Étiquette : العقل

  • كلام عابر: العواطف، العقل، ومعنى التاريخ

    *بقلم // الدكتور لحسن الياسميني*

    هيغل وسبينوزا: من الانفعال الآني إلى الوعي التاريخي

    يُعدّ سؤال العواطف أحد المفاتيح الأساسية لفهم السياسة والتاريخ، غير أن الإشكال الفلسفي لا يكمن في الإقرار بدورها في تحريك الأفراد والجماعات، بل في تحديد موقعها الصحيح داخل الفعل السياسي والحكم التاريخي. فالتاريخ لا يُفهم، ولا تُستخلص دروسه، ولا تُبنى السياسات انطلاقًا من الانفعالات الآنية وردود الفعل العاطفية، بل من خلال تفكير عقلاني عميق قادر على استيعاب هذه العواطف، وتجاوزها، وإدراجها داخل أفق كلي للمعنى. وفي هذا السياق، يلتقي كل من هيغل وسبينوزا حول فكرة مركزية مفادها أن العواطف مادة التاريخ، لكن العقل وحده هو مبدأ فهمه وتوجيه نتائجه.

    العواطف كمادة أولى للتاريخ: التاريخ في ذاته عند هيغل

    ينطلق هيغل، في كتابه  العقل في التاريخ: مقدمة في دروس فلسفة التاريخ  ، من أطروحة أساسية مفادها أن تاريخ العالم هو تاريخ التقدم في الوعي بالحرية. غير أن هذا التقدم لا يظهر، في بداياته، بوصفه وعيًا عقلانيًا صريحًا، بل يتجلى أولًا في شكل أفعال بشرية تحرّكها العواطف، والميولات، والمصالح الخاصة. في هذه المرحلة، يكون التاريخ تاريخًا في ذاته (en soi)، أي مسارًا موضوعيًا تتحقق فيه غايات كبرى دون أن يعي الفاعلون التاريخيون المعنى الكلي لأفعالهم.
    في هذا المستوى، تتحكم العواطف في مسار الأحداث: الطموح، وحب السلطة، والخوف، والأنانية، والسعي إلى المجد. وهذه القوى الانفعالية، من حيث هي كذلك، لا تعترف بأي حدّ أخلاقي، وقد تؤدي إلى العنف والخراب وسقوط الإمبراطوريات. غير أن هيغل يحذّر من الوقوف عند هذا المنظور الانفعالي للتاريخ، لأن الاكتفاء به لا ينتج سوى الحزن على زوال الماضي أو الإدانة الأخلاقية للأحداث، دون فهم منطقها العميق.

    من الانفعال إلى الفهم: التاريخ من أجل ذاته

    إذا كان التاريخ، في مرحلته الأولى، يتحقق عبر العواطف دون وعي بذاته، فإن المرحلة الثانية هي مرحلة التاريخ من أجل ذاته (pour soi)، أي لحظة الوعي بالتاريخ. هنا لا يعود الإنسان مندمجًا اندماجًا أعمى في مجرى الأحداث، بل يبدأ في التفكير فيها، وتأويلها، ومحاولة فهم قوانينها.

    في هذه اللحظة، لا تُلغى العواطف، لكنها تتحول إلى موضوع للفهم. فالعقل لا يحاكم التاريخ انطلاقًا من الانفعال الآني، ولا يبني سياسات على الخوف أو الغضب أو الحماس اللحظي، بل يسعى إلى إدراك كيف ولماذا اشتغلت هذه العواطف، وما النتائج التي أفضت إليها. بهذا المعنى، يصبح التفكير التاريخي شرطًا أساسيًا لاستخلاص الدروس، بدل الانجرار وراء ردود الفعل العاطفية التي تعيد إنتاج الأخطاء نفسها.

    العقل بوصفه مبدأ المصالحة: التاريخ في ذاته ومن أجل ذاته

    يبلغ التاريخ، عند هيغل، ذروته حين يصبح في ذاته ومن أجل ذاته (en soi et pour soi)، أي حين يتصالح المسار الموضوعي للتاريخ مع الوعي العقلاني به. في هذه المرحلة، لا يُنظر إلى العواطف بوصفها قوى عمياء يجب القضاء عليها، ولا بوصفها مبدأً للحكم، بل باعتبارها عناصر يجب إدماجها داخل الكل العقلاني للدولة.

    هنا تبرز الدولة، في نظر هيغل، بوصفها مجال تحقق الحرية الأخلاقية الفعلية، حيث تتحد لحظة الفكرة (Idée) مع لحظة الرغبات والميولات الإنسانية. فالرغبات الفردية ليست موضع ذمّ أخلاقي، لكنها لا يمكن أن تكون أساس السياسة. السياسة العقلانية هي التي تنجح في تجاوز الطابع الانفعالي للمصالح الخاصة، دون إنكارها، ودمجها داخل المصلحة الكونية. عندئذ فقط يمكن القول إن العقل يحكم التاريخ.

    سبينوزا: من وهم السياسة الانفعالية إلى العقل العملي

    يقدّم سبينوزا، في كتابه  رسالة في السلطة السياسية ، تحليلًا يكمّل المنظور الهيغلي من زاوية واقعية صارمة. فهو ينطلق من رفض بناء السياسة على نموذج أخلاقي مثالي، ويؤكد أن الإنسان كائن تحكمه الانفعالات قبل أن يهتدي بالعقل. غير أن هذا الإقرار لا يعني، عند سبينوزا، شرعنة الحكم بالانفعالات، بل بالعكس: فضح وهم السياسة التي تنبني على العاطفة الآنية.

    يرى سبينوزا أن الخوف، رغم قدرته على فرض الطاعة، يظل أساسًا هشًّا للسلطة. والسياسة التي تُبنى على الخوف أو الحماس أو الكراهية تنتج استقرارًا زائفًا، لأنها لا تخلق مواطنين عقلانيين، بل رعايا منقادين. لذلك يؤكد أن غاية الدولة ليست استثمار الانفعالات السلبية، بل تنظيمها وتجاوزها عبر العقل، من خلال إنتاج الشعور بالأمن والاستقرار.

    العقل، هنا، لا يقضي على الانفعالات، لكنه يمنعها من التحول إلى أساس للحكم أو لاتخاذ القرار السياسي. فالدولة الحكيمة هي التي تمنع الانفعال الآني من أن يتحول إلى سياسة دائمة، وتجعل من التفكير الهادئ واستخلاص الدروس شرطًا لكل فعل سياسي.

    يلتقي هيغل وسبينوزا في نقدهما الضمني للسياسات التي تُبنى على ردود الفعل العاطفية. فالتاريخ يبيّن أن القرارات التي تُتخذ تحت ضغط الخوف أو الغضب أو الحماس غالبًا ما تكون قصيرة النظر، وتعيد إنتاج العنف بدل تجاوزه. ولهذا فإن استخلاص العبر من التاريخ يقتضي الارتقاء من مستوى الانفعال إلى مستوى العقل، ومن التفاعل الآني مع الحدث إلى فهم بنيته ومساره.

    إن التفكير التاريخي، بهذا المعنى، ليس تبريرًا للماضي ولا تمجيدًا له، بل فعل نقدي عقلاني يسمح بفهم كيف اشتغلت العواطف في سياق معين، ولماذا أدت إلى نتائج محددة، وما الشروط التي تجعل تجاوزها ممكنًا في الحاضر والمستقبل.

    يتضح، في ضوء هيغل وسبينوزا، أن العواطف والانفعالات تشكّل القوة المحركة للتاريخ والسياسة، لكنها لا يمكن أن تكون أساسًا للحكم أو لاستخلاص الخلاصات السياسية. فالتاريخ، في مراحله المختلفة، يعلّمنا أن الانفعال هو نقطة البداية، لا نقطة الوصول. أما العقل، فهو وحده القادر على تحويل التجربة التاريخية إلى وعي، والحدث إلى درس، والفعل إلى سياسة رشيدة. ومن ثم، فإن السياسة التي تتجاهل هذا الدرس، وتبني قراراتها على العواطف الآنية، تظل أسيرة التاريخ في ذاته، دون أن ترتقي إلى التاريخ من أجل ذاته، فضلًا عن أن تحقق المصالحة العقلانية التي تجعل التاريخ في ذاته ومن أجل ذاته.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الإيقاع الطبيعي للمراجعة: راحة قصيرة من أجل فعالية أكبر

    شدد الأخصائي النفسي أحمد الكرعاني، على أهمية احترام إيقاع الجسم والعقل أثناء المراجعة، معتبرا أن المراجعة الفعالة لا تعتمد فقط على كثافة ساعات الدراسة، بل على جودة التركيز ومدى التفاعل الذهني.

    وأوضح الأخصائي، لموقع “إحاطة.ما” أن الطالب لا يمكنه الحفاظ على نفس مستوى التركيز والفعالية طيلة ساعات متواصلة من المراجعة، مشيرا إلى أن الاستمرار في القراءة دون فترات راحة يفقد العقل قدرته على الاستيعاب، ويجعل الطالب يقرأ دون أن يقرأ فعلا.

    وقال في هذا الصدد: “ينبغي احترام إيقاع الدماغ. اقرأ قليلا، ثم ارتح قليلا. هذا التوازن بين الجهد والراحة يجعلك أكثر فعالية،…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أجهزة استخبارات أوروبية : « العقل الاستراتيجي » للدولة الجزائرية مشلول تماما

    يبدو أن الدبلوماسية الجزائرية ضاعت في دوامة الأزمات الجيوسياسية وسوء الفهم، مما تسبب في عزلة متزايدة على الساحة الدولية. وبحسب أجهزة الاستخبارات الأوروبية، فإن « العقل الاستراتيجي الجزائري »، المتجسد في الرئاسة، والأركان العامة للجيش، وأجهزة المخابرات (مديرية الأمن الوطني، والمديرية العامة للأمن الداخلي)، أصبح الآن مشلولا.

    وحسب جريدة « مغرب أنتلجنس » الإلكترونية، فإن الخلاف الأخير مع المغرب وإسبانيا وفرنسا والإمارات العربية المتحدة والنيجر ومالي هو دليل واضح على شلل « العقل الاستراتيجي » لدى نظام الكابرانات، الذي ارتكب سلسلة من الأخطاء الدبلوماسية…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الباحث المغربي حمادي أنوار يصدر كتاب:  »الدين بين العقل واللاعقل في فلسفة برغسون »

    أصدر الباحث المغربي المتخصص في الفلسفة حمادي أنوار تحت عنوان  » الدين بين العقل واللاعقل في فلسفة برغسون ». عن منشورات  »مؤسسة مؤمنون بلا حدود ».

    و يعالج هذا الكتاب سؤالا راهنا هو سؤال الدين بين الانفتاح والانغلاق، ويقدم تصورا يتعارض تماما مع شتى أشكال التعصب والتطرف، ويعمل على بيان روح التجربة الدينية في صفاءها ونقاءها بمنأى عن أي ادعاءات تبتغي تسويغ الدين عقليّاً أو تبريره منطقيّاً أو جعله تجربة معرفية.

    يكشف الكتاب عن وجه خفي لتجربة الإنسان الدينية، وهو الوجه الذي يلتقي فيه البعد الأُنطولوجي والروحي والإنساني. هذا هو تحديدا المقصود بلاعقلانية التجربة…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مصطفى العلواني.. ناقد سينمائي يجمع بين العقل النقدي والروح الفنية

    بوهيمي في عشقه للسينما، محب للأفلام التي يسعى – أحيانا – لتقمص أدوار فيها، متيم بعشق الفن السابع الذي يعتبر أن هواه وهوايته هو السبيل لنجاح المشتغل فيه.. ومن تجربة أكاديمية فسلفية واجتماعية ينطلق، للغوص في تفاصيل وأحداث العمل الفني الذي يسعى لإخضاعه لمبضع التشريح.. إنه الناقد السينمائي المحب للفن السابع « مصطفى العلواني» الذي اختار منظمو الدورة 16 للمهرجان الوطني لفيلم الهواة تكريمه في عاصمة الشاوية التي تحتضن على مدى أربعة أيام فعاليات مهرجان وصل إلى سن السادسة عشرة في الاحتفاء بعشاق الفن السابع من المخرجين الهواة.

    لم تمنعه الوعكة الصحية التي يمر…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الملحد » المصري في مواجهة « ظاهرة إلغاء العقل

    يتواصل الهجوم في مصر على فيلم « الملحد »، بطولة الفنان أحمد حاتم وتأليف الإعلامي إبراهيم عيسى، فيما يؤكد نقاد وصناع الفيلم أن ما يحدث محاولة لإلغاء العقل.

    وقالت الناقدة المصرية ماجدة خير الله في تصريحات خاصة لـ »RT »: إنه لا بد من مشاهدة الفيلم أولا قبل التعليق عليه خاصة أن الهجوم على الفيلم غير مبرر وهو نوع من الجدل.

    وتابعت في تصريحاتها: هناك من يريد إثارة الجدل فقط ويردد الحديث دون مشاهدة العمل، فنحن نشاهد من حين لآخر تلك الظاهرة وهذا إلغاء للعقل ».

    googletag.cmd.push(function() { googletag.display(‘div-gpt-ad-1667386526530-0’); });

    إقرأ الخبر من مصدره

  • طرق التخلص من الأفكار السلبية في العقل الباطن وفق مستشارة إرشادية

    القاهرة – المغرب اليوم

    العقل هو أقوى أداة لديك وتحت تصرفك. بمجرد أن تفهمي ما يجب أن تفعلي، وتتحكمي بتصرفاتك، يصبح من السهل استخدام هذه الأداة القوية لتحقيق مُرادكِ. ولكن قبل الدخول في التفاصيل الجوهرية للتحكم في العقل، عليكِ فهم أنه لا يجب إفساد التوازن الدقيق للعقل. لذلك، إذا كنتِ تريدين معرفة كيفية التحكم في عقلك والتخلص من الأفكار الوسواسيه غير المرغوب فيها، تُطلعك فرح الحرّ، مستشارة إرشادية ومدرّبة، في حديثها لـ«سيدتي» على ماهية أنماط التفكير السلبية، من أين تنبع؟ وكيف تؤثر على الفرد، وطرق علاجها أو التخلص منها.

    بدايةً، تشرح الحرّ التشوّهات…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الدكتور مراد الزوين يفكك أزمة العقل السياسي العربي في إصدار جديد

    يواصل الدكتور مراد الزوين الباحث في الفكر السياسي المعاصر اهتمامه وانشغاله بقضايا الفكر العربي المعاصر ليقف هذ ه المرة في إصداره الجديد على ازمة العقل السياسي العربي على ضوء قراءات في الفكر السياسي العاصر، وقد صدر هذ ا العمل عن منشورات مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية -مدى- 2023.

    ويأتي هذا الاصدار الجديد في سياق أن التفكير في خلفيات الاسئلة التي طرحت على المفكرين العرب منذ أكثر من قرن ونصف تجعلنا أمام صعوبة تحديد الشروط والعوامل المؤدية إلى الآليات التي تبنى علي ها الدولة الحديثة عندهم، لأن الشرط يسبق الآلية.

    فالمفاهيم المصاحبة لم تكن غريبة في عملية…

    إقرأ الخبر من مصدره