بعد سنوات من الضغط، أعادت فرنسا للجزائر 24 جمجمة، من المفترض أنها لمقاتلين تم قطع رؤوسهم خلال الغزو الفرنسي للجزائر في القرن التاسع عشر. وتم الاحتفاظ بهاته الرفات البشرية لعقود في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي (MNHN). فهل كانت السلطات الجزائرية على علم بدفنها في 3 يوليوز 2020 لثلاثة “خونة” ضمن هؤلاء في ساحة الشهداء بالجزائر العاصمة؟، تكتب جريدة “لوموند” متسائلة في عددها لنهار أمس السبت 22 أكتوبر 2022.

وترى الجريدة أن الحفل الذي أقيم بهذه المناسبة بحضور الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، ورئيس أركان الجيش سعيد شنقريحة، شكل لحظة قوية للوحدة الوطنية وشعورا أقرب للانتصار السياسي على المحتل السابق ونصرا عظيما عليه، لأن فرنسا والجزائر كانتا في عز أزمة دبلوماسية، وهذا الاسترداد يبدو وكأنه انتصار لنظام  يستمد شرعيته من حرب التحرير (1954-1962).

 وعُرضت هاته الرفات “أيقونات المقاومة الشعبية” كما وصفتها وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية، في اليوم الموالي بقصر الثقافة، للسماح للمواطنين بإلقاء النظرة الأخيرة على هؤلاء “الأبطال” الذين ذكرت ذات الجريدة أن “ستة أسماء ضمنهم لقادة المقاومة الشعبية”. وفي الخامس من شهر يوليوز، يوم عيد الاستقلال، دفنت هاته الجماجم بميدان الشهداء بمقبرة العالية..

وذكرت الجريدة استنادا إلى شهادات ميشيل غيرود، المدير السابق  للمجموعات بالمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي MNHN (من 2004 إلى 2021) أن ثلاثة من هذه الجماجم، هي لعملاء ومساعدين محليين للجيش الفرنسي، ويضيف بأنه تمت دراسة الرفات من قبل لجنة من الخبراء الجزائريين-الفرنسيين بتكليف من الدولتين.

“لقد حددنا مع زملائنا الجزائريين كل هاته الرفات، كل أولئك الذين نحن على يقين من هويتهم ومسيراتهم الشخصية”، يوضح الرئيس السابق للمتحف للجريدة التي تستغرب دفن هاته الجماجم الثلاثة بجانب مقاتلي المقاومة الذين لقوا حتفهم خلال الاحتلال الفرنسي، حيث فقد مئات الآلاف من السكان حياتهم ودفن هؤلاء الخونة إلى جانب البعض من ضحاياهم. إنها صور يصعب تقبلها في ظل حساسية الرأي العام الجزائري في مسألة الاستعمار.

 بدأ الجدل في 16 شتنبر عندما نشر “موقع الجزائر الوطنية” مقالاً يؤكد فيه على أن عدة جماجم لا تنتمي لمقاومين، ونقلت الصحيفة على الإنترنت، عن علي بلقادي، المؤرخ الجزائري وعالم الأنثروبولوجيا، الذي أكد على أنه “تم دفن اثنين من المرتزقة المحليين المعارضين للحركة الوطنية، الذين ماتوا وهم يحملون السلاح مع فرنسا ولصالحها، بجانب أبطال المقاومة الشجعان الشهداء..”.

وحسب وثيقة موقعة وصادرة عن المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي “MNHN”، فإن اثنين من “القناصة في خدمة فرنسا” و”جندي آخر من أب عربي وأم زنجية”، دفنو إلى جانب مئات الضحايا من المدنيين الذين تمت تصفيتهم في أحداث نونبر 1849 على يد قوات الجنرال إميل هيربيون.

 بعد شهر من نشر هذه الأخبار من طرف “الجزائر الوطنية” تؤكد صحيفة نيويورك تايمز المعلومات الواردة في وسائل الإعلام الجزائرية، وتعيد فتح النقاش، حول شخص علي بلقادي الذي ليس مجرد إنسان عادي: إنه هو الذي اكتشف جماجم هؤلاء الضحايا في سنة 2011 خلال بحثه بباريس. في مجموعات “متحف الإنسان Musée de l’homme”، بالمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي MNHN. وهو من بدأ حملة تحسيسية لتنبيه السلطات الجزائرية بالمطالبة باسترداد الرفات من فرنسا.

وتابعت الجريدة الفرنسية كشفها لحقائق “رفات 24 مقاوما جزائريا محتملا للاستعمار الفرنسي الذين تم تسليمهم للجزائر”، بالتأكيد على أنه كان يجب الانتظار إلى يوم 6 دجنبر 2017، لكي يتقدم هذا الملف إلى الأمام بمناسبة أول زيارة للرئيس إيمانويل ماكرون للجزائر منذ انتخابه، ويصرح بأنه “مستعد لإعادة الرفات من أجل إحياء العلاقة بأعمال الذاكرة بين الجزائر وباريس”. واستغلت السلطات الجزائرية الفرصة للمطالبة رسميًا بإعادة هاته الرفات في 5 يناير 2018. وكان طلب الجزائر آنذاك واضحًا وهو إعادة رفات “المقاومين” إلى الوطن.

بحسب لوموند، فقد أكد ميشيل غيرود، أنه “في شهر شتنبر 2018، تم تشكيل اللجنة الفرنسية الجزائرية. وعمل الخبراء على جميع الرفات التي كانت في مجموعاتنا، و تحديد الأشخاص ومسار حياتهم ولتحقيق ذلك أجرينا عينات من الحمض النووي والأنسجة وأعمالًا أرشيفيه، موضحا أنه تساءل بسرعة كبيرة عما إذا كانت مهمة اللجنة العلمية تقتصر على العثور على مقاتلي المقاومة فقط. ليتم بعد أخذٍ وردّ تمديد ولاية اللجنة ولم يتم الإعلان عن ذلك. كان علينا العثور على رفات جزائريي القرن التاسع عشر وتحديد هويتهم وتوثيقهم. ولم يكن علينا أن نسميهم مقاومين أم لا. فليكن واضحا”.

وتخلص يومية “لوموند” إلى القول بأنه لا يعرف لماذا قدمت الحكومتان الجزائرية والفرنسية كل هذه الجماجم على أنها جماجم مقاومة فقط. “تبادلنا المعلومات مع الجزائريين. سار هذا العمل المشترك بشكل جيد ونحن فخورون به. لقد استجبنا للتفويض الذي منحنا إياه السياسيون”، يقول غيرود. هل كان الجزائريون على علم بهوية الجماجم الثلاث المتنازع عليها؟ “في التقرير الذي لم يُنشر أمام الملأ، هناك كل شيء موثق بالصور. مضيفا: “احتفظنا فقط بالأشخاص الذين كنا متأكدين من هويتهم، وليس هناك إخفاء للهوية”. لماذا اختارت السلطات الجزائرية دفن جماجم ليست من المقاومين في مكان رمزي؟ لماذا لم تتخلص منها؟ إهمال؟ أم تسرع؟ ولماذا لم يستجب مستشار الرئيس تبون، عبد المجيد الشيخي لطلباتنا. كما لم يستجب “كاي دورسيه” Quai d’Orsay لطلب جريدة لوموند قراءة تقرير اللجنة الفرنسية الجزائرية.



إقرأ الخبر من مصدره