    اسمح لي بالقول كذلك بأن الأحزاب السياسية، صراحة، يجب عليها أن تعمل على تغيير الواقع السياسي والانتخابي، من خلال خوض مواجهة سياسية صريحة مع مصالحها الضيقة، من خلال العمل على تقديم المصالح العامة للمؤسسة البرلمانية من جهة، وبناء مسار انتخابي ديمقراطي على حساب العمليات الانتخابية اللحظية من جهة أخرى.

    ومن الواجب عليها كذلك، في هذه اللحظة السياسية الحاسمة، أن تعمل على تبني إصلاحات كفيلة بتقوية مشاركة المواطنين، مثل آليات التصويت الإلكتروني وبرامج للتثقيف الانتخابي ثم تعزيز الشفافية في التمويل الحزبي. عندها فقط يمكن أن يتحول التركيز من مجرد تدبير تقني إلى إصلاح حقيقي يعيد الثقة للعملية الانتخابية بصفة عامة.

    بناء على ذلك، كيف يمكن للانتخابات أن تكون بوابة لتحقيق تعددية سياسية بالمغرب بعيدا عن البلقنة الحزبية وبعيدا كذلك عن مشهد حزبي تتشابه فيه الرؤى والبرامج السياسية؟

    بصراحة، سؤالكم هذا يحمل بين طياته أجوبة غير مباشرة. وتجدر الإشارة – قبل توضيحها – إلى أن التعددية السياسية لا تتحقق بمجرد وجود أحزاب عدة، بل تتحقق حين تكون هناك خيارات حقيقية للمواطن، تجعل منه محور العملية الانتخابية أساسا. والمشكلة في نظري اليوم تكمن في اتجاهين متناقضين؛ أولها البلقنة الحزبية، حيث تنشطر الأحزاب إلى كيانات صغيرة متشابهة أو مبنية على ولاءات محلية ضيقة. وهذا الأمر يساهم في التشظي السياسي الذي يضعف القدرة على التأثير والتفاوض داخل البرلمان.

    أما الاتجاه الثاني فيخص التشابه في الرؤى والبرامج، حيث يبدو المشهد الحزبي وكأنه نسخة مكررة من نفسه، ما يجعل المواطن أمام خيار شكلي لا أمام خيارات فعلية تعكس مصالحه وتطلعاته، بل وكأننا أماما حزب كبير في شخص أحزاب صغيرة! وليت الأمر يشبه المشهد السياسي والحزبي ببريطانيا أو بالولايات المتحدة الأمريكية حيث نتحدث عن حزبين كبيرين متنافسين يحتويان تحت مظلتيهما العديد من الأحزاب الصغرى الأخرى.

    من هذا المنطلق، يمكن القول بأن تفعيل العملية الانتخابية لتكون في المسار الصحيح وتجاوز كل من التشرذم الحزبي والتشابه في البرامج والرؤى، يستدعي، في نظري المتواضع، أولا إصلاح النظام الانتخابي لتشجيع المنافسة الفعلية بين برامج مختلفة، مثل اعتماد قواعد تمنح فرصة للأحزاب الصغيرة ذات برامج واضحة، لكن دون السماح ببلقنة البرلمان وتحويل منظومته العمومية إلى أحزاب صغيرة عديمة التأثير.

    ويستدعي، ثانيا، منح المواطنين الحق في المتابعة القانونية والمساءلة السياسية للبرلمانيين عن الحصيلة والأداء السياسيين، في إطار تعزيز مبدأ الشفافية والمحاسبة المرتبطة بممارسة السلطة السياسية المنتخبة. وذلك كي لا يشعر المواطن بأنه مجرد وسيلة اعتلاء واغتناء لدى ممثليه ولكن ليعرف بأنه هدف في حد ذاته ويستطيع أن يصنع الفارق في الممارسة السياسية للسلطة محليا ووطنيا. وثالثا، بناء برامج سياسية تحفيزية لا ترتبط بالولاءات الشخصية أو القَبَلِّية، وتكون أداة واقعية للتنافس الديمقراطي بين مختلف الأحزاب السياسية.

    وأستطيع أن أؤكد أن المغرب قادر على الانتقال نحو التعددية الفعلية متجاوزا ما يمكن تسميته التعددية المعيارية أو الشكلية، غير أن الأمر يظل رهينا دوما – وكما قلنا سابقا في العديد من النقط الأخرى – بإرادة الأحزاب نفسها، واستجابة الدولة لآليات إصلاحية تدعم المنافسة الشريفة المبنية على البرامج الانتخابية أساسا. وإذا ما استطاعت الأحزاب السياسية تجنب مصالحها الضيقة نحو أفق انتخابي بمنطق المصالح المشتركة، فقد تتحول المنافسة الانتخابية إلى حوار سياسي حقيقي قائم على برامج واضحة وكفاءات قابلة للمساءلة، حيث ستشكل الانتخابات بوابة حقيقية لتجديد الحياة السياسية وبناء التعددية الحزبية الحقيقية بالمغرب.

    على ضوء جميع الإصلاحات التي تنادي بها الأحزاب السياسية، من التمثيلية والتمويل إلى التقطيع الانتخابي والتكنولوجيا، كيف السبيل لضمان أن يكون المواطنُ الفاعلَ الحقيقي في العملية الانتخابية، مع التأكيد على أن التواصل البرلماني المباشر مع المواطنين يمثل حجر الزاوية في أي إصلاح انتخابي، وأساسا لتقوية الحياة السياسية بالمغرب؟

    إذا أردنا أن تصبح جميع الإصلاحات الانتخابية – من تمثيلية الشباب والنساء، مرورا بإعادة التقطيع جزئيا أو كليا، والاستفادة من الوسائل التكنولوجية الحديثة وعلى رأسها الرقمنة والإدارة الإلكترونية للانتخابات، وانتهاء بضبط التمويل – ذات أثر حقيقي وواقعي، فلا بد أن يكون المواطن محور العملية كلها؛ أي أن تُقاس كل هذه الإصلاحات، وجوبا، بمدى تعزيز الثقة والمشاركة السياسية الفاعلة لدى مختلف المواطنين/الناخبين.

    وفي هذا الإطار، يتضح الدور المركزي للتواصل البرلماني المباشر مع المواطنين، ولا سيما في شقه النيابي؛ فالنائب ليس مجرد صوت يرسل من الحزب إلى البرلمان، بل حلقة وصل حقيقية بين السياسات العمومية وبقية المواطنين/الناس، ويجب أن يتوجه النائب إليهم لكي يشرح لهم البرامج ويسمع منهم المطالب قبل أن يجيب عن مختلف حاجياتهم واستفساراتهم. هذا النوع من التواصل النيابي سيجعل من المواطن شريكا فاعلا واستراتيجيا في العملية الانتخابية. وإذا تحقق مثلُ هذا الواقع المنتظر فستتحول مشاركة المواطنين من مجرد مشاركة بطقس شكلي إلى مشاركة بممارسة ديمقراطية حقيقية.

    ومن دون هذا التواصل، في نظري، تبقى كل الإصلاحات تقنية وإجرائية بحتة، وقد تستغل أحيانا لتعزيز النفوذ الحزبي أو تسهيل ممارسة الريع الحزبي والسياسي. أما إذا تم دمج الإصلاحات مع آليات متابعة ومساءلة كما أشرنا سابقا، وحمل النواب على ممارسة مسؤولياتهم تجاه دوائرهم الانتخابية، فحينها ستتحقق مجموعة من الأهداف الأساسية.

    ومما أود التأكيد عليه هو أن أي إصلاح انتخابي حقيقي في مغرب اليوم، وفي أفق الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، يجب أن يبدأ وينتهي عند المواطنين. والتواصل النيابي سيكون هو الضمانة العملية لذلك، مع العلم بأنه لا توجد إصلاحات شكلية أو تقنية ولا حتى سياسية بالمعنى الواسع يمكنها تعويض غياب هذه العلاقة المباشرة، لأنها الأساس والمحور الذي تبنى عليه الديمقراطية الانتخابية التي تتأسس بدورها على المصداقية السياسية التي يجب أن تتمتع بها الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة لدى المواطنين. وما دون ذلك، سيظل مجرد خطاب فارغ لأحزاب سياسية شكلية لا يهمها من السياسة عامة والانتخابات خاصة سوى مقاعد وأنصبة تصل من خلالها إلى حفلة اقتسام السلطة ككعكة اجتماعية بالعدد دون عتاد، وليس – للأسف الشديد – تنمية البلاد والعباد.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • فالي: المغرب يرسم معالم إفريقيا جديدة في مواجهة الإرث الاستعماري


    حاوره: محمد العبوش

    في هذا الحوار نسلط الضوء من باريس على المغرب، الفاعل الجيوسياسي الرئيسي الذي يعيد تعريف مكانته على الساحة الدولية. ونود الإشارة هنا إلى أن هذه المقابلة لا تتبنى منظوراً آنياً أو تحليلاً ظرفياً، وإنما تسعى إلى تقديم قراءة معمقة للحيز الجغرافي الغرب إفريقي – وفي القلب منه المغرب – وتشابك التفاعلات فيه عبر التاريخ.

    بين تطورات ملف الصحراء المغربية، وبروز دبلوماسية جديدة في منطقة الساحل، وإعادة تشكيل علاقاتها مع فرنسا وأوروبا، تتحرك المملكة المغربية في بيئة جيوسياسية تشهد تحولات عميقة.

    كيف تستفيد الرباط من هذه التحولات؟ ما هي رهانات استراتيجيتها الإفريقية ؟ وكيف تتطور شراكاتها التقليدية مع أوروبا في هذا السياق الجديد؟

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    للإجابة عن هذه الأسئلة الحاسمة نستضيف الدكتور أوليفييه فالي (Olivier Vallée).

    يُعتبر هذا الباحث أحد الخبراء المتخصصين والرواد في مجال الدراسات الإفريقية، إذ خصص مؤلفاته وبحوثه الميدانية لاستكشاف القارة الإفريقية. وتتميز مقاربته البحثية بالاستقلالية الفكرية تجاه مراكز البحوث الاستراتيجية المعاصرة والمؤسسات الاستشارية، إذ يعتمد على المنهج الجيو- تاريخي الخلدوني، الذي يقوم على مبدأ أن فهم الأحداث والظواهر لا يتأتى إلا من خلال دراستها ضمن السياق التاريخي الشامل والبيئة الطبيعية والاجتماعية المحيطة بها.

    باعتبارك خبيراً في الشؤون الإفريقية، ومن منظور سياسي واقتصادي مزدوج، ما هو التقييم العام الذي تجريه بعد مرور أكثر من ستين عاماً على استقلالات الدول الإفريقية؟ ما هي، في رأيك، الإنجازات الرئيسية لعملية إنهاء الاستعمار، وما هي التحديات النظامية – السياسية والاقتصادية والمؤسسية – التي لا تزال تعيق تحقيق السيادة الفعلية الكاملة في القارة؟

    – لقد شكلت عمليات الاستقلال نقطة تحول تاريخية كبرى، وفتحت نافذة غير مسبوقة على الحداثة والتحرر الجماعي لجميع الشعوب الإفريقية. سمحت هذه الفترة المحورية للأجيال الشابة في القارة بالاستيلاء على القواعد الثقافية العالمية، لا سيما ظهور موسيقى الروك الغربية، وفي الوقت نفسه تطوير التعبيرات الفنية الأصلية التي غزت فيما بعد المشاهد.

    ومع ذلك، فإن تحليل مسارات ما بعد الاستقلال يكشف عن أنماط متباينة وفقا للتراث الاستعماري. وفي الفضاء الناطق بالفرنسية حافظت النخب الحاكمة، سواء كانت سياسية أو فكرية أو اقتصادية، التي كانت مندمجة في السابق في الهياكل الاستعمارية، على روابط عضوية وثيقة مع المدينة الفرنسية السابقة. وتتناقض هذه الاستمرارية المؤسسية مع التطور الملحوظ في البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية، التي استوعبت شخصيات رمزية، مثل كوامي نكروما في غانا أو جوليوس نيريري في تنزانيا أو روبرت موغابي في زيمبابوي، بسرعة آليات الحكم البريطانية، وطورت استقلالية أكثر وضوحا في اتخاذ القرار. وعلى العكس من ذلك، يبدو أن القادة الناطقين بالفرنسية تشكلوا بشكل أكبر من خلال النماذج والممارسات الموروثة عن النموذج الإداري الفرنسي.

    وتثير هذه الملاحظة سؤالا أساسيا حول طبيعة السيادة في مرحلة ما بعد الاستعمار. إن الانضمام الرسمي إلى الاستقلال لا يضمن تلقائيا الممارسة الفعالة للسيادة. ويجب أن نفهم هذا باعتباره توليفة معقدة بين استقلالية اتخاذ القرار الحقيقية والقدرة على الانفصال عن الخلل البنيوي للنظام ما بعد الاستعماري. ومن هذا المنظور، فإن السيادة الحقيقية ليست تحقيقاً فورياً للاستقلال، بل هدفا استراتيجيا طويل الأمد يتطلب فتوحات تدريجيًة إرادية.

    إلى أي مدى أثرت القوى الاستعمارية السابقة، خاصة فرنسا وإسبانيا، على المسارات السياسية والاقتصادية للبلدان الإفريقية منذ الاستقلال؟ واليوم، في وقت تعاد فيه صياغة العلاقات الأوروبية- الإفريقية في إطار أشكال جديدة من التعاون (خاصة بين الاتحاد الأوروبي وأفريقيا)، كيف يمكن تقييم تطور هذه العلاقات التاريخية في مواجهة صعود قوى جيوسياسية مثل الصين وروسيا وتركيا و حتى دول الخليج؟

    – تطور فرنسا وإسبانيا استراتيجيات دبلوماسية متمايزة، ولكن متقاربة أحياناً في علاقاتهما مع دول الجنوب. يتجذر هذا التمايز في تاريخيهما المختلفين ومتطلباتهما الجيو ستراتيجية الخاصة.

    خلال العهد الفرانكوي طورت إسبانيا، المنبوذة من قبل ديمقراطيات المجموعة الاقتصادية الأوروبية، دبلوماسية براغماتية مع العالم العربي. هذا النهج، المتسم بالسرية والانتهازية في الوقت ذاته، استهدف الملكيات التقليدية والحركات الثورية على حد سواء. لبت هذه الاستراتيجية ضرورتين حيويتين: ضمان الأمن الطاقي للبلاد والحفاظ على سلامة أراضيها الإفريقية، خاصة تلك المرتبطة جغرافياً بالمغرب.

    منذ عام 1920 نسقت فرنسا استراتيجية للتزود بالطاقة من الشرق الأوسط وإفريقيا. تندرج هذه المبادرة ضمن إرادة أوسع للتحرر من الأنغلوسفير، هذه الجماعة الجيوسياسية التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، خاصة من خلال تحالف الاستخبارات “العيون الخمس” الذي تبقى فرنسا مستبعدة منه.

    تُفضّل فرنسا وإسبانيا بشكل منهجي القنوات الدبلوماسية الثنائية على آليات التعاون الأوروبية. يتجسد هذا التفضيل في التوزيع المباشر للمساعدة العامة للدول الإفريقية وفق معايير وطنية بدلاً من المعايير الأوروبية. يوضح مثال الغابون تماماً هذا المنطق: فهذا البلد الغني وقليل السكان يستفيد من تعاون مالي فرنسي أكثر سخاءً من مالي، رغم أن الأخيرة أفقر، ولكنها أقل أهمية استراتيجية جغرافياً.

    خلافاً لمظاهر المفاجأة التي يظهرها القادة الفرنسيون، فإن وجود فاعلين جدد في “الفناء الخلفي” الفرنسي السابق ينخرط في دينامية تاريخية متوقعة. تحافظ روسيا، وريثة الاتحاد السوفياتي، على روابط تم تكوينها خلال الحرب الباردة، عندما كانت تستقبل الطلبة الأفارقة، الذين كانت ترفضهم الجامعات الفرنسية، وتدعم عسكرياً العديد من دول القارة.

    ظهور مدن عملاقة جديدة مثل دبي وإسطنبول وشنغهاي يغير جذرياً الجغرافيا الاقتصادية العالمية. تقدم هذه المراكز الحضرية للتجار الأفارقة والمستثمرين المغاربيين فرص وصول وإقامة وعودة أكثر مرونة وجاذبية من الدوائر التقليدية.

    يتميز هؤلاء الفاعلون الناشئون بإرادتهم في الانخراط في مشاريع بنية تحتية ضخمة واستخراج المحروقات. المثال الصيني في النيجر بليغ بشكل خاص: أكثر من 5 مليارات دولار مستثمرة في قطاع البترول في نيامي تشهد على نهج مختلف جذرياً عن التعاون التقليدي.

    تُجسد إعادة التشكيل الجيوسياسية هذه مبدأً أساسياً في العلاقات الدولية، كما في الطبيعة، التي تكره الفراغ، وحتماً سيملأ.

    – في حالة المغرب، كيف تندرج المسيرة الخضراء لسنة 1975 ضمن استمرارية حركة الاستقلال وإنهاء الاستعمار في البلاد؟ وبالنظر إلى هذا الامتداد التاريخي، ما التحليل الذي يمكن تقديمه لتطور الوضعين السياسي والجيوسياسي في المغرب، لا سيما فيما يتعلق بعلاقاته مع الدول الأوروبية، خاصة فرنسا وإسبانيا؟ وكيف يتكيف هذا التطور مع التحديات الجديدة في القارة الإفريقية، في ظل بروز قوى مثل الصين وروسيا؟

    – المسيرة الخضراء تتوافق تمامًا مع مفهوم الكرامة الذي سبق أن عبّرتُ عنه. فالمملكة المغربية تؤكد استقلالها عن فرنسا من خلال امتدادها نحو المناطق الداخلية، وتموضعها على حدود “إمبراطورية الرمال” التابعة لباريس، أي موريتانيا وشمال مالي.

    كما تمثّل المسيرة الخضراء رفضًا وقطيعة مع الفوضى الاستعمارية، التي قامت بتفتيت “ساحل العبيد” الطويل إلى جيوب مثل ريو دي أورو، غامبيا، داهومي، كابيندا وغيرها. وقد كان ريو دي أورو مفيدًا للغاية كمحطة لرحلات الملاحة الإسبانية بين برشلونة وغينيا الإسبانية الغنية.

    واجه شمال غرب إفريقيا إمبراطورية غانا منذ بداية الألفية الثالثة. وقد أثار حكم غانا غضب قبائل صنهاجة، التي شعرت بالإحباط في وقت كانت هناك أزمة أخلاقية عميقة تهزّ الإسلام في الغرب إثر انتصار الفاطميين. انضم الأمازيغ بحماس إلى الإصلاح السني الذي دعا إليه عبد الله بن ياسين (1042)، واستلهموا من هذا الزاهد، فدخلوا في الجهاد، مؤسسين بذلك إمبراطورية المرابطين (“المرابطون”، أي “أهل الرباط” أو الدير العسكري).

    ورغم أن القسم الأكبر من قواتهم توجّه نحو المغرب وإسبانيا، فإنهم لم يستثنوا خصومهم في السودان. فقد طُرد السوننكي من أوداغوست عام 1054، واستُبدل التنكا باسي، المعروف بصداقته للمسلمين، بابن أخيه مينين عام 1061، الذي كان متشددًا في التمسك بالديانة الوثنية. وقد قُتل هذا الأخير عندما سقطت العاصمة في أيدي المسلمين سنة 1076.

    وبدعم من بعض الدول السودانية التي دخلت الإسلام، مثل إمارة تكْرور (السنغال)، امتد نفوذ المرابطين على نطاق واسع في الساحل السوداني. لكن هذا النفوذ ظل هشًا، وانهار بعد عام 1087 عندما قُتل زعيمهم أبو بكر بن عمر في المعركة.

    أما المغرب، فقد كان حاضرًا في “إمبراطورية الرمال” منذ القرن الخامس عشر، وواجه إمبراطورية صنغاي في معارك مهمة مثل معركة تونديبي.

    اليوم، تعيد الجغرافيا السياسية للمغرب قربها من بلدان “تحالف دول الساحل ” (AES) في نوع من التماهي مع الجغرافيا التاريخية حسب ابن خلدون، وبراوديل، وكريستيان غراتالو. فخرائط الاستعمار تجاهلت التراكم التاريخي، الممتد لقرون، لمفاهيم ذات أصول متنوعة. وفي الصحراء الغربية يبرز هذا التراكم من خلال المفردات القديمة للغات الأزناغية والحسانية، المنفتحة على الحضارات الإفريقية جنوب الصحراء، وحضارات ما وراء الأطلس، التي امتزجت فيها عناصر عرقية قديمة من الحراطين والفينيقيين، بالإضافة إلى تأثيرات بيزنطية ثم أندلسية.

    أما جبهة البوليساريو، فهي تقتصر على المرجعيات الإسبانية لتبرير إنشاء دولة على حدود المستعمرة، بالاستناد إلى قوائم الانتماء العائلي التي سجلتها إسبانيا عام 1974. وقد كانت منهجية الإحصاء التي اتبعها الضباط الإسبان خاضعة لمتطلبات إضفاء المصداقية على مشروع قيام دولة مستقلة. وتجاهل هؤلاء الضباط الجماعات البدوية ومجالات ارتباطها الأخرى، وبالتالي تجاهلوا تمثلاتها وممارساتها التقليدية.

    لكن بالنسبة للمؤرخ الجغرافي، لا بد من العودة إلى أعماق الزمن والنظر في حركات الهجرة. فبالتظاهر بتجاهل الواقع الطوبونيمي (المكاني) بما يعكسه من خصوصية أنثروبولوجية، لا يمكن التميّز عن المشروع الإيديولوجي، سواء كان مغربيًا أو بوليساريوًيا.

    وعليه، فإن الأهم على المدى المتوسط ليس استقطاب الروس أو السويسريين للانخراط في المشروع المغربي في الصحراء، بل تطوير تصور شامل لغرب إفريقيا، يمكن فيه للمغرب أن يساهم في بناء فضاء للسيادة والازدهار المشترك.

    – في ضوء الدبلوماسية الاستباقية التي ينتهجها المغرب، واستثماراته الاستراتيجية المتنامية في القارة الإفريقية – لا سيما من خلال مجموعات كالمجمع الشريف للفوسفاط (OCP) ، والبنوك، وقطاع الاتصالات- كيف يمكن تقييم موقعه كفاعل رئيسي في المشهد الإفريقي؟ وهل تُجسّد هذه الدينامية في التعاون جنوب- جنوب توجهاً نحو ريادة إقليمية مستدامة؟ ثم كيف تتفاعل هذه الرؤية مع الرهانات الجيوسياسية الكبرى، كدور المغرب داخل الاتحاد الإفريقي، وقضية الصحراء، وعلاقاته مع التكتلات الإقليمية الإفريقية؟

    – كما لاحظتم، فإن مقاربتي للقضايا الجيوسياسية المغربية تنطلق من رؤية أوسع، تتجاوز التحليل الظرفي نحو تفكيك بنية المفاهيم والأنساق التي تؤطر هذه الديناميات. فـ”النجاحات” الأخيرة التي حققها المجمع الشريف للفوسفاط يمكن فهمها في جانب كبير منها كتحركات ظرفية انتهازية، جاءت استجابةً لحاجة إفريقية متزايدة إلى الأسمدة، خصوصاً في إفريقيا جنوب الصحراء.

    أما البنوك المغربية، التي تنشط منذ أكثر من ربع قرن في منطقة الساحل بهدوء ودون ضجيج إعلامي، فهي تساهم فعلياً في نسج شبكة مالية فعّالة تدعم البنية التحتية الاقتصادية لتحالف دول الساحل. (AES) وتتضاعف أهمية هذا الحضور مع الانخراط السياسي الواضح للملك والجهاز التنفيذي المغربي في دعم مسار استعادة السيادة النقدية لبلدان غرب إفريقيا. إلا أن الرؤية الجيوسياسية المغربية لا يمكن اختزالها في أرقام أو مؤشرات استثمارية. إنها رؤية تنقض القيود المفاهيمية السائدة، وتُعيد رسم خرائط الذهنيات قبل الخرائط الجغرافية. فالثورة الجيو استراتيجية التي يقودها المغرب تُبنى على تفكيك الصور النمطية، وقلب المعادلات السائدة.

    لطالما صُوِّرت الدول “الساحلية” في الساحل الإفريقي ككيانات مغلقة، حبيسة الداخل القاري، في تصور يُنتج نمطًا جغرافيًا سلبياً يربط الموقع القاري بالعزلة والصعوبات الاقتصادية. غير أن هذه “القارية”، التي كانت مركزية في التاريخ السياسي والاقتصادي لغرب إفريقيا، تحوّلت إلى موقع هامشي بفعل التأثير الاستعماري الفرنسي، الذي اختار التمركز على السواحل، وأخضع النيجر ومالي بقوات السنغاليين المجندين.

    اليوم، يعرض المغرب على بلدان AES آفاقًا جديدة من الانفتاح عبر الربط البري نحو السواحل، ويقترح رؤية بديلة تُعيد تأويل مفهوم الانغلاق الجغرافي. ففي الفضاء الإفريقي الغربي الجديد، الذي يتشكّل على إيقاع التحولات الدولية، بدأت القوى السياسية الناشئة في الساحل تعيد نسج العلاقات بين الداخل القاري الذي أصبح مجالاً سياديًا للدولة، والسواحل التي لا تزال في كثير من الأحيان محصورة في وضعيات شبه استعمارية.

    لقد كان الانغلاق، في سياقه الكولونيالي وما بعد الكولونيالي الفرنسي، نظامًا متعمدًا من المسافات، يُقصي الداخل القاري من ديناميات الانفتاح. لكن هذه المناطق لم تكن يوماً سجينة جغرافيتها، فنحن اليوم أمام تحوّل عميق في بنية المجال الإفريقي حيث تجرى إعادة تركيب للعلاقات بين الداخل والساحل، في اتجاه تقليص الهوّة بين فضاء الدولة في عمقه القاري، والمنافذ البحرية التي لم تعد حكراً على التبادلات المعولمة.

    فيما يتعلق بمساهمة المغرب في الأمن الجماعي الإفريقي، كيف تقيّم دور المملكة في الآليات الإفريقية الخاصة بالأمن الجماعي، لا سيما في إطار “الهندسة الإفريقية للسلم والأمن” التابعة للاتحاد الإفريقي؟ وهل يمكن للمغرب أن يلعب دورًا بنيويًا في مجال الوقاية من النزاعات وإدارة حلها داخل القارة؟

    لقد شاركت القوات المسلحة الملكية المغربية في العديد من عمليات حفظ السلام في إفريقيا جنوب الصحراء، من كوت ديفوار إلى جمهورية إفريقيا الوسطى، من خلال إرسال وحدات عسكرية ضمن البعثات الأممية. ومع ذلك لا يبدو أن هناك هوية مغربية واضحة المعالم في تصور العودة إلى السلم داخل هذا الفضاء الإفريقي.

    لكي يتمكن المغرب من لعب دور فعّال في بناء السلام، كما هو الحال في السودان أو ليبيا مثلاً، فإن الأمر يتطلب امتلاك عقيدة استراتيجية خاصة به في مجال الوساطة وحل النزاعات. فالمملكة لا يمكن أن تكتفي بدور تقني أو تنفيذي ضمن هندسات أمنية وضعتها قوى خارجية، بل تحتاج إلى بلورة رؤية مغربية خالصة لبناء السلام.

    مرة أخرى، نلاحظ كيف يلجأ بعض الباحثين إلى فكر ابن خلدون لفهم ديناميات التحول في ليبيا، بدءًا من انهيار الطريقة السنوسية على يد القذافي، وصولاً إلى التمزقات الجهوية التي تنافس اليوم على احتكار السيادة، في ظل الإرث المركزي الذي تركه الاستعمار في طرابلس.

    لإنتاج فكر سيادي مغربي حول السلام يجب الانفصال عن النماذج النيوليبرالية المفروضة على عمليات بناء السلام. هذه النماذج، التي تستنسخ وصفات جاهزة، تغفل السياقات المحلية، وتحاول فرض معايير غربية، رغم أن الغرب الاستعماري هو ذاته أصل كثير من الأزمات الإفريقية التي نراها اليوم.

    من هذا المنطلق، فإن مساهمة المغرب في السلام الإفريقي لا ينبغي أن تقتصر على البُعد العملياتي أو العسكري، بل عليها أن ترتكز على تصور فلسفي واستراتيجي جديد، ينبع من التاريخ المشترك، ويُعيد الاعتبار للوساطة، والمصالحة، والعدالة المجتمعية، كمرتكزات لبناء سلم إفريقي حقيقي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • خبير: التربية على الأمن السيبراني حلقة مفقودة في المدرسة المغربية

    في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، بات التلميذ المغربي جزءا لا يتجزأ من فضاء إلكتروني مفتوح يزخر بالفرص، لكنه في الوقت نفسه محفوف بالمخاطر. ويؤكد أنس أبو الكلام، خبير الأمن السيبراني، أن غياب تكوين أساسي في الأمن الرقمي ومهارات التحقق من الأخبار يجعل الناشئة أكثر عرضة للاختراقات والاحتيال الإلكتروني والتضليل الإعلامي، بما ينعكس مباشرة على وعيهم وسلوكهم وممارساتهم اليومية.

    ويشير رئيس قسم هندسة الدفاع السيبراني وماجستير حماية البيانات بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بمراكش جامعة القاضي عياض في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، إلى أن هذه المخاطر ليست نظرية فحسب، بل واقعية وملموسة، إذ تسجل يوميا حالات قرصنة لحسابات شخصية وتسريب للمعطيات الخاصة، فضلا عن انجراف التلاميذ وراء أخبار زائفة ومحتويات مضللة تنتشر بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

    ومن هذا المنطلق، يرى الخبير أن إدراج التربية على الأمن الرقمي والتحقق من الأخبار في المنظومة التعليمية لم يعد خيارا تكميليا أو مادة ثانوية، بل أصبح ضرورة ملحة، تماما كما تدرس أساسيات القراءة والكتابة والحساب.

    ويضيف أبو الكلام أن كل مواطن، بمن فيهم الطلبة، يجب أن يدرك أن حواسيبه غير المؤمنة قد تتحول إلى أداة تستعمل في شن هجمات سيبرانية دون علمه، وهو ما يجعل الفضاء الرقمي بيئة محفوفة بالمخاطر.

    ويطرح الخبير سؤالا جوهريا حول الكفايات التي يحتاجها التلميذ المغربي لحماية نفسه من هذه التهديدات، موضحا أن الأمر يقتضي اكتساب ثلاث مجموعات أساسية من الكفايات. أولا الكفايات التقنية وتشمل اختيار كلمات مرور قوية، اعتماد المصادقة الثنائية، حماية الحسابات، والتعرف على الروابط أو الملفات المشبوهة.

    أما ثانيا فتتمثل في الكفايات النقدية، وتتجلى في القدرة على التمييز بين الخبر الصحيح والزائف، والتحقق من المصدر قبل النشر أو المشاركة، وممارسة التفكير النقدي عند مواجهة أي محتوى مشكوك فيه. في حين ترتبط ثالثا الكفايات السلوكية والقيمية بنشر ثقافة المسؤولية الرقمية، واحترام الخصوصية، وتبني سلوك مواطن مسؤول في التفاعل مع الفضاء الافتراضي.

    ويرى أبو الكلام أن التحدي الأكبر يكمن في كيفية دمج هذه المعارف والمهارات في المنظومة التعليمية في ظل الاكتظاظ الحالي للبرامج الدراسية. ويقترح في هذا السياق اعتماد المقاربة العرضانية، أي إدماج مفاهيم الأمن السيبراني والتحقق من الأخبار بشكل متدرج داخل مواد قائمة مثل العلوم والتكنولوجيا والتربية الإسلامية والاجتماعيات واللغات، عبر نصوص تطبيقية وحالات واقعية أو تمارين تحليلية.

    كما يدعو إلى تعميم مواد مدرسية رقمية أو وحدات قصيرة تفاعلية توظف الألعاب التعليمية لتقريب المفاهيم من التلاميذ بطريقة عملية وجذابة، بما يعزز التعلم ويحفزهم على اكتساب مهارات جديدة.

    ومع ذلك، يشير الخبير إلى أن هناك تحديات موضوعية أمام وزارة التربية الوطنية، أبرزها نقص الكفاءات المؤهلة في المجال والقادرة على تأطير التلاميذ، ما يستدعي أيضا إشراك فعاليات المجتمع المدني والمكونات السوسيو اقتصادية المختصة. كما يشكل ضغط المقررات الدراسية الحالية وصعوبة إضافة مواد جديدة تحديا يمكن تجاوزه عبر التعلم باللعب والتطبيق.

    وتبقى الفوارق في البنية التحتية الرقمية بين الوسط الحضري والقروي عائقا أساسيا، بحسب المتحدث، وهو ما يتطلب تنسيقا متكاملا بين مختلف الفاعلين بما في ذلك الجهات والجماعات المحلية ووزارة الرقمنة والمنظمات الدولية، إضافة لمقاومة بعض العقليات لأي تجديد بيداغوجي والتي تحتاج إلى عمل مستمر وصبر لتغييره بشكل تدريجي.

    ويخلص أبو الكلام إلى أن تجاوز هذه العقبات ممكن عبر رؤية استراتيجية متكاملة تشمل تكوينا مستمرا للأساتذة في الأمن السيبراني والتربية الإعلامية، وإبرام شراكات بين الوزارة والجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني لتطوير محتوى بيداغوجي مواكب، ثم اعتماد مقاربة التدرج والتجريب عبر مشاريع نموذجية قبل التعميم على المستوى الوطني.

    ويشدد على أن إدماج التربية على الأمن السيبراني والتحقق من الأخبار في المدرسة المغربية يمثل استثمارا استراتيجيا في حماية الناشئة وضمان جيل رقمي واع قادر على الاستفادة من التحول الرقمي دون الوقوع في فخ مخاطره. فالرهان لم يعد تربويا بحتا بل أصبح رهانا وطنيا يتعلق بقدرة المغرب على بناء مواطن رقمي مسؤول يحمي نفسه ومجتمعه ويواكب بثقة التحولات الكبرى للعالم المعاصر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • احتجاجات أكادير.. “صرخة الغضب” من أجل إنقاذ المنظومة الصحية

    يوسف مبتهل*

    شهد الأحد الماضي محيط المستشفى الجهوي الحسن الثاني بأكادير وقفة احتجاجية حاشدة، رفع خلالها المواطنون أصواتهم للمطالبة بتحسين الخدمات الصحية، والتنديد بما وصفوه بـ”تدهور خطير” يشهده القطاع بالجهة. هذه الخطوة التصعيدية تعكس حالة الغليان المجتمعي أمام معاناة يومية في الولوج إلى العلاج، وتسلّط الضوء على الحاجة الملحّة لإصلاح المنظومة الصحية الوطنية.

    في هذا السياق، حاور “الأول” الدكتورة سناء فوزي، عضوة المجلس الوطني لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي وكاتبة فرعه المحلي بأكادير، للوقوف على أبعاد هذه الاحتجاجات ورسائلها.

    ما هي الأسباب الرئيسية وراء الاحتجاجات في أكادير أمام المستشفى الحسن الثاني، وكيف تعكس هذه الاحتجاجات مشاكل الصحة في المنطقة؟

    الاحتجاجات التي شهدها محيط المستشفى الحسن الثاني جاءت تعبيراً عن مطلب إصلاح منظومة الصحة العمومية أمام وضع يزداد تعقيداً. هذه التحركات تجسّد وعي المواطنين بحقهم في خدمات صحية لائقة، كما تكشف الحاجة الملحّة إلى تعزيز البنيات التحتية والموارد، بما يتماشى مع النمو الديمغرافي والضغط الهائل على هذه المؤسسة المرجعية بالجهة.

    هل هناك استجابة رسمية من السلطات لمطالب المحتجين، وهل اتخذت خطوات لتحسين الوضع الصحي بالمستشفى؟

    عدا مراحل الرصد والتتبع وتقييم السياسة العمومية في مجال الصحة، نأمل أن تسير الأوضاع في اتجاه إيجابي. لكن يبقى الأمر رهيناً بإرادة سياسية جادة واستثمار فعلي في هذا القطاع الحيوي.

    كيف يمكن وصف الوضع الحالي لقطاع الصحة في أكادير، وما هي أبرز التحديات التي تواجه المنظومة الصحية في المنطقة؟

    يمكن القول إن قطاع الصحة في أكادير يعيش مرحلة دقيقة تتطلب دعماً أكبر على مستوى الموارد البشرية والتجهيزات الأساسية، مع ضرورة تحقيق العدالة في توزيع الخدمات الصحية بين مختلف مناطق الجهة. ورغم بعض المجهودات المبذولة، فإن التحديات ما تزال عميقة، مما يجعل من إصلاح المنظومة الصحية أولوية لضمان حق المواطنين في الرعاية والعلاج بكرامة وعدالة.

    *صحفي متدرب

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أمغار: احتجاجات الهامش تفكك تراتبية المركز وتعيد طرح سؤال العدالة المجالية (حوار)

    عبد المالك أهلال

    قال الأستاذ الباحث في علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض بمراكش، مولود أمغار، في حوار له مع جريدة “العمق”، إن الاحتجاجات التي شهدتها مناطق مغربية نائية مثّلت تعبيرا جماعيا ضد اختلالات العدالة المجالية والشعور بالإقصاء التنموي. وأكد أمغار أن هذه التحركات نبعت من المعاناة اليومية للسكان وليس من أجندات حزبية، مشيرا إلى أن غياب البنى التحتية والخدمات الأساسية كان هو المحرك المباشر لها.

    وأوضح الجامعي ذاته، من منظور سوسيولوجي، أن هذه الظاهرة نتجت عن تفاعل عوامل متعددة شملت الحرمان الاقتصادي والاجتماعي، والتهميش السياسي والجغرافي، ونمو الوعي بالحقوق. وبيّن أن مطالب المحتجين تجاوزت المطالبة بالخدمات الأساسية لتطرح إشكاليات أعمق تتعلق بمسألتي “التوزيع والاعتراف”، حيث لم يسعَ المحتجون للمطالبة بالماء والكهرباء فحسب، بل سعوا أيضا إلى نيل الاعتراف بهم كمواطنين كاملي الحقوق وإلى إعادة توزيع عادلة للموارد.

    وانتقد أمغار النموذج التنموي المتبع الذي ركّز الاستثمارات في المراكز الحضرية الكبرى على حساب الهوامش، مما أدى إلى اتساع الفجوة التنموية. واستشهد ببيانات رسمية أظهرت استحواذ ثلاث جهات فقط على 58.5% من الناتج الداخلي الخام، معتبرا أن هذا الخلل عكس غياب العدالة في توزيع الثروة وبرر مطالب الهامش بإعادة توزيع الموارد المالية والبشرية.

    ونبّه الباحث إلى أن اختزال هذه الاحتجاجات في مجرد ردود فعل على أزمة تنموية يُخفي صراعا أعمق حول النموذج التنموي ككل. وشدد على أن هذه الحركات الاحتجاجية لم تكن جديدة في تاريخ المغرب، لكن التطورات التكنولوجية منحتها رؤية أوسع. واعتبر أن هذه المطالب فعل يهدف إلى تفكيك التراتبية بين المركز والهامش، وإلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس المساواة والاعتراف بالحقوق.

    وفيما يلي نص الحوار كاملا

    • ما أبرز الأسباب التي أدت إلى اندلاع الاحتجاجات الأخيرة في مناطق المغرب النائية؟

    أعتقد أن الاحتجاجات التي شهدتها مناطق عدة في المغرب – من المتضررين من زلزال الحوز، وآيت بوكماز وبعض الدواوير الأخرى التابعة لإقليم أزيلال، ومناطق تاركا زكزات بجماعة آيت أمديس، ومدينة تاونات ودواويرها، إلى دواوير جماعة سيدي عيسى بن سليمان بإقليم قلعة السراغنة وأحياء جماعة تاكونيت وترناتة بإقليم زاكورة – تمثل صرخة جماعية ضد اختلالات العدالة المجالية وما يعرف بـ”المغرب المنسي”. هذه الاحتجاجات لا تقتصر على مطالب فئوية محدودة، بل تعبر عن شعور عميق بالإقصاء التنموي، حيث يظل غياب البنية التحتية الأساسية – من طرق وخدمات صحية وتعليمية ومرافق حيوية كالماء والكهرباء والاتصالات – جزءا من الواقع اليومي في هذه المناطق الجبلية والنائية.

    • كيف تفسر محاولات بعض الأطراف ربط الاحتجاجات الأخيرة في المغرب بأجندات حزبية؟

    تتولد هذه الاحتجاجات مباشرة من المعاناة اليومية للسكان وليس من أجندات حزبية كما يراد أن يروج له، وهو ما يمنحها شرعية ويوسع من دائرة التضامن والتعاطف معها. إن محاولة تسيس هذه الاحتجاجات أو ربطها بحزب سياسي معين لا تعدو أن تكون مسعى يائسا وغير موفق، يسعى للمس بمصداقيتها ونزع شرعيتها. خطاب “الشيطنة” الموجه ضدها لا يفاقم التوتر فحسب، بل يفتح أيضا الباب أمام انتقادات حقوقية وسياسية أوسع. ومن الطبيعي في هذه المرحلة الحساسة، التي تحاول فيها الحكومة تقديم رواية نجاحها عبر إنجازات المركز وحجم التنمية، أن تتخذ بعض الاحتجاجات ذريعة لاتهام أطراف معينة بمحاولة توظيف الهامش سياسيا من أجل التعبئة الانتخابية للانتخابات القادمة.

    لقد حان الوقت للاستماع بانتباه لصوت الهامش، والاعتراف بأن هذا الهامش ليس واقعا طبيعيا، بل نتاج تراكم إخفاقات التنمية على مر الحكومات المتعاقبة. وبدلا من البحث عن شماعة لتعليق فشل السياسات، الأجدى هو إعادة طرح مسألة العدالة المجالية أمام الدولة، ودفع الفاعلين السياسيين والحزبيين إلى الانخراط الحقيقي في نقاش التنمية والحقوق الأساسية. في هذا الإطار، تتحول احتجاجات الهامش إلى فعل تفكيكي للتراتبية بين المركز والهامش، وتصبح مطالبة واضحة بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس المساواة والاعتراف.

    • من وجهة نظر سوسيولوجية كيف تفسرون اندلاع هذه الاحتجاجات؟

    هناك مداخل متعددة لتفسير هذه الاحتجاجات، لكنني شخصيا أميل إلى المداخل المتداخلة التي تجمع بين مختلف الأدوات المفاهيمية للسوسيولوجيا. من هذا المنظور، يمكن النظر إلى الاحتجاجات على أنها نتيجة تفاعلية بين الحرمان الاقتصادي والاجتماعي، والهامشية السياسية والجغرافية، والوعي المجتمعي المتزايد بالحق في المقاومة.

    لقد تابعت هذه الاحتجاجات من خلال ما تنقله وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى بعض التحليلات التي حاولت تقديم تفسيرات لها. وأود هنا أن أشير إلى نقطة أساسية تتعلق بالصورة التي تمنحها هذه التحليلات للاحتجاجات، إذ غالبًا ما يتم تصويرها على أنها مجرد ردود فعل على أزمة التنمية، أو نتيجة خلل وظيفي في إحدى آليات تدبير الحاجيات الأساسية للسكان على المستوى المحلي أو الجهوي في أقصى تقدير. بمعنى أدق، تعرض هذه الاحتجاجات كأعراض لأمراض النظام الاجتماعي. غير أن هذا النوع من التفسير، الذي يختزل الأفعال الجماعية في مجرد ردود فعل على أزمة محددة، ينطوي على شكل من الإخفاء، سواء كان مقصودا أو غير مقصود، للصراع الكامن، إذ إن الاحتجاجات التي تتشكل في هوامش المغرب ليست منفصلة عن جوهر الإشكال، الذي يتمثل أساسا في مسألة التوزيع والاعتراف.

    من المهم التأكيد أن احتجاجات الهوامش ليست ظاهرة جديدة في المشهد الاحتجاجي والسياسي بالمغرب، لذلك لا ينبغي النظر إليها بشكل استغرابي أو مفاجئ. فالناظر إلى تاريخ الاحتجاجات بالمغرب سيكتشف الدور الكبير الذي لعبته ساكنة الهامش في عمليات التغيير الاجتماعي والسياسي. ولم تكن هذه الفئات يوما مستكينة لوضعها أو مستسلمة لمصيرها، غير أن التطورات التكنولوجية جعلت احتجاجاتها اليوم أكثر مرئية، وأبعد ما تكون عن أنظار الرأي العام.

    ما أود التأكيد عليه هو أنه ليس من العدل اختزال احتجاجات هذه الساكنة في مجرد “مطالب الخدمات الأساسية”، إذ تعكس في جوهرها مشهدا صراعيا يعيد طرح سؤال العلاقة بين المركز والهامش، ويعيد تشكيل فهمنا للشرعية السياسية والعدالة في بعديها الاجتماعي والمجالي. هذه الاحتجاجات لا تطالب فقط بالماء، أو الطرق، أو التعليم، أو التطبيب، بل تطالب أولا بالاعتراف بحقها في الوجود ضمن مناطقها، لأن من سخرية السياسة أن البعد عن المركز أصبح تبريرًا لحرمانها من التنمية. كما تطالب ثانية بإعادة توزيع الموارد، وإعادة تعريف طرق التمثيل السياسي، وضمان الحق في التنمية والعدالة الاجتماعية والمجالية.

    • هل يمكن اختزال احتجاجات هوامش المغرب في مجرد تأخر تنموي؟

    إن الصراع القائم لا يمكن اختزاله في بعد جغرافي بين المركز والهوامش، أو فيما يتداول سياسيا وإعلاميا تحت مسمى “مغرب بسرعتين”، حيث تسير التنمية في الهوامش بإيقاع متباطئ مقارنة مع المراكز الحضرية الكبرى – مثل الرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش وأكادير – التي يعاد هيكلتها وتوجيه استثمارات ضخمة إليها لتكون فضاءات تستوعب الأنشطة الاقتصادية والدولية. بل إن الأمر يتجاوز ذلك إلى صراع أعمق حول النموذج التنموي ذاته. فالمركز يتبنى رؤية تنموية تركز على البنى التحتية الضخمة والقطاعات ذات العائد السريع، في حين تستبعد المناطق الجبلية والنائية من هذا التصور، مما يكرس اتساع الفجوة التنموية ويعيد إنتاج أشكال عدم المساواة على المستويين الاجتماعي والمجالي.  والحلول المؤقتة التي تقدم كوصفات لحل مشكلات الهامش لا تتجاوز كونها مسكنات للأعراض، أما العلاج الحقيقي فيكمن في تبني نموذج تنموي شامل يعالج جذور الأزمة.

    أما فكرة الاعتراف بالحق في الوجود، فهي تمثل جوهر هذه الحركات الاحتجاجية. فالمطالبة بالاعتراف ليست مجرد صرخة للحصول على خدمات، بل هي رفض للتهميش الرمزي والاجتماعي الذي يقصي هذه الفئات من المجال الوطني، ويحولها إلى كائنات غير مرئية في مخيلة مدبري الشأن العام. الاعتراف هنا هو دعوة لإعادة تقييم نظرة الحكومات المتعاقبة لهذه المجالات ولسكانها باعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق، بصرف النظر عن موقعهم الجغرافي أو مردوديتهم الاقتصادية.

    بالرجوع إلى تقرير الحسابات الجهوية لسنة 2023 الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، فقد استحوذت ثلاث جهات فقط – الدار البيضاء-سطات، الرباط-سلا-القنيطرة، وطنجة-تطوان-الحسيمة – على 58.5%  من الناتج الداخلي الخام الوطني، حيث ساهمت جهة الدار البيضاء-سطات وحدها بـ 32.2%  بفضل ديناميتها الصناعية والخدماتية والتجارية. في المقابل، لم تتجاوز مساهمة جهات مثل درعة-تافيلالت والأقاليم الجنوبية الثلاث مجتمعة سوى 7.6%، وهو ما يعكس بوضوح اتساع الفجوة التنموية.

    للاستدراك هذه الأرقام، تكشف عن خلل في عدالة الإنفاق العام، وتشرعن لمطلب إعادة توزيع الموارد الذي تحمله احتجاجات الهامش والذي يشمل الموارد المالية والموارد البشرية – من أطباء ومهندسين ومدرسين – الذين يتركزون في المدن الكبرى، مما يزيد من تعقيد أزمة الخدمات في الهوامش ويكرس حلقة التفاوت.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الراشدي: لا مكان للمفسدين في الحياة السياسية ونرفض احتكار الإشهار الرقمي (حوار)

    في سياق الجدل السياسي الدائر حول الإصلاحات الانتخابية المقبلة، تضمنت المذكرة الانتخابية لحزب الاستقلال جملة من المقترحات التي تهم الاستقرار التشريعي، وتخليق الحياة السياسية، وضبط استعمال المال والإشهار في الفضاء الرقمي، إلى جانب تعزيز تمثيلية النساء والشباب والمغاربة المقيمين في الخارج.

    وفي هذا السياق، أجرى « تيليكل عربي » حوارا مع عبد الجبار الراشدي، رئيس المجلس الوطني لحزب الاستقلال وكاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، كشف فيه عن أبرز مضامين هذه المذكرة، مؤكدا أنه لا مكان للمفدسين في الحياة السياسية.

     كما شدد الراشدي على أن الاستعمال غير المشروع للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في الحملات الانتخابية يشكل تهديدا مباشرا للتنافس الحر، ويستوجب وضع ضوابط وميثاق أخلاقي صارم.

    ما هي الرؤية العامة التي انطلق منها حزب الاستقلال في مذكرته الانتخابية؟

     نحن ننطلق من قناعة أساسية مفادها أن استقرار المنظومة الانتخابية شرط أساسي لترسيخ الثقة في العملية السياسية، فالمغرب راكم تجربة طويلة، ومن الخطأ أن يتم تغيير  كل القوانين مع كل استحقاق انتخابي، نحن مع إصلاحات تبنى على المكتسبات وتحسن المقتضيات القانونية القائمة، بما يضمن الشفافية ويقوي المسار الديمقراطي،  فلسفتنا واضحة وهي الاعتماد على  التراكم بدل التغيير الشامل.

    ما هي أبرز مقترحات الحزب بخصوص تخليق الحياة السياسية؟

    أبرزنا في مذكرتنا أن تخليق الحياة السياسية مدخل أساسي لإعادة ثقة المواطن في المؤسسات، لذلك تقدمنا بمقترحات عملية، أبرزها الميثاق الأخلاقي الذي نادينا به منذ سنوات. هذا الميثاق يجب أن يترجم إلى التزام فعلي، خاصة بعد أن أصبح اليوم مطلبا لجميع الأحزاب. غير أن جوهر الأمر هو إبرام هذا الميثاق الذي يتم بموجبه التزام الأحزاب بمنع تزكية أو ترشيح أشخاص لديهم قضايا رائجة أمام المحاكم تهم ملفات فساد، لاسيما في ما يتعلق بتدبير المال العام، هذه مسؤولية جماعية، فلا مكان للمفسدين في الحياة السياسية التي تبنى على النزاهة والشفافية وخدمة الصالح العام.

    هناك دعوات إلى التصدي للاستعمال السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي خلال الاستحقاقات الانتخابية، كيف ترون هذا الموضوع؟

    نحن واعون بمخاطر هذا المجال، هناك من يلجأ إلى شراء الحسابات الوهمية من الخارج، أو التلاعب بالخوارزميات، أو استعمال الذكاء الاصطناعي لمهاجمة مرشحين وأحزاب وتشويه صورتهم.

    هذه ممارسات تضرب في الصميم التنافس الحر، وتشكل خطرا على نزاهة الاستحقاقات، نحن نطالب بميثاق أخلاقي بين الأحزاب واضح ينظم استعمال هذه الوسائل في الحملات الانتخابية، نحن كحزب قدمنا مرافعة في هذا المجال، بحيث  دعونا إلى أن تظل منصات التواصل الاجتماعي  فضاء للتنافس النزيه واحترام البرامج والآراء، لا مجالا للتضليل والابتزاز السياسي، هذه رسالة موجهة إلى كل الفاعلين لا يمكن أن نقبل أن تستخدم التكنولوجيا في الاستعمالات غير المشروعة والمدلسة والتي تضرب في الصميم التنافس الحر.

    ما تصوركم لرفع تمثيلية النساء والشباب والمغاربة المقيمين بالخارج في الانتخابات؟

    نحن مع الانفتاح على كل الطاقات والكفاءات، لذلك اقترحنا تخصيص دوائر محلية لفائدة النساء، وأخرى للشباب، وأخرى لمغاربة العالم، لكننا ضد تحويل انتخابات مجلس النواب إلى « تفييء » فئوي يفرغها من طابعها العام، بخلاف مجلس المستشارين الذي له طبيعة فئوية بحكم طبيعته،  فالمطلوب أن تنفتح الدوائر المحلية على هذه الفئات حتى تعطى فرص الترشيح والمشاركة، لكن في إطار طابع وطني جامع، بهذه الطريقة نرفع نسب تمثيلية النساء والشباب والمغاربة المقيمين في الخارج.

    وماذا عن علاقة الإعلام العمومي بالأحزاب السياسية؟

    نحن ندعو إلى إعادة صياغة هذه العلاقة على أسس الانفتاح والتعددية، فالإعلام العمومي يجب أن يكون فضاء للنقاش السياسي الحقيقي من خلال مناظرات بين الأحزاب، وتقديم حصيلة البرامج والأحزاب السياسية وانتقادها والتعليق عليها، وأيضا نقاشات حول القضايا الكبرى حتى لا  يترك المجال فارغا ويتم التصدي لخطاب الشعبوية على وسائل التواصل الاجتماعي.

    لقد أظهرت التجارب الديمقراطية المتقدمة أن النقاش السياسي في الإعلام العمومي يعطي للحياة السياسية جاذبية ومصداقية، نريد إعلاما مواكبا للشأن العام، ويفتح المجال من الآن للأحزاب السياسية سواء كانت في الأغلبية أو المعارضة.

    دعوتم إلى تسقيف الإشهار الانتخابي خاصة الرقمي منه، ما خلفيات ذلك؟

    نعم، لا يمكن أن نسمح لحزب يملك إمكانيات مالية ضخمة أن يحتكر الفضاء الإشهاري، فالمطلوب أن يكون هذا الفضاء متاحا للجميع، ويعكس التعددية السياسية لأن الاحتكار خطر على الديمقراطية،  لذلك نطالب بتسقيف الإنفاق في مجال الإشهار الرقمي،  سواء في الإعلام الإلكتروني أو عبر وسائل التواصل الاجتماع، وهذا يضمن تكافؤ الفرص ويمنع تحويل المال إلى أداة للهيمنة السياسية.

    خلال الانتخابات السابقة، تشير إحصائيات إدارة فيسبوك إلى أنكم جئتم في المرتبة الثانية بعد حزب التجمع الوطني للأحرار من حيث الإنفاق على المنشورات الدعائية عبر فيسبوك وإنستغرام، حيث خصص الأحرار 270 ألف دولار مقابل 29 ألف دولار لحزب الاستقلال. كيف تقيمون هذه الأرقام؟

    نحن لا نقيس قوتنا فقط بالرتب، حزب الاستقلال لديه إمكانيات مادية متواضعة، لكنه يمتلك رصيدا سياسيا كبيرا وانتشارا ترابيا ومناضلين في جميع الجماعات، هذه قوة حقيقية لا تشترى، ولسنا مضطرين لشراء « اللايكات » أو الإنفاق المبالغ فيه على الحملات الرقمية، لقد كنا ندعم بعض المحتويات والمواد المنشورة،  حتى لو صحت الأرقام التي تتحدث عن إنفاق 29 ألف دولار في ستة أشهر،  فإن ما يهمنا هو مبدأ لا احتكار ولا هيمنة، بل تنافس نزيه على أساس البرامج والاقتراحات.

    ما مقترحاتكم لتيسير مشاركة الأشخاص في وضعية إعاقة خلال الاستحقاقات المقبلة؟

    نحن نولي هذا الموضوع أهمية خاصة، اقترحنا اعتماد لغة الإشارة في جميع الوصلات الرسمية للانتخابات، وإضافة فرع جديد في القانون التنظيمي لمجلس النواب بعنوان « مشاركة الأشخاص في وضعية إعاقة »، كما اقترحنا إضافة مادة جديدة تجيز للناخبين في وضعية إعاقة الاستعانة بمرافق أثناء التصويت، بشرط أن يكونوا قادرين على الاختيار الحر،  كما طالبنا بتجهيز مكاتب التصويت بالولوجيات الضرورية، ومنح دعم مالي إضافي للأحزاب التي تقدم مرشحين من ذوي الإعاقة، هذه ليست فقط إجراءات تقنية، بل رسالة تؤكد أن الديمقراطية لا تكتمل إلا بمشاركة كل المواطنات والمواطنين دون استثناء.

    ما موقفكم من القاسم الانتخابي، الذي تم تغييره خلال الانتخابات السابقة، حيث أصبح توزيع المقاعد يتم على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية بدل عدد المصوتين؟

    لم ندع إلى تغيير في القاسم الانتخابي الحالي، فكما قلت سابقا انطلقنا من مبدأ استقرار المنظومة الانتخابية.

    لكن القاسم الانتخابي الحالي يستند في احتسابه إلى اللوائح الانتخابية، وهي نفسها محل انتقادات واسعة من مختلف الأحزاب السياسية، بحكم ما تعرفه من اختلالات.

    نحن أيضا مع مراجعة شاملة للوائح الانتخابية، بما يضمن تحيينها عبر التشطيب على المكررين والمتوفين، وكذا على من غيروا أماكن سكنهم بسبب حركة الهجرة الداخلية من القرى إلى المدن، أو نتيجة عمليات إعادة إسكان القاطنين بدور الصفيح خاصة في عدد من المدن الكبرى مثل الدار  البيضاء وسلا،  وفي هذا الإطار، نقترح نقل القيد تلقائيا إلى النفوذ الترابي الجديد الذي يقطن فيه السكان المعنيون، مع  وجوب إخبارهم بذلك بشتى وسائل التبليغ.

    هل أنتم مع التسجيل التلقائي للناخبين؟

    نرفض هذا الطرح، لأن التسجيل في اللوائح الانتخابية حق دستوري وسياسي، وهو في الآن نفسه تعبير عن إرادة حرة، لا يمكن أن نجعل التسجيل آليا، لأن ذلك يتعارض مع مقتضيات الدستور ومع الاتفاقيات الدولية.

    نحن مع حرية المواطن في أن يقرر بإرادته أن يكون ناخبا، باعتبار أن المشاركة فعل اختياري يعكس الوعي والمسؤولية.

    ماذا كانت مقترحاتكم بخصوص الدعم العمومي؟

    الدعم الحالي لا يكفي، لأن الأحزاب تتحمل مسؤولية دستورية في تأطير المواطنين، وهي مسؤولية كبرى تتطلب إمكانيات أوسع،  لذلك اقترحنا الرفع من قيمة الدعم العمومي مع تعزيز الشفافية في طرق صرفه، على أن يؤخذ بعين الاعتبار واقع العالم القروي حيث يصعب أحيانا تبرير المصاريف بالفواتير بالشكل المعتاد.

     نحن حزب ولسنا شركة، ونشتغل في ظروف عملية تستوجب معالجة خاصة، ومن هذا المنطلق دعونا إلى مراجعة شاملة لمنظومة الدعم في اتجاه الرفع من قيمتها، مع اقتراح رفع سقف التبرعات التي يمكن أن يتلقاها الحزب من 600 ألف درهم إلى 800 ألف درهم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ظهيري يشخص واقع العلاقات المغربية الإسبانية

    حاوره : النعمان اليعلاوي

     

    تشهد العلاقات المغربية الإسبانية تقليديًا دينامية متعددة الأبعاد، تجمع بين التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني من جهة، والتحديات الاجتماعية والهجرية من جهة أخرى. المغرب، باعتباره بوابة إفريقيا نحو أوروبا، وإسبانيا، كدولة مطلة على البحر الأبيض المتوسط ومهمة اقتصاديًا وسياسيًا بالاتحاد الأوروبي، تربطهما علاقات تاريخية تمتد لقرون، تتسم بالتعاون في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب والتهريب والهجرة غير النظامية.

    في هذا الحوار مع الدكتور محمد ظهيري، يسلط الخبير في الشؤون الدولية والعلاقات المغربية الأوروبية الضوء على أبرز القضايا التي تؤثث التعاون بين الرباط ومدريد، في الجانب الأكاديمي والثقافي. ويقدم ظهيري من خلال رؤيته التحليلية، قراءة موضوعية للملفات التي تشكل محور الاهتمام المشترك بين البلدين، مع التركيز على السبل الكفيلة بتعزيز التعاون والتفاهم في إطار يحفظ خصوصيات البلدين.

    كيف تقيمون واقع العلاقات السياسية بين المغرب وإسبانيا في ظل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة؟

    يمكن توصيف العلاقات الراهنة بين المغرب وإسبانيا بأنها تمرّ بمرحلة انفراج وتعاون استراتيجي غير مسبوق، خاصة بعد التحول الجوهري في الموقف الإسباني من قضية الوحدة الترابية للمغرب في مارس 2022. فقد جعل هذا الموقف إسبانيا أكثر انسجاما مع موقف الولايات المتحدة الأمريكية، ومع مواقف عدد من الدول الإفريقية والأوروبية المؤيدة للمبادرة المغربية.

    هذا الانفراج في العلاقات الثنائية بين البلدين حدث في سياق إقليمي ودولي يتسم بعدة تحولات متسارعة، خصوصا وأن البلدان يتقاسمان تاريخا من الترابط والتداخل، بحكم تقاسمهما لحدود بحرية وبرية استثنائية في المحيط الأطلسي وغرب البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى الروابط التاريخية والثقافية المشتركة بينهما، وهو ما يجعل العلاقة بينهما استراتيجية ولا محيد عنها.

    بناء على ما سبق، ومن منظور التحولات الإقليمية، أسهمت حالة عدم الاستقرار في منطقة الساحل، وضغط الهجرة غير النظامية، والتنافس في مجال الطاقة في تعزيز الحاجة إلى تعاون استراتيجي أوثق بين المغرب وإسبانيا. وأما من منظور التحولات الدولية، فقد أسهمت كل من الحرب في أوكرانيا، وصعود تعددية الأقطاب، وارتفاع حدة التنافس بين القوى الكبرى، بين الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، أساسا، في الفضاءين الأورو-متوسطي والإفريقي، في منح المغرب وإسبانيا دورا متزايد الأهمية كشريكين إقليميين. هذا السياق العالمي الجديد فرض على البلدين تعزيز تحالفهما الثنائي لتعزيز موقعهما الجيوسياسي المشترك، سواء داخل الاتحاد الأوروبي أو في الفضاء الأورو-متوسطي والإفريقي.

    برأيكم، ما هي أبرز نقاط التقارب ونقاط التوتر التي ما تزال قائمة بين الرباط ومدريد؟

    في إطار العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد، أعتقد أن نقاط التقارب تغلب على مصادر التوتر، حيث تشمل نقاط التقارب أربع مجالات كبرى: الاقتصاد والأمن والطاقة ثم ما يمكن ان نصطلح عليه بالترابط الاجتماعي. فعلى المستوى الاقتصادي، منذ سنة 2012 تحولت إسبانيا إلى الشريك التجاري الأول للمغرب، متجاوزة فرنسا. فهي تعتبر منذ سنوات أول شريك تجاري للمغرب خارج الاتحاد الأوروبي وأول مستثمر أوروبي فيه، بحجم تبادل تجاري بلغ حوالي 20 مليار يورو في عام 2023.، هذا، إضافة إلى تواجد ما يقارب 1000 شركة إسبانية في المغرب. وحسب آخر الاحصائيات المتوفرة، فقد سجلت الصادرات الإسبانية نحو المغرب في عام 2024 نموا بنسبة 6٪، محققة أرقاما قياسية للعام الرابع على التوالي، مع اعتبار المغرب الوجهة الإفريقية الأولى لنحو 61 في المائة من الصادرات الإسبانية إلى القارة في عام 2023.

    أما على مستوى التعاون في المجال الأمني، فهو تعاون حيوي للطرفين لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، حيث ساعد على تفكيك 177 شبكة إجرامية خلال عام 2024، كما أحبطت السلطات المغربية 78.685 محاولة هجرة غير نظامية إلى الشواطئ الاسبانية خلال نفس السنة.

    أما فيما يخص التعاون في مجال الطاقة، فهناك طموح مشترك بين البلدين في تحويل المغرب إلى مركز للطاقات المتجددة وإسبانيا إلى محور لتوزيع الغاز والهيدروجين نحو أوروبا.

    أما المجال المتعلق بالترابط الاجتماعي بين البلدين فيتمثل فيما يفوق مليون ومئة ألف مغربي ومغربية، حسب احصائيات سنة 2025 ، يقيمون في اسبانيا، منهم 854.000 مقيم و260.000 مُجَنّس منذ سنة 2012، وما يزيد على 13 ألف إسباني وإسبانية مقيمون في المغرب.

    أما نقاط التوتر، فيمكن اجمالها في ثلاث: أولا: وضع مدينتي سبتة ومليلية، والجزر الجعفرية، وصخور بادس والحسيمة وليلى، التي يطالب المغرب باستعادتها، معتبرا إياها جيوبا استعمارية لم يستكمل بعد مسار تصفيتها، بينما تعتبرها إسبانيا جزءا من أراضيها. ثانيا: الخلافات بشأن ترسيم الحدود البحرية في المحيط الأطلسي. ثالثا: تدبير ملف الهجرة الذي يُنظر إليه في إسبانيا أحيانا باعتباره أداة ضغط سياسي توظفها الرباط، بينما يَنظر إليه المغرب كعبء ناتج عن موقعه الجغرافي.

    الملاحظ أن البلدان يحاولان في إطار علاقاتهما، خلال السنوات الأخيرة، تغليب عناصر التعاون والتقارب على نقاط التوتر تجنبا للدخول فيما يمكن أن نصطلح عليه بـ “الجوار الصراعي”.

    كيف يمكن للمغرب وإسبانيا استثمار موقعهما الجغرافي لتعزيز دورهما كبوابة بين أوروبا وإفريقيا؟

    يمتلك المغرب وإسبانيا موقعا جغرافيا استراتيجيا فريدا، إذ يسيطران معا على مضيق جبل طارق الذي يمر عبره ما يقارب 20% من التجارة البحرية العالمية. هذا المعطى يمنحهما قدرة استثنائية للتحول إلى منصة لوجستية واستثمارية ثلاثية الامتداد تصل أوروبا بإفريقيا وأمريكا.

    في المجال المينائي، أصبح ميناء طنجة المتوسط منذ 2021 أكبر ميناء للحاويات في إفريقيا وضمن المراتب الثلاثين الأولى عالميا. أما في الضفة الشمالية، فيُعدّ ميناء الجزيرة الخضراء من بين أكبر الموانئ الأوروبية، إلى جانب ميناء فالنسيا، وكلاهما يتنافس ويتعاون مع طنجة المتوسط في الوقت ذاته، مما يخلق شبكة بحرية-لوجستية تكاملية.

    أما في المجال الطاقي، فيرتبط البلدان حاليًا بخطَّين كهربائيَّين بحريَّين، ويجري الإعداد لخط ثالث لتعزيز تبادل الطاقة المتجددة، في حين تشكّل مشاريع الهيدروجين الأخضر المشتركة، الممولة أوروبيا وإسبانيا ومغربيا، رافعة استراتيجية لإمداد أوروبا بطاقة نظيفة. كما يُدرس إعادة تفعيل خطوط الغاز عبر الضخ العكسي ومشاريع بديلة لتعويض توقف خط أنابيب المغرب-أوروبا منذ 2021.

    وإلى جانب هذه المشاريع، يبرز، من جديد، مشروع نفق جبل طارق للربط القارّي، الذي يُقارن بنفق بحر المانش، ويقترح المشروع إنشاء خط تحت المضيق لربط مدينتي طنجة المغربية وطريفة الإسبانية. ويُتوقع أن يشكل عند إنجازه أداة استراتيجية لربط إفريقيا وأوروبا عبر شبكات الطرق والسكك الحديدية. وقد اكتسب المشروع زخما إضافيا مع إعلان تنظيم كأس العالم 2030 المشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال.

    اقتصاديا، يعزز المغرب موقعه كبوابة للاستثمارات الإسبانية نحو إفريقيا، إذ استحوذ على 61% من الصادرات الإسبانية الموجهة إلى إفريقيا عام 2023. كما تسمح اتفاقيات التجارة الحرة الإفريقية بجعل المغرب منصة انطلاق للشركات الإسبانية في القارة.

    بناء على ما سبق، يمكن القول إنّ المغرب وإسبانيا مُؤَهلان للتحول من مجرد معبر جغرافي إلى قطب جيواقتصادي إقليمي، إذا ما نجحا في دمج موارد المغرب؛ أقصد الطاقات المتجددة، والأسواق الإفريقية، ورأس المال البشري، مع إمكانات إسبانيا؛ أي الانتماء للاتحاد الأوروبي، والتكنولوجيا، ورأس المال. بهذا، يصبحان الجسر الطبيعي بين أوروبا وإفريقيا، وقاطرة للتكامل الأورومتوسطي والإفريقي.

    ما هو تقييمكم لدور الجامعات ومراكز البحث في تقريب وجهات النظر حول القضايا الخلافية؟

    تؤدي الجامعات ومراكز البحث دورًا محوريًا فيما يُعرف بالدبلوماسية العمومية، إذ تُسهم في نزع الطابع الإيديولوجي عن النقاشات، وإنتاج معرفة نقدية مبنية على المعطيات، واقتراح حلول قائمة على التحليل التجريبي. وقد شهد التعاون الأكاديمي بين المغرب وإسبانيا منذ تسعينيات القرن الماضي تطورا ملحوظا، عبر برامج إيراسموس، واتفاقيات الإشراف المشترك على أطروحات الدكتوراه، وتأسيس شبكات بحثية متخصصة في قضايا مثل الهجرة، والإسلام في أوروبا، والتعاون من أجل التنمية.

    وفي هذا السياق، بادرت جامعات بارزة مثل جامعة كومبلوتينسي بمدريد، وجامعة غرناطة، وجامعة محمد الخامس بالرباط، وجامعة عبد المالك السعدي بطنجة-تطوان، إضافة إلى جامعات أخرى مغربية وإسبانية، إلى إطلاق مشاريع مشتركة، في حين أنتجت مراكز بحث كالمعهد الملكي إلكانو بمدريد، ومركز السياسات من أجل الجنوب الجديد بالرباط تقارير مقارنة أغنت النقاش السياسي وصناعة القرار. هذه المؤسسات توفر فضاء أكثر استقرارًا للحوار من الحقل السياسي، لأنها أقل خضوعا لإكراهات الأجندة الانتخابية، وتملك قدرة على استشراف المخاطر واقتراح سيناريوهات بديلة.

    وتتجلى أهمية هذا الدور في ثلاثة مستويات. المستوى الأول، ويركز على إنتاج معرفة موضوعية، من خلال تحليل القضايا الخلافية بعيدًا عن الضغوط السياسية، وبالاستناد إلى بيانات ووقائع. ثانيا: خلق مساحات حوار آمنة، حيث تتيح الجامعات عقد مؤتمرات وندوات تجمع باحثين وخبراء من البلدين، وأحيانًا من بلدان ثالثة، لمناقشة القضايا الحساسة في إطار أكاديمي محايد. وثالثا: تكوين الأجيال المستقبلية، إذ يُكسب التبادل الطلابي الأكاديمي الشباب المغاربة والإسبان فهما أعمق لتعقيدات العلاقة، ويقلل من قابلية انجرافهم وراء الخطابات الشعبوية أو الصور النمطية.

    عير أن هذه المؤسسات تواجه تحديات لا يُستهان بها، أبرزها عدم اهتمام صانعي القرار بدراساتها وتوصياتها، واعتماد أغلب هذه المراكز على التمويل العمومي بما قد يقيّد استقلاليتها. ورغم هذه القيود، تُعدّ الجامعات ومراكز البحث استثمارا طويل الأمد في بناء الثقة الفكرية والبشرية، ولا يُنتظر منها أن تحل الخلافات فورا، بل أن تهيئ الأرضية الذهنية والاجتماعية التي تجعل الحلول السياسية ممكنة في المستقبل.

    كيف ترون فرص تطوير برامج التبادل الأكاديمي والثقافي بما يخدم المصالح المشتركة؟

    توجد العديد من الفرص لتوسيع برامج التبادل الأكاديمي والثقافي بين المغرب وإسبانيا بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.

    على المستوى الأكاديمي، يمكن أن تركز هذه الفرص على التعاون في مجالات حيوية، مثل التعليم والبحث العلمي. مثلا، يمكن للجامعات المغربية والإسبانية إنشاء برامج دراسات مشتركة، خاصة في التخصصات التي تحظى باهتمام مشترك، كدراسات البحر الأبيض المتوسط، وعلم البيئة، والهندسة البحرية، والطاقات المتجددة، والهجرة والتنمية، والعلاقات الدولية. كذلك، عليها تعزيز برامج تبادل الطلاب والأساتذة من خلال مبادرات مثل برنامج إيراسموس+. كذلك، على جامعات البلدين توفير منح دراسية ومساعدات مالية لتشجيع المزيد من الطلاب على المشاركة في هذه البرامج، مع التركيز على تبادل الخبرات في مجالات البحث العلمي المشتركة. كما لا يجب إغفال البحث العلمي والابتكار، حيث تُعدّ الشراكات بين المراكز البحثية والجامعات في البلدين فرصة لتنفيذ مشاريع بحثية مشتركة تعالج تحديات إقليمية ودولية. هذه المشاريع يمكن أن تشمل مجالات مثل إدارة الموارد المائية والزراعة المستدامة، مما يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للبلدين.

    أما على المستوى الثقافي، فيمكن تنظيم فعاليات ثقافية وفنية مشتركة، مثل المهرجانات السينمائية والموسيقية، والمعارض الفنية. من شأن هذه الفعاليات تسليط الضوء على التراث الثقافي الغني لكل من المغرب وإسبانيا، وتعزيز التبادل الثقافي بين الشعبين. كما يمكن للبلدين استكشاف التراث الأندلسي المشترك كأحد الركائز الأساسية للتعاون الثقافي. هذا، إضافة إلى تنظيم ورشات عمل ولقاءات حول التاريخ المشترك، والموسيقى الأندلسية، والفنون المعمارية، مما يعزز الفهم الجيد للعلاقات التاريخية والثقافية العريقة بين البلدين.

    ويجب ألا ننسى، كذلك، دور تعلّم وتعليم اللغات في العلاقات المغربية الاسبانية. فاللغة العربية تدرّس في العديد من الجامعات ومدارس اللغات الرسمية الاسبانية، جامعتين منها تدرس العربية المغربية (الدّارجة) (جامعة كومبلوتينسي بمدريد، وجامعة أوتونوما بمدريد)، إضافة إلى الامازيغية المبرمجة في نظام تدريس جامعة قادس، وهي الجامعة الاسبانية الوحيدة التي حصلت على كرسي الدراسات الأمازيغية، والذي كان من نصيب أستاذ من أصول أمازيغية. بينما الاسبانية تُدرّس في ثماني جامعات مغربية، إضافة إلى إحدى عشر مدرسة إسبانية موزعة عبر مدن طنجة، وتطوان، والحسيمة، والناضور، والعرائش، والرباط، والعيون، جنوب المغرب. لذا، فتحفيز تعلّم وتعليم هذه اللغات بكل غناها الثقافي والتراثي أعتبرها فرصة استثنائية في توطيد وتمتين العلاقات بين البلدين. كما أن بعض المؤسسات الثقافية مثل معهد ثرفانتس في المغرب والملحقية الثقافية في السفارة المغربية في إسبانيا، في انتظار فتح المركز الثقافي المغربي الذي لا زال في طور الإنجاز، يمكنها أن تلعب دورا تكميليا في هذا المجال، عن طريق تنظيم دورات تكوينية في اللغة والثقافة، إضافة إلى تنظيم فعاليات ثقافية لها علاقة بفلكلور وزي وطبخ البلدين، مما يسهل التواصل والتعارف، ويعزز الروابط بين الشعبين والبلدين والتقارب فيما بينهما.

    كيف يمكن للمغرب وإسبانيا العمل معًا لمواجهة خطابات الكراهية وتعزيز ثقافة التعايش؟

    ومما لا شك فيه أن مكافحة خطابات الكراهية تتطلب تعاونا ثنائيا استباقيا ورؤية شمولية تتجاوز المعالجة الأمنية لتشمل، كذلك، الأبعاد التربوية والثقافية والإعلامية. وهنا يمكن للمغرب وإسبانيا أن يلعبا دورا تكامليًا عبر مستويات عدة متداخلة ومتكاملة فيما بينها. أولا: على مستوى الدبلوماسية الرسمية، على حكومتي البلدين أن تدينا معا إدانة واضحة، وفي مناسبات مشتركة، رفضهما القاطع لأي خطاب كراهية أو تمييز ضد المغاربة في إسبانيا أو الإسبان في المغرب. كما عليها تعزيز التعاون القضائي والأمني عبر معاقبة جرائم الكراهية بشكل صارم، وتتبع ودعم الضحايا. ثانيا: على المؤسسات الحكومية الاسبانية اعتماد إصلاحات تشريعية لمحاربة التمييز، وتفعيل إصلاحات قانونية وإعلامية لمواجهة جرائم الكراهية، وترسيخ ثقافة الإنصاف الثقافي والاعتراف بالتنوع الثقافي والتعدد الديني كمصدر إثراء. كما عليها مكافحة الإسلاموفوبيا والتشهير بالإسلام والمسلمين، وتعزيز خطاب التعايش. أقصد إقرار استراتيجيات وطنية واضحة لمناهضة خطاب الكراهية والتمييز في إسبانيا. ثالثا: على المستوى التعليمي والثقافي، يجب الاستثمار في برامج التربية على المواطنة والتنوع، وتوسيع المبادلات الأكاديمية والثقافية بين الشباب المغربي والإسباني. فالتربية المشتركة والتجارب الميدانية هي أفضل وسيلة لتفكيك الصور النمطية وبناء ثقافة التعايش. رابعا: على المستوى الإعلامي والمجتمعي، يجب تشجيع وسائل الإعلام على تبنّي خطاب مسؤول ومتوازن يُبرز إسهامات الجالية المغربية في تنمية الاقتصاد والمجتمع الإسباني. كما أنّ إطلاق حملات مشتركة للتوعية، بمشاركة المجتمع المدني، يمكن أن يواجه الدعاية الشعبوية التي تغذي الكراهية. خامسا: على مستوى الدبلوماسية الثقافية، يجب دعم البرامج الثقافية المشتركة بين البلدين، بهدف إبراز المشترك الثقافي والحضاري، ودعم المبادرات المدنية والإعلامية التي تكرّس ثقافة الحوار بين الثقافات والتعايش بين الأديان، كما يجب دعم جمعيات المجتمع المدني التي تعمل في الميدان لتنظيم حملات توعوية وتحسيسية في اسبانيا بهدف تفكيك الصور النمطية عن المغرب، شعبا وثقافة وحضارة.

    سادسا: ضرورة إشراك أطر وكفاءات الجالية المغربية في إسبانيا كشركاء فاعلين في تصميم سياسات الاندماج والتعايش، بحكم تجربتهم كمهاجرين أو من أصول مهاجرة، وكذا بحكم معرفتهم الجيدة للسياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية للبلدين. ثم، سابعا: دعم البحث العلمي حول الهجرة المغربية وأدوارها المتعددة في تنمية اسبانيا خلال العقود الثلاثة الأخيرة وتشجيع الجامعات ومراكز الأبحاث على إنجاز دراسات علمية متعددة التخصصات حول الموضوع، لتوجيه السياسات العامة وتكوين الفاعلين.

    إنّ تعزيز التعايش لا يتحقق إلا عبر شراكة متعددة الأبعاد، حيث يتكامل دور الدولة مع الجامعات، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني. بهذه الطريقة يمكن للمغرب وإسبانيا أن يتحولا إلى نموذج إقليمي ناجح في إدارة التنوع الثقافي وتدبير التعدد الديني ومكافحة العنصرية والاسلاموفوبيا.

    الدكتور محمد ظهيري في سطور:

     

    • أستاذ التعليم العالي بجامعة كومبلوتينسي العريقة بمدريد.
    • عضو الأكاديمية الملكية للعلوم والآداب الجميلة والفنون النبيلة الإسبانية في قرطبة (إسبانيا).
    • عضو مجلس “مدرسة الدكتوراه” بـ”إنالكو-جامعة السوربون- باريس- سيتي” (فرنسا).
    • عضو مستشار ومدرس زائر ببرنامج الدكتوراه “إدارة الاخلاف في الأوساط المتعددة الثقافات والأديان” بالجامعة الوطنية تريس دي فيبريرو-بوينوس آيريس (مُعَيّن بموجب مرسوم وزاري من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالأرجنتين).

    – سنة 2019 حظي، رفقة وزير الخارجية الإسباني السابق ميغيل أنخيل موراتينوس، بتكريم جامعة الدول العربية بمناسبة الذكرى 74 لتأسيسها.

    – سنة 2012 حصل على جائزة جامعة الدول العربية باعتباره “الشخصية العربية الأكثر تأثيرًا في الرأي العام الإسباني .

    • احتفى به المنتدى الدولي الثالث للهجرة سنة 2013، اعترافًا بـ “دور أبحاثه العلمية في تصحيح الصورة الخاطئة عن المهاجرين العرب في إسبانيا وإبراز دورهم في تنمية إسبانيا اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا”.
    • سنة 2019، تم اختياره من قبل جامعة السوربون-باريس-سيتي كعضو في “مدرسة الدكتوراه” التابعة لها، وقد خصته بالكرسي الرابع المخصص للشخصيات الأجنبية المتميزة أكاديميًا وعلميًا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الدرويش: الحكومة استعجلت قانون التعليم العالي.. والملف المطلبي للأساتذة متوقف

    عبد المالك أهلال

    قال رئيس المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين، الدكتور محمد الدرويش، إن توقيت المصادقة الحكومية على مشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي “مجانب للصواب”، مرجعا ذلك إلى ضغط الزمن السياسي وغياب التواصل.

    وأوضح، في حوار مع جريدة “العمق”، أن “مجلس الأمناء” المستحدث، حسب اطلاعه على المشروع، لا علاقة له بالتدبير والتسيير المباشر للجامعات، وأن مجلس الجامعة سيحتفظ بكامل صلاحياته.

    وأكد الدرويش أن مراجعة القانون 01.00 مطلب قديم يعود لأكثر من 15 عاما، معتبرا أن الوثيقة الحالية المرتبطة بمشروع القانون 59.24 تظل مشروعا قابلا للنقاش والتجويد وليست أزمة.

    وفي المقابل، انتقد بشدة استعجال الحكومة لإصدار القانون دون الاستجابة للملف المطلبي للأساتذة الباحثين، مشيرا إلى أنه لم يتم حل أي ملف خلال السنة الحالية، وشدد على أن الاهتمام بالموارد البشرية هو المدخل الأساسي لأي إصلاح.

    وفيما يلي نص الحوار كاملا:

    من موقعك السابق كاتبا عاما للنقابة الوطنية للتعليم العالي ورئيسا اليوم للمرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين، لماذا تقديم مشروع “قانون 59.24” الآن؟

    أولا، أؤكد في البداية على أن توقيت المصادقة الحكومية على هذا المشروع مجانب للصواب، قد يكون وراءها ضغط الزمن السياسي وعدم موافقته للزمن التشريعي، وهما معا لا يتلاءمان مع الزمن الجامعي، ثم إن قلة التواصل وانعدامه في أحيان محددة زاد من الغموض الذي يخيم على مجموعة من الفاعلين، ويضاف إلى ذلك الجو العام الذي يخيم على الدخول السياسي هذا.

    ثانيا، اسمح لي أولا أن أذكر بأن مراجعة مجموعة من مواد القانون 01.00 مطلب ليس وليد اليوم، بل إنه يعود لأكثر من 15 سنة، إذ طرحته النقابة الوطنية للتعليم العالي على أربع حكومات على الأقل، بل إنه كان ضمن الاتفاق الذي تم توقيعه بين الحكومة والنقابة الوطنية للتعليم العالي يوم 29 أبريل 2011.

    وقد تابع الجهاز الوطني للنقابة ذاتها الحوار مع وزراء القطاع بهدف إخراج هذا القانون، وتم تقديم مشروع قانون يوم 5 غشت 2014 من قبل لحسن الداودي، ونظمت حوله أيام دراسية شاركت فيها فعاليات من النقابة والبرلمان. كما تم يوم الثلاثاء 20 يناير 2015 بمجلس النواب، قدمت خلاله النقابة الوطنية للتعليم العالي أرضية مفصلة حول الموضوع، ولم يتقدم المشروع قيد أنملة.

    وخلال سنة 2018 تم إعداد مشروع جديد تجاوز مجموعة من الملاحظات وسلبيات المشروع السابق، عرف هو كذلك انتقادات وملاحظات، وتوقف الأمر مع انتهاء حكومة سعد الدين العثماني. وخلال سنة 2023 تم إعداد مشروع آخر في صيغة أخرى قطعت مع المشروع السابق في مجموعة من المواد، واليوم نحن أمام مشروع آخر يحمل رقم 59.24، بمعنى أنه قدم للبرلمان سنة 2024 بمضامين جديدة، منها ما كانت من مطالب النقابة الوطنية للتعليم العالي كما هو الأمر بالنسبة للمواد 17 و18 و19 و90 و91 وغيرها، ومنها ما ارتبط بالبحث العلمي والابتكار وبنياته وتنظيمه وتمويله وعلاقات الجامعات والمؤسسات بعالم الاقتصاد، وكذا الوضع الاعتباري للشعب ومكاتبها ومجالسها ورؤسائها وأدوارها وقوتها في التسيير والتدبير في كل ما يرتبط بالشؤون البيداغوجية والعلمية والإدارية للشعب، والتي غيبت تماما في القانون 01.00.

    فوجد الأساتذة الباحثون في مجموعة من المؤسسات أنفسهم في مأزق أحيانا مع زملائهم، وأحيانا أخرى مع إدارات المؤسسات أو مع بنيات البحث والمختبرات، حتى صرنا أمام ظاهرة “تأبط ماسترا” أو “تأبط تكوينا” أو غير ذلك؛ لأن سلطة الشعب غائبة في القانون. ونتذكر جميعا كيف حاولت الحكومات المتعاقبة منذ إصدار القانون 01.00 إقناع النقابة الوطنية للتعليم العالي بقبول مقتضيات المادة 17 وما يرتبط بها، فيصبح الأستاذ الباحث مستخدما لدى الجامعة، وقد قوبلت كل هذه المحاولات بالرفض والمقاومة. ونذكر كذلك في هذا المقام بأن مقتضيات القانون الإطار رقم 51.17 تستلزم تدابير لتفعيل أحكامه، من بينها مراجعة القانون 01.00.

    كل هذه المعطيات وأخرى مرتبطة بحكامة المجالس وربط المسؤولية بالمحاسبة وكثرة أعضاء مجموعة من مجالس الجامعات، والتي تصل إلى ما يقارب 100 عضو، وعدم التطبيق الحقيقي لمقتضيات كون الجامعات والكليات والمدارس مؤسسات عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلالية الفعلية إداريا وماديا وبيداغوجيا وماليا..تؤيد ضرورة التعجيل بإصدار قانون للتعليم العالي يحتفظ بإيجابيات وأسس القانون 01.00، ويصحح مجموعة من الاختلالات والنواقص، ويتأقلم مع التطور السريع الذي يعرفه عالم التعليم العالي والبحث العلمي دوليا.

    اليوم الحكومة تقدمت بمشروع قانون في الموضوع، وسجلنا أنه تم استحداث “مجلس الأمناء” بصلاحيات واسعة. فهل يعتبر هذا تكريس لاستقلالية الجامعة، أم هو في جوهره شكل جديد من الوصاية بهدف إخضاع الجامعة لتوجيهات خارجية تفرغ مبدأ الاستقلالية من محتواه؟

    اسمح لي أولا أن أؤكد على أن الأمر يرتبط بالأساتذة الباحثين، وهم ضمن خيرة الأطر المغربية، وأنا شخصيا وحسب تجربتي المتواضعة، فإن تدبير شؤون التعليم العالي والبحث العلمي لا يخضع بالضرورة للأعداد، فأستاذ باحث واحد قادر على الإقناع والاحتجاج والنقاش الهادئ والإتيان بالحجة والحجة المضادة، فهذا مجالنا، وإن كان نقابيا فالأدوار تتعضد أكثر.

    أما عن “مجلس الأمناء” أو “الحكماء” أو “الإدارة” أو غيرها من التسميات، فلا يمكن أن يقبل أستاذ باحث بإعدام أدواره في المجالس؛ لأنه بكل بساطة هو المحور والقلب النابض لكل العمليات البيداغوجية والعلمية والإدارية لمهام التعليم العالي والبحث العلمي، وإن أعدمت أدواره ومهامه، فعلى الوزارة والحكومة البحث عمن يقوم بهذه المهام، وهو الأمر الذي لا أعتقد أنه ممكن. ثم إن هناك النقابة الوطنية للتعليم العالي، والتي لا يمكن أن تقبل بذلك مهما حصل.

    وأعتقد حسب تجربتي المتواضعة أن المشروع الذي صادقت عليه الحكومة قطع مجموعة من المراحل، منها ما هو مرتبط بما أقدم عليه لحسن الداودي 2014 – 2018 مع المكتب الوطني للنقابة، وسعيد أمزازي مع نفس الجهاز للنقابة ذاتها سنوات 2018 – 2021، ومنها ما أقدم عليه عبد اللطيف ميراوي سنوات 2021 – 2024 مع المكتب الوطني، ومنها ما قام به عز الدين ميداوي قبل مجلس الحكومة ليوم 28 غشت 2025.

    وتظل هذه الوثيقة المصادق عليها حكوميا مشروعا قابلا للنقاش وقابلا للزيادة أو النقصان أو الحذف، شريطة النقاش الهادئ المسؤول بين مكونات التعليم العالي، أقصد المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي والوزير قبل افتتاح الدورة البرلمانية، وحين افتتاحها عبر طرح أولا ما تم الاتفاق بشأنه بين هذه الأطراف، والدفاع والمرافعة عما اختلف حوله من قضايا، ولم لا الاجتماع برئيس الحكومة في الموضوع. لكل ذلك، أعتقد أننا لسنا في أزمة كما يروج في بعض الأوساط، ولكن نحن أمام نخبة المجتمع تناقش وتقبل وترفض وتحتج.. فلا أحد منهم سيقبل الوصاية، بل أعتقد أن لا جهة تهدف لفرضها على نساء ورجال التعليم العالي..
    إذن، هناك أمل في تجويد هذا المشروع بما يخدم المصالح العليا للوطن ويجعل التعليم العالي قاطرة للتنمية بكل أنواعها ومجالاتها.

    بمنح السلطة التقريرية لـ “مجلس الأمناء” ذي الأغلبية الخارجية، وتحويل دور رئيس الجامعة إلى دور استشاري، ما هي المخاطر المباشرة على فعالية الحوكمة الجامعية وقدرة الجامعة على اتخاذ قرارات مستقلة تخدم مصلحتها الأكاديمية؟

    سأعتذر عن الإجابة بتفصيل عن سؤالك هذا، وألتزم أن أعود لطرح نقاش عميق حول جوانبه. لكن اسمح لي أن أؤكد لك حسب ما اطلعت عليه في المشروع، أن هذا المجلس المسمى “مجلس الأمناء” لا علاقة له بتدبير وتسيير الجامعات، ورئيس الجامعة فيه عضو كامل العضوية وليس استشاري، ومجلس الجامعة يحتفظ بكل مهامه وأدواره.

    وحين يكون بالجامعة رئيس بكامل الأوصاف، فلا أحد يقدر على سلبه سلطة المجلس في مهام التدبير والتسيير واقتراح العمداء والمدراء ومسؤولي المراكز وغيرها مما يرتبط باستقلالية الجامعات.

    حسب متابعتك لمنظومة التربية والتكوين عموما وخصوصا، ماذا تحقق للأساتذة الباحثين من ملفهم المطلبي؟

    هذا سؤال يجب طرحه على الأخ الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم العالي أو على الإخوة أعضاء المكتب الوطني. لكن الذي بلغني هو أنه لا ملف تم حله خلال هذه السنة، أي قبيل وبعد تعيين الوزير عز الدين ميداوي، وبعد انتخاب اللجنة الإدارية والمكتب الوطني والكاتب العام للنقابة. فمن غير المقبول والمعقول أن تستعجل الحكومة إجراءات قانونية ولا تستعجل الاستجابة لنقط الملف المطلبي للأساتذة. أعتقد أنه من المناسب أن يتم حل نقط هذا الملف، والذي لا يتعدى عدد أصابع اليد الواحدة.

    فالاهتمام بالموارد البشرية: الأستاذ والطالب والإداري، مدخل من مداخل تطوير المنظومة. أرجو أن تنتبه الحكومة إلى هذا الأمر، فلا تفرق في استجابتها بين الأساتذة الأطباء وبين أساتذة الجامعات والمؤسسات والمعاهد، ولا يمكن أن تظل ترقيات الأساتذة الباحثين مجمدة بسبب خلاف بسيط في قراءة وتأويل النص الخاص بالترقية.

    ولا يعقل أن نظل إلى اليوم نسمع بملف حملة الدكتوراه الفرنسية، ولا أن نشهد ضياع أستاذ باحث اشتغل في قطاع آخر ثم التحق بالتعليم العالي عبر مباراة في بعض سنوات أقدميته، ولا أن يظلم هذا أو ذاك بسبب تسلط أحد المسؤولين.. وغير ذلك من قضايا التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. فالحاجة ماسة لمغرب اليوم لكل نخبه وفي كل المجالات والتخصصات.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بعد الجدل.. إدريس الناجح يفكك أزمة الدراجات النارية ويدعو لاستغلال المهلة لوضع استراتيجية جذرية

    إسماعيل الأداريسي

    قال إدريس الناجح، الخبير الأكاديمي المتخصص في السلامة الطرقية، إن قرار رئيس الحكومة توقيف الحملة ضد الدراجات النارية كان صائبا، لكنه تأخر بعض الشيء، مشددا على أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تتم بحملات معزولة، بل تتطلب سياسة عمومية متكاملة تراعي الأبعاد التقنية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية.

    وشدد الناجح، في حوار مع جريدة “العمق”، على أن القيمة الحقيقية للقرار تكمن في استغلاله لإعادة تقييم الموقف ودراسة الملف بكل أبعاده بعيدا عن “الهواجس الانتخابية”، معتبرا أن الحملة لم تكن ضرورية في غياب سياسة عمومية مكتملة الجوانب، خاصة وأن آلاف الدراجات النارية التي تسير بسرعة تتراوح بين 100 و140 كلم/ساعة تخالف أوضاعها التعريفية، ما يشكل خطرا حقيقيا.

    وأكد الخبير في السلامة الطرقية المقيم بألمانيا، أن القضية تتجاوز التعاطف مع المواطنين المتضررين إلى ضرورة معالجة خلل خطير تترتب عنه عواقب وخيمة على السلامة الطرقية، مبرزا أن حوادث الدراجات النارية تمثل 30% من مجموع الحوادث المسجلة، وهو ما يستدعي تدخلا حازما لكنه مدروس.

    وردا على التساؤلات حول دقة المعيار التقني (57 كلم/ساعة) لتحديد التعديل في الدراجات من فئة 49cc، أوضح الخبير أن هذا الرقم يمثل هامشا كافيا (7 كلم/ساعة إضافية على المعيار الدولي المحدد بـ50 كلم/ساعة) لاستبعاد العوامل المؤثرة على السرعة مثل وزن السائق أو حالة المحرك، معتبرا أن هذا الهامش كافيا لجعل القانون المغربي يتماشى مع التشريعات الدولية التي تحدد السرعة القصوى للدراجات من هذه الفئة بما بين 45 و50 كلم/ساعة.

    وفيما يتعلق بأداة القياس نفسها، وهي جهاز “السبيدوميتر”، أشار الناجح إلى أن هذا الجهاز يقيس السرعة الدورانية للعجلة الخلفية ويحولها إلى سرعة خطية، مما يجعله أداة ممتازة لتقييم أداء المحرك ومقارنة التعديلات، لكنه لا يعطي السرعة الحقيقية على الطريق بدقة مطلقة، مبرزا أن السرعة التي تظهر قد تختلف قليلا عن السرعة الفعلية بسبب عوامل مثل ضغط الإطار أو انزلاق العجلة، مؤكدا أن البدائل الأكثر دقة هي أنظمة GPS أو الرادار.

    أما بخصوص فرضية “السلامة المعاكسة” (Contre-sécurité)، والتي تقول إن تقييد السرعة قد يمنع السائق من التسارع لتفادي خطر ما، فقد نفى الخبير هذه الفرضية بشكل قاطع، مؤكدا أن تقييد السرعة بشكل تقني يقلل من سعة المحرك، وهو أمر معمول به في تجارب دولية كألمانيا، ولا يطرح أي مشكلة في التحكم بالدراجة النارية، سواء في الأحوال العادية أو عند التسارع المفاجئ. بل على العكس، فإن الخطر الحقيقي يكمن في الدراجات التي يتم تعديلها بشكل عشوائي لتتجاوز سرعتها 100 كلم/ساعة دون أن يكون السائق مؤهلا للتحكم بها.

    وفي معرض حديثه عن المسؤولية، يرى الناجح أن الدولة تتحمل المسؤولية الأولى عبر سماحها باستيراد وبيع دراجات نارية تتجاوز سرعتها الحد القانوني بحالتها الأصلية. ويرفض تحميل المواطن وحده مسؤولية عدم مطابقة دراجته للمعايير القانونية، مشيراً إلى أن المسؤولية يتحملها المستورد ومنظومة التصديق، أي السلسلة الكاملة التي تبدأ من المنتج وصولاً إلى المواطن المشتري. ودعا إلى تمكين الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا) بالإمكانات المالية والتقنية والبشرية لتصبح عملية التصديق على المركبات عملاً إدارياً وتقنياً دقيقاً.

    وعند مقارنة عقوبة الحجز الفوري للدراجة بالتجارب الدولية، أوضح الناجح أن العقوبات في الدول الأوروبية، مثل ألمانيا، لا تتساهل مع هذه الظاهرة. ففي ألمانيا، لا يتم حجز الدراجة بل التحفظ على لوحة الترقيم، وهو ما يمنع الدراجة من السير. ويستطيع السائق استعادتها بعد تصحيح وضعيتها ودفع غرامة، معتبرا أن هذا الإجراء، سواء كان حجزاً للمركبة أو للوحة الترقيم، يهدف إلى إجبار السائق على الالتزام بالقانون.

    وشدد الخبير على أن المشكلة لا تكمن في سرعة الدراجة فقط، بل في سلوكيات السائقين المتهورة وغياب التكوين، مشددا على أن رخصة السياقة ليست مجرد وثيقة، بل هي “تربية على السلامة الطرقية قبل كل شيء”، وتساهم في خلق وعي مشترك بأهمية السياقة الآمنة، داعيا إلى استغلال المهلة الانتقالية الممنوحة لمدة سنة ليس فقط لتسوية وضعية الدراجات، بل لوضع استراتيجية حقيقية ومتكاملة تعالج المشكلة من جذورها، داعيا إلى البدء بحملة تحسيسية واسعة، تبدأ من المدارس الإعدادية والثانوية، مع توفير تكوين إجباري ومكثف لسائقي هذه الدراجات بدعم حكومي وتكلفة ميسرة، بالتزامن مع تشديد المراقبة على المستوردين.

    وفي ما يلي نص الحوار كاملا:

    ما قراءتك لقرار رئيس الحكومة بخصوص توقيف الحملة ضد الدراجات النارية؟ وهل تعتبره قرارا في محله أم أنه يحتاج إلى سياسة شاملة تراعي السلامة والابعاد الاجتماعية؟

    أعتقد أن قرار رئيس الحكومة جاء في محله، وربما تأخر بعض الشيء، أو بالأحرى لم يكن هناك من ضرورة للقيام بحملة ضد الدراجات النارية دون أن تكون مسبوقة بسياسة عمومية مكتملة الجوانب.

    نحن نقدر بأن القضية ليست بالبساطة التي يتصورها الناس الذين يتعاطفون مع المواطنين الذين تم حجز دراجاتهم النارية، ولا بالنحو المتعجل وغير المدروس الذي انتهجته الحكومة أو القطاع الوصي. فالتحليل العميق للظاهرة، ينبغي أن يستحضر جملة معطيات مركبة، أولها مخرجات وتوصيات الهيئة الوطنية للسلامة الطرقية التي تتحدث أرقامها عن ارتفاع كبير لحوادث السير التي يتسبب فيها عدد مهم من سائقي هذه الدراجات (تمثل حوادث الدراجات النارية 30 في المائة من مجموع الحوادث المسجلة)، والأمر هنا لا يتعلق بأضرار مادية فقط، وإنما بأرواح وتشوهات وإصابات بليغة، مما يعني أن الاستمرار على نفس الوضعية لم يعد ممكنا.

    الجانب الثاني الذي ينبغي استحضاره، هو حصول خلل في جهة ما، سنأتي على تفصيله، ترتب عنه في نهاية المطاف وجود آلاف الدراجات النارية التي تخالف أوضاعها التعريفية حقيقتها التقنية، فالعدد الأكبر من الدراجات النارية التي تساق في الطرق، ولا يحمل سائقوها رخصة السياقة، تتأرجح سرعتها ما بين 100 إلى 140 كيلومتر، وهو وضع خطير، لا يمكن بإزائه القبول باستمرار الوضع، ولا حتى تخصيص سياسات عمومية متشددة لما بعد هذه الفترة الزمنية، وغض الطرف على الوضعية الحالية. ومن جهة ثالثة، ينبغي أن نستحضر كل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بهذه القضية، فالدراجات النارية لم تعد فقط وسيلة نقل، بل صارت تمثل جزءا اللوجستيك الاقتصادي لدى فئة مهمة من الشباب، ومن ثمة، فالحل، لا ينبغي القفز على هذه الأبعاد عند بناء أي سياسة حكومية رشيدة. ولذلك، في اعتقادي، أن قرار رئيس الحكومة توقيف الحملة ضد الدراجات النارية، سيكون مهما في حالة واحدة، هي إذا تم إعادة تقييم الموقف، ودراسة الملف في كل ابعاده واتخاذ قرارات مدروسة بشكل جيد، وإبعاد الموضوع عن الهواجس الانتخابية.

    من منظور علمي وتقني، هل تحديد سرعة قصوى عند 57 كلم/ساعة (50 كلم/ساعة + هامش خطأ 7 كلم) يعتبر معيارا دقيقا للحكم على أن دراجة نارية من فئة 49cc تم تعديلها؟ ألا يمكن لعوامل مثل وزن السائق، حالة المحرك، وحتى ظروف الاختبار أن تؤثر على النتيجة وتتجاوز هذا الحد حتى في دراجة أصلية؟

    هذا سؤال مهم، ومن الضروري أن نرفع الالتباس بشأنه، فالمعيار الدولي وضع فقط معيار درجة سرعة 45 كيلومتر في الساعة، والمغرب حين اختار تحديد الدرجة القصوى 57 كيلومتر في الساعة، فإنه أخذ هامشا أكبر، تصير فيه الاعتبارات الأخرى التي تتدخل وتؤثر في نتيجة السرعة غير مؤثرة، ومن ذلك وزن السائق، أو حالة المحرك، أو حالة العجلات وهل هي في حالة امتلاء أم لا. أعتقد أن هامش 7 في المائة كاف لجعل الجوانب التي تتدخل وتؤثر في تحديد السرعة غير مؤثرة، وهو ما يجعل القانون المغربي، يتماشى مع التشريعات الدولية التي تحدد السرعة القصوى القانونية للدراجات من فئة 49cc (cyclomoteurs) ما بين 45 و50 كلم/ساعة بحكم صنعها.

    ما هو تقييمكم لآلية القياس نفسها (speedometre)؟ هل هذه الأجهزة معتمدة (étalonné) وتخضع لمعايير دولية تضمن حياديتها ودقتها؟ وما المخاطر التقنية المحتملة عند اختبار دراجة نارية صغيرة على هذا الجهاز بقوة دفعها القصوى؟

    في التعريف التقني، جهاز القياس (speedometre) يستخدم لقياس قدرة المحركات (Power) وعزم الدوران (Torque)، وفي حالة الدراجات النارية يتم تثبيت العجلة الخلفية على أسطوانة دوارة متصلة بحساسات. من خلال المقاومة والسرعة الدورانية، يحسب الجهاز: القدرة الحصانية (HP) عند مختلف عدد الدورات (RPM)، ويحسب أيضا العزم (Torque).

    في الواقع، لا يقيس السبيدوميتر سرعة الدراجة النارية على الطريق مباشرة، بل يقيس السرعة الدورانية للعجلة الخلفية، ثم يحولها إلى سرعة خطية اعتمادا على محيط العجلة وبرمجة الجهاز. ومن ثمة، فالسرعة التي تظهر على شاشة السبيدووميتر قد تختلف قليلًا عن السرعة الحقيقية على الطريق، وذلك بسبب ضغط الإطار، أو انزلاق العجلة على البكرات، وقد تتأثر أيضا بحسب دقة معايرة الجهاز.

    نأتي الآن لسؤالكم، السبيدوميتر يعطي بشكل جيد قيمة تقريبية أو مقارنة بين تعديلات الدراجة، لكنه ليس أدق أداة لقياس السرعة الحقيقية على الطريق، لأن عوامل مثل مقاومة الهواء، والوزن الكلي، وظروف الطريق غير موجودة في الاختبار الثابت. هناك بدائل أخرى، عالية الدقة مثل نظام GPS، ولذلك يتم استعماله في السباقات لأنه يعطي دقة أكبر من عداد الدراجة أو حتى من السبيدومومتر. وهناك رادار السرعة، وهو جهاز احترافي يعطي قيم دقيقة جدا في قياس السرعة، لكن في حالة مثل النازلة التي نحن بصددها، يعتبر السبيدومتر أداة ممتازة لقياس القدرة والعزم ومقارنة أداء التعديلات، أما السرعة فيُظهرها بدقة مقبولة لأغراض الاختبار، وإن لم تكن مرجعا نهائيا وعالي الدقة بدرجة مثل أجهزة GPS أو الرادار.

    هل يمكن أن يؤدي تقييد سرعة الدراجة بشكل مصطنع إلى خلق مخاطر جديدة؟ على سبيل المثال، هل يفقد السائق القدرة على التسارع المفاجئ لتفادي خطر داهم، مما يجعله أكثر عرضة للحوادث في مواقف معينة؟

    الوضعية الحالية جد خطيرة، فهناك نوعان من الدراجات النارية التي تثير المشكلة؛ الأول، وهو دراجات نارية تم تغيير وثائقها التعريفية التقنية، بحيث غيرت قدرة المحرك على الورق فقط، فهي على سبيل المثال محددة السرعة في أقل من 50 كيلومتر في الساعة، وهي في الواقع، تسير بسرعة فوق 100. وهناك نوع ثان، تكون سرعته الحقيقية أقل من 50 كيلومتر في الساعة، وتم توسيع سعة محركها لتتجاوز السرعة 100.  هذان النوعان، هما اللذان يتسببان في مشاكل خطيرة تتعلق بالتحكم في الدراجة النارية، أما تقييد السرعة بشكل تقني (بتدخل تقني)، بحيث يتم تقليل سعة المحرك، فهذا لا يطرح أي مشكلة، وهو الأمر المعمول به في كثير من التجارب الدولية، ومنها ألمانيا التي أعيش بها، فقوة المحرك تصير ضعيفة، والسرعة تضعف تبعا لذلك، وهذا لا يطرح أي مشكلة في التحكم في الدراجة النارية، سواء في الأحوال العادية أم عند التسارع المفاجئ لتفادي الخطر.

    حملة المراقبة استندت إلى مسطرة صادرة عن “نارسا”. هل يمكن لمسطرة إدارية داخلية أن تكون أساسا لفرض عقوبة قاسية كالحجز الفوري للمركبة، أم أن الأمر يتطلب نصا تشريعيا واضحا ومنشورا في الجريدة الرسمية يحدد المخالفة وعقوبتها؟

    لقد أحدثت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية سنة 2020 لتكون أداة بيد الحكومة لوضع استراتيجيات السلامة الطرقية، بما يعني ذلك القيام بالدراسات، وإعداد تقارير سنوية عن حالة السلامة الطرقية ببلادنا، وإنجاز المخططات والمشاريع المتعلقة بتحسين السلامة الطرقية في البلاد، والقيام بكل ما هو علمي وبحثي وتكويني، فضلا عن سلطة الترخيص لعدد من المؤسسات المعنية بتعليم السياقة والتربية على السلامة الطرقية والتصديق على المركبات التي تدخل للمغرب.

    لا أريد في الواقع، أن أسرد مهام هذه الوكالة، لكن من الواضح في الظهير الشريف المتعلق بتنفيذ القانون المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية أن هناك وضوحا تفصيليا في مهام الوكالة، فمن صلاحياتها المباشرة أن تقدم توصياتها للحكومة للتحرك من أجل وضع حد للظواهر الخطيرة التي تهدد السلامة الطرقية مثل التي نحن بصددها، أما كيف تصرفت الحكومة، وهل احترمت التراتيب التشريعية أم لا، فهذا سؤال قانوني، أو ربما هو أليق بأن يجيب عنه السياسي.

    ما يهمني كخبير في السلامة الطرقية، أن أتحدث فيما يتصل بالسلامة الطرقية، وعن السياسات التي قد تؤثر سلبا عليها، حتى ولو كانت في الأصل وضعت من أجل الجواب عن مخاطر تهددها. وضمن هذه الزاوية، أرى أنه كان على الحكومة، أن تأخذ وقتها لتضع سياسة رشيدة لتنزيل توصيات الوكالة، بما يجعلنا في نهاية المطاف نتجنب حالة العجلة والارتجال في معالجة ظاهرة خطيرة، تحتاج منا تفكيرا عميقا، وترتيبا ليس فقط على المستوى التشريعي والقانوني، ولكن أيضا على مستوى خطوات السياسة العمومية، ومراعاة التدرج والتوعية والتحسيس وفهم الظاهرة في أبعادها المختلفة، لأنه في نهاية المطاف، السياسات العمومية توضع في سياق مجتمعي، ويراد لها أن تنجح ضمن تعبئة مجتمعية، ولذلك من المستحيل على أي نص تشريعي أو سياسة عمومية أن تنجح في ظل ممانعة مجتمعية قوية.

    ألا تعتبرون أن الدولة، عبر سماحها باستيراد وبيع دراجات نارية تتجاوز سرعتها بحالتها الأصلية الحد القانوني، تتحمل المسؤولية الأولى؟ كيف يمكن معاقبة المواطن الذي اشترى مركبة بشكل قانوني من السوق، ودفع رسومها، ووثق في تراخيص الأجهزة الرقابية؟

    الأنسب هنا أن نتحدث عن الحكومة، فهي المسؤولة عن إنتاج السياسات العمومية، وهي التي يفترض فيها أن تتدخل لمعالجة أي خلل تراه معطلا للسلامة الطرقية. التشخيص الذي تقدمت به صحيح، فالدراجات النارية التي تستورد لا تدخل إلى المغرب من غير تصديق. ومن ثمة لا يمكن أن نقول للمواطن اصعد إلى شجرة التين، ثم نقول له اهبط، لماذا صعت إليها كما يقول المثل المغربي.

    البعض سارع إلى الدخول في معركة ربما مسيسة ضد الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، بزعم أنها مسؤولة قانونية عن التصديق على المركبات والدراجات النارية، وهذا ظاهريا صحيح، لكن، السؤال هو: هل وضعت الحكومة لهذه الوكالة التي أنشئت سنة 2020 الإمكانات الضرورية والمالية والتقنية والبشرية لتقوم بالمهام المتعددة التي أنيطت بها، وهل مكنت الحكومة هذه المؤسسة العمومية الناشئة من معدات ومقار تقنية تناسب مهامها لتقوم باختبار المركبات، لتتثبت من نوافقها مع أوراقها التقنية الثبوتية؟

    اليوم أصبح للمستورد سلطة كبيرة، ويمكنه أن يتفاوض مع المنتج في كل شيء، حتى في تغيير الجودة في المركبة بين بلد وبلد، فتتفاوت درجة جودة العجلات والفرامل وحتى الإطار بين دول أوربا ودول العالم الثالث، وأحيانا كثيرة يكون ذلك بطلب من المستورد، إما لتخفيض الكلفة بما يناسب السوق الداخلية، أو بما يزيد من هامش الأرباح، واليوم أصبح كثير من المنتجين في خدمة المستوردين، ويمكن أن يقوموا بأشياء تخالف القانون. ولذلك، لم يعد ممكنا أن يكتفى في التصديق بمراقبة الأوراق التعريفية للمركبة أو الدراجة، بل وجب توفير الإمكانات المالية والبشرية والتقنية للوكالة لتقوم بدورها، وهذا ما سيسمح في السنوات القادمة بحل المشكلة، وسد باب في وجه التحايل والفساد الذي يهدد السلامة الطرقية.

    الحجز الفوري للدراجة يعتبر عقوبة قاسية جدا لها تبعات اجتماعية واقتصادية وخيمة على أصحابها. في خبرتكم الدولية، هل توجد سابقة لمثل هذه العقوبة الصارمة لمجرد تجاوز السرعة القصوى التصميمية للمركبة؟ أليست هناك عقوبات بديلة أكثر تدرجا وإنصافا؟

    أعتقد أن قرار رئيس الحكومة أنهى الآن المشكلة، ولم يعد هناك من ضرورة لتقييم عقوبة الحجز على الدراجة. في التجارب الأوربية لا توجد رأفة في التعاطي مع ظاهرة تجاوز السرعة القصوى التصميمية للمركبة، ففي ألمانيا على سبيل المثال مشكلة التصديق غير مطروحة بالمطلق، وفي حال التدخل التقني لتغيير سرعة المركبة أو الدراجة، وثبوت ذلك بالفحص القتني أو عبر الشرطة، لا يتم الحجز على المركبة، بل يتم التحفظ على لوحة الترقيم، وأنت تعرف أن أي مركبة لا تستطيع الجولان من غير لوحة ترقيم. وإذا ما أراد السائق استرجاعها، يتحمل مسؤولية إرجاع المركبة إلى طبيعتها الأصلية، ويدلي بشهادة من الفحص التقني تؤكد ذلك، ويدفع غرامة في مقابل استعادة لوحة الترقيم.

    وفي اعتقادي، فالأمر لا يختلف في كل التجارب الدولية، بما في ذلك المغرب، فسواء تم ذلك بالحجز على المركبة أو على لوحة الترقيم، فإن استعادة السيارة أو استعادة لوحة الترقيم، لا يمكن أن يتم من غير تصحيح الوضعية ودفع الغرامة، بما يؤكد أن هذه السيارة أو الدراجة لن تكون سببا في الإضرار بالسلامة الطرقية.

    تبرر السلطات الإجراء بارتفاع حوادث الدراجات النارية. هل المشكلة الحقيقية تكمن في سرعة الدراجة القصوى، أم في سلوكيات السائقين المتهورة (عدم ارتداء الخوذة، عدم احترام الأسبقية، السياقة الاستعراضية) وغياب التكوين؟ هل يمكن القول إننا نركز على العرض ونتجاهل المرض؟

    لا يمكن الفصل بين الظاهرتين، فالتهور لا يكون مؤثرا بدرجة خطيرة إلا إن كانت سرعة الدراجة تساعد على بلوغ أقصى درجة منه، فالدراجة النارية التي تكون سرعتها لا تتجاوز المعايير الدولية، لا تكون مساعدة للسائق المتهور، ولذلك فاشتراط رخصة السياقة في الدرجات النارية التي تتجاوز سرعتها 57 كيلومتر في الساعة، يقلل من كثير من الأضرار، فرخصة السياقة، تعني التعليم والتكوين، وتعني التأكد من هضم السائق للقوانين المؤطرة، وتعني تحمله مسؤولية العقوبات التي تترتب عن تجاوز القانون، بما في ذلك حجز رخصة السياقة نفسها.

    وإذا كان البعض يعتقد بأن رخصة السياقة تعني فقط المهارات المتعلقة بالسياقة، فهو لا يفهم حقيقة هذه الرخصة وهدفها والرسالة التي تحملها، فهي تعني التربية على السلامة الطرقية قبل كل شيء، وتعني التكوين، وتعني خلق وعي مشترك بأهمية السياقة الآمنة في الطريق. أما العقوبات التي يتضمنها القانون، فهي تؤدي وظيفة زجرية، والتربية على السلامة الطرقية هي الأساس، ولذلك، وضعت في كثير من برامج التعليم المدرسي على رأس الأولويات، وتدرس في المستويات الأساسية من التعليم، وتمنح رخصة سياقة تربوية للأطفال ضمن ورشات نظري تدريبية تقام في ساحة المدارس كما هو الشأن في ألمانيا وبريطانيا وغيرها من الدول الأوربية

    كيف يتم التعامل مع فئة الدراجات النارية الصغيرة (Moped/Cyclomoteur) في ألمانيا؟ هل تخضع لمثل هذا الاختبار الصارم للسرعة القصوى، أم أن الرقابة تركز على جوانب أخرى كالتأمين، الحالة الميكانيكية، وسلوك السائق على الطريق؟

    ملخص التجربة الألمانية، أن هناك فئة من الدراجات النارية التي لا تتجاوز 50 كيلومتر في الساعة لا تتطلب سوى شهادة بعد أخذ دروس نظرية وعملية فضلا عن شهادة الإسعافات  الأولية، أما ما فوق سرعة 50 كيلومتر في الساعة، فتعدد الرخص إلى مستويات، كما أن الحد الأدنى في السن المخول لسياقة هذه الفئة من الدراجات النارية، يرتفع ليصل إلى 21 سنة، وسواء تعلق الأمر برخصة A1  أو A2، فإن رخصة السياقة تشترط إضافة إلى الدروس النظرية والعملية التي تزيد في الوعاء الزمني عن الفئة السابقة، الخضوع لامتحان نظري وعملي والإسعافات الأولية.

    قررت الحكومة منح مهلة انتقالية لمدة سنة. من وجهة نظركم، كيف يجب استغلال هذه الفترة؟ هل يجب أن تقتصر على “تسوية وضعية” الدراجات، أم يجب أن تكون فرصة لمراجعة شاملة للقانون، ومساءلة المستوردين، ووضع استراتيجية حقيقية لسلامة هذه الفئة من مستعملي الطريق؟

    أعتقد أن هذه المهلة كان ينبغي البدء بها قبل مباشرة الحملة ضد الدراجات النارية. ولذلك من المفيد استدراك الأمر ليس فقط لامتصاص تداعيات الحملة، ولكن للتفكير بجدية فيما يمكن القيام به لإشراك سائق هذه الدراجات في صلب الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية.

    من المهم أولا أن يكون لدينا تشخيص صحيح للمعضلة لكي نتوجه رأسا إلى تعديل ما يكن تعديله في المنظومة. الأمر يتطلب أن نبدأ أولا بمعالجة الاختلالات التي تسبق وصول الدراجة النارية إلى المواطن المغربي، إذ لا يمكن أن نحمل هذا المواطن وحده مسؤولية عدم مطابقة الدراجات التي يشتريها للمعايير القانونية، فالمسؤولية يتحملها المستورد ومنظومة التصديق، أي السلسة الذي تنطلق من المنتج وقبل أن تصل إلى المواطن المشتري. وهذا يقتضي وضع منظومة تشريعية صارمة في وجه كل أساليب الاحتيال، كما يتطلب تمكين الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية من الإمكانات حتى تصير عملية التصديق عملا إداريا وتقنيا في الآن ذاته. وفي حالة حصول تغيير في سعة المحرك أو في خصائصه التقنية بعد التصديق له، فدور مراكز الفحص التقني وسلطة المراقبة إيقاع عقوبات صارمة، سواء بحجز الدراجة أو سحب رخصة السياقة أو ما يقرره المشرع لردع هذه الظاهرة الخطيرة.

    لكن، لا ينبغي أن ننسى أن هذه القضية هي قضية تربوية وتكوينية بامتياز، وأنه لا ينبغي أن نضع البيض كله في سلة القانون والعقوبات الزجرية، فمن مسؤولية الحكومة في سياساتها العمومية أن تقوم بدورها في إشراك المواطن في صلب منظومة السلامة الطرقية، وأن تستعين بالإمكانات التربوية والتعليمية والإعلامية والتحسيسية التي تمتلكها وزاراتها أو مؤسساتها العمومية أو المؤسسات الي تخضع لدفاتر تحملات تضعها الحكومة مثل وسائل الإعلام العمومية والخاصة أيضا.

    مزج هذه الأبعاد كلها في سياسة عمومية مندمجة هو ما يتطلب التفكير فيه بجدية وعمق في هذه المرحلة الانتقالية، حتى نتجنب الإصلاحات التي تخلق الصدمة المجتمعية وتنتج حساسية مقاومة لها.

    لو كنتم مستشارا لوزير النقل اليوم، ما هو الإجراء الأول والفوري الذي كنتم ستوصون به لتصحيح المسار، واستعادة الثقة، والبدء في معالجة المشكلة من جذورها بدل الاكتفاء بحلول ترقيعية تثير غضب المواطنين؟

    لا ينبغي أن نرمي الكرة بين يدي ديوان الوزير ولا مستشاره، فالقضية تتداخل فيها مؤسسات متعددة، ويتحمل مسؤوليتها أكثر من قطاع. وظني، أن السياسات العمومية التي يفترض أن تحدث صدمة مجتمعية، ينبغي أن تكون تحت دائرة مراقبة رئاسة الحكومة، وليس فقط وزير النقل، فأنت ترى أن القضية بدأت بمجرد حملة، وتحولت في نهاية الأمر إلى قرار من رئيس الحكومة، لأن تداعياتها أصبحت تمس الرأي العام، وفي بعض البلدان، مثل هذه القضايا تخلق أزمات سياسية.

    أعتقد أن جوهر المشكلة أن نحدد الفئة المستهدفة بالسياسة المعنية، فالأمر يتعلق بنوع من سائقي الدراجات النارية التي تتجاوز سرعتها 57 كيلومتر في الساعة، ولا يهم سائقي الدراجات النارية ما دونها. والأمر لا يهم فئة صغيرة محدودة العدد، وإنما يهم آلاف السائقين، الذين يستعملون دراجاتهم لأغراض تتجاوز النقل، لما هو مرتبط بالحياة الاقتصادية. ثم إن الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية تتحدث عن أرقام مفجعة من ضحايا تكون فيه هذه الدراجات سببا في الحوادث.

    ولذلك وجب أولا أن نعطي فترة انتقالية لا تقل عن سنة، يكون العمل الأساسي فيها هو تحسيس هؤلاء السائقين بضرورة الحصول على رخصة سياقة، وأن الأمر، لا يقتصر فقط على أداء واجب التنبر أو واجب مدارس تعليم السياقة، وإنما يتعلق بتكوين مهم وإجباري يخضع له هؤلاء السائقون لمدة لا تقل عن أسبوع بوتيرة مكثفة، وهو ما يتطلب أن تقوم الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية بإعداد مخطط مدروس لتأطير هذه العملية بشراكة مع مؤسسات التكوين والتعليم، وأن تكون البداية بدعم حكومي، مع كلفة مالية ميسرة، تضمن الانخراط الواسع في العملية.

    كما يتطلب الأمر من جهة مقابلة إنهاء حالة الاسترخاء في تسهيل دخول مركبات لا تحترم المعايير القانونية، ووضع حد للفساد والاحتيال الذي يمارس بتواطؤ بين المنتج والمستورد من خلال تمكين الحكومة الوكالة من الإمكانات المالية والبشرية والتقنية التي تمكن من المزاوجة بين البعد الإداري وبين المراقبة التقنية الدقيقة في عملية التصديق.

    من الممكن وضع درجات لرخص سياقة الدراجات النارية بحسب سرعتها، بالشكل الذي تتمايز فيه شروط الحصول على الرخصة، وأيضا ما يترتب عن المخالفات من عقوبات، لكن ما هو أساسي وضروري ويحظى بالأولوية هو عملية تحسيسية واسعة، تبدأ من المدارس الإعدادية والثانوية والجامعية، مع برامج حوارية مهمة تشرك الخبراء والمسؤولين والقانونيين والمهنيين والمواطنين العاديين في نقاش حر، يساهم في الرفع من درجات الوعي بأهمية سد هذه الثغرة وإقحام سائق هذه الدراجات في صلب منظومة السلامة الطرقية. فإذا انتهت هذه المهلة، تبدأ مراقبة صارمة للدراجات النارية، تدخل إلى وعي المواطن أن عهد التساهل قد انتهى، وأن على الجميع الانضباط للقانون.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • اعميمي: توسيع المشاركة السياسية لغير المدنيين يعزز الشرعية ويُقلّص الانحرافات

    أكد رضوان اعميمي، رئيس المركز المغربي ريادة للدراسات والأبحاث في العلوم القانونية والقضائية، أن الأصل هو تعميم المشاركة السياسية على جميع الفئات، مع استثناء الحالات التي قد تمس بالحياد الوظيفي، مسجلا أن الدستور المغربي لسنة 2011 كان متقدما في هذا الباب بإقراره مبادئ تضمن المساواة والمشاركة السياسية كركيزة لبناء المؤسسات الديمقراطية.

    وأوضح اعميمي، في حوار مقتضب مع جريدة “مدار21” الإلكترونية، أن تحريم الانتماء السياسي لبعض الفئات يهدف إلى ضمان حيادها أثناء ممارسة مهامها، غير أن ذلك لا ينطبق بنفس الحدة على الحق في التصويت باعتباره واجبا دستوريا، لافتا إلى أن تجارب دولية مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا تسمح لغير المدنيين بالتصويت مع فرض ضوابط صارمة للحفاظ على الحياد.

    واعتبر أن توسيع قاعدة المشاركة السياسية يمكن أن يسهم في تعزيز الشرعية الديمقراطية وتقليص الانحرافات في صنع السياسات العمومية، مؤكدا في الوقت نفسه على أهمية تقنين هذه المشاركة تشريعيا بما يضمن صلابة الحياد الوظيفي.

    أعتقد أن الدستور المغربي لسنة 2011 كان متقدما في هذا الباب عندما أقر مجموعة من المبادئ الدستورية التي تعزز مبدأ مساواة المواطنين جميعا أمام القانون في الحقوق والواجبات ومن بينها الحق في المشاركة السياسية بل جعلها أساسا لبناء المؤسسات الحديثة التي ترتكز علاوة على ذلك على التعددية والحكامة الجيدة، وهو ما أكدته الديباجة، بغية إرساء “دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة”.

    كما أكد الدستور على مبدأ المساواة أمام القانون (الفصل 6) وجعل من مسؤولية السلطات العمومية توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

    وهكذا، يمكن القول أن الأصل هو تعميم المشاركة السياسية على جميع الفئات إلا استثناء عندما تمس هذه المشاركة بالحياد الذي يقتضي عدم التمييز أو محاباة جهة على حساب جهة أخرى.

    وفي هذا الصدد، لابد من التمييز في المشاركة السياسية بين الفعل والانخراط السياسي من جهة، وبين السلوك السياسي والمواطناتي من جهة أخرى، فالحياد المفروض على السلطات العمومية بمقتضى الدستور (الفصل 11)، مرتبط أساسا بالإبقاء على نفس المسافة بين جميع الفاعلين السياسيين عموما وبعدم التمييز بينهم، وفي الزمن الانتخابي على وجه الخصوص لضمان نزاهة العملية الانتخابية باعتبارها إحدى أسس مشروعية التمثيل الديمقراطي.

    لذلك، فإن تحريم القانون للانتماء السياسي لمجموعة من الفئات، غايته ضمان حيادها أثناء وخارج قيامها بوظيفتها، وهي ضمانة مهمة، إلا أن الأمر لا ينطبق بنفس الحدة عندما يتعلق الأمر فقط بممارسة الحق في التصويت باعتباره واجبا أيضا طبقا للدستور، فالإدلاء بالتصويت معناها المشاركة في بناء المؤسسات والمساهمة في اختيار الأصلح لتدبير الشأن العام، سواء من موقع وضع السياسات العمومية وتنفيذها، وكذلك من موقع مراقبتها وتقييمها، وهو الاختيار بحكم طبيعة النظام الانتخابي اللائحي، الذي لا يقع مبدئيا على الأشخاص وإنما ينصب على الاختيارات والبرامج التي لا تنحصر في التوجه السياسي بل تشمل التوجهات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها.

    هذا ما يجعل حتى الفئات غير المدنية معنية بشكل مباشر بالمشاركة والاختيار الذي لا يمكن أن يمس بحيادها خاصة إذا علمنا أن الدستور من زاوية أخرى قد فرض هذا الحياد على الأداء الوظيفي أساسا وليس على القناعة السياسية، لذلك نص في الفصل 154 على أن “يمارس أعوان المرافق العمومية وظائفهم، وفقا لمبادئ احترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة”، وبالتالي يمكن تعزيز ضمانات الحياد الوظيفي انطلاقا من التشريعات المنظمة لكل فئة، حيث تضعف إمكانية التأثير كلما تعلق الأمر بالأعوان غير المشرفين على العملية الانتخابية، ولذلك فإن توسيع المشاركة الانتخابية عبر التصويت السري بطبيعته لا يقابله بالضرورة المساس بالحياد الوظيفي.

    مبدئيا هناك العديد من التجارب الدولية تسمح لغير المدنيين بالمشاركة السياسية، من خلال منحهم الحق في التصويت دون إمكانية الانتماء للأحزاب السياسية أو الترشح للمناصب الانتخابية كفرنسا وألمانيا وإسبانيا مثلا، مع التشديد على مجموعة من القواعد الضامنة للحياد الوظيفي، من بينها واجب الانضباط والتحفظ خاصة في الفترات الانتخابية، مع حظر كل أشكال المساندة لجهة سياسية وحظر كل خطاب دعاية بزي الخدمة أو استعمال وسائل المرفق العام لأغراض حزبية؛ وهذه القيود تتشدد خصوصًا قبيل الانتخابات، وتُطبَّق على الشرطة والجيش تفاديًا لأي إيحاء بانحياز المؤسسة.

    أما من حيث المشاركة في التصويت فهذه التجارب تسمح بذلك بل تشجع عليه، من خلال مجموعة من الآليات من بينها إمكانية التصويت عن طريق المراسلة بالنسبة للأفراد المرابطين، كما يمنح القانون إمكانية إنابة شخص آخر للقيام بهذه العملية، وكذلك رقمنتها في التجربة الفرنسية، وهي آليات أبانت التجربة على فعاليتها في ضمان الحق في المشاركة السياسية كحق أصيل دون المساس بالحياد الوظيفي الذي يظل خاضعا للمراقبة الداخلية إلى جانب المراقبة القضائية.

    من بين التحديات التي تواجه العملية الانتخابية ببلادنا خاصة الانتخابات التشريعية على طول الاستحقاقات التي عرفها المغرب هو مشكل المشاركة السياسية، إذ يشكل تدني نسبة المشاركة بسبب عدة عوامل مركبة، وهي إحدى الإشكالات التي تمس في العمق شرعية المؤسسات المنتخبة، رغم تحسنها نسبيا خلال انتخابات 2021 بفضل تزايد نسبة الشباب المسجل في اللوائح الانتخابية، لذلك، فإن تقليص الفئات المحرومة من المشاركة السياسية هو بمثابة رسالة سياسية في اتجاه إشراك الجميع في حقوق المواطنية والمساهمة في بناء المؤسسات المنتخبة.

    كما أن طبيعة هذه الفئات يمكنها أن تعقلن وتجود طبيعة المشاركة السياسية، بالنظر إلى طبيعتها المعرفية وانخراطها المباشر في تدبير الشأن العام وظيفيا، وعدم إمكانية استمالتها بالطرق غير المشروعة انتخابيا.

    ومع ذلك، فإن أهمية تقنين هذه المشاركة وضبطها تشريعيا يظل حاسما في ضمان تفعيل حق هذه الفئة في المشاركة الانتخابية وفق الآليات الحديثة، مع الحفاظ على مبدأ صلابة الحياد الوظيفي.

    إقرأ الخبر من مصدره