الحجري زكرياء
تواصل مؤسسة “مسرح الأفق” بتارودانت ترسيخ حضورها داخل المشهد المسرحي المغربي من خلال الدورة الرابعة لمهرجان “ربيع المسرح”، المرتقب تنظيمها ما بين 2 و6 يونيو 2026، في محطة تؤكد أن التظاهرة لم تعد مجرد موعد فني عابر، بل أصبحت مشروعا ثقافيا يتراكم سنة بعد أخرى، ويبحث عن موقع خاص داخل خريطة المهرجانات المسرحية الوطنية.
فخلال أربع دورات، استطاع المهرجان أن يبني لنفسه هوية واضحة تقوم على المزج بين الانشغال الفني والرهان التكويني، وبين تثمين الخصوصية المحلية والانفتاح على التجارب العربية، وهي معادلة تبدو أكثر حضورا في برنامج هذه السنة الذي يضع الشباب في مقدمة الاهتمام، باعتبارهم مستقبل الفعل المسرحي بالمنطقة.
ولعل أبرز ما يميز هذه الدورة هو الرهان الواضح على الطاقات الصاعدة، سواء عبر ورشات التكوين أو من خلال فسح المجال أمام التجارب المسرحية المدرسية ومواهب “مسرح الأفق”، في توجه يعكس وعيا متزايدا بأهمية الاستثمار في الأجيال الجديدة بدل الاكتفاء بمنطق الفرجة الموسمية. فالمهرجان يتحول تدريجيا إلى فضاء للتأطير واكتشاف المواهب وصقل التجارب الناشئة، وهو ما تمنحه مسابقة المسرح المدرسي من دلالة تربوية وثقافية تتجاوز بعدها التنافسي.
وفي السياق نفسه، تحضر التكوينات الفنية كأحد أعمدة المشروع الثقافي للمهرجان، عبر ورشة “الغروتيسك” التي يؤطرها الباحث والمسرحي الدكتور محمد جلال أعراب، إلى جانب تقديم متدربي “مواهب الأفق” لنتاج مختبر “موسيقى الجسد” بإشراف المخرج بوبكر أوملي، في تجربة تسعى إلى استنطاق الذاكرة المحلية وتحويل التراث الشعبي إلى مادة جمالية داخل العرض المسرحي المعاصر.
ويبدو واضحا أن إدارة المهرجان تشتغل على بناء علاقة متوازنة بين المحلي والعالمي؛ فمن جهة، يحضر التراث السوسي في تفاصيل الافتتاح والفقرات الفنية والفرق الفلكلورية، كما تحضر قضايا المسرح الأمازيغي ضمن الندوة الفكرية الخاصة بتجارب سوس، ومن جهة ثانية، ينفتح المهرجان على تجارب عربية من خلال استضافة المسرحي القطري فالح فايز لتقديم “ماستر كلاس” حول هندسة العرض المسرحي الموجه للطفل، بما يمنح التظاهرة بعدا عربيا ويخلق جسورا للتبادل الفني والمعرفي.
هذا التوازن بين الجذور والانفتاح يمنح “ربيع المسرح” خصوصيته داخل المشهد الثقافي، خصوصا في مدينة مثل تارودانت التي تراهن تدريجيا على الثقافة كرافعة للتنمية الرمزية والفنية. فالمهرجان لا يكتفي باستضافة عروض مسرحية متنوعة، بل يسعى إلى خلق حركية ثقافية متكاملة تشمل الفكر والتكوين والاحتفاء بالرموز المحلية وربط الجمهور بالفعل المسرحي.
كما تكشف طبيعة الشراكات المؤسساتية التي تحيط بالمهرجان عن حجم الثقة التي بات يحظى بها، سواء من طرف المؤسسات الثقافية أو الجماعات الترابية والفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يعكس انتقال التظاهرة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة تثبيت موقعها ضمن المواعيد الثقافية التي تراهن على الاستمرارية والتأثير.
وبهذا المعنى، تبدو الدورة الرابعة من “ربيع المسرح” أقرب إلى إعلان جديد عن نضج تجربة مسرحية شابة اختارت أن تجعل من الثقافة أفقا للتكوين والانفتاح، ومن الشباب محركا أساسيا لصناعة المستقبل المسرحي بالمنطقة.