
حميد زيد – كود//
أتحداكم.
أتحداكم أيها البرلمانيون الأوربيون.
أتحداكم أيها الفرنسيون. والإسبان. والألمان. والبلجيكيون. والإيطاليون..
أتحداكم أن تدلوني على دولة في اتحادكم الأوربي لها غيرة على الصحافيين. وعلى الصحافة. مثل المغرب.
أتحداكم أن تذكروا دولة أوربية واحدة تمنح للصحافيين رواتبهم من المال العمومي.
بينما الدولة المغربية تفعل ذلك.
ولا تبخل علينا.
ولا تدعي أن الميزانية لا تسمح.
وأنها في أزمة.
كما تسهر على تمتيعنا بالحرية.
ومهما كان الواحد منا مستقلا. أو معارضا. أو تابعا. أو حرا. أو خاضعا. أو فاشلا. أو ناجحا. أو رافضا. أو قابلا. أو يمينا. أو يسارا. أو سلفيا.
فالدولة هي التي تتكفل به.
وهي التي تعتني به.
ورغما عنه تمنحه الدولة المغربية راتبه الشهري.
وكلما شعرنا بالخطر.
وكلما اقتربنا من الإفلاس.
وكلما صار يتهددنا الانقراض أسرعت إلينا الدولة وأنقذتنا.
ووضعتنا في محميات محروسة. وأطعمتتا. ورعتنا. ومنعت أي شخص من الاقتراب منا.
ولا أقول هذا الكلام لأني مغربي.
وليس بهدف الدفاع عن السلطة.
بل أتحداكم أن تكون عندكم دولة في أوربا لها كل هذا الحرص على صحافييها.
وكل هذا الحدب.
وكل هذا الحنان في التعامل مع أصحاب مهنة الصحافة.
أما ما تعتبرونه غيابا لحرية التعبير في المغرب.
وتضييقا على الصحافة.
فهو نتيجة جهلكم بالواقع المغربي. وبعلاقتنا مع الدولة.
فهي بالنسبة إلينا بمثابة الدولة-الأم.
وقد أممتنا جميعا.
وقد صيرتنا جميعا قطاعا عاما.
وقد ضمتنا جميعا إلى حضنها.
وجعلتنا نتنافس في ما بيننا حول من يخدمها أفضل.
ومن يرد لها الجميل.
فالأم في الثقافة المغربية مختلفة عن الأم عندكم في الغرب.
وطاعتها ضرورية.
وكل من يتطاول عليها. وينتقدها. ويلح.
وكل من يتصرف كولد عاق.
فإننا لا نتردد لحظة في معاقبته. وفي الزج به في السجن.
وبمحض الصدفة.
نكتشف أنه ليس عاقا فحسب. بل منفلت. ومتحرش. ومغتصب.
كما حدث في حالتي عمر الراضي. وسليمان الريسوني.
لكنكم للأسف لا تستوعبون القيم والأخلاق المغربية.
فالفساد مسموح به في المغرب. ونطبع معه. ونتساهل. لكن الأم خط أحمر.
ومن يقترب منها.
ومن يحقق فيها.
ومن يعارضها.
ومن يصرخ في وجهها نتخلى عنه.
وننساه كأنه لم يكن.
وربما لاحظتم صمتنا نحن الصحافيين المغاربة في ما يتعلق بعمر الراضي. وسليمان الريسوني.
وربما استغربتم من ذلك.
وتساءلتم كيف يضحي صحافيون بزملاء لهم. ولا ينبسون ببنت شفة.
والجواب هو أن الأم- الدولة عندنا مقدسة.
وهي التي تربينا.
وهي التي تتحكم فينا.
ولا يمكن لأي واحد منا أن يشك فيها. أو يطعن في أحكام قضائها.
كأنه بذلك يشك ويطعن في أمه.
ناهيك عن أن أمنا في المغرب مسيطرة. ومتحكمة. وحاضنة. وعقابها شديد.
ولا أحد منا يجرؤ على معارضتها.
ولا أحد منا يمتلك القدرة على أن يحتج عليها.
وعلى أن يتضامن مع صحفي معتقل.
ومع من يعتقد أنه ضحية. ومظلوم. وأن الحكم عليه مبالغ فيه.
ولذلك نحن نفضل الصمت.
ففي الصمت نجاة. وفي الصمت حكمة. وفي الصمت نضج. وحرية من نوع آخر. ووعي بالواقع. وبدور الأم.
وقد لاحظتم كيف كان ردنا عليكم.
وبسرعة.
ودون تفكير.
طفقنا نتهمكم في نواياكم. وفي الأسباب التي جعلتكم في البرلمان الأوربي تصوتون بكل تلك الأعداد على إدانة الوضع الحقوقي في المغرب.
ونتحدث عن التوقيت.
وعن الضغط الذي تحاولون ممارسته علينا.
وعن من يقف خلفكم.
وهذا عائد إلى دور الأم في الصحافة المغربية.
وفي الأحزاب.
وفي المؤسسات.
وكيف ضمت إليها الجميع.
ورغم أنكم لستم أبرياء أيها البرلمانيون الأوربيون.
و رغم أنكم تستعملون ورقة حقوق الإنسان وحرية الصحافة في الأوقات التي تشاؤون.
ورغم أن المغرب مستهدف.
ورغم أن دولكم لم تدن أنظمة ودولا المغرب مقارنة بها جنة في الحقوق وفي الحريات.
فنحن أيضا لسنا أبرياء. ومنسحبون. ومتواطئون. وجبناء.
وندبج البيانات التي نرفض فيها أن تتدخلوا في شأننا الداخلي.
والحال أننا
نحن أبناء هذا المغرب
نرفض بدورنا أن نتدخل في شأننا الداخلي.
ونستسلم للسلطة.
وحتى الكلام.
وحتى الحديث عن عمر الراضي وعن سليمان الريسوني
صار ممنوعا في المغرب.
وحتى الظلم لم يعد مقبولا أن نسميه ظلما.
احتراما منا للدولة.
وحرصا على استقرارها.
ولذلك لن تفهموا ما يقع في المغرب.
فنحن لا نحتاج مثلكم إلى أن نكون مستقلين.
ولا نحتاج إلى صحافة حرة
ولا إلى آراء
ولا إلى حرية تعبير.
ولا إلى معارضة
فهذه الأمور كلها متوفرة في كنف الدولة.
الدولة الحامية.
الدولة الأم.
الدولة التي لا يستطيع أحد منا أن يتدخل في شأنها الداخلي.
الدولة التي لها مجلس وطني للصحافة
يدين الزملاء ويدافع عنها.
الدولة المحبوبة من الجميع.
الدولة التي من شدة حبنا لها لم نعد نجرؤ على مخالفتها.
ولا على تنبيهها أن الحريات تراجعت في المغرب.
وأن الإعلام صار له صوت واحد
وأن عمر
وسليمان في السجن
وأنه محكوم عليهما بأحكام قاسية
وعندما يديننا برلمانكم أيها الأوربيون
وعندما تقررون الضغط علينا لمصالحكم الخاصة
نتفاجأ.
ونتذكر زملاءنا في السجن. ونتأسف. وتؤنبنا ضمائرنا.
وفي الغد ننساهم.
غارقين في عسل الحرية المغربية.
وفي حدب الدولة علينا.
واعتنائها بنا.
إقرأ الخبر من مصدره