Catégorie : رآي

  • سانشيز أمام اختبار الصناديق


    مشيج القرقري
    بيدرو سانشيز أمام اختبار الصناديق، هل تسعفه مؤشرات الاقتصاد أمام تهاوي الثقة؟

    رغم الظروف الاقتصادية الصعبة على الصعيد الدولي (جائحة كورونا، الحرب الروسية الأوكرانية، الحرب الأمريكية الإيرانية…)، استطاعت الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز الوصول إلى مستويات قياسية على المستوى الماكرو اقتصادي.

    فحسب البيانات المنشورة، أصبح الاقتصاد الإسباني الأكثر نموا في أوروبا، وصنفه البنك الدولي في المرتبة 12 في التقرير الصادر خلال شهر مارس 2026 (2041 بليون دولار PIB) على الصعيد العالمي، حيث حقق نموا اقتصاديا سنة 2025 بلغ 2,8%، متجاوزا معدل باقي دول الاتحاد الأوروبي، كما أن نسبة البطالة استقرت في حدود 9,5% (وهي الأدنى منذ سنة 2008)، وتراوحت نسبة التضخم بين 2,2% و3%، بينما تراوحت نسبة العجز بالنسبة للناتج الداخلي الخام بين 2,1% و2,5%.

    فإذا كانت هذه الأرقام تعكس وضعاً ماكرو اقتصادياً جيدا لإسبانيا، يحق لنا أن نتساءل لماذا لم تحول حكومة بيدرو سانشيز هذا المنجز الاقتصادي إلى دعم انتخابي، و تكسب الرهانات قبل غشت 2027؟

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} الانتخابات الجهوية: مؤشر للمستقبل أم استثناء؟

    خلال الستة أشهر الماضية، نظمت في إسبانيا أربعة انتخابات جهوية، فهل تعد مقياسا لما سيحدث في المستقبل، أم أن محددات التصويت مختلفة؟

    قبل جهة الأندلس، كانت هناك استحقاقات انتخابية في أراغون، إكستريمادورا، وكاستيا لا مانتشا. وهي جهات يخف فيها الوزن الهوياتي الجهوي لصالح إسبانيا الموحدة وقد حسمت كلها لصالح الحزب الشعبي (يمين)، لكن حزب فوكس (يمين متطرف) استطاع أن يكسر أغلبيته المطلقة في الجهات الأربع، ويفرض عليه تحالفات صعبة ومحرجة.

    في المقابل، حصل الاشتراكيون على أسوأ النتائج في تاريخهم بجهة الأندلس (معقلهم التاريخي)، رغم تقديمهم نائبة رئيس الحكومة كمرشحة لرئاسة الجهة.

    ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هو ما هي محددات اتجاهات التصويت في إسبانيا؟ كيف يختار الإسبان من يصوتون له؟ هل الوضعية الاقتصادية حاسمة، أم هناك معايير أخرى؟

    وهذا ما يدعنا إلى طرح فرضية أن المؤشرات الماكرو اقتصادية الإيجابية لا تنعكس بأثر مباشر على الاقتصاد المعيشي للسكان، في ظل تحول سيوسيولوجي لعقلية الناخب الاسباني.

    طفرة ماكرو اقتصادية لا تنعكس على المعيش اليومي.

    رغم الطفرة الماكرو اقتصادية والتموقع الجيد داخل الفضاء الأوروبي، إلا أن هذا لا ينعكس على حياة الإسبان اليومية. فمع ارتفاع كلفة المعيشة وضغط الإيجارات (الحد الأدنى للأجور يصل إلى 1424 يورو)، فإن الاقتصاد الملموس لا يعكس أرقام النمو. وبالتالي، لا يقيم الناخب الحكومة بناء على نسبة النمو، بل على انعكاسها المباشر على حياته اليومية.

    تحول سوسيولوجي في سلوك الناخب الإسباني.

    هل ما زال الناخب الإسباني يصوت بدوافع طبقية تقليدية (يمين/يسار، طبقة عاملة/برجوازية)؟ أم أصبحت هناك عوامل أخرى أكثر تأثيراً؟

    من المؤكد أن تحولات كبيرة حصلت في المجتمع الإسباني، الذي لم يعد يصوت طبقياً في غالبيته كما في الماضي، بل أصبحت له محددات أخرى داخل صناديق الاقتراع على رأسها الارتباط الهوياتي. إذ تتنوع الهويات في إسبانيا، وطبيعة النظام الدستوري تجعل التنافس بين الجهات والمناطق واقعا مؤثرا. فالتنازلات والتفويضات التي قدمتها الحكومة المركزية لكاتالونيا وبلاد الباسك مقابل الدعم البرلماني، لا ينظر إليها بإيجابية من باقي الجهات القشتالية (كالأندلس مثلاً). وهذا يدفع الناخبين نحو خيارات قريبة من هويتهم الجهوية، ويجدون صدى لقراراتهم لدى أحزاب اليمين التي ترفع شعار إسبانيا واحدة وموحدة، وهو ما يجعل مسألة الهوية محددا أساسيا لاتجاهات التصويت ومولدا للخيار الاحتجاجي.

    تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، المؤثرون والمحرضون.

    يتهم الحزب الاشتراكي خصومه باليمين واليمين المتطرف بشن حملات مستمرة وغير أخلاقية، مستخدمين المؤثرين والمحرضين لخلق الأزمات وتضخيمها، واستغلال الفضاء الرقمي لتجييش الرأي العام. كما يتهمهم باستخدام القضاء لأغراض سياسية (زوجة رئيس الحكومة، وزير التجهيز، رئيس الحكومة السابق ساباتيرو…). وكل هذه الملفات لها تأثير كبير على الناخبين.

    حالة غير مسبوقة من التجاذب السياسي.

    تعيش إسبانيا حالة تجاذب شديدة بين اليمين واليسار، وبين المناطق التاريخية (كاتالونيا، بلاد الباسك، غاليسيا) وباقي الجهات القشتالية. فالمصادقة على قوانين مثل الذاكرة التاريخية، وقرارات حكومية مثل ترحيل جثمان الجنرال فرانكو، تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين، والسياسات المتقدمة في قضايا المرأة والنوع الاجتماعي وتقليص دور الكنيسة… كلها وقائع تزيد من التجاذبات وتدفع بعض الإسبان المترددين نحو اليمين أو اليمين المتطرف.

    سيناريو 2027: من سيقود الحكومة المركزية المقبلة؟

    رغم توالي انتصارات الحزب الشعبي في الانتخابات الجهوية، تبقى حظوظ بيدرو سانشيز قوية ومحترمة. فبعد أكثر من 8 سنوات في الرئاسة، أصبح يمتلك ما يكفي من الحجج والإنجازات لقلب موازين القوى، خاصة أن الرهانات الوطنية تختلف عن المحلية والجهوية.

    يلقب سانشيز بطائر الفينق، لقدرته على تجديد نفسه والعودة بعد كل تراجع. كما أن موقفه الداعم لقضايا الشعوب (مثل القضية الفلسطينية)، وإدارته المتميزة للسياسة الخارجية (ملف الصحراء، فلسطين، الشراكة مع الصين، تموقع إسبانيا داخل أوروبا)، تجعله مرشحا قويا للاستمرار في رئاسة الحكومة الإسبانية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الفكر والمستقبل

    نورالدين قربال

    هذا عنوان لكتاب من تأليف المفكر إدغار موران، واعتبره مدخلا إلى الفكر المركب، والذي ترجمه السيدان أحمد القصوار ومنير الحجوجي، والذي صدر عن دار توبقال سنة 2004. انطلق فيه الفيلسوف من عنوان العقل الأعمى، باعتبار أن إصلاح الفكر مدخل إلى الفكر المركب. وبقدر ما تتقدم المعارف في الضفة الأخرى يترعرع العمى والجهل والخطأ. من تم لابد من التأسيس للنسقية. خاصة عندما يرتبط الجهل بفك طلاسيم العلم، والتوظيف المنحط للعقل، والتلاعب بالبيئة.

    هذه الاختلالات راجعة لعدم تنظيم المعرفة، إذن كيف ننظم المعرفة؟ المشكل هو وجود أفكار خفية تتحكم فينا ولا نشعربها. هناك يبرز الالتباس خاصة عندما يحصل التعصب للرِؤى، والرؤية تغير العالم، إذن كيف نتحرر من تعدد الرؤى في أفق التكاملية والنسقية والتركيز والترتيب والمطابقة بدل المفارقة؟ بل كيف نتحرر من أحكامنا المسبقة وأهوائنا ومصالحنا التي غالبا تكمن وراء افكارنا؟

    إن منظومة التبسيط تعتمد على الاختزال والتجريد والفصل كما وقع بين الفلسفة والعلم، أو كما وقع بين الفيزياء والبيولوجيا وعلم الإنسان، والادهى من هذا كله عندما يختزل المركب في البسيط. فهل نوحد بشكل مجرد على حساب التنوع أو العكس؟ بهذا ننتج العقل المدمر الذي يدمر كل شيء. خاصة عندما يتحرر من البيئة المنتجة إلى التعميم. لقد أصبحت المعرفة تختزن بدل أن تناقش وتتداول، وهذا جهل كذلك عند بعض العلماء، بهذا تنتشر البلادة، والجهل، والاحتكار، والمحاكاة. لقد أصبحنا نعيش بين الفردانية والشمولية.

    للخروج من هذا يلزمنا الابتكارفي إطار الفكر المركب الذي أصبح ضرورة معرفية، تجنبا للتعقيد، فالتنظيم الذاتي المرتبط بمحيطه يؤسس للاستقلالية، صحيح أن الغوص في الفكر المركب مغامرة، لكنها ضرورة علمية ومعرفية. إن الانطلاق هو تحرير مناط المنهج، بناء على المنطق والحوار، والوحدة المتعددة، هادفين إلى تأسيس علم واع، يعتمد العقل في بناء النسقية والانسجام الفكري، فالعقلانية رؤية والعقلنة منهج فليس هناك معرفة بسيطة، ولكن مبسطة، من إدراك بعض القوانين، فالمركب هو الأصل والمبسط هو الاستثناء.

    إذن كيف ننتقل من التبسيط إلى التعقيد؟ الإنسان مدمج في الحياة الطبيعية، ولكنه لا يمكن اختزاله فيها. لذلك لا بد من معرفة الإنسان. هذا سؤال معقد يحتاج إلى فكر مركب. المهم ليس الانتصار إلى التبسيط أو التعقيد، ولكن صناعة رؤية نسقية أو نظرية إن صح التعبير، وهو تجميع تركيبي لعناصر مختلفة. هذه النسقية تنطلق من الملاحظة، ولكن لا تسكن فيها. من تم فالنسقية ثلاثة أقسام: نسقية خصبة، ونسقية فضفاضة وسطحية، ثم تحليل النسق.

    لقد أبدع المؤلف مصطلح النسق المفتوح، يحمل دينامية وحرارة، يقابله النسق المغلق، وهناك العلاقة البيئية النسقية. إن النسق المفتوح يتخذ بعدا منظوماتيا. لقد وردت مؤلفات في هذا المقام نحو نظرية النسق العام، المفارقة والنسق، ومفهوم النسق السياسي. فنظرية الانساق أصبحت تستجيب لحاجة ملحة أكثر فأكثر. للإشارة فإن المبالغة في التجريد تبعد عن الملموس.

    لقد تم ربط المعلومة بالتنظيم، فهي مقولة مركزية تشكل إشكالية. إنها مظهر تواصلي، داخلة في منظومة التواصل. كذلك هي مظهر إحصائي، ثم اخذت بعدا تنظيميا، إذن المعلومة في حاجة إلى تعميق الرؤية، فلا مكان لتشيئها، لأنها هي بداية المسير وليست نهايته. لكن ما موقع التنظيم من المعلومة؟

    بدأ الاهتمام بالتنظيم عندما تم الانتقال من العضوي إلى التنظيمي، لأن العضوية مفهوم تلفيقي، والتنظيم منسجم لأنه يجمع بين البيولوجي والاجتماعي. بذلك يعطي التنظيم للأمور معنى. قد يكون التنظيم ذاتيا لأنه حي، بالتالي تتميز فردية النسق. من تم تتأسس الاستقلالية. للإشارة فإن التعقيد نشأ تقليديا وليس علميا، اهتمت به الفلسفة ابتداء، وتأسس العلم بين التعقيدين، عندما بدا الحديث عن نسق منظم لذاته.

    عنما نتتبع مضامين هذا المؤلف الذي يجعل الفكر والمستقبل مدخلا إلى الفكر المركب، يمكن تسجيل ما يلي:

    1-الانطلاق من التبسيط إلى التعقيد، والمشترك بين الذات والموضوع، والانسجام والانفتاح الابستيمولوجي، واعتماد مفاهيم العلم المتجدد، والبحث الدائم عن الوحدة والتكامل داخل العلوم، والاستمرارية في مراجعة الذي يبدو منبوذا، والتشبث بمفهوم المنظومة.

    2-التوفيق بين منظومتي البساطة والتعقيد، والبحث عن جوانب الاستقرار للتبني ومظاهر الاختلال للتخلي، انطلاقا من تنظيم الذات، والاستقلالية، والتحرر من التعقيد إلى الاكتمال، وتوظيف آليات العقل والعقلانية والتبرير العقلاني، والاهتمام بالمفاهيم المؤسسة والكونية، واعتماد آليات الحوار ضمانا لاستمرارية الوجود والتوالد، مع استحضار البعد المؤسساتي للمبادئ، وعدم احتقار أي جزئي، لأنها قد تكون إضافة نوعية للتقدم العلمي، لأنه كما ورد في المؤلف: يوجد الكل في الجزء الذي يوجد في الكل.

    3-إذا سلمنا بمنظومة الترابط بين المبسط والتعقيد، فالأولى ربط هذا الأخير بالفعل، لأن الفعل منفلت وغائب عن المقاصد إذا لم يتحكم فيه، وعدم التمييز بين العادي وغيره، والاستعداد دوما لغير المتوقع، قد يتخذ التعقيد أشكالا مختلفة نحو: المعرفة المبسطة، ثم التنبؤ بعدم التحقق الكامل، وصعوبة في الفهم واستفزاز بنيتنا الذهنية، أنذاك نعيش ثلاث علل: العلة الخطية والعلة الدائرية والعلة الارتدادية. إذن كيف ننتقل من التنظيم الذاتي إلى تنظيم ذاتي في علاقة بالمحيط؟ قد يحصل العيش والتعامل مع الاختلال من خلال استراتيجية البرامج والتنظيم، أو علاقات تكاملية، ولكن متصارعة، في هذه الحالة نحتاج إلى التضامنات المعيشة.

    4-هل للتعقيد ابستمولوجيا؟ جوابا على هذا السؤال يجب الحديث على أنواع سوء الفهم، من خلال مدارسة العلم، مع استحضار المقاربات الممكنة للتعقيد، وتتبع التطور العلمي، والحذر من التشويش المعلوماتي، وضبط العلاقة بين المعلومة والمعرفة، والمنظومة والأيديولوجيا، والعلم والفلسفة، والعلم والمجتمع، والعلم وعلم النفس، وحدود الكفاءات، وجدلية التجلي والتخفي، وكيفية هجر المفاهيم، وتوظيف العقل.

    خلاصة المؤلف كما ركز عليه المترجمان تتجلي في أن الأبستمولوجيا المركبة هي الأطروحة المركزية للأعمال الفكرية، لأنها مساعدة على تمثل الوجه الجديد للعالم، الذي هو أصلا مركب ودينامي ومتنوع، فحذار من تشويه وجه العالم وعولمة هذا التشويه.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أخنوش: مغاربة العالم يشكلون اليوم قوة اقتصادية واجتماعية واستثمارية حقيقية

    العلم – الرباط

    اعتبر رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، خلال افتتاح أشغال المنتدى الوطني حول « الاستثمار ومغاربة العالم » بطنجة الجمعة، أن هؤلاء يشكلون اليوم قوة اقتصادية واجتماعية واستثمارية حقيقية، موضحا أن هذه القوة المتنامية لا تنعكس فقط من خلال تحويلاتهم المالية التي تجاوزت رقما قياسيا بلغ 122 مليار درهم سنة 2025، بل تتجسد أيضا في ما راكموه من خبرات عالية، وكفاءات متفردة، وشبكات علاقات دولية واسعة، تجعل منهم شريكا استراتيجيا ثابتا في مسار التنمية والتحديث الذي تشهده المملكة.
       وأفاد رئيس الحكومة، بأن هذا الواقع الملموس، الذي يؤكد أن مغاربة العالم يشكلون اليوم قوة اقتصادية واجتماعية واستثمارية حقيقية، يستدعي الانتقال السريع إلى شكل جديد من الارتباط الاقتصادي المستدام. ودعا في هذا السياق إلى ضرورة الارتقاء بتلك التحويلات المالية وتحويلها إلى مشاريع استثمارية منتجة في أرض الوطن، تكون قادرة على خلق الثروة، وتوليد فرص الشغل، وتطوير الابتكار، مع العمل على تجاوز محدودية مساهمتهم الحالية في حجم الاستثمارات الوطنية الخاصة والمقدرة بنحو 10%.
       وأشار أخنوش، إلى أن الطموح الحكومي يسعى إلى مواكبة هذه القوة عبر تنزيل إصلاحات هيكلية شاملة لمنظومة الأعمال، حيث تم إطلاق ميثاق الاستثمار الجدي، وتبسيط المساطر الإدارية مع تقليص الوثائق المطلوبة لحاملي المشاريع بنسبة 45%، كما تم تعزيز أدوار المراكز الجهوية للاستثمار ورقمنة الخدمات لتقريب القرار من المستثمرين، مما يضمن توفير بيئة مشجعة ومحفزة لأبناء الجالية.
       وفي ختام كلمته، شدد رئيس الحكومة على أن كون مغاربة العالم يشكلون اليوم قوة اقتصادية واجتماعية واستثمارية حقيقية يجعل من استثمارهم رهانا استراتيجيا حتميا على المستقبل لبناء مغرب أكثر تنافسية وإشعاعا. وجدد التزام الدولة بفتح آفاق جديدة ومبتكرة أمام كفاءات الجالية، لتظل المملكة المغربية دائما هي الوجهة الطبيعية والآمنة الحاضنة لكافة مشاريعهم الاستثمارية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • واش الحكومة غادي تفرض البيع بالكيلو فسوق البهايم كيف ما طالبات “گود” ؟

    كود – كازا //

    كيف ما سبق و طلب موقع كود باعتماد البيع بالكيلو فإطار الرؤية الاستباقية و تحليلو للأحداث، ومتابعتو للتطورات المرتبطة بسوق الغنم http://bit.ly/3PlI2Lg

    الحكومة المغربية قررات دير إجراءات استثنائية باش تنظم أسواق بيع الحولي ديال عيد الأضحى، باش تنقص من الغلا وتحارب المضاربة اللي كتعاود كل عام مني كيقرب العيد.

    هاد القرار جا من بعد ما وافق مجلس المنافسة على طلب استعجالي دارتو رئاسة الحكومة، كيسمح باتخاذ تدابير مؤقتة غتبقى حتى لـ3 يونيو 2026 ولي من بينها إمكانية للبيع بالكيلو.

    ومن بين أبرز الإجراءات اللي شدات الانتباه، كاين احتمال يتم اعتماد بيع الحولي بالكيلو إلا شافت الحكومة أن الوضع فالأسواق كيتطلب هاد الشي، خصوصاً مع تخوف المواطنين من استمرار ارتفاع الأسعار بشكل كبفوت القدرة الشرائية ديال بزاف  العائلات المغربية.

    وأكدات رئاسة الحكومة أن هاد التدابير داخلة فإطار حماية المستهلك وضمان الشفافية فالمعاملات التجارية وسط أسواق بيع الحولي، وزادت قالت باللي الهدف  هو الحفاظ على المنافسة الحرة ومحاربة الاحتكار والتلاعب فالأسعار.

    وشملات الإجراءات الجديدة حصر بيع الحولي غير فالأسواق المرخصة قانونياً، مع السماح ببعض عمليات البيع المباشر ولكن بشروط وضوابط محددة، كما فرضات على الكسابا والبياعة يصرحو مسبقاً بهوياتهم وعدد الحوالا اللي غيعرضو للبيع والمصدر ديالها قبل ما يدخلو للسوق.

    وزادت الحكومة منع شراء الحولي  باش يتعاود يتباع وسط الأسواق، فمحاولة منها تحبس نشاط الشناقة والوسطاء اللي كيساهمو فرفع الأسعار ،وحتى تخزين الحولي برا المسالك التجارية المعتادة تولى ممنوع إلا كان الهدف هو خلق الندرة ولا التأثير على السوق.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رحل البرلماني الذي زعزع البصري في البرلمان

    رحل البرلماني الذي زعزع البصري في البرلمان

    كتبها: إدريس الأندلسي

    سافر إلى ألمانيا و ظل حرا بعيدا لتجاوز فترة البصري .

    لا زال كثير من الصحافيين و السياسيين يتذكرون تلك الصراحة التي واجه بها حسن اكرام وزير الداخلية إدريس البصري. ” انت السبب”

    كان البرلماني حسن اكرام أول برلماني يهاجم وزير الداخلية ،الذي كان قويا جدا، من منصة البرلمان.

    كانت المناسبة وضع المعارضة، التي كانت قوية و مؤثرة ، لعريضة دستورية تهدف إلى إسقاط حكومة عز الدين العراقي.

    و يجدر أن نذكر أن هذ الشخصية كانت تنتمي لحزب الاستقلال ، و لكنها فضلت الاستجابة لرغبة للملك للراحل ،الحسن…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • إسمنت مغشوش وجشع بشر: تجارة الموت في سوق العقارات.

    إسمنت مغشوش وجشع بشر: تجارة الموت في سوق العقارات.

    كتبها: جمال الدين ريان 

    من رخص لبناء مثل هذه القبور المرتفعة؟ من سمح برفع هذه النعوش الخرسانية الشاهقة في شوارعنا وأحيائنا، وتركها قنابل موقوتة تنتظر اللحظة لكي تطبق على رؤوس ساكنيها؟

    لم تعد البيوت ملاذاً للأمن؛ بل تحولت، بفعل الجشع والفساد، إلى مقابر عمودية يدفع فيها المواطن شقاء عمره ليشتري حتفه بيده، وسط صمت مريب من جهات كان يُفترض بها أن تحمي الأرواح لا أن تشرعن قتلها.

    ​الجهة التي رخّصت لهذه الكوارث القائمة —أو بالأحرى، قبضت وثمّنت وغضّت الطرف— هي تحالف غير مقدس بين فساد الجماعات والبلديات…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • دعه يفسد، دعه يمر

    دحمان المزرياحي

    بين مقولة “دعه يعمل دعه يمر” التي بشر بها آدم سميث دفاعا عن حرية السوق وتقليص يد الدولة، وبين عبارة “دعه يفسد دعه يمر” عنوان هذا المقال،  تتكشف مفارقة هذا الزمن؛ فالأولى ولدت من تصور اقتصادي يرى أن السوق قادر وحده على خلق التوازن، أما الثانية فهي استنتاج ينبعث من مرارة واقع تترك فيه الفوضى تنمو بلا مساءلة، حتى يصبح الفساد نفسه اقتصادا موازيا للحياة. كلا العبارتين تلتقيان عند فكرة انسحاب الدولة من المشهد، لكن الفرق شاسع بين حرية تنتج الثروة، وغيابٍ يفتح الأبواب أمام الجشع والاحتكار والعبث بمصائر الناس. هنا لا يمر السوق فقط، بل يمر معه التعب والغلاء وانكسار الثقة، كأن الوطن ترك في مهب التجار والسماسرة، فيما المواطن يراقب المشهد بعين متعبة وقلب يسأل: من يحرس العدالة حين تنام الدولة على رصيف الحياد؟

    الملاحظ أن الساحة المغربية تعيش اليوم على إيقاع هذه المفارقة القاسية؛ فبينما تتسع لغة الوعود والخطابات حول التنمية والإصلاح، يزداد شعور المواطن بأن حياته اليومية تنزلق نحو مزيد من القلق والضغط الاجتماعي. الأسعار ترتفع بلا رحمة، والقدرة الشرائية تتآكل بصمت، فيما تبدو الأسواق وكأنها تحررت من كل ضابط أخلاقي أو رقابي، حتى صار المواطن البسيط يدخل السوق كما يدخل معركة خاسرة سلفا.

    لقد تحوّل الغلاء من أزمة ظرفية إلى حالة عامة تسكن تفاصيل الحياة اليومية. الخضر والفواكه واللحوم لم تعد مجرد مواد استهلاكية، بل مؤشرات اجتماعية على اختلال عميق في بنية الاقتصاد وآليات التوزيع والمراقبة. وحتى المناسبات الدينية التي كانت تحمل للمغاربة معاني الفرح والتكافل، أصبحت مصدر خوف وحسابات مؤلمة، بعد أن صار ثمن الأضحية يفوق قدرة فئات واسعة من الأسر، وبلغت أسعار بعض المواد البحرية مستويات غير مسبوقة. لذلك لم يكن قرار صرف الأجور قبل موعدها مجرد إجراء إداري عابر، بل اعترافا غير مباشر بحجم الاختناق الاجتماعي الذي يعيشه المجتمع.

    وسط هذا المشهد، يعود السؤال الكبير حول جدوى السياسات العمومية التي قدمت لسنوات باعتبارها مشاريع استراتيجية كبرى. فمخطط المغرب الأخضر، الذي رفع كشعار لتحقيق الأمن الغذائي ودعم الفلاح وتحسين الإنتاج، يجد نفسه اليوم أمام امتحان الواقع؛ إذ لا يعقل أن يعيش بلد ذو مؤهلات فلاحية كبيرة هذا الارتفاع المهول في الأسعار دون أن يطرح ذلك أسئلة حقيقية حول من استفاد فعلا من هذه السياسات، ومن راكم الأرباح، ومن يدفع الثمن اليوم.

    المشكل لم يعد مرتبطا بالإنتاج وحده، بل أيضاً ببنية اقتصادية هجينة تتغذى من كثرة الوسطاء والسماسرة وشبكات الريع والاحتكار. ففي كثير من الأحيان، ينتقل المنتوج من يد الفلاح بثمن بسيط، قبل أن يصل إلى المستهلك بأضعاف مضاعفة، وكأن القيمة لا يصنعها العمل ولا الأرض، بل تصنعها المضاربة وحدها. وهنا تتجلى تلك المفارقة الساخرة بين حرية السوق وواقع تركت فيه آليات المراقبة والعدالة الاجتماعية تتآكل شيئا فشيئا.

    فالخطر الحقيقي ليس في السوق حين يشتغل وفق قواعد التنافس والإنتاج، بل حين تنسحب الدولة من دورها الرقابي والاجتماعي، وتترك المواطن وحيدا أمام جبروت الاحتكار والمضاربة. عندها يصبح الفساد نفسه نمطا اقتصاديا قائما بذاته، وتتحول المعاناة اليومية إلى أمر اعتيادي، بينما تتآكل الثقة تدريجيا بين المجتمع والمؤسسات.

    ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، يزداد هذا النقاش حدة واتساعا. فالمواطن لم يعد يبحث فقط عن الشعارات أو الوعود الانتخابية الجاهزة، بل صار ينتظر إشارات ملموسة تؤكد أن الدولة قادرة على حماية التوازن الاجتماعي وفرض القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة. لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الأزمة الاقتصادية في حد ذاتها، بل شعور الناس بأن لا أحد يصغي لمعاناتهم.

    لقد أدرك عدد من المفكرين منذ قرون خطورة هذا المسار. فابن خلدون اعتبر أن الظلم واحتكار الثروة وفساد الجباية من أبرز أسباب انهيار العمران وسقوط الدول، حين تتحول السلطة إلى وسيلة لخدمة المصالح الخاصة بدل الصالح العام. كما أشار بول باسكون، في قراءته للمجتمع المغربي، إلى أن تداخل المال بالسلطة والنفوذ ينتج اقتصادا غير منتج، تحكمه الامتيازات والمحسوبية أكثر مما تحكمه الكفاءة والاستحقاق.

    وفي الذاكرة السياسية المغربية، ظلت لحظات الحزم في مواجهة الفساد تحظى برمزية خاصة، لأنها كانت تمنح للمواطن شعورا بأن الدولة ما تزال قادرة على فرض هيبتها وحماية القانون. فالدولة القوية ليست تلك التي تكثر من الخطب، بل تلك التي تجعل الجميع يشعر بأن القانون فوق الجميع.

    إن المرحلة الحالية لا تحتاج إلى حملات موسمية أو خطابات ظرفية، بل إلى إرادة سياسية واضحة تعيد ترتيب الأولويات الاجتماعية والاقتصادية. المطلوب مراقبة حقيقية للأسعار، وضبط سلاسل التوزيع، والحد من اقتصاد الريع والوساطة غير المنتجة، ونشر نتائج الافتحاصات وربطها بالمحاسبة الفعلية، حتى يشعر المواطن أن تضحياته لا تضيع في متاهة المصالح الضيقة.

    فالدول لا تقاس فقط بحجم مشاريعها الكبرى، بل أيضا بقدرتها على حماية الكرامة اليومية لمواطنيها. والمغرب، بما يملكه من تاريخ وإمكانات ورصيد حضاري، قادر على تجاوز هذه المرحلة، شرط أن تستعيد السياسة معناها النبيل كخدمة للصالح العام، لا كسوق للمصالح والتحالفات العابرة. لأن الشعوب قد تصبر على الأزمات، لكنها لا تصبر طويلا حين تشعر أن الفساد أصبح قدرا، وأن الوطن يدار بمنطق: دعه يفسد… دعه يمر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الكُرْسِيُ أوّلًا…


    عبد الفتاح لحجمري
    العَبثُ الإدَاري في كَامِل أنَاقَتِه

    كيف يعطّلُ شخصٌ عشرات العقول ثم يعود إلى بيته مقتنعًا بأنه أَنجزَ يومًا عظيمًا؟ لماذا يخاف بعض المُديرين من الموظف الكُفْء أكثر مما يخافون من الفَشل نفسه؟ كيف صار العبوس مهارةً قيادية، وصارت كثرة الاجتماعات دليلًا على العمل، وصار التوقيع أهمُّ من الفكرة؟ متى أقنعنا أنفسنا أن الإدارة تعني أن يجلس رجلٌ في آخر الممَرِّ ويستهلك أعصاب الجميع باسم “التّدبير”؟ ثم السُّؤال الأهم: كيف تستمر المؤسسات أصلًا رغم كل هذا العبء الجالس فوقها كل صباح؟

    المديرُ الذي يُعيّنُ نفْسَه مُديراً كلَّ صَباح

    أكتب هذا النص لأن السكوت عن هذا النموذج يمنحه عمرًا أطول، ولأن السخرية أحيانًا تفضح ما تعجز التقارير عن قوله. أكتب عن المدير الذي يحتل المؤسسة كما يحتل الغبار رفوف المكاتب. يدخل كل صباح وفي وجهه ادعاءُ رجلٍ يحمل مفاتيح المصير، مع أن المؤسسة تتعبُ منه أكثر مما تتعب من أزماتها. أكتب لأن هذا النموذج لم يعد تفصيلًا عابرًا في الحياة المهنيّة. صار ثقافةً كاملةً تصنع الخوف بدل الثقة، وتكافئ الصّمت بدل الكفاءة، وتحوّل العمل إلى طقس طويل من المجاملة والانتظار. حين يضحك الموظفون من هذا المدير، فهُمْ لا يطلبون التّسلية بقدر ما يدافعون عن عقولهم من العبث اليومي، وعن طاقتهم من رجلٍ يستهلكها باسم الإدارة. أكتب لأن المدير الفارغ أخطر من الموظف الكسول.

    الكسولُ يعطِّلُ مُهمّة، أما المدير الفارغ فيعطِّل مؤسسة كاملة، ثم يقف فوق “التعطيل” كأنه مهندس النجاة. يربك الناس، يقتل المبادرات، يخاف من الأذكياء، ويصنع من كل قرار بسيط جبلًا إداريًا لا يصعده أحد إلا وقد فقَدَ نِصفَ حماسه. أكتب كي يرى القارئ أن الضحك هنا ليس هروبًا من المشكلة، إنه طريقة ذكية لتَسْميتها. عندما نضحك من هذا المدير، ننزع عنه قناع الهَيْبة الزائفة، ونكشف أن الكرسي لا يصنع عقلًا، وأن الصوت العالي لا يصنع قيادة، وأن كثرة الاجتماعات لا تعني وجود رؤية. السخرية هنا ليست زينة لغوية؛ إنها تشريح دقيق لكائنٍ إداري يعيش على خوف الآخرين من قول الحقيقة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} حين تصبحُ الإدارة مَسرحية رديئة

    كل صباح، يدخل السيد المدير إلى مكتبه كما يدخل فاتحٌ عائد من حربٍ لم تقع أصْلًا. يفتح الباب ببطءٍ مسرحي، يضع حقيبته على الطاولة كما لو أنها تحتوي أسرار الدولة، ثم يجلس لحظة صمتٍ ثقيلة يحدّق فيها إلى الجدار. لا أحد يعرف مَنْ عيّنهُ أوَّل مرة، ولا أحد يجرؤ على سؤاله. حتى الكرسي نفسه يبدو متفاجئًا كلَّ يوم حين يراه يعود إليه بالحماسة ذاتها، كأن المنصب حادثة طارئة تتكرر دونَ تفسير. يوقّع الأوراق بعُنفٍ يُوحي بأنه يوقّع معاهدات دولية، بينما هو في الحقيقة يوافق على شراء دبّاسَة جديدة أو يرفض إصلاح مصباح محترق منذ الشتاء الماضي. يعشق كلمة “الإدارة” كما يعشق الأطفال الألعاب اللاّمعة. يكررها في كل جملة حتى صارت الموظفات يشكّكن أحيانًا إن كان يقصد المؤسسة أم يقصد نفسه شخصيًا. فإذا قال: “الإدارة قررت”، كان يعني أنه قرر بعد معركة فكرية شرسة بينه وبين صورته في المرآة. وحين يمشي في الممر، تتقدمه هيبته المصنوعة من الصمت المفتعل وربطة العنق المشدودة أكثر من اللازم. يقضي نصف يومه في مراقبة من يعمل، كي يتأكد أن أحدًا لا يبدو أكثر أهمية منه. أما الاجتماعات، فهي هوايته الكبرى. يجمع الناس حول الطاولة ليشرح لهم أشياء يعرفونها أكثر منه، ثم يخرج الجميع وَهُم لا يفهمون لماذا تمّ استدعاؤهم أصلًا، لكنه يخرج مقتنعًا أنه أنقذ المؤسسة من انهيارٍ تاريخي وشيك. ومع ذلك، يظل السّيد المدير وفيًا لرسالته النّبيلة: أن يعيّن نفسه مُديرًا كل صباح، ثم يقضي بقية اليوم في الدّفاع البطولي عن هذا التَّعيين.

    سيرة رجلٍ يطارد أهمِّيتَهُ

    في الأيّام الاستثنائية، يزداد اقتناع السيد المدير بعظمته الإدارية حين يكتشف خطأً مطبعيًا في مذكرة داخلية. عندها يتحول المكتب إلى مسرح طوارئ وطنية. تُستدعى الوجوه المتوترة، تُفتح الملفات، وتُعقد جلسة تحقيق طويلة من أجل حرفٍ سقط سهوًا، بينما تسقط المؤسسة نفسها قطعةً قطعةً دون أن يلاحظ أحد ذلك التفصيل الصّغير. كان يؤمن إيمانًا حقيقيًا أن الإدارة ليست كفاءة ولا رؤية ولا قدرة على الحل، وإنما طريقة في عَقْدِ الحاجبين أثناء الكلام. لذلك تمرّنَ سنوات أمام المرآة على نظرة الرجل المنشغل بمصير الأمة، حتى صار عاجزًا عن الابتسام بشكل تلقائي وطبيعي، حتى ضحكته تبدو وكأنها تحتاج موافقة مكتوبة من الموارد البشرية. وحينَ يتحدَّثُ عن “فريقُ العَمل”، ينطق العبارة بنبرة مالك مزرعة يتفقَّد دجاجَهُ آخر النَّهار. يحبّ الموظفين المُطيعين، أولئك الذين يهزُّون رؤوسهم بسُرعة، ويكتبون ملاحظات وهمية أثناء كلامه، ويقولون له “فكرة ممتازة” حتى لو اقترح نقل الطابعة إلى السّطح لتحسين الإنتاجية.

    أما أصحاب الكفاءة الحقيقية، فيعاملهم بحذر الأجهزة الأمنية مع الغرباء. يراقبهم بعين مرتابة، لأن الإنسان الذي يعرف ماذا يفعل يشكل خطرًا دائمًا على الرجل الذي لا يعرف سوى كيف يجلس في صدر القاعة. أما إذا تعطّلت مصْلحة كاملة، اكتَفى السَّيد المدير بالقول الحكيم:

    “سنشكل لجنة لدراسة الموضوع.” واللجنة عنده ليست حلًا، إنها مقبرة أنيقة للمشاكل. تدخلها القضايا حيّة، فلا تخرج أبدًا. ومع مرور السنوات، لم يتغير شيء في المؤسسة سوى لون الستائر وصور المدير في المناسبات الرسمية. يأتي صباحًا للإدارة، يعدّل ربطة عنقه، ينظر إلى المكتب بعاطفة مالكٍ شرعي للكَوْن، ثم يُباشر مهمَّته اليومية الخالدة: “إثبات أنه أهمّ من العمل نفسه”.

    مديرٌ لا ينقُصُه إلاّ العَمل

    كان السيد المدير يعيش على صناعة الطوارئ أكثر من حلّها؛ فهدوء المؤسسة كان يهدد شعوره بالأهمية. لذلك كان يضخم أبسط التفاصيل، ويحوّل التأخر البسيط أو العطل العابر إلى أزمات كبرى تمنحه فرصة استعراض سلطته. وكانت فوضى مكتبه وهاتفه جزءًا من مسرحية الهيبة، لا دليلًا على عمل حقيقي. أما المبادرات الجديدة، فكان يقتلها بعبارته الدائمة: «الفكرة جيدة، لكن ليس هذا هو الوقت المناسب». كان يؤمن أن النجاح الحقيقي للإدارة هو أن يبقى كل شيء معقدًا بما يكفي ليبدو وجوده ضروريًا. فالمؤسسة المنظمة تشكل خطرًا مباشرًا على الرجل الذي يعيشُ من الفوضى.

    في نهاية كل يوم، يغادر السيد المدير المكتب مُتعبًا بطريقة مَسْرحية، يحملُ حقيبته ببطء، ويتنهد كما لو أنه أمضى النهار في إنقاذ الاقتصاد الوطني. يطفئ الأنوار، ينظر إلى المؤسسة النظرة نفسها التي ينظر بها قائد أوركسترا إلى جمهوره بعد حفلة فاشلة، ثم يمضي مقتنعًا أن كل ما صمَد اليوم صمَد بفضله، بينما الحقيقة البسيطة التي لا يراها أبَدًا هيَ أنّ المؤسسة تعلمت منذ سنوات كيف تعمل في غيابه أكثر مما تعملُ بحضوره.

    حينَ يخذِلُ المنصبُ صاحبَهُ

    ماذا يبقى من هذا المدير بعد سنواتٍ؛ هل يتذكره الناس باعتباره قائدًا صنع فرقًا حقيقيًا، أم باعتباره رجلًا أتقن فقط توزيع التّوتر داخل المكاتب؟ ماذا يبقى من الاجتماعات الطويلة، والعبارات الضخمة، ونظرات الهيبة المصنوعة بعناية؟ هل صنعت كل تلك المسرحية مؤسسةً أفضل، أم صنعت فقط رجلًا يظن نفسه أكبر من المؤسسة؟ ثم ماذا يشعر هذا المدير حين يكتشف متأخرًا أن العمل كان يسير دائمًا بعيدًا عن خطاباته؟ ماذا يحدث حين يدرك أن الموظفين لم يخافوا احترامًا له، وإنما تعبًا منه؟ وهل يعرف أصلًا أن الكراسي لا تحفظ أسماء أصحابها طويلًا، وأن المؤسسات تنسى بسرعة أولئك الذين استهلكوا وقتها أكثر مما خدموها؟ أم أن بعض الناس يقضون حياتهم كاملة وهم يدافعون عن صورةٍ ضخمة لأنفسهم، بينما الحقيقة البسيطة تقفُ خلفهُم طوال الوَقت وتَضْحكُ؟

    لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رزية الخميس


    الطيب بوطاهر

    لم يكن المرض الذي نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم في أيامه الأخيرة مرضَ الجسد وحده.

    كان شيئًا أثقل من الحمى، وأعمق من الوجع الذي يفتك بالأعضاء.

    فيثرب نفسها كانت مريضة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وكان في الهواء قلقٌ خفي، كأن القلوب تشعر — قبل العقول — أن عهدًا يوشك أن ينقضي، وأن العالم الذي عاشه المسلمون منذ ثلاث وعشرين سنة يقف الآن على حافة مجهولة لا يعرف أحد ما الذي ينتظر الناس بعدها.

    وفي تلك الأيام، صار البيت الذي تسكنه عائشة أشبه بمركز الكون كله.

    الأقدام تدخل وتخرج في صمتٍ مضطرب، والوجوه يكسوها ذلك الذهول الذي يصيب البشر حين يرون القويّ يضعف أمام أعينهم للمرة الأولى.

    فقد اعتاد الناس أن يروا محمدًا صلى الله عليه وسلم رجلًا إذا دخل مكانًا امتلأ يقينًا، وإذا تكلم سكنت القلوب، وإذا اشتدت الخطوب نظروا إليه فهدأت نفوسهم.

    أما الآن…

    فقد كان المرض قد أخذ منه مأخذًا ظاهرًا.

    الحمى تشتد.

    والتعب يثقل الجسد.

    والمدينة كلها تنظر إلى باب الحجرة كأنها تنتظر من داخله جوابًا يطمئنها إلى أن النظام الذي عاشت في ظله لن ينهار فجأة.

    في ذلك الخميس، قبل الوفاة بأيام قليلة، اجتمع في البيت عدد من كبار الصحابة.

    وكان الجو مشحونًا بذلك الصمت الذي يسبق الكلمات الخطيرة.

    فالناس في حضرة المرض يصبحون أكثر حساسية، وأكثر خوفًا من المعاني التي تخفيها العبارات.

    وكان النبي مستلقيًا، يثقل المرض جسده، بينما الوجوه من حوله متعلقة به في قلق.

    ثم قال:

    “ائتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده.”

    وكانت الجملة قصيرة.

    لكنها وقعت في النفوس وقوع الصاعقة.

    فالرجل الذي يوشك أن يغادر الدنيا يطلب أن يكتب شيئًا للأمة كلها.

    وهنا بدأ الاضطراب.

    لا أحد يعرف على وجه اليقين ما الذي مرّ في القلوب في تلك اللحظة.

    التاريخ لا يسجل الخوف كما يسجل الكلمات.

    لكنه يتركه مختبئًا بين السطور.

    بعض الحاضرين أراد أن يُحضِر الكتف والدواة فورًا.

    كان في نفوسهم شعور بأن ما سيُكتب قد يكون آخر عهد السماء بالأرض.

    وبعضهم الآخر رأى أن المرض قد اشتد، وأن النبي يتألم، وأن القرآن بين أيدي الناس، وأن الأمة ليست في حاجة إلى إثقال الرجل في تلك الحال.

    وهنا قال عمر بن الخطاب عبارته التي ستظل تتردد في ذاكرة المسلمين قرونًا طويلة:

    “إن النبي غلبه الوجع، وعندكم كتاب الله، حسبنا كتاب الله.”

    ثم ارتفعت الأصوات.

    وهنا تبدأ المأساة.

    لا لأن الناس اختلفوا فقط…

    بل لأن الاختلاف وقع للمرة الأولى في حضرة النبي نفسه، وفي لحظة كان الجميع يشعر فيها أن الزمن يوشك أن ينكسر.

    وكان ابن عباس، بعد أعوام طويلة، إذا تذكر ذلك اليوم بكى وقال:

    “الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب.”

    ولم يكن بكاؤه بكاء رجل يروي حادثة عابرة، بل بكاء إنسان ظل يشعر حتى آخر عمره أن شيئًا كبيرًا ضاع في تلك الساعات.

    أما النبي، فقد رأى الاختلاف يعلو، والأصوات تتداخل، فقال:

    “قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع.”

    فسكت الناس.

    لكن الصمت هذه المرة لم يكن صمت الطمأنينة.

    بل صمت الحيرة.

    وخرج بعضهم من البيت وفي نفسه سؤال لن يجد له جوابًا أبدًا:

    ماذا كان يريد أن يكتب؟

    وهنا يبدأ التاريخ الطويل للتأويل.

    فالشيعة رأوا أن النبي أراد أن يحسم أمر الخلافة لعلي بن أبي طالب، وأن ما جرى حال دون كتابة النص الأخير.

    أما السنة، فرأوا أن عمر لم يقصد الاعتراض على النبي، وإنما خشي أن يشتد عليه الوجع، وأن الدين قد اكتمل أصلًا بالقرآن.

    وبين الرؤيتين بقيت الحادثة معلقة في منتصف الطريق بين السياسة والمقدس.

    لكن المؤكد أن تلك اللحظة كشفت شيئًا خطيرًا:

    أن سؤال المستقبل بدأ يدخل الغرفة قبل وفاة النبي نفسها.

    كان الجميع يحب محمدًا.

    هذه حقيقة لا يغيّرها الجدل.

    لكن الحب وحده لا يمنع الخوف.

    فالرجال الذين التفوا حول الفراش لم يكونوا ملائكة، بل بشرًا يحمل كلٌّ منهم رؤيته، وخوفه، وطريقته في فهم النجاة.

    وعمر، على شدته، لم يكن يومئذٍ رجلًا يتحدى النبوة كما سيصوره الغلاة بعد قرون.

    بل كان رجل دولة يرى — ربما بغريزة حادة — أن الأمة تقف على حافة فراغ مرعب، وأن أي كلمة تُكتب في تلك اللحظة قد تتحول بعد الوفاة إلى نار لا تنطفئ.

    أما ابن عباس، فظل يرى أن عدم كتابة الكتاب كان الخسارة الكبرى.

    وهكذا بقيت “رزية الخميس” جرحًا مفتوحًا في الوعي الإسلامي: لا أحد يملك تفسيره كاملًا، ولا أحد استطاع نسيانه.

    والحق أن المأساة لم تكن في الورقة التي لم تُكتب وحدها.

    بل في شيء أعمق.

    فالمسلمون، لأول مرة، بدأوا يشعرون أن النبي ليس خالدًا بينهم، وأنهم سيضطرون قريبًا إلى مواجهة العالم وحدهم، بلا وحيٍ جديد، وبلا صوت يأتيهم من السماء ليحسم النزاع إذا اختلفوا.

    وكان ذلك شعورًا مرعبًا.

    فالناس يطمئنون ما دام بينهم من يملك الكلمة الأخيرة.

    أما إذا اقترب الغياب…

    بدأت الأسئلة التي كانت نائمة تستيقظ دفعة واحدة.

    في تلك الليلة، لم تكن المدينة تعلم أن الساعات المقبلة ستدفعها إلى أخطر منعطف في تاريخها كله.

    فالرجل الذي جمع القبائل حول كلمة واحدة يوشك أن يرحل.

    والقلوب التي عاشت طويلًا في ظل النبوة ستجد نفسها فجأة في مواجهة السياسة.

    ومن هنا تبدأ الفتنة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سُرّاق السينما


    عبدالله الساورة
    “سُرّاق السينما” هل يمكن للسينما أن توجد دون سرقة؟

    تدخل السينما إلينا كما يدخل اللص إلى بيتٍ نائم. لا تكسر الأبواب، وإنما تسرق بلذة أعيننا بهدوء، ثم تترك داخلنا صوراً لا نعرف إن كانت تخصنا أم تخص الآخرين. ومنذ اللقطة الأولى في تاريخ الشاشة، كانت السينما تمشي فوق آثار نصوص قديمة، فوق حكايات مروية حول النار، فوق أساطير هاربة من الكتب، وفوق وجوه بشرٍ ظنوا أن ذاكرتهم ملكٌ لهم، قبل أن تأتي الكاميرا لتعيد امتلاكها من جديد. فهل وُلدت السينما حقاً من رحم البراءة، أم أنها وُلدت من شهوة الاستيلاء على العالم وتحويله إلى مشهد سينمائي وفرجوي؟

    ويشبه كل فيلم يداً تمتد نحو أرشيف الإنسانية لتنتزع منه ما تشاء. الحب، الحرب، الخوف، الجريمة، الوجوه، المدن، وحتى الأحلام، كلها مواد خام لعملية سرقة كبرى لا تتوقف. غير أن هذه السرقة لا يمكن اعتبارها جريمة ضد الفن، ولكنها الفن نفسه في أكثر أشكاله غموضاً وافتتاناً. فالسينما لا تخترع العالم بقدر ما تعيد ترتيبه، ولا تخلق المعنى من العدم، وإنما تنتشل بقايا المعاني القديمة وتنفخ فيها روحاً جديدة.
    وحين نتأمل أفلام هوليوود الكبرى، كما ألأفلام الفرنسية والهندية والمغربية… نشعر أننا أمام مرايا تسرق مرايا أخرى، وأمام صورٍ تتغذى على صور سابقة، حتى يصبح الأصل مجرد شبح بعيد. وهنا يتحول المخرج إلى لصٍ نبيل، يقتحم ذاكرة الأدب والتاريخ والحياة، لا ليقتلها، ولكن ليمنحها عمراً آخر فوق الشاشة.

    السينما كفن قائم على السرقة المنظمة

    في أفق النظرية التي بلورها عبد الفتاح كليطو حول “سُرّاق الأدب”، لا يعود النص الأدبي ملكاً خالصاً لمؤلفه، وإنما يصبح عقدة في شبكة واسعة من الاقتباس والترجمة والتحوير وإعادة التملك. ويغدو الإبداع، وفق هذا التصور، ليس فعلاً نقيّاً، ولكن ممارسة قائمة على “السرقة الجميلة”، أي ذلك الاستيلاء الرمزي على نصوص سابقة وإعادة إدراجها داخل سياقات جديدة تمنحها حياة أخرى. ولا يتأسس الكاتب هنا منشئاً من العدم، وإنما قارئاً سارقاً يعيد توزيع المعاني.

    وحين نُسقط هذا التصور على السينما، تتكشف أمامنا حقيقة أكثر راديكالية: السينما ليست فقط فناً تناصياً، بقدرما هي الفن الذي قام تاريخياً على السرقة المنظمة. وكل فيلم هو نسخة متحوّلة من نصوص سابقة، سواء كانت أدبية أو بصرية أو حتى أفلاماً أخرى. لكن هذه السرقة لا تُنتج فقراً إبداعياً، ولكنها على العكس، تُنتج كثافة دلالية تجعل من السينما أرشيفاً مفتوحاً لإعادة الكتابة المستمرة للواقع والخيال معاً.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وفي السينما الأمريكية تحديداً، يبدو هذا المنطق أكثر وضوحاً، حيث تتحول الصناعة السينمائية إلى جهاز ضخم لإعادة تدوير القصص والأنماط والأساطير. فلا وجود لأصل صافٍ، وإنما فقط لسلاسل من التحويلات.

    في لحظة التأسيس الكلاسيكي لهوليوود، يظهر فيلم Casablanca / ” الدارالبيضاء ” للمخرج Michael Curtiz كأحد أبرز الأمثلة على “السرقة الأدبية الرفيعة”. ويستعير الفيلم من المسرح، ومن الرواية الرومانسية الأوروبية، ومن خطاب الحرب العالمية الثانية، ليعيد تركيبها داخل قصة حب مستحيلة في مدينة ملتبسة. ويقول ريك بلين في لحظة شهيرة: “هنا ينظر إليكِ الطفل”

    ولا تمثل هذه العبارة مجرد عبارة رومانسية، ولكنها إعادة تدوير لخطاب الحب الكلاسيكي في الأدب الأوروبي، لكنها داخل السينما تتحول إلى أيقونة ثقافية مستقلة. وهنا لا نعود قادرين على تمييز الأصل من السرقة، لأن السرقة نفسها أصبحت الأصل الجديد.

    في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، تتكرس هذه الدينامية داخل سينما النوار( السينما السوداء)، حيث تصبح المدينة نفسها مادة مسروقة من الواقع الاجتماعي. فيلم Double Indemnity للمخرج Billy Wilder يعيد إنتاج الرواية البوليسية داخل منطق بصري مظلم يعكس انهيار القيم الأمريكية. ويقول والتر نِف:

    “أنا لم أكن أبحث عن القتل، بل عن المال”. ولكن ما يقوله الفيلم فعلياً هو أن الجريمة ليست فعلاً فردياً، وإنما بنية اجتماعية مسروقة من اقتصاد الرغبة والرأسمال. وهنا تتحول “سرقة الأدب” إلى “سرقة الواقع”، حيث يتم تحويل الحياة اليومية إلى مادة سردية معاد تشكيلها.

    في الخمسينات من القرن العشرين، تتعمق هذه الفكرة مع فيلم Rear Window / ( النافذة الخلفية)، للمخرج ألفريد هيتشكوك، حيث تتحول “المشاهدة” نفسها إلى شكل من أشكال السرقة. الشخصية الرئيسية، المصور المقعد، يسرق حياة الآخرين عبر النافذة. وهذا الفيلم لا يسرق قصة، وإنما يسرق فعل النظر ذاته. وهنا تصبح السينما جهازاً للسرقة الإدراكية، حيث تتحول العين إلى كاميرا، والكاميرا إلى سلطة. وما يهم ليس الحوار، وإنما البنية السوسيولوجية للفعل: مجتمع يتحول إلى مشهد قابل للاستهلاك البصري.

    “السرقة” على شكل الوعي والتمرد

    في الستينات، ومع صعود الموجة الجديدة في هوليوود، تتخذ السرقة شكلاً أكثر وعيًا وتمرّداً. فيلم Bonnie and Clyde للمخرج Arthur Penn يعيد كتابة تاريخ العصابات الأمريكية من منظور رومانسي ثوري. وتقول شخصية كلايد: “نحن نسرق البنوك”، لكن الفيلم يضيف طبقة أخرى: إنهم يسرقون أيضاً صورة الخارج عن القانون في المخيال الشعبي. وهنا تصبح السرقة مزدوجة: سرقة مادية وسرقة رمزية، سرقة فعل وسرقة أسطورة.

    في السبعينات، تصل “سوسيولوجيا السرقة السينمائية” إلى مستوى أكثر تركيباً مع فيلم The ” العراب ” للمخرج الأمريكي فرنسيس فورد كوبولا، يستعير من الأدب الملحمي، ومن التاريخ الإيطالي الأمريكي، ومن خطاب السلطة الأبوي. ويقول فيتو كورليوني: “سأقدّم له عرضاً لا يستطيع رفضه”، وهذه العبارة لم تعد مجرد تهديد، وإنما أصبحت بنية فكرية حول كيفية اشتغال السلطة نفسها: السلطة التي لا تُفرض بالقوة فقط، ولكن تُعاد صياغتها كإغراء لا يمكن مقاومته. وهنا تتحول السرقة إلى إعادة كتابة لفكرة الهيمنة.

    وفي الثمانينات، مع فيلم Scarface للمخرج بريان دي بالما، تصبح السرقة جزءاً من منطق التكرار نفسه. والفيلم هو إعادة إنتاج لفيلم 1932، لكنه أيضاً إعادة سرقة للحلم الأمريكي في شكله الأكثر عنفاً،

    حيث تقول شخصية توني مونتانا: “العالم كله لك “، لكن المفارقة أن هذه العبارة، التي تبدو وعداً بالتمكين، تتحول إلى نقد للرأسمالية المتوحشة التي تسرق الإنسان نفسه وتعيد بيعه في شكل طموح لا نهائي.

    “السرقة ” كفعل علني وجمالي

    في التسعينات من القرن العشرين، تدخل السينما مرحلة ما بعد الحداثة، حيث تصبح السرقة معلنة وجمالية. فيلم Pulp Fiction للمخرج كوينتين ترانتينو، يقوم على اقتباس مباشر من تاريخ السينما الأمريكية والعالمية: أفلام العصابات، أفلام النوار، وثقافة البوب. ويقول جولز: ” المشي على الأرض هو أن تمشي مع الله”، لكن الأهم ليس المعنى المباشر، وإنما الطريقة التي يعاد بها تركيب الحوار داخل شبكة من الاقتباسات التي لا تخفي مصدرها، بل تحتفي به. وهنا السرقة تتحول إلى أسلوب كتابة سينمائية واعية بذاتها. وفي أواخر التسعينات، يبلغ هذا المنطق ذروته الفلسفية في فيلم Fight Club للمخرج David Fincher الفيلم (دافيد فينشر)، فهو لا يسرق فقط من الأدب ومن السينما، وإنما من الهوية الفردية نفسها، إذ يقول تايلر دوردن: ” نحن جيل من الرجال تربّى على يد النساء”. وهذه العبارة، سواء أكانت دقيقة حرفياً أم لا في نقلها، تمثل جوهر الفيلم: إحساس جيل كامل بأن هويته مسروقة مسبقاً، وأن الذات ليست سوى منتج اجتماعي قابل لإعادة التشكيل. وهنا السرقة لم تعد فعلاً جمالياً فقط، ولكنها أصبحت شرطاً وجودياً.

    الابداع على أنقاض نصوص سابقة

    إذا كانت نظرية عبد الفتاح كليطو حول “سُرّاق الأدب” تكشف أن النص الأدبي يعيش على أنقاض نصوص سابقة، فإن السينما الأمريكية تكشف أن هذا المبدأ ليس استثناءً بقدر ما هو قاعدة تأسيسية. ولا يوجد فيلم “أصلي” بالمعنى المطلق، بل سلسلة لا نهائية من التحويلات: روايات تتحول إلى أفلام، أفلام تسرق أفلاماً، صور تعيد إنتاج صور، ومعاني تتكاثر عبر الزمن دون أن تستقر.

    والسؤال الإشكالي الذي يطرحه مفهوم “سُرّاق السينما” ليس: من يسرق من؟ ولكن: هل يمكن للسينما أن توجد دون سرقة؟ الجواب يبدو سوسيولوجياً أكثر منه أخلاقياً: ولا يمكن اعتبار السينما مؤسسة للسرقة، بل جهاز لإعادة إنتاج المعنى عبر السرقة المنظمة.

    في النهاية، ما يبدو “سرقة” في الخطاب النقدي التقليدي، هو في الحقيقة شرط وجود الفن نفسه. فالسينما لا تبدأ من الأصل، وإنما من الأثر، ولا تنتهي إلى الحقيقة، ولكن إلى نسخ متراكبة من الحقيقة.

    إقرأ الخبر من مصدره