

خالد فاتيحي
كشفت الحكومة عن خطة تعقب تحايل عدد من المنعشين العقاريين، في سياق دهودها لتضييق الخناق على ظاهرة “النوار”.وأكدت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، أن الوزارة ومن خلالها المديرية العامة للضرائب، واعية بخطورة ظاهرة الاحتيال عن طريق (النوار)، نظرا إلى انعكاسها السلبي وضررها على الاقتصاد الوطني، مسجلة المديرية العامة للضرائب تضع ضمن أولوياتها محاربة هذه الآفة، ويتجلى ذلك من خلال التنصيص على المقتضيات الجبائية التي تروم مضاعفة الجهود للحد من التهرب الضريبي بصفة عامة ومحاربة ظاهرة “النوار” بصفة خاصة.
وفي معرض جوابها على سؤال برلماني، حول “تحايلات بعض المنعشين العقاريين على تدابير دعم السكن”، شددت نادية فتاح، أنه تم تعزيز الترسانة القانونية المؤطرة لحق الادارة في المراقبة من خلال تعميم نظام التصريح الرقمي، وذلك منذ سنة 2017 ، الشيء الذي ترتب عنه أثر إيجابي تمثل في تسهيل تحليل التصاريح الضريبية المودعة وتتبع سلوك جميع الملزمين الذين يشوب النقصان إقراراتهم الضريبية.
التحصيل الضريبي
وكشفت المسؤولة الحكومية، أن الحصيلة الرقمية للمراقبة الخاصة بالمنعشين العقاريين المستفيدين من الاتفاقية، “إيجابية” باعتبار عدد الملفات المبرمجة للفحص من جهة وكذا باعتبار حصيلة الإيرادات من جهة أخرى.وفيما يخص حصيلة الملفات المتعلقة بمراقبة المنعشين العقاريين الذين يباشرون عملياتهم في إطار اتفاقية مبرمة مع الدولة، أعلنت الوزيرة أن عدد الملفات المبرمجة للفحص، بلغت 739 ملفا في الفترة الزمنية الممتدة ما بين 2020 و 2023 موزعة كالتالي : 331 فحص ميداني و 408 فحص مكتبي، اذ أن عدد الملفات المبرمجة للمراقبة في إطار الفحص الميداني تضاعف خمس مرات خلال نفس الفترة الزمنية من 23 ملف سنة 2020 الى 116 ملف سنة 2023).
وبالرجوع الى حصيلة الإيرادات المتعلقة بمراقبة المنعشين العقاريين الذين يباشرون عملياتهم في إطار اتفاقية مبرمة مع الدولة، فقد بلغت الإيرادات الناتجة عن برامج فحص المنعشين العقاريين ما مجموعه 1020,46 مليون درهم خلال الفترة الزمنية الممتدة ما بين 2020 و 2023 موزعة كالتالي: 466,87 مليون درهم ناتجة عن الفحص الميداني و 553,59 مليون درهم ناتجة عن الفحص المكتبي، اذ أن حصيلة الإيرادات في إطار الفحص الميداني المتعلقة بمراقبة هذه الفئة من المنعشين العقاريين قد تضاعفت ثلاث مرات خلال نفس الفترة الزمنية من 60,5 مليون درهم سنة 2020 ُلى و 190,57 مليون درهم سنة 2023.
وحسب وزيرة الاقتصاد والمالية، فإن تطور عائدات الحصيلة الضريبية الخاصة بالمنعشين العقارين الذين يباشرون عملياتهم في إطار اتفاقية مبرمة مع الدولة، في الفترة الممتدة ما بين 2020 و 2023 بالتوازي مع تطور الحصيلة الرقمية، يعكس حرص الإدارة العامة للضرائب على التعامل بنجاعة اقتصادية وعدالة جبائيه مع اقراراتهم الضريبية ورصد تلك التي يشوبها النقصان، مسجلة أن مصالح وزارة الاقتصاد والمالية لا تذخر جهدا من أجل محاربة ظاهرة التهرب الضريبي، وفق ما يخوله لها المشرع المغربي، ضمانا لعدالة جبائية بين الفاعلين الاقتصاديين.
زجر المخالفين
وذكرت المسؤولة الحكومية، بالإجراءات التشريعية والتدبيرية التي قامت بها المديرية العامة للضرائب من أجل زجر المخالفين ومحاربة ظاهرة التهرب الضريبي بصفة عامة.حيث همت التدابير التحفيزية المتخذة لفائدة مقتني السكن الاجتماعي بتمتيع مقتني السكن الاجتماعي المخصص للسكن الرئيسي بإعانة مباشرة من طرف الدولة على شكل إرجاع الضريبة على القيمة المضافة المتعلقة بذوي السكن طبقا للمادة 2-1-28 من المدونة العامة للضرائب، وذلك بغرض استهداف أمثل للأشخاص المعنيين بالامتيازات الضريبية وتأطير عمليات الاقتناء.
وأوضحت أنه تم ربط الإعانة بشروط من بينها، تخصيص السكن الاجتماعي للسكن الرئيسي لمدة أربع (4) سنوات، وتقديم رهن رسمي لفائدة الدولة، ضمانا لاسترجاع مبلغ الضريبة على القيمة المضافة المؤدى للمقتني من طرف الدولة وكذا الذعائر والغرامات التي قد تترتب في حالة عدم تخصيص السكن للسكن الرئيسي، طبقا للمادة -93-1- من المدونة العامة للضرائب.
كما همت التدابير التحفيزية المتخذة لفائدة المنعشين العقاريين طبقا للمادة 247-XVI من المدونة العامة للضرائب، أشخاصا معنويين أو ذاتيين خاضعين لنظام النتيجة الصافية الحقيقية فيما يخص جميع عقودهم وأنشطتهم وكذا الدخول المتعلقة بإنجاز المساكن الاجتماعية من “الإعفاء من الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل وواجبات التسجيل والتمبر والضرائب والرسوم المستحقة لفائدة الجماعات المحلية ورسوم التقييد في سجلات المحافظة العقارية”.
ويستفيد من هذا الإعفاء المنعشون العقاريون الذين يباشرون عملياتهم في إطار اتفاقية مبرمة مع الدولة ومشفوعة بدفتر التحملات، يكون الغرض منها إنجاز برنامج بناء ما لا يقل عن خمسمائة (500) سكن اجتماعي، موزع على مدة أقصاها خمس (5) سنوات تبتدئ من تاريخ تسليم أول رخصة للبناء.
وشددت وزيرة المالية، على أن المشرع المغربي ، حرص على تقييد هذا الاعفاء بمجموعة من الالتزامات و الشروط التي تعزز ترسانة الإدارة الضريبية للقيام بمهامها ومراقبة التجاوزات بطريقة ناجعة و فعالة، مشيرة في السياق نفسه، إلى الاعتماد على نظام تحليل المخاطر وتحيين مستوى قاعدة البيانات، عبر تحليل معطيات بنك المعلومات التابعة للتسجيل وإقرارات الأرباح العقارية باستخدام البيانات الواردة من شركاء المديرية العامة للضرائب ونذكر من بينها الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح الخرائطي
وأكدت المسؤولة الحكومية، أنه في حالة ثبوت حالة الغش عن طريق ما يسمى “النوار” فإن قانون المالية برسم سنة 2024 نص طبقا للمادة 216 من المدونة العامة للضرائب على إجراءات جديدة تروم توطيد تدابير لمواجهة التهرب الضريبي حيث يتم فحص الوضعية الضريبية الشخص ذاتي عن طريق تقييم إجمالي الدخل السنوي. مع الأخذ بعين الاعتبار لموجودات النقدية المودعة في حساباته البنكية او الحسابات البنكية لكل شخص اخر تربطه به صلة عندما يكون الشخص الذاتي المذكور هو المستفيد الفعلي من هذه الحسابات”.
مروان حميدي
يعيش العديد من المغاربة، خاصة من الطبقة الوسطى والهشة، “مأساة” حقيقية تتمثل في صعوبة توفير سكن لائق. فبين أحلام تملك منزل يأوي الأسرة وبين واقع مالي قاسٍ، يتخبط الكثيرون، خاصة في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة وتحديات فرضتها جائحة كورونا، هذا الواقع المرير يزداد تعقيداً بسبب ظاهرة “النوار” المستشرية في سوق العقار، مما يزيد من اختلال التوازن ويحرم الكثيرين من حقهم في السكن.
ظاهرة “النوار” هي ممارسة غير قانونية وتمثل نوعاً من التهرب الضريبي يقوم بها بعض المنعشين العقاريين، مستغلين حاجة المواطنين للمسكن، حيث يطلبون من المشترين دفع مبالغ مالية إضافية غير مدرجة في العقد الرسمي. وبهذه الحيلة، يتحايلون على القوانين الضريبية ويحققون أرباحاً غير مشروعة.
حتى في مشاريع السكن الاجتماعي، التي تحدد الدولة سعرها بـ250 ألف درهم، يلجأ بعضهم إلى هذه الممارسات، مستغلين حاجة المواطنين للسكن. ولتبرير هذه المبالغ الإضافية، يلجأون إلى حيل مختلفة، مثل ادعاء وجود “تكاليف إصلاح إضافية”، رغم أن السكن يكون جديداً.
وحسب الخبراء فإن هذه الظاهرة تؤثر سلباً على الاقتصاد الوطني، حيث تفوت على خزينة الدولة مداخيل ضريبية مهمة، كما أنها تخلق نوعاً من التفاوت بين المواطنين، حيث يستطيع البعض دفع هذه المبالغ الإضافية، بينما يعجز آخرون عن ذلك. ناهيك عن ذلك فإن هذه الممارسات تزيد من تكلفة السكن، مما يجعل حلم تملك منزل بعيد المنال بالنسبة للكثيرين، خاصة الشباب والأسر ذات الدخل المحدود.
في هذا السياق أكد المحلل الاقتصادي، إدريس الفينة، أن ظاهرة “النوار” منتشرة ليس فقط في سوق العقارات المغربي، بل أيضًا في العديد من الدول، بما في ذلك الدول المتقدمة، موضحا أنها ناتجة عن الضغط الضريبي الذي يواجهه قطاع العقارات، بالإضافة إلى رغبة العديد من المنعشين العقاريين في تحقيق هوامش ربحية أكبر والتهرب الضريبي.
وفي محاولة لمكافحة هذه الظاهرة، قامت إدارة الضرائب بإنشاء سجل يمكن الرجوع إليه خلال عمليات البيع والشراء المتعلقة بالعقارات، لكن الفينة يشير إلى أن هذه الخطوة لم تقلل من الظاهرة بل ازدادت سوءًا.
ويرى المتحدث أن برنامج الدعم الحكومي المباشر قد يساهم في الحد من هذه الظاهرة، فمن خلال حصول المواطن على الدعم، سيتمكن من البحث عن منعش عقاري لا يفرض عليه التعامل بـ”النوار”، مما سيساهم بشكل غير مباشر في تقليل انتشار هذه الظاهرة.
وأضاف المختص أن الأسر التي تبحث عن شراء العقارات تعتمد على العقلانية وتبحث عن الجودة والموقع الجيدين، وتسعى للعثور على منعشين عقاريين لا يتعاملون بهذه الطريقة، إلا أن هذا التوجه يصطدم بالعديد من التحديات، خاصة في ظل وجود حالات خاصة تضطر للتعامل بـ”النوار” للحصول على شقة ذات جودة عالية وموقع استراتيجي.
ويختتم الفينة بالقول إن القضاء على هذه الظاهرة بشكل كامل يعد أمرًا صعبًا، ومع ذلك، فإن إدارة الضرائب تتيح لمن دفع “النوار” تقديم شكوى لتصحيح السعر ومواجهة المنعش العقاري، لكنه يلفت إلى أن هذا الإجراء نادرًا ما يُستخدم من قبل الأسر.
يذكر أن مجلس المنافسة، أكد في تقرير سابق، أن السياسة الحكومية القائمة على تقديم إعانات مالية وضريبية ضخمة للقطاع العقاري لم تحقق الأهداف المنشودة، وعلى الرغم من حصول هذا القطاع على ما يقرب من 50 إجراءً ضريبياً محفزاً خلال الثلاثين سنة الماضية.
وأضاف التقرير أن أسعار العقارات واصلت ارتفاعها بمعدلات مرتفعة تتراوح بين 10% و25% سنوياً، وبدلاً من أن تساهم هذه الإعانات في تخفيف الأعباء على المواطنين، فإنها زادت من أرباح الشركات العقارية، التي حققت هوامش ربح مرتفعة جداً تتراوح بين 30% و100%، مقارنة بدول أخرى في المنطقة لا تتجاوز فيها هذه الهوامش 6% إلى 1%، ما يدل على أن هذه الإعانات لم تفِ بوعودها ولم تساهم في توفير سكن بأسعار معقولة للمواطنين.