
زهير داودي
انتماء المغرب إلى إفريقيا راسخ لا يهزه الافتراء
قال الشاعر الكبير أحمد شوقي: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت… فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
لم يعد من المقبول على الإطلاق اختزال الأحداث المفتعلة والمؤسفة التي رافقت بطولة كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم، قبلها وأثناءها وبعدها، في مجرد “توترات رياضية” أو ردود فعل عابرة. فالحقيقة تتجاوز حدود رقعة العشب الأخضر للملاعب، لتكشف عن حملة سياسية وإعلامية خبيثة وممنهجة تستهدف تشويه سمعة المملكة المغربية، والنيل من مكانتها الإفريقية الراسخة وحضورها الدولي الوازن.
تسعى هذه الحملة، التي تقودها وتمولها السلطات الجزائرية منذ عقود، إلى خلق وهم مفاده “مواجهة المغرب لإفريقيا بأسرها”، وزرع الانقسامات وصناعة الاصطفافات داخل شعوب القارة، مع استغلال التظاهرات الرياضية لتصدير أزماتها الداخلية المتفاقمة منذ عام 1962. والهدف واضح وضوح بياض الثلوج: صرف الأنظار عن إخفاقات النظام الجزائري وعجزه المزمن عن تنمية بلاده الغنية بالنفط والغاز، عبر خلق “عدو وهمي” في جواره الغربي، وتأجيج سردية عدائية ومضللة، ومحاولة طمس الصورة الإيجابية والواقعية التي لمسها الجمهور الجزائري عند زيارته للمملكة لتشجيع منتخبه الوطني؛ حيث اكتشف حجم الإنجازات النوعية ومشاريع البنية التحتية الضخمة التي شيدها المغرب، ليس فقط لاستضافة التظاهرات الرياضية الكبرى، بل لتكريس مكانته كـ”مملكة صاعدة”.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
وتؤكد الوقائع أن التصريحات الاستفزازية والأفعال المشينة صدرت عن بعض الأفراد المنعزلين، ومدربين اثنين فقط: مدرب منتخب جنوب إفريقيا، الذي يعاني من أمراض نفسية، ومدرب منتخب السنغال، الذي لا تعكس تصرفاته الرعناء أخلاق الشعب السنغالي الشقيق، إضافة إلى فئة محدودة من المشجعين. وهذه التصرفات لا تمثل الدول ولا شعوب القارة. بل على العكس، أظهرت الغالبية الساحقة من المنتخبات والجماهير الإفريقية احترامًا عميقًا وثابتًا للمغرب، سواء من حيث جودة التنظيم أو الالتزام بالقيم الرياضية والأخلاقية. وقد شهد بذلك شمال وجنوب العالم، والاتحاد الإفريقي، والكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (كاف)، والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، إلى جانب كبريات وسائل الإعلام الدولية التي أشادت جميعها بمستوى الاحترافية في البطولة.
وفي الفضاء الرقمي، ظهرت حملة جزائرية معادية ومنظمة لتشويه صورة المغرب داخل محيطه القاري، تروج لفكرة مفادها أن “إفريقيا كلها ضد المغرب”. وقد ضخم فاعل مصري معزول هذه الرواية، محاولًا تسويق صورة زائفة عن “عزلة المغرب”، في حين أن الواقع الميداني والعلاقات المتينة للمملكة مع بلدان القارة يدحضان هذه الادعاءات بشكل قاطع. وقد اتضح جليًا أن سلطات الجزائر حولت الفضاء الرقمي إلى سلاح للهدم، مستخدمة شبكات التواصل لإشعال الانقسام وتأجيجه، بدل تعزيز الوحدة الإفريقية وبناء خطاب مشترك يخدم التقارب والتنمية والاستقرار.
وهكذا، وقع عدد كبير من الأفارقة في هذا الفخ؛ فلم يعد البحث عن الحقيقة هو الأساس، بل صناعة اصطفافات خادعة وتحالفات وهمية، يرفع فيها كل طرف شعار “نحن الأفضل”: أنا سنغالي، نحن الأفضل؛ أنا جزائري، نحن الأفضل؛ أنا كذا، أنا كذا… منطق يبدو بسيطًا، لكنه في جوهره آلية للتفتيت والتدمير. والأخطر من ذلك أن الجزائر لم تكتفِ بتغذية هذا المناخ المشحون وتأجيجه، بل استغلت أحداث كرة القدم العابرة لضرب فكرة الوحدة بين شعوب القارة، عبر خلق “قبائل رقمية” لا تتحاور بل تتصادم، ولا تفهم بل تتهم؛ حيث تتحول الكلمات إلى أسلحة، وشاشات الهواتف والحواسيب إلى ساحات مواجهات مفتوحة… حتى إن عددًا من المؤثرين والنشطاء المغاربة وجدوا أنفسهم، عن قصد أو غير قصد، منجذبين إلى هذا المستنقع الرقمي المصمم أساسًا لإشعال الفتن.
هذا التسميم الرقمي المتواصل، الذي تغذيه آلة الكراهية الجزائرية ضد كل ما هو مغربي، لا يهدد نقاشات عابرة على شبكة الإنترنت فحسب، بل يغذي أحقادًا طويلة الأمد ويدفع الشعوب إلى مواجهة بعضها البعض؛ لا بسبب مصالح أو موارد، بل بفعل كلمات مسمومة وخوارزميات ترجح الغضب والتطرف. لقد تحولت شبكات التواصل الاجتماعي إلى شكل من أشكال السحر الأسود الحديث: تعويذة تُغيب العقول، وتُبسط القضايا المعقدة تبسيطًا مخلًا، وتؤجج المواقف، وتحوّل كل اختلاف طبيعي إلى عداوة مفتعلة.
الحقيقة الوحيدة والثابتة، التي لا جدال فيها، هي أن “إفريقيا ليست ضد المغرب”، وأن الدعاية الخبيثة المنتشرة ليست سوى افتراء جزائري، مدعوم بتدخلات إعلامية معزولة لا وزن لها خارج العالم الرقمي. فالعلاقات المغربية الإفريقية راسخة الجذور، قائمة على الشراكة والتضامن والمنفعة المتبادلة، كما تؤكد ذلك مئات المشاريع النوعية والمبادرات المشتركة والمواقف العملية للمملكة، تحت القيادة المستنيرة لجلالة الملك محمد السادس. وقد أثبت المغرب كفاءته واحترافيته في التنظيم الدولي من خلال استضافته الناجحة لكأس الأمم الإفريقية، وهو نجاح يتجاوز البعد الرياضي ليعكس التزامًا بالقيم الإفريقية وروح الأخوة، ويقدم نموذجًا يُحتذى به في القارة.
ويأتي هذا النجاح ضمن استراتيجية شاملة يقودها جلالة الملك محمد السادس، الذي رسخ، على مدى ربع قرن، حضور المملكة في عمقها الإفريقي وريادتها في مجالات التنمية المشتركة وتعزيز التضامن، مؤكدًا مكانة المغرب كفاعل رئيسي ومؤثر في السياسات الإفريقية والإقليمية والدولية.
اليوم، لم تعد المعركة رياضية فحسب، بل أصبحت معركة وعي، تقتضي إبراز الفرق بين السردية المغربية الأصيلة، والرواية الجزائرية الملفقة، مع دعوة الفاعلين السياسيين والأكاديميين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني عبر ربوع القارة إلى التمييز بين الحقيقة والزيف، ومواجهة الحملات العدائية بالوقائع والإنجازات الملموسة.
ونؤكد مجددًا أن بعض السلوكيات السلبية والتصرفات العنصرية المقيتة تبقى حالات معزولة صدرت عن عدد محدود من المدربين وبعض أفراد الجمهور؛ في مقابل تعامل غالبية الدول والجماهير مع المغرب بروح من الرقي والإيجابية، مؤكدة احترامها للقيم الرياضية وروح الأخوة الإفريقية.
وفي ضوء كل ذلك، إذا تحولت بعض المنصات الرقمية إلى مصانع للكراهية وآلات لتفتيت الشعوب، فإن تقييدها وإخضاعها لرقابة صارمة، بل وحتى تعليق عملها في سياقات معينة، يُعد خيارًا مسؤولًا. فهذا ليس عداءً للحرية، بل دفاع عن السلم؛ وليس قمعًا للرأي، بل حماية للمجتمعات الإفريقية من شرور وسموم سلطات الجزائر. فلا توجد تقنية أو منصة أو خوارزمية أثمن من استقرار الأمم ومستقبل إفريقيا. وإذا لم تُضبط هذه الأدوات بشكل صحيح، فقد تتحول إلى أخطر وسائل التدمير الداخلي.
وسيكون لنا موعد جديد لاستضافة “الكان” النسوية في مارس المقبل، لإثبات أن المغرب أرض للتظاهرات القارية والدولية، وأن اختياره لاحتضان هذه اللقاءات الرفيعة لم يكن عبثيًا، بل استنادًا إلى قدراته العالية على تدبير تنظيم كل ما يجمع الأشقاء الأفارقة من أخوة وتضامن ومصير مشترك.
وفي الختام، تؤكد المملكة عزمها على استضافة تظاهرات عالمية أكبر، بما فيها مونديال 2030 بشراكة مع الجارتين إسبانيا والبرتغال، لترسيخ مكانتها القارية المرموقة، وتأكيد دورها المتنامي على المستوى الدولي.
إعلامي وباحث في العلاقات الدولية