جمال أمدوري

عبر لحسن الخور، الفاعل المدني المدافع عن قضايا الرحل، عن تشاؤم واضح تجاه مستقبل هذه المهنة، مؤكدا أنه “لا ينصح أحدا بها” رغم أنها إرث عائلي امتد عبر الأجيال، مضيفا أن سنوات الجفاف الطويلة، وتدهور الظروف المعيشية، إلى جانب ما وصفه بسوء المعاملة والضغوط الإدارية، جعلت ممارسة الرعي “مهمة شاقة وغير إنسانية أحيانا”، رغم التحسن النسبي الذي عرفته بعض المراعي بفعل التساقطات الأخيرة. واعتبر أن الوضع الحالي لا يعكس أي جاذبية للشباب، بل يدفعهم نحو الهجرة إلى المدن أو البحث عن بدائل مهنية أكثر استقرارا.

وأضاف الخور في حوار مطول مع جريدة “العمق” أن الإكراهات لا تقتصر على الجانب الطبيعي فقط، بل تمتد إلى اختلالات بنيوية مرتبطة بالدعم العمومي، والتنقل، وارتفاع التكاليف، فضلاً عن تعقيدات الاستفادة من البرامج الموجهة للكسابة، مشيرا إلى أن الرحل يعيشون بين ضغط الغلاء وهيمنة الوسطاء وصعوبات إدارية تعرقل الاستفادة من التلقيح والدعم، ما يجعل استمرار هذه المهنة، في نظره، “أمرا غير مضمون العواقب”، موضحا أن ما يدفع بعض الرحل للاستمرار ليس ظروف المهنة، بل ارتباطهم العائلي والتقليدي بها، في وقت تتزايد فيه الأصوات داخل الوسط الرعوي التي تعتبر أن هذه المهنة لم تعد قابلة للاستمرار بالشكل الحالي.

الحوار الكامل:

استبشر الجميع خيرا بالتساقطات المطرية الأخيرة؛ كيف انعكس هذا “الفرج” على معنوياتكم كرحل وعلى حالة القطيع؟
بحكم أنني من الرعاة الرحل، يمكنني القول إننا، والحمد لله، استبشرنا خيرا بالتساقطات المطرية التي عرفها المغرب هذه السنة، والتي كان لها أثر إيجابي على الغطاء النباتي. صحيح أن مناطق الجنوب الشرقي، كما تعلمون، لم تستفد بالشكل الكافي من هذه التساقطات، ولا يزال الجفاف قائما بها، وهو ما نلمسه بشكل مباشر في تنقلاتنا اليومية بحثا عن الكلأ. هذه السنة، والحمد لله، تنقلنا بين عدة مناطق؛ حيث انتقلنا إلى الصحراء، وزرنا بوجدور، ثم عدنا إلى جهة سوس. ويمكن القول إن الكلأ متوفر بشكل كبير. أما حالة القطيع، فهي، والحمد لله، في وضع جيد وعلى أحسن حال، رغم الإكراهات المرتبطة بندرة الموارد في بعض المناطق.

رغم أن مشكل الجفاف بدأ يخف حدة بفضل الأمطار، إلا أن التحديات لا تزال قائمة. هل تعتقد أن هذه التساقطات كافية لتعويض سنوات القحط الماضية أم أن “الكسيبة” لا تزال في مرحلة النقاهة؟
نعم كما أشرت إلى ذلك، فإن حالة القطيع لا تزال في مرحلة نقاهة. فسبع سنوات من الجفاف ليست بالأمر الهين، وقد أثرت بشكل كبير على وضعية القطيع، رغم المجهودات التي بذلتها الدولة، سواء فيما يتعلق بتوفير الأعلاف أو برامج التلقيح. ومع ذلك، يبقى هناك إشكال نواجهه نحن، كرحل، يتمثل في صعوبة الاستفادة من حملات التلقيح في بعض المناطق التي نمر بها. فمثلا، منذ شهر مارس انطلقت الحملة الوطنية لتلقيح القطيع ضد مرض الجدري وبعض الأمراض الأخرى، لكن في هذه المناطق لا يتم تلقيح قطعاننا، ما يضطرنا إلى الانتظار إلى حين التنقل إلى مناطق أخرى من أجل الاستفادة من هذه الخدمات. وهذا الوضع يطرح تحديات حقيقية بالنسبة لنا، خاصة في ظل تنقلاتنا المستمرة وارتباطنا بالمجالات الرعوية.

باعتباركم رحلا، هل تجدون صعوبة في الاستفادة من الدعم المباشر (الذي رصدت له الدولة ميزانية ضخمة لعامي 2025 و2026) بسبب طبيعة تنقلكم المستمر؟ وهل “نظام الترقيم” الحالي ينصف الراعي الذي يتنقل بين الأقاليم؟
بالنسبة لنا كرحل، يمكنني القول إن نسبة المستفيدين من البرنامج الملكي لإعادة تكوين القطيع الوطني تصل تقريبا إلى 80 في المئة. غير أن جزءا من هؤلاء لم يستفد من المبالغ كاملة، في حين أن حوالي 20 في المئة، أو أكثر، لم يستفد إطلاقا، لا من الشطر الأول ولا من الشطر الثاني. سبب هذا الوضع، في نظرنا، يعود أساسا إلى تعقيدات إدارية لا تراعي طبيعة عيش الرحل وتنقلاتهم المستمرة. فالمسؤولون يشترطون، مثلا، أن يبقى الكساب في نفس الجماعة أو القيادة التي أنجز فيها الإحصاء، من أجل استكمال الإجراءات، كعملية “الترقيم بوضع حلقة في الأذن” والمرور أمام اللجنة للاستفادة من الشطر الثاني.

لكن هذا شرط يتعارض مع واقعنا كرحل، إذ نحن نتنقل حسب توفر الماء والكلأ، حيثما نزل الغيث نرتحل. أعطيك مثالا: هناك رحل قاموا بالإحصاء في قيادة أمسمرير، ثم انتقلوا إلى مناطق أخرى مثل الرشيدية، لكنهم لم يتمكنوا من استكمال الإجراءات هناك، وطُلب منهم العودة إلى أمسمرير. فهل يعقل أن يجبر الكساب الرحل على نقل قطيعه لمسافات طويلة فقط من أجل استكمال إجراء إداري؟ نفس الإشكال يطرحه رحل آخرون أجروا الإحصاء في مناطق الغرب أو دكالة أو عبدة، ثم انتقلوا إلى الصحراء، ولم يتمكنوا من الاستفادة بسبب نفس الشروط. هذا الواقع يطرح تساؤلات حول توحيد الإدارة وتبسيط المساطر: هل نحن أمام إدارة واحدة تراعي خصوصيات جميع المواطنين، أم أمام ممارسات مختلفة تعقد الولوج إلى الدعم؟ من المفروض أن تتم رقمنة المعطيات وتعميمها مركزيا، بحيث يتمكن الكساب من استكمال إجراءاته أينما حل وارتحل، دون الحاجة للعودة إلى نقطة البداية.

في البداية، رحبنا بهذا البرنامج باعتباره مبادرة ملكية مهمة تعترف بقيمة الكساب ودوره، لكن للأسف، طريقة تنزيله على أرض الواقع من طرف بعض المسؤولين لم تكن في المستوى المطلوب. وأقول هذا الكلام وأنا أتحمل مسؤوليتي، لأننا نعيش هذه الإكراهات يوميا. فليس من المنطقي، مثلا، أن أكون متواجدا حاليا في تيزنيت حيث الظروف مناسبة والكلأ متوفر، ثم يتم إجباري على العودة إلى مناطق باردة كـ “تلمي”، فقط من أجل المرور أمام لجنة. الحل، في نظرنا، هو أن تنتقل اللجان أو تفوض الصلاحيات محليا، حتى يتمكن الرحل من استكمال الإجراءات في أماكن تواجدهم، بما يضمن العدالة والنجاعة في الاستفادة من هذا البرنامج.

 هذا البرنامج يهدف بالأساس إلى “إعادة تشكيل القطيع الوطني” عبر تشجيع الحفاظ على الإناث؛ من وجهة نظرك كشاب ممارس، هل المبالغ المرصودة كافية لإقناع الكساب بعدم بيع إناث القطيع في ظل إغراءات أسعار اللحوم المرتفعة بالأسواق؟
بالنسبة للبرنامج، يمكن القول إنه في الأصل برنامج جيد، لكن الإشكال يكمن في طريقة تنزيله على أرض الواقع. فهو يحتاج أن ينفذ وفق الأهداف والتوجيهات التي وضع من أجلها، وبالروح التي أطلق بها، حتى يستفيد منه جميع الكسابين كما ينبغي. لكن، كما أشرت سابقا، هناك نسبة مهمة من الرحل، قد تصل إلى 20 أو 30 في المئة، لم تستفد إطلاقا من هذا الدعم. ومن جهة أخرى، من المهم التوضيح أن الكساب ليس مسؤولا عن غلاء أسعار اللحوم. فالمشكل الحقيقي، في نظرنا، مرتبط بالوسطاء أو “الشناقة” الذين يستفيدون بشكل أكبر من هذا الوضع، إلى جانب بعض المتدخلين في سلسلة التوزيع. على سبيل المثال، هنا في سوس، يصل ثمن الجدي إلى حوالي 2800 درهم، والخروف إلى نحو 2400 درهم، في حين أن الكساب يبيع الجدي بأثمنة تتراوح بين 1400 و1600 درهم.

وهذا يوضح أن الكساب لا يستفيد من ارتفاع الأسعار، بل يحمل فقط المسؤولية أمام الرأي العام. أما بخصوص كفاية الدعم، فيمكن القول إنه غير كاف إطلاقا، بالنظر إلى حجم التكاليف التي يتحملها الكساب الرحل. فمصاريف التنقل وحدها مرتفعة جدا؛ إذ قد تصل تكلفة نقل القطيع إلى حوالي مليون سنتيم في رحلة واحدة، ثم مئة ألف سنتيم في تنقل آخر، ومئة وعشرين ألف سنتيم في رحلة إضافية، دون احتساب باقي المصاريف. إلى جانب ذلك، هناك مشكل كبير في اليد العاملة، حيث أصبح من الصعب إيجاد من يرعى القطيع، رغم أن الأجور تتراوح بين 3000 و4000 درهم، ومع ذلك لا يتوفر العمال. كما أن الأعلاف عرفت ارتفاعا كبيرا في الأسعار، خاصة بعد تقليص أو توقف توزيع الأعلاف المدعمة، حيث سجلت بعض المواد زيادات قد تصل إلى 60 في المئة، مثل النخالة والشعير. وفي هذا السياق، يرى عدد كبير من الكسابين الرحل أن توفير الأعلاف المدعمة بشكل منتظم قد يكون أكثر نجاعة من الدعم المالي المباشر، لأن هذا الأخير يستفيد منه بالأساس موردو الأعلاف وقطاع النقل، في حين يبقى الكساب هو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة.

بعيدا عن الدعم المالي المباشر، هل استفدتم من عملية توزيع الشعير المدعم والأعلاف المركبة بالشكل الكافي خلال هذه الفترة؟ وكيف تقيم جودة هذه الأعلاف وتأثيرها على صحة القطيع؟
الدولة لم تعد توفر الأعلاف المدعمة كما في السابق؛ فلا الأعلاف المركبة المدعمة متوفرة، ولا الشعير المدعم، وهو ما أثر بشكل مباشر على الكسابين. تم تعويض ذلك بدعم مالي، لكن هذا الخيار لم يحقق النتائج المرجوة.

فبمجرد حصول الكسابين على هذا الدعم، شهدت أسعار الأعلاف في السوق ارتفاعا كبيرا، حيث استغل بعض الموردين هذا الوضع، لترتفع الأسعار بشكل ملحوظ. فبعدما كانت الأثمنة في مستوى معقول خلال فترة توفر الأعلاف المدعمة، أصبحت اليوم مرتفعة بشكل كبير، إذ سجلت بعض أنواع الأعلاف زيادات تتراوح بين 50 و60 في المئة مقارنة بالسابق. وبالتالي، يجد الكساب نفسه أمام وضع صعب: دعم مالي محدود من جهة، وارتفاع كبير في تكاليف العلف من جهة أخرى، مما يضعف قدرته على الاستمرار ويزيد من الأعباء اليومية المرتبطة بتربية القطيع.

يشتكي العديد من الكسابة من سطوة “الشناقة”؛ كيف يواجه الرعاة الرحل هؤلاء الذين يستغلون حاجة الراعي ويتحكمون في الأثمنة قبل وصولها للمستهلك؟
إن مسألة “الشناقة” لم تعد تقتصر فقط على قطاع تربية الماشية، بل أصبحت ظاهرة أوسع تشمل عدة مجالات، وهو ما يجعلها مشكلا حقيقيا ومعقدا. صحيح أن دور الوسيط بين الكساب والمستهلك موجود منذ زمن، وكان له دور في نقل الماشية من الضيعات إلى الأسواق ثم إلى المدن والمجازر، لكن ما تغير في السنوات الأخيرة هو ارتفاع مستوى الجشع لدى بعض هذه الفئة، حيث أصبحت الممارسات تتجاوز حدود المعقول. ففي السابق، كان الوسيط يشتغل في إطار توازن معين داخل السوق، أما اليوم فقد أصبحت المضاربات والمبالغة في هوامش الربح تؤثر بشكل كبير على الأسعار، وهو ما ينعكس سلبا على كل من الكساب والمستهلك على حد سواء. بعبارة أخرى، وجود الوسيط ليس هو المشكل في حد ذاته، بل طريقة تدخله في السوق حاليا، والتي اتسمت في الآونة الأخيرة بقدر كبير من الجشع والمبالغة، مما جعل هذه الظاهرة تتفاقم وتخرج عن إطارها الطبيعي.

بالرغم من تحسن الحالة الجوية، لا تزال أسعار الأعلاف (النخالة، الشعير، وغيرها) مرتفعة؛ كيف تدبرون ميزانية العلف في ظل هذا الغلاء، وهل تجدون أن الدعم المخصص يصل إلى الراعي الحقيقي في الفيافي؟
أقول بكل صراحة إن الإشكال اليوم تفاقم وأصبح واضحا وملموسا على عدة مستويات. هناك انطباع عام بأن المراقبة داخل الأسواق قد تراجعت، وأصبح كل طرف يحدد الأسعار وفق ما يراه مناسبا، سواء تعلق الأمر بالمواشي أو اللحوم أو الأعلاف. في تقديري، ينبغي أن يكون دور الحكومة أكثر حضورا في ضبط السوق ومراقبة الأسعار، إذ نلاحظ تفاوتا كبيرا بين الباعة؛ فقد نجد فرقا ملحوظا في أسعار اللحوم بين جزار وآخر، وكذلك بين موردي الأعلاف.

على سبيل المثال، ارتفع ثمن النخالة بشكل كبير، بعد أن كان في متناول الكساب، ليصل اليوم إلى مستويات مرتفعة مقارنة بالسابق. كما شهدت الأعلاف عموما زيادات مهمة، تبرر أحيانا بعوامل مختلفة، لكن النتيجة واحدة: الكساب هو المتضرر الأول، والمواطن كذلك يتأثر بارتفاع الأسعار. ونحن لسنا ضد أن يقتني المواطن الأضحية بثمن مناسب، بل على العكس، نتمنى أن تكون في متناول الجميع، لكن يجب أن يتحقق توازن عادل بين مختلف المتدخلين. إضافة إلى ذلك، ارتفعت تكاليف النقل بشكل ملحوظ، إذ إن الرحلات التي كانت لا تتجاوز كلفتها 3500 درهم، أصبحت اليوم تصل إلى حوالي 6000 درهم أو أكثر، وهو ما يزيد من الأعباء على الكساب. خلاصة القول، إن المشكلة لا ترتبط بعامل واحد، بل هي نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها ارتفاع التكاليف، واختلال توازن السوق، وضعف المراقبة. والحل، في نظرنا، يكمن في تعزيز آليات المراقبة وتنظيم السوق بما يضمن الإنصاف للكساب، ويحافظ في الوقت نفسه على القدرة الشرائية للمواطن.

 هل تضطرون أحيانا لبيع جزء من قطيعكم بأثمنة بخسة فقط لتوفير العلف للجزء المتبقي؟
أود أن أوضح أن هذا هو المنطق الذي نعمل به نحن الرحل في إدارة القطيع. فمثلا، إذا كان لدي حوالي 150 رأسا من الأغنام، فإنني عادة أخصص حوالي خمسين رأسا للتضحية والإعلاف، بحيث أتمكن من المحافظة على الـ 100 رأس المتبقية وإعالتها بشكل مستمر، مع تغطية جميع المصاريف المرتبطة بالأعلاف والنقل والأدوية وغيرها. والحمد لله، في الآونة الأخيرة، ومع تأسيس فرع الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز، أصبحنا نستفيد من تسهيلات كبيرة، خاصة في ما يتعلق بالأدوية. فالجمعية أصبحت تتحمل جزءا من تكاليف العلاج، ما يقلل العبء المالي علينا، كما أن بعض الحملات التي تقوم بها وزارة الفلاحة عبر الوكالات الوطنية لـ “أونصا” تلعب دورا مهما في دعم الكسابين. لكن، رغم هذه الجهود، يبقى المشكل الأكبر في تكلفة الأعلاف والنقل والصرفيات الأخرى.

فالناس، عند رؤيتهم أن الكساب لديه 150 أو 200 رأس، يقدرون الأمر بشكل مبالغ فيه، ظنا منهم أن قيمته تبلغ 40 أو 50 مليون، بينما الواقع مختلف تماما. فبعد سنوات الجفاف والارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف، يكون العائد محدودا، ولا يغطي إلا جزءا صغيرا من التكاليف الفعلية، والحمد لله على كل حال. الخلاصة، هي أن الكساب يعيش ضغوطا كبيرة بسبب التكاليف المرتفعة والاستثمارات المتواصلة للحفاظ على القطيع، خاصة بعد سنوات الجفاف الطويلة، وهذا ما يجعل إدارة القطيع مهمة شاقة بالفعل.

بصفتكم “رحل”، التنقل هو قدركم اليومي؛ ما هي الصعوبات اللوجستية التي تواجهونها أثناء شحن المواشي والتنقل بين المناطق (تكلفة الشاحنات، ترخيص التنقل، والاعتراضات التي قد تواجهونها)؟
ما حدث هذا العام يمثل تحديا كبيرا للرحل والكسابة. فالدولة أصدرت القانون 113.13 المتعلق بتنظيم الترحال الرعوي واستغلال المراعي والمراسيم التنظيمية المرتبطة به، لكنها لم تقم بتوفير كل التدابير اللازمة لتطبيقه بشكل عملي، مثل تنظيم المراعي وإتاحة الموارد الضرورية للكسابة، مثل الماء والأعلاف. المشكل الأعظم يكمن في رخص التنقل؛ فالقوانين الدولية تعطي الحق في حرية التنقل، لكن التطبيق العملي يفرض قيودا تعيق حياة الرحل. على سبيل المثال، إذا أراد الكساب التنقل بقطيعه، يجد نفسه مضطرا للذهاب من إدارة إلى أخرى، ومن جماعة إلى قيادة، ومن دائرة إلى مركز الاستثمار الفلاحي، وفي كل مكان يقال له “ليس اختصاصنا”، حتى يصل إلى الغرفة الجهوية، ويظل يقذف بين الجهات دون حل فعلي. القانون نفسه مأخوذ عن تجارب أوروبية مثل فرنسا وإسبانيا، لكن التطبيق هنا مختلف تماما، وهو يشكل جريمة بحق الرحل والكسابة، وسيكون سببا رئيسيا في اندثار الماشية وتهديد مهنة الترحال. فالقانون يلزم الدولة بتوفير المراعي والمياه والأعلاف، لكن على أرض الواقع، لا يوجد أي شيء من ذلك، ويكتفي المسؤولون بفرض الغرامات على من لا يحمل رخصة، تصل أحيانا إلى 4 ملايين سنتيم.

مثال، إذا أردت الانتقال إلى قلعة أمكونة، يرفضون منحك الرخصة بحجة تفادي احتكاكات مع السكان، في حين كان بالإمكان إدارة الأمور عبر الأعراف المحلية كما كان الحال في السابق، وكانت الأمور تدار بشكل جيد. فترة كورونا أضرت بالقطيع الوطني، وهذا القانون سيواصل الإضرار به. هذا العام، استطاع البعض الاستفادة من الدعم والاحتفاظ بالقطيع، لكن في العام المقبل، وبدون دعم، سيتعرض القطيع للخطر، وسيضطر الكساب لبيعه أو ذبحه. الأسباب كلها مرتبطة بتصرفات بعض المسؤولين الذين يعرقلون عمل الرحل، يهاجمونهم، يقتحمون خيامهم، ويأخذون قطعانهم بشاحنات جمع النفايات، ويستعملون القوة من المقدم والدرك والشيوخ وعناصر السلطة الأخرى، مما يجعل هذه المهنة صعبة للغاية ويهدد استمرارها.

في ظل غلاء المحروقات، كيف أصبحت تكلفة “الترحال” اليوم مقارنة بالسنوات الماضية؟ وهل أصبح الاستقرار في مكان واحد خيارا يراودكم؟
غلاء المحروقات زاد الطين بلة بالنسبة للرحل والكسابة. فمثلا، كانت تكلفة التنقل إلى تيزنيت تتراوح بين 3000 و4000 درهم، أما الآن فقد ارتفعت إلى حوالي 6000 درهم بسبب ارتفاع أسعار الوقود. رغم أننا نخبر أصحاب الشاحنات أن الحكومة منحت دعما للمهنيين، إلا أنهم يرفضون نقلنا بأسعار معقولة، ويصرون على أن 3000 أو 3500 درهم لا تكفي لتغطية مصاريف الطريق. وعندما لا يعجب الكساب بهذا الثمن، يطلب منه البحث عن شاحنة أخرى، ما يفرض عليه القبول بالأغلى. والسبب في ذلك هو أن الجميع يريد العودة إلى مكان إحصاء ماشيتهم للاستفادة من الدعم، وهو ما يجعل الكساب مضطرا للذهاب إلى الأماكن التي تم فيها ترقيم قطيعه، سواء في تنغير أو سوس أو طاطا، رغم أنه من الممكن أن تقوم الدولة بإحصاء القطيع في مكان تواجده الحالي وصرف الدعم له مباشرة، دون الحاجة للتنقل لمسافات بعيدة. نتيجة لذلك، يستغل أصحاب الشاحنات الوضع ويرفعون الأسعار، وهذا ينعكس بدوره على أسعار المواشي في الأسواق. فالكبش الذي كنت أبيعه سابقا بـ 3000 درهم، سأضطر الآن لبيعه بـ 3500 درهم، والمتضرر النهائي هو المواطن الذي يتحمل هذه الزيادة.

بصفتك شابا يمثل صوت الرعاة الرحل، ما هي المطالب الآنية التي ترفعها للجهات المسؤولة؟
أتحسر صراحة على ما سأقوله، لأن هذه المهنة لا أنصح بها أحدا، رغم أنني مارستها وورثتها عن آبائي وأجدادي، وتنقلت بها في ربوع المملكة، وتعاملت مع جميع الإدارات وكل أصناف المسؤولين. لكن للأسف، بعد كل الجهود والمطالب والصراخ، لم نجد الاستجابة المطلوبة. المطلب الأساسي هو مساعدة الرحل للاستفادة من دعم الكسابة. فمن غير المعقول أن أتنقل بمصاريف تصل إلى 6000 درهم مع قطيعي فقط للاستفادة من الدعم في تنغير، خاصة وأننا أبناء تنغير وتم ترقيم قطيعنا هناك. هل تتعامل الإدارة بقانون موحد يغطي كل المغرب، أم أن كل إدارة لها قواعدها الخاصة؟ هذا التفاوت يرهقنا كرحل، ويجعلنا نضطر لنقل قطعاننا من جديد والبدء من الصفر فقط للحصول على الدعم. مثلا، يوم الأحد المقبل سأضطر لنقل قطيعي إلى تنغير، وفور وصولي سأبدأ من جديد في توفير العلف من شعير وفصة، رغم أن الطقس في منطقتنا بارد جدا، ويصل أحيانا إلى درجتين تحت الصفر، وكل ذلك فقط لأن المسؤولين قالوا إنه إذا لم نذهب فلن نستفيد من الدعم. أقول لهم: نحن في مغرب واحد، سلموا لنا الاستمارة وسنقوم بملئها وتسليمها حيث نتواجد. أمر آخر، يجب على الدولة الاستمرار في توفير الأعلاف المدعمة، لأنه إذا تخلت عن ذلك، سيتضرر القطيع من جديد. فالكسابة غير قادرين على مواجهة الغلاء الكبير في سوق الأعلاف بالمغرب، وما لم يتم دعمهم، ستصبح المهنة صعبة جدا وستتعرض القطعان للضرر.

هناك موجة هجرة كبيرة للشباب من “الرحل” نحو المدن أو العمل المأجور؛ ما الذي يدفع لحسن لخور للتمسك بمهنة الأجداد رغم كل هذه المعاناة؟
والدتي فقط هي السبب الوحيد الذي يجعلني أتمسك بهذه الحرفة، لأن هذه المهنة تعرضنا فيها لممارسات مهينة وغير إنسانية لا يمكن تصورها. نحن كرحل في المغرب نتعرض للاضطهاد والحكرة، حتى في أرض أجدادنا التي فديناها بدمائهم، حيث يتم احتقارنا من طرف المسؤولين الذين كنا نظن أنهم سيحموننا. نتعرض للإهانة من قبل بعض القياد والدرك، بممارسات لا تمت للإنسانية بصلة. فمثلا، يأتي قائد ويهجم على خيام الرحل التي تضم نساء وأطفالا صغارا، ويقوم بتمزيقها ويقذف بها في شاحنات نقل النفايات، ويصدح بكلام ناب لا يحتمل سماعه حتى في الشارع. هذا مسؤول مفروض أن يتحدث معك باحترام ويوفر لك الأمن، ويخاطبك بلغة المسؤول ولغة الإدارة، لكن للأسف هذا هو الواقع الذي نعيشه. حتى عناصر المياه والغابات، ما إن تجدك ترعى غنمك في الغابة تقوم هي الأخرى بفرض غرامات على الرحل تصل إلى 5 ملايين سنتيم، وبهذه الممارسات كرهونا في هذه الحرفة تماما. لهذا أنا لا أنصح أحدا بممارسة مهنة الترحال أو الرعي. عندما ألتقي بالشباب في منطقتي، أنصحهم دائما بعدم السير على خطى آبائهم في هذه المهنة، لأننا عانينا الكثير، ولا أريد لهم أن يعانوا كما عانينا نحن. من الأفضل لهم أن يمارسوا مهنا أخرى، حتى لو كانت بأجور متواضعة، حفاظا على كرامتهم وحياتهم.

إقرأ الخبر من مصدره