محمد شهبي

يُقدَّم المغرب اليوم كأحد أبرز الوجهات “الصالحة للاستثمار” في إفريقيا، بفضل استقراره السياسي وموقعه الجغرافي وإصلاحاته التشريعية، غير أن واقع الممارسة يكشف عن فجوة معتبرة بين جاذبية الخطاب وصعوبات التنفيذ التي يواجهها المستثمرون على الأرض. هذه الفجوة تتجلى في استمرار عراقيل بنيوية من قبيل تعقيد المساطر، محدودية المنافسة، وضعف فعالية الإدارة والعدالة التجارية، رغم ما تحمله التقارير الرسمية والدولية من إشادة بالتقدم المؤسسي والتحسن النسبي لمناخ الأعمال.​

صورة المغرب في التقارير الدولية

تجمع التقارير الدولية الحديثة على أن للمغرب جاذبية استثمارية متقدمة إقليمياً، مع تحسن ملحوظ في الإطار القانوني والمؤسساتي للاستثمار خلال العقدين الأخيرين. كما يشير تقرير مراجعة سياسة الاستثمار للمغرب (OCDE 2024) إلى أن المملكة نجحت في تحديث بنيتها التحتية، وتنويع اقتصادها، وإطلاق ميثاق استثمار جديد يرسخ مبدأ عدم التمييز ويشجع الاستثمار المنتج والمستدام. أيضا تبرز مؤشرات الجاذبية والاستقرار بإفريقيا (Amadeus 2024) أن المغرب يحتل الرتبة الأولى قارياً في جاذبية الاستثمار والثانية في الاستقرار، مع نقاط مرتفعة في جودة التنظيم والبنية التحتية ورأس المال البشري.​

في التقارير الأميركية حول مناخ الاستثمار (Investment Climate Statement)، يصنَّف المغرب ضمن الاقتصادات “المنفتحة نسبياً” مع نظام مصرفي متطور، وسياسات مكلفة لجذب الاستثمارات الأجنبية، واتفاقيات تبادل حر واسعة تفتح السوق الأوروبية والإفريقية أمام المستثمرين. ومع ذلك، تسجل هذه التقارير تحفظات بشأن بطء المساطر الإدارية، وقوة الفاعلين المتحكمين في بعض الأسواق، وصعوبة تسوية المنازعات التجارية في آجال معقولة.​

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} الإصلاحات على مستوى النصوص والمؤسسات

تشير التقارير الاقتصادية إلى أن المغرب راكم إصلاحات هيكلية: تحديث قوانين الاستثمار، إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، تبسيط الإجراءات، وتعميم الرقمنة التدريجية للمساطر. فميـثاق الاستثمار الجديد لسنة 2022 يشكّل الإطار الناظم لهذه الإصلاحات، إذ يربط الدعم العمومي بأهداف خلق فرص الشغل، وتنمية الأقاليم الأقل استفادة، ودعم القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.​

أما على المستوى المؤسساتي، أُحدثت وزارة مكلفة بالاستثمار وتقييم السياسات العمومية، وأُنشئت لجنة وطنية للاستثمار ونظام جهوي موحد لحكامة الاستثمار مع توسيع صلاحيات المراكز الجهوية للاستثمار ومنحها دور “الواجهة الوحيدة” للمستثمر. كما نبهت تقارير حول المؤسسة العليا للرقابة (المجلس الأعلى للحسابات) إلى الدور المحوري للرقابة المالية في تحسين شفافية المناخ الاقتصادي وتجويد حكامة المؤسسات العمومية، مما يساهم، نظرياً، في طمأنة المستثمرين على سلامة الإطار العام لتدبير المال العام.​

الفجوة بين الخطاب والواقع: أين يَتعثّر المستثمر؟

رغم هذه الإيجابيات، تكشف دراسات ميدانية وأبحاث أكاديمية عن استمرار معيقات بنيوية تجعل واقع الاستثمار أقل وردية من الصورة الرسمية. تظهر أبحاث حول تأثير الفساد على الاستثمار بالمغرب أن جزءاً مهماً من المقاولات يعتبر الفساد الضريبي والإداري عائقاً رئيسياً بعد العبء الجبائي، حيث يخلق هذا الوضع “تكلفة خفية” لا تظهر في المؤشرات الماكرو اقتصادية ولكنها تؤثر مباشرة في قرار الاستثمار. كما تؤكد تقارير وتحليلات اقتصادية أن البيروقراطية وضعف المنافسة وتركّز الأسواق في يد فاعلين “مقرّبين” تضعف حيوية القطاع الخاص وتثبط دخول فاعلين جدد، بما في ذلك المستثمرون الأجانب والمحليون الصغار والمتوسطون.​

على المستوى الترابي، تُظهر دراسات حول معيقات الاستثمار في بعض الجهات أن تقييم المقاولات لواقع مناخ الأعمال يبقى متحفظاً رغم تحسن المؤشرات الوطنية، مع حضور شكاوى متكررة من تعقيد الإجراءات الإدارية، وطول آجال البت القضائي في النزاعات التجارية، وصعوبات الحصول على العقار، وضعف الشفافية في الولوج إلى الطلبيات العمومية. هذه الفجوة بين “إصلاح النصوص” و”جمود الممارسة” تعود إلى مقاومة داخلية للتغيير في بعض الإدارات، وضعف القدرات البشرية والتقنية، واستمرار ثقافة تدبيرية محافظة لا تنسجم مع منطق المقاولة والاستثمار.​

نحو قراءة نقدية بناءة

تكشف المقارنة بين التقارير الدولية والرسمية من جهة، والشهادات الميدانية والأبحاث العلمية من جهة أخرى، عن مفارقة مركزية: مغرب متقدم في “صورة الجاذبية” لكنه متعثر في “تجربة المستثمر اليومية”. هذه المفارقة لا تنفي المكاسب المحققة، لكنها تشير إلى أن معركة الاستثمار اليوم هي معركة حكامة ومأسسة أكثر منها معركة تسويق وصورة، أي الانتقال من منطق الإصلاح القانوني إلى منطق تفعيل القواعد ومساءلة الفاعلين الإداريين والسياسيين عن نتائجهم.​

من منظور نقدي بنّاء، يفرض هذا الواقع جملة أولويات:

تعزيز استقلالية وفعالية هيئات المنافسة والرقابة المالية والإدارية حتى لا تبقى الإصلاحات رهينة توازنات غير اقتصادية.​

تسريع رقمنة المساطر وتوحيد المسالك الإدارية فعلياً، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة على مستوى الإدارات الترابية التي تشكل الواجهة الأولى للمستثمر.

جعل التقارير الدولية والوطنية حول مناخ الأعمال أدوات حقيقية للتصحيح وللسياسات العمومية، لا مجرد شهادات استئناس تُستعمل في الخطاب السياسي والترويجي.​

بهذا المعنى، لا تكمن الإشكالية في غياب رؤية أو نصوص أو مؤسسات، بل في هشاشة الجسر الرابط بين “ورق الإصلاح” و”حياة المستثمر” اليومية، وهو جسر لا يمكن ترميمه إلا عبر إصلاح سياسي ومؤسساتي عميق يعيد الاعتبار لسيادة القانون، وشفافية القرار العمومي، وربط الامتياز الاقتصادي بالمنافسة المشروعة لا بالقرب السياسي.

باحث في العلوم السياسية

إقرأ الخبر من مصدره