سقوط المثقف تحت سلطة الجماهير: من التاريخ إلى نموذج حسن أوريد

Écrit par

dans

عبد الحي السملالي

لم يكن المثقف، في أي مرحلة من التاريخ، بمنأى عن ضغط الجماهير. فمنذ أثينا القديمة، حين وقف سقراط وحيداً أمام محكمة شعبية اتهمته بإفساد الشباب لأنه لم يساير المزاج العام، إلى العصور الوسطى حيث كانت الكنيسة تحشد العامة ضد كل من يجرؤ على التفكير خارج الإجماع، ظلّ المثقف يعيش في منطقة هشّة بين العقل والجموع. فالجماهير، بطبيعتها، تطلب من المثقف أن يكون صوتها، لا ضميرها؛ وأن يعبّر عن غضبها، لا أن يضعه تحت مجهر النقد. وكلما اشتدّ الانفعال الجماعي، ضاقت المساحة المتاحة للتفكير الحر، واتسعت دائرة الضغط على المثقف كي ينخرط في خطاب اللحظة.

آلية السقوط: من الذات النقدية إلى الإمّعية

السقوط لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ بانحناءة صغيرة أمام العاطفة. المثقف يبرّر لنفسه قائلاً: «الناس غاضبون، ومن واجبي أن أكون قريباً منهم». ثم يتحول هذا القرب إلى انخراط كامل في خطاب يرضي الجمهور أكثر مما يرضي العقل. ومع الوقت، يفقد المثقف صوته الخاص، ويتحول من ذات نقدية مستقلة إلى إمّعة جماهيرية، يردد ما يريد الجمهور سماعه، ويستعمل لغة الانفعال بدل لغة التحليل.

وهذا التحول أخطر من سقوط السياسي؛ فالمجتمع ينتظر من السياسي أن يساير الجمهور، لكنه ينتظر من المثقف أن يقاوم هذا الميل. فإذا انخرط المثقف في الجوقة، فقد دوره، وفقد شرعيته، وفقد قدرته على التفكير الحر.

نموذج معاصر: حسن أوريد بين العقل والموجة

في هذا السياق، يبرز مقال حسن أوريد المنشور في مجلة «زمان» (12 فبراير 2024) بعنوان «حين تنتهي الكرة… وتبدأ الأسئلة الكبرى» كنموذج دالّ على هذا السقوط. فالرجل، الذي اعتُبر طويلاً من الأصوات القادرة على الحفاظ على مسافة نقدية من الأحداث، بدا في نصه أقرب إلى متحدث باسم الجرح الجماعي منه إلى محلّل يقرأ الحدث ببرودة ووضوح.

منذ السطر الأول، يتضح أن المقال لا يهدف إلى تفكيك ما جرى في «الكان»، بل إلى تضميد شعور جماعي بالخيبة. اللغة شاعرية، مشحونة، دفاعية، بينما يُفترض في المثقف أن يقدّم قراءة عقلانية لا تنساق خلف الانفعال.

تناقض بين الادعاء والممارسة

أوريد يعلن العقلانية لكنه يكتب بلغة جريحة. يدعو إلى الهدوء لكنه يستعمل معجماً مشحوناً. يطالب بالبراغماتية لكنه يستدعي الهوية («نحن أفارقة ونبقى أفارقة») بطريقة تكشف أكثر مما تفسّر. هذا التوتر ليس مجرد خيار أسلوبي، بل علامة على أن الكاتب يكتب تحت ضغط الجماهير، لا تحت إملاء العقل.

إقرأ الخبر من مصدره