
عثمان البهالي
نتابع حلقات سرد حيثيات بروز ميكانيكا الكم.
نموذج روترفورد وأطياف الهيدروجين
في بداية القرن العشرين تحول الوسط العلمي إلى خلية نحل لا تكل ولا تمل، شاركت فيها شخصيات علمية من أوروبا خاصة من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وسويسرا وبولونيا والدانمارك. كان على الوسط الفيزيائي أن يواجه تحدي نتائج القياسات التجريبية، ويحاول تفسيرها وصياغة النظريات لفهم الواقع التجريبي.
تجربة إرنست روترفورذ واقتراحه للنموذج الذري الذي يضع النواة الموجبة في وسط الذرة، تدور حولها الإلكترونات، اصطدمت بمعضلة الإشعاع الإلكترومغناطيسي، وخاصة أن هذا الإشعاع يكون كبيرا إذا كانت كتلة الجسيم صغيرة مثل الإلكترون.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
لغز آخر لم يوجد له تفسير آنذاك، وهو لغز الأطياف الضوئية المنبعثة من الهيدروجين، والتي تأتي كأشعة متفرقة على موجات محددة الطول ثابتة بالنسبة لأي عنصر كيميائي، لكنها تتغير من عنصر لآخر. لم يكن هناك أي تفسير علمي لهاته الأطياف، غير أن أستاذ الفيزياء السويسري يوهان بالمر استطاع أن ينتج معادلة رياضية، استخرجها بالاعتماد على القياسات التجريبية (Semi-Empirical)، تمكن من حساب طول الموجات المنبعثة من الهيدروجين بدون تفسير علمي لحدوثها.
فرضيات نيلس بور
في تلك الفترة، كان هناك شاب اسمه نيلس بور بدأ حياته في جامعة كوبنهاغن بالدانمارك تحت إشراف الفيزيائي كريستيان كريستيانسين، تركزت أبحاثه في الدكتوراة حول النموذج الإلكتروني للمعادن الذي اقترحه الفيزيائي الألماني بول درود في محاولة لتفسير خاصية وقدرة توصيل الكهرباء لدى المعادن، بخلاف العازلات مثل البلاستيك. رغم أنه استطاع أن يطور نموذج درود معتمدا على أبحاث الفيزيائي لورنتز، لكن بور لم يكن مقتنعا بأن هذا هو النموذج الفعلي، وخاصة أنه لم يستطع أن يفسر ظواهر مثل “تأثير هال” “Hall Effect”.
بعد أن حاز نيلس بور على شهادة الدكتوراة سنة 1911 انتقل إلى إنجلترا، حيث كانت الأبحاث حول الذرة والإلكترونات في أوجها، فالتقى بالفيزيائي طومسون، مكتشف الإلكترون، لكنه لم يحظ بالاهتمام المنشود من قبله. انتقل بعدها إلى مانشستر حيث التقى بالفيزيائي روترفورد مطور النموذج الأولي للذرة كما رأينا. وأصبح شغل نيلس بور إيجاد حل لمشكلة نموذج روترفورد.
انطلق بور من نموذج روترفورد معتمدا على معادلة بالمر للأطياف المنبعثة من الهيدروجين ويحكي عن نفسه قائلا “حينما اطلعت على معادلة بالمر، كل شيء أصبح واضحا أمامي”. بعد سنتين من التفكير المتواصل كما يحكي عن نفسه، أطلق نيلس بور نظريته التي قدم فيها حلا لنواقص نموذج روترفورد، واعتمد فيها على أربع فرضيات:
أولا: في دورانها حول النواة، تسلك الإلكترونات مسارات عبر أفلاك دائرية محددة، يسود بينها فراغ، ولكل فلك طاقة محددة وشعاع محدد. حينما تسلك الإلكترونات هذه الأفلاك، فإنها تحافظ على طاقتها كاملة بدون أن تفقد أي جزء منها، وتسمى هذه الأفلاك بالأفلاك الثابتة “Stationary states”
ثانيا: حينما يقفز الإلكترون من فلك مرتفع إلى آخر منخفض فإنه ينتج عن هذه القفزة انبعاث موجة إلكترومغناطيسية تساوي طاقتها الفرق بين طاقة الفلكين. وهاته الانبعاثات هي التي تمثل أطياف الهيدروجين التي ذكرناها سابقا.
ثالثا: حينما يقفز الالكترون من فلك إلى فلك آخر لا يخضع لقوانين الفيزياء (الجاذبية)
رابعا: يأخذ الزخم الزاوي (Angular momentum) أعدادا محددة (Quantization). هذه الأعداد المحددة هي التي تعطينا بطريقة مذهلة، عبر دمج معادلات نيوتن للقوى ومعادلة كولومب للقوة الكهربائية، طاقة كل فلك دائري وشعاعه (أي المسافة بين الفلك الدائري والنواة).
نموذج نيلس بور للذرة نجح في تفسير عدة ملاحظات بقيت إلى ذلك الحين مستعصية وأهمها: استطاع أن يتنبأ بدقة كبيرة بطول موجات الأشعة التي تنبعث من الهيدروجين ومن كل الذرات التي تحتوي على إلكترون وحيد (مثل الهليوم المؤين). كما استطاع أن يفسر بطريقة بارعة معادلة بالمر، وقدم فكرة جديدة مفادها أن العالم المجهري تسوده فكرة الكمية (Quantization).
لكنه فشل في تفسير الأطياف المنبعثة من الذرات التي تحتوي على أكثر من إلكترون، وكذلك لم ينجح في تفسير تأثير زيمان، هذا الفيزيائي الهولندي من جامعة ليدن الذي لاحظ أن الأطياف المنبعثة من الذرات تنقسم إلى أطياف أخرى إذا ما أخضعت الذرات لتأثير حقل مغناطيسي. ورغم هذا فإن نيلس بور يكون قد أرسى دعائم ميكانيكا الكم، حيث اتجهت الأبحاث فيما بعد إلى محاولة تدعيم نموذج بور كما سنرى لاحقا.
(يتبع)
-أستاذ الهندسة الكهربائية والفيزياء جامعة حمد بن خليفة، قطر.
إقرأ الخبر من مصدره