
سمير عزو
بين النّظري والعملي
بعدما تبيّن آنفًا؛ أنّ نقاش حجّيّة السّنّة؛ مُتجاوَزٌ قد قُتل بحثًا؛ وبعد استعراض مُوجبات الاستبعاد المرحليّ لهذه السّنّة؛ التي دُوّنت مُتأخِّرةً (1)، بدعوى “تجنُّب اختلاطِها بالقرآن العظيم”؛ الذي يقول “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” سورة الحجر 9، يليق بنا الآن أن نسترْسِل؛ في تبيان الخلل الكامن؛ في منْظومة هذه السّنّة؛ وطريقة تعامل بعض المسلمين معها.
مُباشرة بعد ارتقاء النّبي صلى الله عليه وآله وسلّم؛ للباري تعالى، تقدّمت بنْتُه فاطمة الزّهراء؛ للخليفة أبي بكر؛ تطلُب ميراثَها (2)، فكان أن أجابها باستحالة الأمر؛ مُستدلًّا بحديث “عدم توريث الأنبياء” (3). فكان من باب أوْلى؛ أن تعْلَم فاطمة الزّهراء؛ بهذا الحديث الآحاد؛ ما دامت “سيّدة نساء الجنة”، لأنّ عدم معرفتها به؛ يُسيء بطريقة أو بأخرى للنّبي صلى الله عليه وآله وسلّم؛ إذ كان من المفْروض؛ أن يُبلِّغ صلى الله عليه وآله وسلّم؛ أهلَه بوجود هذا الحديث بالدّرجة الأولى؛ استجابةً لقوله تعالى: “وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ” سورة الشّعراء 214.
من جهةٍ، النّصوص القرآنية؛ في هذا الشّأن؛ هي صريحةٌ بما لا يدعو للشّك؛ على أنّ توريث الأنبياء عليهم السّلام ثابت (4)، كما أنّ النّبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ تسْري عليه الأحكام التي جرَت على باقي الأنبياء عليهم السّلام؛ بدليل قوله تعالى: “قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ” سورة الأحقاف 9، بالتّالي فإنّ الأخذ بأحاديث الآحاد؛ فيما يتعلّق بالأحْكام الشّرعية؛ يسْتلزم المُراجعة والتّدقيق (5).
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
لا ضَيْر في فضْل فاطمة الزّهراء (6)؛ ومَناقبها (7)، كما يُقرّ بذلك جميع المسلمين، لكن ما دامت كذلك! فأين أحاديثها؟
هل يكفي استعراض مناقبِها؟ وبالتالي ألا يكون ذلك الاكتفاء؛ من قبيل التّصوْف؛ الرّامي لمراقبة الأحوال ولزوم الأدب؟
أمَا وقد بلغتنا نورانيّة وجْهِها (8)؛ ألا يكون من حقّنا البحث عن “نورانيّة” أحاديثها؟
في محاولتهم للإجابة على هذه التساؤلات؛ يُعزي بعض المسلمين؛ الذين يحبّون فاطمة؛ سبب قلّة أحاديثها وأخبارها؛ أنّها إلى “قِصر مدّة حياتها”؛ حيث لم تُعمّر؛ إلا ستّة أشهر بعد ارتقاء والدها صلى الله عليه وآله وسلّم. لكن في المقابل؛ إذا كانت قد عمّرت ثماني عشرة سنة؛ أفإنّنا وإن لم نجد؛ أحاديث مستفيضة لها؛ فعلى الأقلّ نجد ما يُشبه التّوازن العقلاني على “الخريطة” الحديثيّة. أضف إلى ذلك؛ أنّ الموجود من أحاديثها؛ لا يكاد يتناول غير التّسبيح؛ الحِلم والحنان على أبيها صلى الله عليه وآله وسلّم، ما يدفعنا لطرح السّؤال: ألم تكن أربع سنوات من عُمْرِها؛ كافية للتّحديث بألوفٍ من الأحاديث؛ تمامًا مثلما فعل غيرها من الصّحابة؟
وعليه فإنّ الفرق؛ بين الحبّ الشّفهي والحبّ الصّادق العملي؛ شاسعٌ وبيّن، لا تترجمه إلا الأعمال والأفعال، بالولاء لآل الرّسول صلى الله عليه وآله وسلّم؛ تمامًا كالإيمان الذي هو “ما وقَر في القلب وصدّقه العمل” (9).
لقد بدا لنا اليوم واضحًا؛ بالصّوت والصّورة؛ في مدينة إدلب السّورية؛ عند افتتاح مسجدٍ جديد؛ سمّاهُ مؤسّسوه باسمِ والدتِهم الزّهراء، دون خلفيّة أو مرجعيّة طائفيّة! لكنّ أفْضَل بعض الأهالي هناك؛ استبدالُ اسم المسجد؛ من “الزّهراء” إلى “العِزّة للّه” (10)، ذلك حسب زعمهم “درءًا للفِتنة”؛ ومتى كانت “سيّدة نساء الجنّة” فَتيلًا للفتنة؟ “أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا” سورة التّوبة 49.
هوامش
(1) انظر مقالنا المنشور على جريدة هسبريس، “حجية السنة النبوية“، 14 فبراير 2026.وكذلك “جناح السنة المبتورة“، 19 فبراير 2026.
(2) عن عائشة أنّ فاطمة ابنة رسول الله ﷺ سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله ﷺ مما أفاء الله
عليه فقال لها أبو بكر: إنّ رسول الله ﷺ قال: “لا نورث ما تركنا صدقة”. فغضبت فاطمة بنت رسول الله ﷺ فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتَّى توفّيت وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستّة أشهر قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله ﷺ من خيبر وفَدَك وصدقته بالمدينة فأبى أبو بكر عليها ذلك وقال: لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ﷺ يعمل به إِلَّا عملت به فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى عليّ وعباس، وأمّا خيبر وفدك فأمسكها عمر وقال: هما صدقة رسول الله ﷺ كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من ولي الأمر قال: فهما على ذلك إلى اليوم. متّفق عليه، رواه البخاريّ في فرض الخمس (3092 و 3093)، ومسلم في الجهاد والسير (1759، 54) من طريق إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزُّبير، أن عائشة أخبرته.
(3) جاء في “نيْل الأوطار”، الشوكاني، باب في أنّ “الأنبياء لا يورَّثون”: 2586 “عن أبي بكر الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا نورث، ما تركناه صدقة”.
2587: وعن عمر “أنه قال لعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد وعلي والعباس: أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث، ما تركناه صدقة”، [ص: 92] 2588 “وعن عائشة: “أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا نورث، ما تركناه صدقة”.
(4) انظر مقالنا “المرافعة الكبرى لفائدة الحق ضد الباطل“، جريدة هسبريس 21 مارس 2024.
(5) أعلن ولي العهد السّعودي محمد بن سلمان؛ عن “مشروع يقوم على توثيق الأحاديث النبوية المثبتة”، هذا المشروع “وصل مراحله النهائية” وقد اعتبر الأمير أنّ “هناك عشرات الآلاف من الأحاديث، والغالبية العظمى منها لم تُثبت، ويستخدمها العديد من الناس كوسيلة لتبرير أفعالهم”. كما أن “تنظيمات القاعدة وداعش يستخدمان الأحاديث النبوية الضعيفة جدًّا، التي لم تثبت صحتها، لإثبات وجهة نظرهم”.
(6) كما في موقع إسلام ويب (المحسوب على “أهل السنة والجماعة”): حديث “المهدي من عترتي من وُلْد فاطمة”، رواه أبو داود وصحّحه الألباني.
وأما حديث “فاطمة بضعة منّي”؛ فقد ورد بعدّة ألفاظ؛ بعضها في الصحيحين وبعضها في غيرهما، وكذلك حديث الحاكم “فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها”؛ صحّحه الحاكم ووافقه في ذلك الذّهبي.
(7) جاء في موقع إسلام أون لاين: الحديث الصحيح أن فاطمة “سيدة نساء المؤمنين”، و”سيدة نساء أهل الجنة”، عن عائشة رضي الله عنها قالت: “أقبلت فاطمة تمشي كأنّ مشيتها مشي النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: “مرحبًا بابنتي” ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسرّ إليها حديثًا فبكت. فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسرّ إليها حديثًا فضحكت. فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن. فسألتها عما قال؟ فقالت: ما كنت لأفشي سرَّ رسول الله ﷺ، حتى قُبض النّبي ﷺ فسألتها. فقالت: أسرّ إليّ أنّ جبرئيل كان يعارضني القرآن كلّ سنة مرّة، وإنّه عارضني العام مرّتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أوّل أهل بيتي لِحاقًا بي” فبكيت. فقال: “أما ترْضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة، أو نساء المؤمنين؟” فضحكت لذلك. صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب علامات النبوة.
أما حنان فاطمة على أبيها: فقد أخرج الشيخان: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: بينما رسول الله ﷺ يصلّي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان – وهي مشيمة الولد – فيأخذه فيضعه في كتفيْ محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ، والنبي ﷺ ساجد، ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة رضي الله عنها، فجاءت وهي جويرية فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم.
وقد بكت فاطمة رضي الله عنها لِفُقد أبيها ﷺ وتألّمت لدفنه. كما أخرج البخاري في صحيحه بإسناده: عن أنس رضي الله عنه قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه، فقالت فاطمة رضي الله عنها: واكرب أباه. فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم. فلما مات، قالت: يا أبتاه أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبرئيل ننعاه. (صحيح البخاري باب مرض النبي ووفاته).
(8) ورد في “إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل”، ج 19، السيّد نور الله الحسيني المرعشي التُّستري، ص 16: عن عائشة: كنّا نخيط ونغزل وننظم الإبرة بالليل في ضوء وجه فاطمة ((عليها السلام)). وقالت: إذا أقبلت فاطمة كانت مشيتها مشية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، وكانت لا تحيض قطّ لأنّها خلقت من تفّاحة الجنّة، ولقد وضعت الحسن بعد العصر، وطهرت من نفاسها فاغتسلت وصلّت المغرب، ولذلك سمّيت الزهراء.
(9) “ليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلّي، ولكن ما وقَر في القلب وصدّقه العمل” كلام منسوب للحسن البصري.
(10) انظر في هذا الخصوص؛ مقالنا “قراءة الماضي من خلال الحاضر“، جريدة هسبريس، 25 دجنبر 2014.