Home رآي واقع مهنة الكساب بين الإستمرار والتراجع

واقع مهنة الكساب بين الإستمرار والتراجع

0
واقع مهنة الكساب بين الإستمرار والتراجع

جمال كريمي بنشقرون

إشكالية معقدة تعيشها بلادنا، فالمجال الفلاحي أضحى ميدان صعب وقاسي بحكم عوامل عديدة أهمها توالي سنوات الجفاف وصعوبة العيش في ظل غياب سياسات عمومية فاعلة وموجهة للقرى والأرياف والجبال، تضمن الاستقرار وتحد من الهجرة نحو المدينة، فأصبحنا اليوم أمام تحدي تأمين الغذاء والاكتفاء الذاتي، وعلى رأس ذلك اليوم قصة توفير اللحوم الحمراء التي ارتفع ثمنها من 70 درهم سنة 2021 إلى ما يفوق 140 درهم الآن، أي تضاعف السعر، هذا بالنسبة للأغنام، والمناسبة شرط هنا ارتباطا بعيد الأضحى المبارك، واستنادا لعدم القيام بهذه الشعيرة السنة الماضية، بقرار ملكي حكيم، ومن خلال تضارب التصريحات الحكومية بشأن وفرة المنتوج الوطني من عدمه، والفشل الذريع في سياسة الدعم الموجه للاستيراد وما خلفه من آثار مالية أرهقت خزينة الدولة بمليارات الدراهم دون جدوى، ودون مراعاة أيضا لوضعية الكساب حينها، فكان الهاجس هو إعادة تشكيل القطيع، فكان المستفيد الأول من أمر إلغاء نحر الأضاحي السنة الماضية هم الجزارون ممن استغلوا الفرصة أمام تهافت المواطنين لشراء “الضوارة” بشكل جعل الثمن يحلق عاليا لربما بلغ ثمن الواحدة منها ثمن الكبش المفقود الذي صرح السيد وزير الفلاحة السابق آنذاك بوجوده بثمن 800 درهم، فتعقد الوضع وذبحت الخرفان عن بكرة أبيها كي يتخلص الكساب من ثقل تربيتها وتغذيتها أمام واقع غلاء الأعلاف وندرة الكلأ، تجارة أدرت أرباح خيالية على مموني الحفلات والمطاعم والفنادق وغيرها… ودفعت بالكثير من مربي الأغنام إلى الإفلاس والمتابعات القضائية جراء الديون العالقة…

بعد ذلك تفطنت عبقرية الحكومة بإعلان برنامج إعادة تشكيل القطيع بتعليمات ملكية وبتخصيص غلاف مالي ضخم، لأجل تصحيح الوضع دون الاعتراف الصريح بخطأ دعم الاستيراد من الخارج ومحاسبة المستفيدين والمتورطين في ملف ما سمي بفراقشية الأغنام، رغم الدعوات بالبحث والتقصي في الموضوع من داخل البرلمان وخارجه، وفي ظل دعوات تطالب بمحاسبة الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز، المستفيد الأول من كل أشكال الدعم والمنخرطة جنبا إلى جنب في كل ما تقوم به وزارة الفلاحة، التي ترصد لها دعم بالمليارات وتمنحها حق الإشراف على الإحصاء والتلقيحات، في دوامة الضحية فيها هو الكساب المتوسط والصغير من غير الأعضاء المنخرطين فيها. وهكذا تم تخصيص دعم سنوي لرؤوس الأغنام والماعز على دفعتين، الإناث ما بين 400 و300 درهم للحفاظ عليها ودعم جزافي للبقية حسب العدد ما بين 100 و75 درهم…

والنتيجة اليوم أنه بعد هذا العمل بما له وما عليه نقف مشدوهين أمام صور مؤلمة لغلاء الأسعار وسعار البحث عن خروف العيد في متناول كل الفئات الاجتماعية، لتبرز نتائج عكسية لدعم آخر لم يعط نتيجة والوزير الوصي على القطاع يقول بوجود الخروف بثمن 1000 درهم، فيؤجج الأوضاع بتصريح لا علاقة له بالواقع، فالأسواق ملتهبة والأكباش مفقودة لا تعكس بتاتا أننا أمام 40 مليون رأس من الأغنام والماعز، حيث أن التصريح بهذا العدد لم يفصل في عدد الإناث والخرفان من بين العدد الإجمالي، الذي قد يكون العدد صحيح بعيدا عن أي مبالغة، لكن الأمر يتعلق بحجم عدد للإناث والمواليد يفوق بكثير الأكباش الجاهزة كأضاحي، بحكم أن الكساب التزم بالاحتفاظ بالإناث المدعمة بـ 400 درهم من الغنم و300 درهم من الماعز، دون بيعها أو ذبحها.

إن معاناة الكساب محددة بين واقع عمل توارثه الآباء والأجداد، وبين مطرقة الحفاظ عليه وسندان الغلاء وضعف المردودية، فعلى الحكومات أن تعي بخطورة ما يحدث بشأن قطاع استراتيجي، مخططات فشلت وأموال دعم أهدرت ومواطنون يكتوون من الجهتين البائع والشاري في سوق الأضاحي في مشهد تغيب فيه الرحمة والإحساس أحيانا ويحضر فيه جشع الوسطاء ومستغلي الفرص، في ظل واقع اقتصادي صعب متسم بالغلاء المتصاعد وارتفاع نسبة التضخم، كما تحضر المبالغات من كل الأطراف، وتتسم العمليات التجارية بالسخط والتذمر والاحتقان الاجتماعي، وفي المعادلة فلاحون وكسابون اجتهدوا طوال السنة بتربية وتغذية قطعانهم ورعايتها في كل الظروف، تراهم اليوم يقولون يا ويلنا وويل حال من ركب موجة حرفة لا ربح مادي ظاهر فيها واضح معلن، والحال أن أجرها المعنوي كبير ثابت وحبها وعشق العيش معها وإلى جانبها عند الكثير له قوة في المزيد من الصبر على المحن جراءها، وهل يدوم الأمر والأبناء قد يئسوا وغادروا قراهم نفورا من عمل مضن ومتعب غير مربح، بحثا عن آفاق أخرى وحقوق لم تصلهم وليس لهم فيها نصيب كما هو حال أقرانهم بالمدن والحواضر. وبذلك يضيع الخلف للكساب وتنقرض المهنة، كما ضعنا في أرقام خلف الأكباش لم نرها وكما ضعنا في أموال دعم لم تلمس آثارها.

جمال كريمي بنشقرون

إقرأ الخبر من مصدره