Étiquette : تمر

  • أبناك ترفض تمويل مشاريع “فرصة” والوزيرة عمور عاجزة عن إيجاد الحلول

    لا يزال الجدل يرافق مشروع فرصة، خاصة مع استمرار رفض المؤسسات المالية من أبناك ومؤسسات القروض الصغرى تمويله، بحسب مصدر مُطلع لـ”الأيام 24″؛ مما يجعل وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، حاليا مُستمرة في البحث عن جهة لتمويل المشروع، وذلك خلافا لما تم الكشف عنه، في وقت سابق، من طرف الوزارة، أن برنامج تشجيع العمل المقاولاتي يسير على ما يرام.

     

    وكانت الوزارة، قد قالت بداية الشهر المنصرم، عقب الاجتماعات المنعقدة في عدة جهات للجان التمويل، بأنها تمكنت من تحديد أولى مجموعات حاملي المشاريع الممولة وكذا مبالغ قروض الشرف الممنوحة، فضلا على أنه سيشهد هذا الأسبوع تعميم لجان التمويل في مختلف جهات المملكة، مع تسارع في إيقاع المصادقة على التمويلات لفائدة حاملي المشاريع، ممن استكملوا مرحلة التكوين الإلكتروني، وممن حظوا بالمواكبة من قبل المحتضنين؛ غير أن مصدر لـ”الأيام 24″، أكد أن برنامج “فرصة” دخل مرحلة “بلوكاج” مالي، حيث إنه حاليا لا أحد من المستفيدين في كامل المغرب وصل إلى مرحلة التمويل”.

     

    أسباب البلوكاج المالي لـ”فرصة”

    تم رفض تمويل مشاريع الشباب المستوفين لشروط الانتقاء، والمستفيدين من التكوين الافتراضي، لجُملة من الأسباب وصفها مصدر “الأيام 24″ بـ”الفشل السابق لمشروع انطلاقة، الذي تم بقيمة 2 في المائة، فضلا على أن عدد من المستفيدين من “انطلاقة” لم يُسددوا ديونهم، والمؤسسات المالية وجدت نفسها بين غياب حقها في مُتابعة الشباب، لأنهم تحت ضمانة الدولة المغربية، وبالتالي أصبحت ترفض التمويل”.

     

    وفي هذا السياق، وجّه عبد الله العمري، نائب برلماني عن فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، سؤالا كتابيا، لوزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني فاطمة الزهراء عمور، حول مواكبة وتتبع تنزيل برنامج “فرصة” بإقليم الراشيدية، داعيا إلى ضرورة “الكشف عن الإجراءات والتدابير المتخذة لمواكبة برنامج فرصة وتتبع إنجازه والرفع من مؤشرات نجاعته بإقليم الراشيدية”؛ غير أن مدينة الراشدية ليست الوحيدة المعنية بضرورة “الكشف عن مستجدات سير برنامج فرصة”.

     

    من جهتها، قالت فاطمة الزهراء عمور، وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، خلال لقاء صحفي، نهاية الأسبوع المُنصرم، إنه “حتى الآن، أكمل أكثر من 6500 من حاملي المشاريع تكوينهم على منصة التعلم الإلكتروني “أكاديمية فرصة”.

     

     

    “يتم مواكبة أكثر من 4000 من حاملي المشاريع من قبل حاضنات الأعمال، لا سيما لإعداد ملفات التمويل الخاصة بهم. تم البدء في عملية التمويل وتعميمها على جميع جهات المملكة، ستشهد الأسابيع المقبلة تسريع عملية تمويل المشاريع من قبل المؤسسات المالية، للوصول إلى هدف 5 آلاف مشروع ممول في أكتوبر، و10 آلاف مشروع قبل نهاية عام 2022” أضافت الوزيرة، مركّزة حديثها على مستوى التكوين، لكنها لم تتحدث عن أي انطلاقة لتمويل مشاريع الشباب، حيث إنها بحسب مصدر “الأيام 24” لا تزال في عملية البحث عن نقط التوافق مع المؤسسات المالية من أجل الموافقة على تمويل مشاريع الشباب المُنتقاة.

     

    وأفاد بلاغ لوزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، أن الأسابيع المقبلة ستعرف نوعا من التسريع في وثيرة تقديم التمويل، للوصول لنتيجة تمويل حوالي 10 آلاف مشروع قبل نهاية السنة الجارية، مبرزا أن مرحلة انتقاء الملفات وكل ما تمر منه هذه العملية، شارفت على الانتهاء، وسيتم بعدها البدء الفعلي في مواكبة وتمويل المشاريع في الأشهر المقبلة.

     

    وتجدر الإشارة، أن الوزارة، كانت قد ذكرت بأن النسخة الأولى من البرنامج تهدف إلى تمويل 10 آلاف مشروع على الأقل برسم سنة 2022، مبرزة أن دراسة طلبات التمويل الأولى توقفت عند تمايز الحاجة إلى مبالغ التمويل حسب المشاريع، وهو ما قد يمكن من تجاوز سقف 10 آلاف مشروع “إذا سمح الغلاف المالي بذلك”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رسالة إلى نخبة المجتمع التونسي…قيس سعيد لا يعرف مصلحة بلاده

    سعيد الغماز

    على مر التاريخ، اتسمت العلاقات المغربية التونسية بالتعاون الوطيد والتقارب الكبير في مجالات كثيرة. وطيلة تعاملهما منذ الاستقلال، لم تشهد تلك العلاقات أي توتر أو خلاف قد يرقى إلى مستوى الصراع الديبلوماسي. هذا التاريخ في العلاقات بين الدولتين الشقيقتين، جعل المغرب يتَفهَّم موقف الجارة تونس من قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية، والذي تُعبِّر عنه الدولة التونسية بالحياد الإيجابي. ظل المغرب مُتفهِّما لهذا الموقف التونسي ولم يستغل علاقاته مع هذا البلد الجار للضغط عليه أو ابتزازه ليُخرجه عن الحياد الإيجابي.

    بل أكثر من ذلك، قام العاهل المغربي بزيارة للشقيقة تونس في عز الهجمات الإرهابية التي تعرَّضَت لها، وتجوَّل في شوارعها، واستقبله التونسيون بالأحضان تقديرا منهم لدعم الملك لتونس وتشجيعه للسياحة في هذا البلد الشقيق. وفي عز الأزمة الصحية التي ضربت العالم، قام المغرب بدعم تونس في مواجهة هذه الأزمة وأرسل مستشفيات ميدانية متخصصة في معالجة وباء كورونا. يحدث هذا وموقف الدولة التونسية هو الحياد الإيجابي من قضية وحدتنا الترابية، ولم يقم المغرب باستغلال تلك المساعدات من أجل ابتزاز الجارة تونس لإخراجها من حيادها الإيجابي. بل كانت زيارة ملك المغرب والمساعدات التي أرسلها،  تندرج بكل مسؤولية في إطار مساعدة جار شقيق تجمعنا معه وحدة المغرب العربي وينتمي معنا لجامعة الدول العربية ويجلس معنا في منظمة الاتحاد الإفريقي، إضافة إلى الروابط التاريخية والدينية واللغوية التي تجمع الشعبين.

    الآن تشهد العلاقات المغربية التونسية توثرا غير مسبوق، وأزمة ديبلوماسية مفتوحة على جميع الاحتمالات. قبل أسابيع من هذه الأزمة، لم يكن أحد يتصور، لا في تونس ولا في المغرب، أن تصل العلاقات بين البلدين من السوء ما وصلت إليه الآن. فماذا حدث؟

    الأزمة لم تحدث نتيجة تدخل المغرب في الشؤون الداخلية لتونس، والتوانسة يعرفون جيدا أن المملكة المغربية في سياستها الخارجية بعيدة كل البعد عن هذه السلوكيات. ولم تحدث هذه الأزمة نتيجة ابتزاز المغرب للشقيقة تونس، من أجل تغيير موقفها من قضية وحدتنا الترابية. ويعرف التوانسة جيدا أن هذا لن يحدث أبدا، لأن المغرب ليس في حاجة لتغيير تونس لموقفها، وذلك لسبب بسيط هو أن المملكة المغربية تنعم بوحدتها الترابية وأقاليمها الجنوبية يزورها المواطنون المغاربة وسكان العالم قاطبة سواء عبر البر أو البحر أو الجو.

    لكن….حدثت الأزمة بعد استقبال الرئيس التونسي قيس سعيد لزعيم الانفصاليين. وهذا الاستقبال لم يكن عاديا، بل كان  يضاهي استقبال رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة. وهنا مربط الفرس؟؟؟ فبعيدا عن تبريرات بعض النخب التونسية التي اعتبرت البوليساريو عضوا في المنظمة الافريقية، رغم أن المذكرة الصادرة عن اليابان بتاريخ 19 غشت واضحة في هذا الخصوص، فإن استقبال الرئيس التونسي لزعيم منظمة انفصالية تحمل السلاح ضد دولة شقيقة لتونس، هو أمر مرفوض بكل المقاييس الكونية.

    إذا كانت النخب التونسية تريد أن تنظر للمشكل بمنظار الحقيقة، فإن ما جاء في المذكرة اليابانية واضح ولا غبار عليه وهو يورط قيس سعيد بكل وضوح. جاء في هذه المذكرة أن الدعوة تكون من قبل رئيس وزراء اليابان والرئيس التونسي، وتخص الدعوة الدول الإفريقية وليس أعضاء منظمة الاتحاد الإفريقي. والنخب التونسية تعرف جيدا أن جبهة البوليساريو ليست دولة وإنما هي منظمة انفصالية مستقرة في الأراضي الجزائرية وتحتجز العديد من الصحراويين في تندوف الجزائرية، ومعظم قادتها يقطنون في العاصمة الجزائر. فلماذا إذا هذا الاستقبال لزعيم منظمة انفصالية من قبل رئيس دولة شقيقة للمغرب وكأنه يستقبل دولة عضوا في الأمم المتحدة؟

    تونس تنفي أن تكون وراء دعوة زعيم الاتفصاليين، وأن الدعوة وُجِّهت له من قبل منظمة الاتحاد الإفريقي. وتعرف النخبة التونسية جيدا أن هذه الدعوة ورائها الجزائر وجنوب إفريقيا. ولنفترض أن هذا كله صحيح، رغم أن المذكرة اليابانية تكذبه، لماذا لا يستقبل وزير الخارجية التونسية أو أي عضو حكومي زعيم منظمة انفصالية لا يمثل دولة تعترف بها الأمم المتحدة؟ ما الذي جعل الرئيس قيس سعيد يقوم بالانتقاص من قيمته كرئيس دولة ويستقبل زعيم منظمة انفصالية طردتها العديد من الدول الافريقية من أراضيها بعد أن اعترفت بها حين كانت ليبيا القذافي وجزائر بومدين تصرف مليارات الغاز والبيترول لتقسيم أراضي المملكة المغربية؟

    تقول بعض النخب التونسية إن المغرب يجلس في منظمة الاتحاد الافريقي إلى جانب المنظمة الإنفصالية، فلماذا يعيب المغرب على قيس سعيد استقبال زعيم هذه المنظمة؟… ألا تعرف النخب التونسية ما عاناه المغرب من المليارات التي كانت تصرفها ليبيا القذافي وجزائر بومدين لشراء دعم الدول الإفريقية التي كانت حينئذ عرضة للانقلابات العسكرية؟ هذه المليارات من ثروات الشعبين الجزائري والليبي هي التي أدخلت المنظمة الانفصالية إلى ما كان يعرف سابقا بمنظمة الوحدة الافريقية. والأكثر من ذلك، ألا تعرف النخبة التونسية أن ثروات البترول الليبي والغاز الجزائري جعلت المنظمة الانفصالية أكثر تسلحا وكان بمقدورها الوصول إلى عمق التراب المغربي وقتل الأبرياء من المدنيين، وهو الأمر الذي يجعل المغاربة لا يمكن أن يسكتوا عن سقطة قيس سعيد.

    رغم تحامل ليبيا القذافي وجزائر بومدين، ورغم رصد ثرواتهم البيترولية لمعاكسة المغرب في وحدته الترابية، فإن المغرب شمَّر عن سواعده، واستعان بإمكاناته الذاتية من أجل بناء مغرب حديث، قوي ومتطلع للمستقبل. والنتيجة هو أن المغرب يعيش مع صحرائه بسلام ووئام. والمنظمة الانفصالية تم طردها للأراضي الجزائرية ولا تستطيع، لا هي ولا الجيش الجزائري الاقتراب ولم سنتمترا واحدا من الحدود المغربية.

    هنا يجب على النخبة التونسية أن تطرح الأسئلة التالية على النخب الجزائرية: أين تبخرت تلك الملايير من أموال الشعب الجزائري التي صُرفت على الحرب ضد وحدة المملكة المغربية؟ صُرفت الملايير على جبهة البوليساريو، وتم تجهيزها بمختلف الأسلحة التي كانت سببا في وفات الكثر من المغاربة، والنتيجة هي أن المنظمة الإنفصالية معزولة في الأراضي الجزائرية، والصحراء المغربية تنعم بالاستقرار والسلام. فهل هذا العبث بأموال الشعب الجزائري ترتضيه النخب الجزائرية؟…

    ألم يكن بالإمكان أن تكون الجزائر هي “دبي شمال إفريقيا” لو صُرفت تلك الأموال على تنمية البلاد وخدمة مصالح الشعب الجزائري؟ وأخيرا، لو حدث هذا، ألم يكن وضع المغرب العربي أفضل حالا مما هو عليه الآن؟… وهو ما كان سيساعد الشقيقة تونس في أزمتها الحالية، لأن الوضع الجيوستراتيجي سيكون ملائما لتَخرُج تونس من أزمتها الاقتصادية دون الخضوع لرغبات دولة تمتهن شراء المواقف، وهو ما تحدث عنه مسؤول سابق تعرفه النخب التونسية جيدا.

    على هذا الأساس يجب على النخب التونسية أن تعرف أن بلادهم ضحية ما تقوم به الجزائر من زرع التوترات في المنطقة. فلو تصرف النظام الجزائري في ثروات شعبه كما فعلت دولة الإمارات التي تزخر بنفس ثروات الجزائر، لكانت تونس بجوار “دبي شمال إفريقيا” لتستفيد من محيطها، وليس بجوار جزائر تبتزها من أجل موقف أو عمل يسيء لتونس قبل المغرب.

    والسؤال الكبير والمثير والمحير هو أن الهم الأكبر الذي كان على رئيس تونس الاهتمام به هو توفير سُبل نجاح قمة استثمارية، بلاده في حاجة ماسة لإنجاحها في ظل ظروف اقتصادية صعبة تمر منها تونس الشقيقة؟

    كيف بالرئيس التونسي أن يضحي بمصلحة بلاده ويغامر بإفشال قمة تُعوِّل عليها تونس كثيرا، ومن أجل ماذا؟…. من أجل منظمة مستقرة في الأراضي الجزائرية؟

    أترك للنخبة التونسية البحث عن الأجوبة الموضوعية لهذه الأسئلة الحارقة، وأكتفي بالقول إن هناك احتمالين اثنين فقط لتصرف قيس سعيد: الاحتمال الأول هو أن الرجل لم يُقدِّر خطورة الموقف، وهذا يجعل تونس في يد رجل تنقصه الحنكة السياسية والفطنة الديبلوماسية وسيغرق تونس في مشاكل هي في غنى عنها. والاحتمال الثاني هو ضعف الرجل أمام النظام الجزائري الذي قايضه بقرض 300 مليون يورو وفَتْحِ الحدود بين البلدين، علما أن الرئيس فقد دعما أمريكيا بقيمة 500 مليون دولار نتيجة تصرفاته الغير موزونة. هذا الاحتمال الثاني له ما يبرره بشكل واضح: أولا استغلال النظام الجزائري لحدث استقبال قيس سعيد لزعيم الانفصاليين كرئيس دولة، واعتباره نصرا جزائريا على المغرب في ظل صمت رهيب من الرئيس التونسي. ثانيا خروج بعض النخب التونسية في وسائل إعلام دولية للدفاع عن موقف رئيسهم، وهذا من حقهم بطبيعة الحال. لكن هؤلاء، عوض أن يُعبِّروا عن موقف التوانسة الذي صمد لعقود، راحوا يرددون الموقف الجزائري بمصطلحاته ومضامينه، حتى أن بعض المدعوين من المغرب اختلط عليهم الأمر هل المحاور تونسي أم جزائري؟ الموقف الجزائري نعرفه كمغاربة جيدا، لكننا نريد أن نسمع موقف النخبة التونسية.

    في الختام أقول إن النخب التونسية يجب أن تتحلى بالموضوعية وتتحمل المسؤولية التاريخية اتجاه موقف الرئيس التونسي لأن خلفياته واضحة كما أسلفنا. ومصلحة تونس تكمن في العمل على إحياء وحدة المغرب العربي وحماية الوحدة الترابية لكل أعضائه من إذكاء الصراعات في رقعة جغرافية تعرف ما يكفيها من المشاكل ستكون تونس أول ضحاياها.

    يجب على النخب التونسية أن تعرف أن ما قام به الرئيس قيس سعيد لم يطعن بلدا شقيقا في الظهر، وإنما هو أساء لكل مواطن مغربي، واستفز جميع الأسر المغربية. على النخب التونسية أن تعرف أن قيس سعيد استقبل زعيم منظمة تحمل السلاح ضد بلد شقيق لتونس، وأن الكثير من العائلات المغربية قُتل أحد أفرادها على يد تلك العصابة الانفصالية. على النخب التونسية أن تعرف كذلك أن هذه العصابة حين كانت مدعومة بمال الغاز والبيترول وأسلحة ليبيا القذافي وجزائر بومدين، قدَّم المغاربة الكثير من التضحيات ولا زلنا نتذكر اختطاف حافلة مدنية في عمق التراب المغربي من قبل هذه العصابة وتصفيتهم بدم بارد. لذلك عليهم تفهم ردة فعل المغاربة قاطبة اتجاه أراضٍ جنوبيةٍ لا يمكن تصور المغرب دون تلك المناطق الصحراوية. على النخب التونسية أن تعرف كذلك أن هذه الأراضي هي مسألة حياة أو موت بالنسبة لكل مغربي. كما أن الواقع تغيَّر بسواعد المغاربة وتضحياتهم في ظل المملكة المغربية. الزعيم الانفصالي الذي استقبله قيس سعيد لا تستطيع الآن قواته المرابطة في الأراضي الجزائرية، أن تقترب ولو سنتميترات من الجدار الأمني المغربي. لقد تغيرت المعادلة ولم تعد تُجدي أموال الغاز الجزائري في دعم الانفصاليين بعد انسحاب ليبيا الشقيقة من هذا الصراع. الجزائر تعرف جيدا هذه الحقائق، لذلك التجأت للرئيس قيس سعيد ليقوم بتلك السقطة الخطيرة، ويوظفها النظام الجزائري للتغطية على الحقائق في الميدان.

    على النخب التونسية أن تقوم بدورها الذي يصب في مصلحة بلدها، وأن تقدم النصيحة لرئيس تُعوزه الحنكة السياسية والفطنة الديبلوماسية لمعرفة أين تكمن مصلحة بلاده. مصلحة تونس تكمن في مغرب عربي موحد يضع مسألة التنمية في أولوياته، وهو ما حقق فيه المغرب الشيء الكثير بل وتفوق في هذا الخصوص على جميع بلدان شمال إفريقيا. عكس هذا التوجه، يجب أن تعرف تلك النخب التونسية أن المتضرر الأول في دوام هذه الأزمة هي تونس. أما المغرب فقد حقق وحدته الترابية على أرض الواقع، وأن من استقبله الرئيس التونسي ليس رئيس دولة وإنما هو يحتجز مجموعة من إخواننا الصحراويين في أرض جزائرية ويقطن هو في العاصمة الجزائر.

    المغاربة قاطبة يتفهمون، كما الدولة المغربية، الموقف التونسي القائم على أساس الحياد الإيجابي. ويجب أن تظل تونس على هذا الموقف الذي يتناسب مع وضعها الاقتصادي. وهو موقف سيجعلها قادرة على لعب دور محوري من أجل وحدة المغرب العربي الذي يُعتبر الإطار الأسلم لخدمة مصالح الشعوب المغاربية. أما السقوط في الموقف الجزائري، فهذا يضر بتونس أولا ويضر بمصلحة الدول المغاربية ثانية بما فيهم المغرب والجزائر.لقد ظل المغرب يعبر عن يده الممدودة للشقيقة الجزائر من أجل إحياء المغرب العربي الذي ستكون تونس أول المستفيدين منه، لذلك عليها أن تكون دولة الجمع وليس دولة التفرقة. أما السقوط في ضغوطات النظام الجزائري فهذا سيُعمِّق أزمة تونس وستبقى سقطة قيس سعيد وصمة عار في جينه إن لم يتدارك الأمر، وسيأتي يوم يُحاسِبُه عليها التوانسة الأشقاء. والتاريخ كشاف لمثل تلك السقطات.

    إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سفراء المولى اسماعـيل إلى انـجلـترا.. السفير محمد بن حـدو الـعـطـار (2)

    بريس تطوان

    وصـف مأدبـة العـشـاء والحـفـل الرسمي:

    ويدقق الكاتب ايفلين في وصف حفل العشاء الذي أقامته خليلة الملك شارل الثاني في مذكراته ليوم 24 يناير 1682 (( لقد كنت في هذا المساء صحبة السفير المغربي في القاعة الفاخرة في ( بورسموث) حيث أقيمت مأدبة على شرفه، قدمت فيها الحلويات وعزفت الموسيقى.

    وقد كان سلوك السفير وحاشيته في أعلى درجات الإعتدال والإنضباط، وقد اقتضى نظام التشريفات أن يرتب الجلوس أمام المائدة الطويلة على شكل بحيث تجلس سيدة بين كل اثنين من أعضاء البعثة. وقد كان من بين الحاضرين في هذه  المأدبة أبناء الملك غير الشرعيين، وأقصد هنا يقول ايفلين – ليدي ليشفليد وساسيكس ودوقة بورسموث نلي وغير هؤلاء من المحظيات … وكن جميعا يتألقن بما يتزين به من جواهر وبما يمتزن به من روعة مظهرهن، بيد أن المغاربة انتباها للآثاث لم يبد عليهم أنهم تأثروا بأي شيء مما رأوا كما أنهم لم يعيروا انتباها للآثاث وما  إليه .. وقد انصرفوا لتذوق ما على المائدة، ولكن في أدب واحتشام، وتناولوا قليلا من الحليب والماء، ولكنهم لم يتناولوا قطرة من النبيذ، واكتفوا بتناول العصير والشكلاط، كانوا يغضون من أبصارهم فلا يحدقون في السيدات بعيونهم، ولكنهم يتحدثون بلطف، وقد اقتصروا على الاجابة عن الأسئلة التي توجه اليهم بكل سياسة وكياسة.

    وعندما حان وقت الانصراف قاموا مرددين شكرهم للدوقة، ومعربين عن تحيتهم، بارك الله دوقة بورسموث وابنها الأمير دوق ريشموند. ولما كان السفير يهم بالانصراف جاء الملك شارل الثاني وتحدث قليلا الى السفير. ولقد اعتاد السفير المغربي  أن يقصد في معظم الأوقات حديقة هايدبارك على صهوة الجواد الذي خصص له، حيث كان يقوم صحبة أفراد البعثة ببعض ألعاب الفروسية، لقد كانوا يثبون بواسطة خيولهم على الحواجز، وكانت الخيول تجري بهم بأقصى درجة، وكانوا أحيانا يقفون على ظهور هذه الخيول وهي تجري بكامل السرعة، وهم أثناء هذا يلعبون برماحهم في رشاقة وخفة تفوق الوصف.

    لقد خلفت أعمال الفروسية الجريئة التي كان يقوم بها السفير في هايدبارك تأثيرا على رسام القصر الملكي “السير كونفري كيلر” الذي أخذ للسفير رسما وهو يمتطي صهوة جواده يمسك بالرمح، بينما يرفع الفرس قوائمه الأولى.

    وقد قام السفير يقول ايفلين – بزيارة المسارح الإنجليزية حيث شاهد بعض المسرحيات الهزلية، الا أن الملاحظ عليه أنه لم يرفع الصوت بضحكه عند المشاهد الساخرة، بل انه كان يحاول الحفاظ على حيائه ورزانته فيخفي مثل تلك الحركات وقد قام السفير بزيارة أمكنة أخرى مثل جامعة كمبردج، والملاحظ أن هذه الزيارات لم تكن تمر دون نشاط، ففي خلال زيارته لهذه الجامعة حضر مأدبة أقامها على شرفه نائب رئيس الجامعة وعمداء الكليات.

    ويقارن ايفلين بين السفير المغربي والسفير الروسي الذي كان هو ايضا حاضرا بلندن في مهمة من لدن القيصر ((وبإختصار فان سلوك السفير الروسي لدى البلاط كان سلوكا فضا وخشنا، اذا ما قورن بهذا السفير المتمدن)) وبعد الاتفاق على مشروع الإتفاقية المغربية الإنجليزية للسلام والتجارة يوم 23 مارس 1682 يضيف الأستاذ عبدالهادي التازي بأن زيارة السفير سجلت حدثا من أبرز الأحداث التي لا يمكن للانسان أن يمر عليها مرورا خاطفا ، ويتعلق الأمر بدعوة السفير لزيارة الجمعية الملكية، حيث حضر في صدر القوم رئيس الأكاديمية كريستوفر ورن .. وبخط السفير المغربي سجل تاريخ زيارته لهذه المعلمة بخط يده على هذا النحو ((الحمد لله، وكتب هذا الحرف خديم المقام العالي بالله محمد بن حدو العطار، وفي ستة وعشرين من يبراير عام ثلاثة وتسعين والف)).

    ثم ينتقل الكاتب البريطاني للحديث عن مأدبة الغذاء التي اقيمت على شرفه بحضور البعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى البلاط الإنجليزي فيقول ((لقد دعي سفراء الهند الشرقية، حيث انه كان لدينا في لندن في ذلك الوقت السفير الروسي والسفير المغربي والهندي.. دعوا جميعا للغذاء عند السيد اللورد جورج بيركلي …. لقد ذهبت الى حفل الضيافة لتقديم الاحترام للضيوف الواردين. كانوا ذوي طبع متميز وملامح خاصة، لقد تناولنا الغذاء على مائدتين كانتا تضمان السفراء والمترجمين، كانت جلاليبهم من الحرير الفاخر المطرز بالذهب، كانوا يحملون على أكتافهم خناجر ذات أعمدة منقوشة بأشكال ثعابين، أو رؤوس شياطين، مقابضها كأنها من صنع دمشق، ولم تكن معهم سيوف)).

    وبعد هذه السفارة الممتعة عاد محمد بن حدو صحبة الوفد المرافق محملا بهدايا من الملك الإنجليزي منها عربة فاخرة مع الجياد التي تصحبها وهدايا أخرى من المعدات العسكرية ، كما حمل معه إلى الملك المغربي المولى إسماعيل مشروع إتفاقية تجارية لم يصادق عليها المغرب بسبب سوء معاملة التجار الإنجليز وتواطئهم مع العناصر المتمردة ، وكان رجوعه إلى طنجة ما بين الثلاثين من غشت وتاسع شتمبر 1682 حيث توجه إلى مكناس لتسليم تقرير عن زيارته إلى المولى إسماعيل).

    واستفاد المغرب من هذه الزيارة لأن بريطانيا أخلت مدينة طنجة ورجعت إلى عرينها الإسلامي واسترجعت معالمها الحضارية العريقة وعاد مسجدها الأعظم لأداء الصلوات وإسماع الآذان بعدما كان قد حول إلى كنيسة كتدرائية أسماها الإنجليز.. (سان ايسبري ) كما فعل في باقي المساجد الاخرى كما أشرنا إلى ذلك عند الحديث عن جهود القائد على عبد الله الحمامي الريفي.

    محـنـة السـفيـر ابـن حـدو:

    وأورد الدكتور عبد الهادي التازي في بحثه المشار إليه ما أوردته المصادر الأوروبية عن المحنة التي تعرض لها ابن حدو بعد رجوعه إلى المغرب فيقول:

    ((لقد أمعنت المصادر الأوربية في تتبع أخبار ابن حدو بعدعودته إلى بلاده، وخاصة منذ أوائل نونبر 1682، وذهبت بها الإفتراضات إلى ترويج أخبار مفادها أن ابن حدو يعيش ظروف امتحان نتيجة لوشايات ودسائس حيكت للسفير من لدن القائدين احمد بن حدو وعلي بن عبد الله السالفي الذكر، وهو الأمر الذي تؤكده رسالة من ابن حدو أعطار إلى لندن بتاريخ 26 شوال 1093 هـ 28 اکتوبر 1684.

    وشرح الكولونيل كيرك جزءا منها حينما قال : (( إن الخصوم السياسيين للسفير ابن حدو كانوا قد أرسلوا يهوديا للتجسس عليه في انجلترا، تسلم لهذه الغاية رشوة باهضة الثمن، وقد عاد اليهودي بتقرير ضد ابن حدو وضد الوقاش وبقية أعضاء السفارة، حيث كان ذلك سببا في تغيير السلطان مولاي اسماعيل إلى شارل بتاريخ 6 ربيع الاول 1095 – 22 يبراير 1684م أي بعد تحرير طنجة يظهر أن سبب المؤاخذة يرجع لكون السفير ربما كان طمع إنجلترا بأمل بقائها في طنجة، مما ورد في الرسالة .. وقدوم خديمنا محمد بن حدو كان ززأ عليه ، وحيث طلبتم منا وصول واحد من خدامنا اليكم وجهناه لكم، ومنذ وصلكم وفرحتم به وتلقيتموه بملقى مليح كان يقول لكم. نقضي لكم عند سيدي طلبكم وينعم عليكم، فحيث وصلنا وذكر لنا ذلك، ها أنت سمعت ما وقع به وما صار له، فكل من قاولكم بشيء قبل هذا أوذكره لكم فقد كذب عليكم ..).

    ويضيف عبد الهادي التازي بأن الشرفاء والعلماء لدى السلطان مولاي اسماعيل تدخلوا لصالح السفير الذي لا تجهل علاقته الشخصية بولي العهد الأمير مولاي زيدان واصبح من الرجال المحظوظين في البلاط، وكل بعد ذلك بمفاوضة المبعوث الفرنسي سانت أمانس الذي أرسل من طرف لويس الرابع عشر لمراجعة الاتفاقية التي كان أبرمها بباريس الحاج محمد تميم بتاريخ 29 يناير 1682.

    الكتاب: سفراء تطوان على عهد الدولة العلوية

    للمؤلف: محمد الحبيب الخراز

    (بريس تطوان)

    يتبع…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ملف: « هل المغاربة متديّنون؟ ».. هكذا تحدّث قادة الفكر المغربي

    هذا سؤال خارج العادة والمألوف، لكنّه كفيل بإثارة ما يعتقد الكثيرون أنه مسلّمة لا حاجة لأي نقاش حولها؛ حيث يبدو للوهلة الأولى أن الحديث عن درجة تديّن المغاربة ونمط سلوكهم الديني، مجرّد ترفٍ ثقافي. لكن الواقع أن أسئلة الدين والتديّن بالنسبة للأمة المغربية، هي أسئلة الحاضر والمستقبل. كما أن الإجابات التي تضمنتها محاور الملف، هي إجابات تخصّ طبيعة فهم المغاربة لأنفسهم وللعالم من حولهم.

    لم يعد التديّن نقاشا فرديا، فقد تداخل هذا الموضوع مع أشدّ القضايا حساسية في المنطقة والعالم. وأصبح فهم المجتمعات للدين يحدد مستقبل الأمن القوميّ، وطبيعة العلاقات بين الشعوب والدول والديانات والثقافات.

    إن درجة الانفتاح والتّسامح، أو معدّل الانغلاق والتشدّد، كفيلة بتحديد طبيعة العلاقات بين المغاربة ومحيطهم الإقليمي والعالمي، وكيفية تأثير التديّن المغربي في الثقافة الإنسانية، ومدى مساهمته في بناء الإنسان المتوازن في المنطقة.

    إن استكشاف مجال التديّن المغربي لا يتحقق حتما من خلال طرح الأسئلة البسيطة التقليدية والباردة. فمثل هذه الأسئلة كفيلة بأن تجعل الصورة أكثر ضبابية وعتمة، وبلا ملامح واضحة، بالنسبة للأجيال الحالية. لذلك، يمثل هذا الملف الذي جمع نخبة الفكر المغربي: فضيلة العلامة مصطفى بن حمزة، الدكتور كمال القصير، الدكتور حسن أوريد، الدكتور عبد الله بوصوف، الدكتور سعد الدين العثماني، محاولة جرّيئة وجادّة لفهم تديّن المغاربة. ذلك أن عناصره من خلال الحوارات التي تم إجراؤها، تقدم إجابات لا تقلّ جرأة ووضوحا عن الأسئلة المهمة التي تم طرحها.

    لا يمكن استكشاف التديّن المغربي من خلال مقاربة واحدة. ولهذا السبب، حرص الملف على تنويع المقاربات من خلال تحقيق التنوع في مشارب الشخصيات التي ساهمت بفكرها ووقتها من أجل إنجازه، وتقديم زبدة أفكارها حول هذا الموضوع، الذي يمثّل حياة المغاربة ونمط عيشهم وتفكيرهم اليومي، ورؤيتهم لماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.

    إن الملف يضمن للقارئ والباحث أن يطلع على إجابات غير تقليدية حول موضوع تديّن المغاربة، وأن يجد نفسه بداخله، معنيا بكل الجزئيات والتفاصيل التي تم النقاش حولها.

    وتشير الصورة النهائية إلى أن تديّن المغاربة، يصنعه المغاربة أنفسهم، ويغذّونه بالماضي والتاريخ والتراث، ثم بالحاضر والمستقبل. والمغاربة في كل ذلك، يسعون إلى الحفاظ على نسخة متفرّدة من فهم الإسلام في العالم العربي والإسلامي، كما شيّدها السلطان والعالم والتاجر والإنسان العادي، منذ قرون. لكنها نفس نسخة التديّن المغربي التي تواجه تحديات عالمية ضخمة في مجال المعرفة والقيم، التي تمارس تأثيرها وضغطها على كثير من عناصره، التي تفتقِد إلى الفاعليّة والجاذبيّة وغياب التّجديد.

    =========

    البعض يُسَمّون « دعاة » لكنهم ليسوا علماء وأداء المجالس العلمية متوسط

    فضيلة العلامة الدكتور مصطفى بن حمزة، أحد كبار علماء الإسلام، وصاحب المؤلفات والمشاركات العلمية الراسخة..

    *في نظركم، هل من اليسير القول إن هناك نموذج تديّن مغربي في المنطقة؟

    هذه المسألة يقف عليها العلماء أو الذين يبحثون في تاريخ التشريع. اختيار المغاربة لمذهب معين دون مذاهب أخرى، هو جزء من الاختيار التديّني، فلماذا لم يكن حنفيا مثلا، أو شافعيا، أو شيعيا، إلى غير ذلك؟ هذا في حد ذاته تميّز واختيار، لأننا توحّدنا على مذهب واحد في الفقه، هو مذهب مالك، وعلى مذهب واحد في العقيدة، هو مذهب الأشعري، وخدمه المغاربة خدمة جليلة، وهكذا.

    هذا طبعا كل ما فيه أنه أغنانا عن الخلاف وعن الاحتراب الذي يوجد في كل مكان. أكثر الجهات في العالم الإسلامي فيها أكثر من مذهب وأكثر من اتجاه، وبعد اختيار المذاهب تبدأ الحروب. نحن نعرف الآن ما يقع بين السنة والشيعة، وهذا كان يمكن أن يكون في بلادنا، وقد حاول الناس في ذلك. ففي زمن الفاطميين، كانت هناك تمدّدات للشيعة. لكن المغاربة حسموا، لأنهم اختاروا الاتحاد والتوافق والإنتاج، بدل أن يدخلوا في صراعات إلى الآن لم تنته. مثلا، في جهات من آسيا؛ كباكستان وأفغانستان، دائما ما نسمع بتحجير المساجد، والحمد لله نحن أعفانا الله من هذا كله، بسبب اختيارنا التديّني.

    والذين يدخلون المغرب ويرون فيه بعض الممارسات، وأقصد هنا الذين لا يقرؤون، أو الذين يدركون الأشياء بعيونهم لا بعقولهم، يقولون إن المغاربة يخالفون، حينما يقرؤون الحزب قراءة جماعية، وينصرفون من هنالك مباشرة إلى أن المغاربة مبتدعة، وهذا غير صحيح.

    المغاربة اختاروا اختيارًا عن علم، والاختيار لم يكن اختيار عموم الناس؛ أي لم يكن يتم في الأسواق، بل كان يتم على مستوى المؤسسات العلمية الوازنة، التي تعرف ما تقول، وفيها كبار العلماء، خصوصا القرويين؛ حيث اختاروا المذهب المالكي من بين كل المذاهب.

    ثم في المذهب المالكي، كانت لهم تفرّدات. المالكية المغاربة خالفوا المذهب المالكي في المشرق، في أكثر من 300 مسألة، وليس في مسألة واحدة. طبعا، هذا أمر لا يراه الناس، لأنه ليس طافحا على السطح، لكنه معروف عند العلماء.

    حينما يبحث الباحثون بجد، يجدون أن هناك تميّزا مغربيّا، ليس هو الدين المغربي؛ فالدّين هو دائمًا الإسلام، وإنما هو اختيارات الناس من الدين الإسلامي، وكله مرتبط بعبقريّة وذكاء. فمثلا، من عاداتنا أن نحتفل بالطفل حين يصوم اليوم الأول، من أجل تشجيعه على الصيام، بالإضافة إلى تقاليدنا في ختم القرآن الكريم، والمشارطة مع الفقيه من أجل تأدية أجرته عبر السنة.

    هذا قد لا يجده الإنسان لو ذهب مثلا غير بعيد. إذن، فالشعوب لها طريقتها في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وهذا لا يمسّ جوهر الإسلام.

    *سبق وتحدّثم كثيرا عن أهل الاختصاص.. ألا ترون أن ضعف حضور دعاة علماء رسميين في الفضاء الرقمي، مقابل حضور طاغ لدعاة مغاربة غير رسميين ودعاة مشارقة باتوا بمثابة « النجوم »، قد ينتج عنه تسلل لأفكار غريبة على نمط التديّن المغربي؟

     أفكار غريبة أو غير غريبة، كل ذلك إنما يردّه أهل العلم. فإن كان الإنسان عليما بما يتكلم فيه، فإنه يستطيع أن يمنع عن أمته كثيرا من الأشياء الطارئة، التي تزعزع وحدتها واجتماعها على الدين. بعضهم يُسَمّون « دعاة »، لكنهم ليسوا علماء. إذا كان الإنسان داعية، فهو متحدث ككلّ المتحدثين فقط، إنما لغته لغة دينية، ولكن قد لا يقول صوابا، لأنه ليس عالما. لا يكفي أن يكون الإنسان داعية لأن يكون محقّا. وها نحن نرى بعض الدعاة تألقوا ثم انطفئوا، وبعضهم تراجع كقرار، لأنه لم يكن يتحدث علما، وهذا الأمر الذي وقع في تاريخنا الحديث؛ أي أن بعض الناس الذين ليسوا من أهل العلم أفتوا، وقدموا أنفسهم على أنهم أصحاب معرفة، ثم انتهى الأمر إلى أن وقعت اختلالات كبيرة في المجتمع، وهم الآن يتراجعُون في نهاية المطاف.

    العالِم الذي يحترم نفسه قد لا يكون كثير الكلام، لأنه يريد أن يحقق ما يختاره، وهنا يبدو أنه مقلّ فيه. وعلى العموم، بعض المواقع هي مواقع للجدال الذي لا ينتهي ولا يأتي بالشيء الكثير. لا يمكنك أن تجادل إنسانا لتصرفه عما هو فيه، فأولى لك من ذلك أن تعلّم، لأن الجدال لا ينتهي، وكل شخص تجادله لا بدّ أن ينتصر لنفسه، ولا بدّ أن يردّ، ويطول الحديث، وينتهي ربما إلى العبارات غير العلمية وغير اللائقة أخلاقيا. لذلك، يتورّع الكثير من العلماء عن الدخول في الجدالات. أما الآخرون، فإنهم لا يظهرون إلا بالجدال، فإذا تجادلوا ظهروا، لأنه ليس لهم مزية، لا يكتبون في موضوع علمي محرر، أو في باب من أبواب المعرفة مثلا. هم فقط يتحدثون حديثا عاما، ويقولون اليوم كلاما، وينقضونه غدا أو بعد غد. فهذه هي الظاهرة. ولذلك، يبدو أن الذين يتحدثون بلا ضوابط، يجب عليهم أن يرجعوا إلى الوراء قليلا، والذين ربما صمتوا وسكتوا، يجب عليهم أن يجتهدوا في تحقيق معارف، ويحدّثوا بها الناس، بدون الدخول في جدالات، وهذا هو الصواب.

    *بحديثنا عن استغلال الفورة الرقمية، هناك من ينتقد غياب دور المؤسسات الدينية الرسمية في هذا الباب، وعدم تقديمها دعاة علماء يحضرون بقوة على الساحة.. ما رأيكم؟

    الثورة الرقمية ليست كلها ثورة علمية، هي ثورة مناقشات وتيارات ومحاكاة. وفي بعض المرات، لا يكون العلماء مستعدّين للدخول في هذه الأشياء، للدفاع عن قضية من القضايا، التي يتبناها طيف ربما من أطياف المجتمع. ودخولك واستغراقك الحديث معهم، هو في الحقيقة لا يعود على الأمة بكبير فائدة، وإنما يحدث حزازات.

    دعينا نقول إن البرامج الحوارية في بعض القنوات الكبيرة انتهت كلها إلى الإخفاق، لأنها كانت تحرّض الأشخاص، وتقود نزاعات، وينتهي الأمر في بعض المرات، بالسب والشتم والضرب، وهو ما لم يخدم المعرفة، وإنما كان انتصارا للنفس والهوى والتيّار.

    تعرفون أن هناك الآن برامج حوارية صاخبة ومعروفة، لكن لم يجد لها الناس فائدة، إلا أنها أصبحت تنشر الخلاف والصراع.

    *هناك من يرى أن الدولة تحتكر المجال الديني، في ظل غياب احتواء تيارات دينية وفكرية أخرى، عن طريق تنظيم نقاشات ومناظرات معها؛ ما يجعلها تظهر بصورة المتمردة دينيا « الجذابة »، وتدعي الاضطهادية والمظلومية لنشر أفكارها.. ما رأيكم؟

    هذا كان موجودا وسيظل باقيا. للعلماء الآن مجالس على مستوى المغرب كله. وكل مجلس له نشاطه العلمي، ويعقد ندوات ومحاضرات. هذا يراه القاصي والداني، ولا أحد يستطيع أن يقول غير ذلك.

    هناك من لا يُريد الدخول في هذه النقاشات أصلا، بل يريد أن تكون له ذاتيّته وكيانه، ويريد أن يتفرد على أساس أنه هو الذي يمثّل الإسلام، وأن غيره لا يفهمه، وليس مأمونًا عليه أصلا.

    *مثل من؟

    هناك تيارات ترى أن لها مشروعها وفهمها للدين. ماذا يوجد في العالم إلّا التيارات؟ الآن، التيارات كثيرة، الأديان كثيرة. الآن، كل يومين ينشأ دينٌ جديدٌ في العالم. هذه مسألة لا تخص المسلمين فقط، بل هم أقل الناس توزعا في هذا.

    هناك تيّارات كثيرة ترفض الدخول في النقاش، حتى لا تكون محسوبة على هذه الجهة، أو تعتبر رسمية، لو نسقت أو انسجمت. بعضهم يختار هذا الاختيار، ويبقى فيه إلى أن يضعف ويتلاشى، ثم ينتهي أمره.

    أنا أقول إن العلماء يجب أن يقوموا بواجبهم، بغير النظر إلى هؤلاء؛ لأنهم ليسوا في مسابقة مع المجتمع، بل ما يجب عليهم هو خدمة هذا المجتمع. بالمقابل، على المجتمع أن يُقبِل على العلم. الإقبال على العلم ضعيفٌ إلى حدّ صحيح، وهو ليس وظيفة العلماء، الإقبال هو وظيفة الأمّة.

    *في رأيكم، ما السبب الذي يجعلنا حاليا نرى ضربا كبيرا في التصوّف، أحد رموز الهوية الدينية المغربية؟

    التصوّف مثله مثل كل التيارات، يجب أن يكون محكوما بحضور العلماء. التصوّف قدّم رسالة مهمة جدا في باب الجهاد في المغرب، وحرر كثيرا من المناطق، وخدم المعرفة في بلادنا، وفي الجزائر، وفي ليبيا حيث الزاوية السنوسية، إلخ. هذا شيء لا يمكن أن ينكره أحد، أو يغالط فيه. أمّا بخصوص الممارسات، فهناك ممارسات مختلفة. هناك تصوّف يقوم على العلم والمعرفة والالتزام بأحكام الشّريعة الإسلامية، ومن هذا الباب تصوّف الشيخ أحمد زروق، الذي كان لا يفصل بينه وبين الشريعة، والذي له كتاب اسمه « قواعد التصوّف » يجمع فيه بينهما.

    لا يمكن للتصوّف أن يخطّ لنفسه طريقا خاصا، وليس بديلا أو قسيما للشريعة. الشّريعة هي الأصل، والذي يتعاطى التصوّف ينظر إلى نفسه وإلى فعله بميزانها. فبقدر ما يزن فعله بالشريعة، يقلّ حوله الخلاف.

    في التاريخ القديم كان هذا موجودا. كانت هناك مدارس في التصوف؛ كالتصوف الفلسفي، ووحدة الوجود، وهذا تحدث فيه الناس قديما، وقالوا إنه ليس صوابا. ولكن التصوّف الذي كان معروفا ويحضره العلماء، كان في الغالب مأمونا ومفيدا، وكان عمليّا.

    *إلى أي مدى ترون أن التصوّف قادر على تأطير المغاربة؟

    المغاربة لا يؤطّرهم الآن إلا أن يتفقوا على أن يكون للدّين مكانٌ في حياتهم. لكن حينما يقوم تيّار ينبذُ الدين أصلا بتصوّفه وبغير تصوّفه، فهذه معضلة أخرى. حينما يوجد من يريد أن يجهز على أحكام الشريعة الإسلامية، وهي الحد القاسم المشترك الذي يتفق عليه المغاربة، لا يجب أن يُسمح له بذلك؛ لأنه حينما يريد أن ينقضها، يكون قد نقض المجتمع. المجتمع ليس له ما يجمعه إلا هذه العقيدة والشريعة. ولذلك، فالضرب فيها هو تفكيك أو بداية في تفكيك المجتمع.

    *هل التصوف نخبويّ، كما يعتبره البعض؟

    بل أرى أن كثيرا من العامة منخرطون في التصوّف، وليسوا كلهم نخب. كما أن هناك بعض الأشخاص الذين لهم اختيارات من نخب مثقفة، وهم أقل من ذلك بكثير.

    *ما تعليقكم على المنحى الديني الذي تكلم به أمير المؤمنين الملك محمد السادس، في خطاب العرش الأخير، خاصة حينما قال: « لن أحل ما حرم الله ولن أحرم ما أحل الله »؟ وما مدى تأثيره في الشأن الديني المغربي؟

    حينما نتحدث عن الثّوابت، فهذِه هي الثوابت؛ لأنه أولا، عند كل المسلمين، لا يمكن لأحد أن يحلّ أو يحرّم اشتهاءًا، والدين والأديان السابقة ما أفسدها إلا تدخل البشر فيها بالتحليل والتحريم.

    حينما يتحدث بهذا أمير المؤمنين، فهناك أصول أو أسس. الأصل الأول هو فهمنا أن الدين هو وضع إلهي، وليس وضعا بشريا. هناك حكم عقلي، وحكم شرعي، وحكم عادي. الحكم العادي مرجعه العادة والتجربة، والحكم العقلي مرجعه قواعد العقل، وهي قواعد مستقلة، والحكم الشرعي يتأسس على الكتاب والسنة. فلذلك، حينما تريد أن تتحدث للناس عن حكم تقول إنه شرعي، ولكن تنقض الكتاب والسنة، فمعناه أنك تكون قد اضطربت. لو قال لي شخص إنني أريد هذا على أساس أنه فلسفة شخصية، أسمع منه. لكن أن تقول لي هذا حكم شرعي، لا بد أن تمر إليه عبر المسالك التي يُمرّ منها إلى الحكم الشرعي، وهي الكتاب والسنة، ثم باقي المصادر التي يستند إليها العلماء بالاتفاق. ليس عندنا رأي في الفقه قائم على التشهي أو الاختيار. ما وقع على التشهي والاختيار كله لا قيمة له. هذا التأسيس الأول.

    التأسيس الثاني هو أن أمير المؤمنين يتحدث من موقع إمارة المؤمنين، التي من واجباتها حماية الدين. لذلك، الملك يعطي اطمئنانا على أنه يلتزِم بما يُمليه منصب إمارة المؤمنين.

    المسألة الثالثة هو أن الملك، حسب المادة 41 من الدستور، يرأس المجلس العلمي الأعلى، وترفع إليه قضايا الفتوى العامة، ويحيلها على المجلس بعد ذلك. هذا هو الجانب التنظيمي. أما حينما نفتح باب الفوضى، ويتكلم كل بما يشاء، فيجب على الإنسان أن ينتظر، سيسمع شيئا كثيرا.

    ما الذي يفيد الناس؟ إنه الأمنُ في حياتهم الدينية. قد يفتي المجلس العلمي بشيء لا يُقبل به، لكنه يضمن الوحدة. حينما يقوم في كل منطقة متحدّث، وينادي بشيء ويحلّ ويحرّم.. هذا وقع، والناس ملّوا منه. نحن لا يعجبنا أن تكون هناك هذه الفوضى. لقد جمعنا أمرنا على هذا. الفقه كما هو معروف، هو فقه ظني، ولكن الأساسي هو الإبقاء على تجمع الناس ووحدتهم. هذا هو المُراد.

    لذلك، حينما يعود أمير المؤمنين إلى هذا، ويقول لن أحلّ حراما وأحرّم حلالا، فهو يُعيد هنا حديثا نبويا، وهذا كله جميل. لماذا؟ نحن لا نتحدث عن الأشخاص، لأن هناك من لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب ولا في رمضان. هناك من لا يقبل شيئا، ونحن لا يمكن أن نضحي بأمّة من أجل آراء يقولها أناس، ثم يتراجعون عنها غدا. لذلك، نقول لا بد من التعقّل، والمغرب في هذا الباب هو رمز للاستمرار والاستقرار. ليس لدينا حروب دينية، أو خلافات، إلّا لمن يريد أن يُحدثها.

    في بعض الجهات، كانت أربعة منابر وأربعة محارب. هذه الأمور لم تكن في تاريخنا. كنّا دائما نصلي وراء إمام واحد، ونجتمع في صف واحد. الوحدة هنا أهمّ من كل شيء. ما الذي فعل الذين خالفوا؟ نرى الآن الدماء في كل المناطق وفي كل المناسبات الدينية. بسبب ماذا؟ بسبب الاختلاف، بسبب أن كل واحد يكفّر الغير، وأنه يرى أنه يسعى إلى الدين، وكذا.

    وضعية المغرب وضعية يجب أن يحافظ عليها. إذا كنا نريد الحفاظ على وجودنا وعلى أمننا وعلى اقتصادنا، يجب أن نعطي الناس الاطمئنان بأننا آمنون فقط.

    *إلى أيّ مدى حققت المجالس العلمية الأهداف التي جاءت من أجلها؟

    إلى حدّ متوسّط، وطبعا لا بد لها من مزيد دعم ومراجعة في عملها وبرامجها.

    *في نظركم، أين يكمن الخلل فضيلة العلامة؟

    في المغاربة كلّهم. المغاربة كلهم لهم جزء من المسؤولية والتقصير. والواجب أن يكون الاهتمام بالشأن المجتمعي والديني أكبر.

    =========

    المؤسسات الدينية مطالبة بتكثيف حضورها في أقاليمنا الجنوبية والإسلاميون تركوا فراغا أيديولوجيا لم تستثمره الدولة حتى اللحظة

    د. كمال القصير، مفكر وكاتب مغربي من الجيل الجديد، مررتم بتحولات فكرية كما هو واضح من كتاباتكم، وتعملون على وضع نظرية جديدة في التاريخ والاجتماع، أطلقتم عليها « قانون الفراغ »..

    *كيف ترون تصنيف المغاربة ضمن الشعوب الأكثر تديّنا؟

    أحبّ أن أصف التديّن المغربي الحالي بأنه مثل « الماء الذي يجري في الجسم، لكنه لا ينفد إلى الخلايا ». لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار عنصر « الشعور الديني »، وهو مختلف عن التديّن، فإننا سنجد أن المغاربة من بين أكثر الشعوب امتلاكا للشعور الديني وتفاعلا مع قضايا الهوية. لكن معيار الأقل تديّنا والأكثر تديّنا بين الشعوب يعتبر مقياسا نسبيا جدا، لا يمكن الاعتماد عليه.

    درجة تديّن المغاربة قد تكون مرتفعة في لحظات معينة، مثلما هو الحال في شهر رمضان؛ حيث يصبح أداء الشعائر هو الأولوية في برنامج المغاربة، ثم تنخفض درجة الالتزام في فترات زمنية أخرى، يصبح فيها المغاربة أكثر إقبالا على المتعة.

    *هل يمكن فعلا الحديث عن وجود نسخة تديّن مغربي في المنطقة؟

    بالتأكيد هناك نسخة تديّن مغربي مختلفة في عناصرها عن نماذج التديّن في العالم العربي والإسلامي. والحقيقة أن ما يساهم في اختلافها هو إمارة المؤمنين، التي تدبّر توازن العلاقة بين الدين والسياسة والمجتمع، بشكل مختلف عن عموم ما تعرفه المنطقة. إمارة المؤمنين المكون الأكثر فاعلية وتوفيرا للانضباط من بين مكونات التديّن المغربي الأساسية؛ مثل المذهب المالكيّ والأشعريّة، وعناصر أخرى أقل تأثيرا في الواقع الحالي؛ مثل التصوّف، مع أهميته في صناعة الوعي الديني في تاريخ المغرب.

    لكن هنالك عنصر آخر أكثر أهمية في التديّن المغربي لا يتحدث عنه المثقفون، وهو المغاربة أنفسهم. المغاربة على مرّ التاريخ، أغنياء وفقراء، حكاما ومحكومين، نخبا وأناسا عاديين، هم الذين صنعوا نموذجهم الخاص من خلال رؤيتهم للإسلام. نعم، بوعي أو من دون وعي، كان التاجر والعالم والسلطان والمعتكف في الزاوية يصنعون هذا النموذج الذي نشاهد آثاره اليوم. لكن علينا أن ننتبه إلى أن ضعف مكونات التديّن المغربي؛ مثل المذهب المالكيّ والأشعريّة، يخرج النسخة المغربية من حالة الخصوصية التي تميزها في المنطقة، ليصبح تديّن المغاربة عاما مفتقدا لميزة التفرد، مثلما حدث في السبعينات والثمانينات، عندما تسربت كثير من الأيديولوجيات نحو المغرب، وأضعفت الاعتناق الجماهيري للمذهبية.

    المغرب بلد متعدد المشارب من الناحية التاريخية والاجتماعية والثقافية، وهذا الأمر يفرض هندسة ثوابت التديّن المغربي، وفقا لمعطى التعدّد. نسخة التديّن المغربي قد ساهم فيها أهل الشمال والشرق والغرب، وأهل الجنوب والصحراء، وأجدني بمناسبة الحديث عن أقاليمنا الجنوبية، مضطرا للتنبيه إلى أهمية أن تنبثق لدينا رموز علمية فقهية وطنية صحراوية؛ لأن هذا الأمر أساسي في تصوّر مفهوم الوطن، ولا ينبغي أن يحدث فراغ في هذا المجال، وهذا يفرض على المؤسسات الدينية أن تكون أكثر نشاطا في الجنوب. لقد كانت الصحراء منذ قرون تصنع الرموز العلمية، ومن مصنفات وكتب علماء الصحراء، كان يستفيد باقي المغرب.

    *هل يمكن ربط « الازدواجية » التي يعيشها المغاربة، بالمؤسسات السياسية، وخاصة الرسمية منها، التي تستمد شرعيتها من الدين، وفي نفس الوقت تتبنى الحداثة والانفتاح الليبرالي؟

    ما يسميه البعض ازدواجية يرجع في الحقيقة إلى وجود حدّ أعلى للتدين وحدّ وسط وحدّ أدنى يعيش بداخله الناس، صعودا ونزولا. ويرتكب الكثيرون خطأ باعتقاد أن اختلاف درجات التديّن يعبر عن نوع من الازدواجية. والحقيقة أن صعود درجة التديّن وهبوطها مسألة معروفة في التاريخ.

    عندما تفكر المؤسسات الرسمية في وضع نموذج لهندسة الوعي المغربي، فإنها تبني رؤية قومية تستحضر عناصر التاريخ والهوية والواقع ومقتضياته، وهو ما يؤثّر، بلا شك، على طبيعة تديّن المغاربة. والكثير من المغاربة يحاولون أن يجدوا خلطة وصيغة تجمع بين الالتزام والانفتاح في آن واحد: إرضاء حدّ أدنى من متطلبات الدين ومسايرة مقتضيات سلطة العرف الاجتماعي، في نفس الوقت.

    المغاربة لا يعيشون في قرية معزولة، وهم يعيشون حالة انفتاح هائلة. العرس المغربي الذي يستدعي حفظة القرآن في اليوم الأول، ثم يستدعي مجموعة غنائية في اليوم التالي، موقف وجواب اجتماعي عن الحداثة والأصالة. العادات واللباس المغربي فيه أيضا صيغة الجمع بين رموز المحافظة والانفتاح معا. في كلّ بيت، هناك جلّابة مغربية. والحقيقة أن المغاربة متفوقون في الحفاظ على الأشكال والرموز المحافظة في المنطقة، رغم أنهم أكثر الشعوب قربا من حدود العالم الغربي.

    المحافظة على الطقوس والتقاليد السياسية والاجتماعية تبدأ من أعلى هرم الدولة وتصل إلى أصغر بيت في المغرب. يكفي أن نرى أمير المؤمنين ودرجة محافظته على اللباس التقليدي المغربي، لنفهم درجة انتشاره بين المغاربة، وتذكيرهم في كل حين، أن هذا الأمر جزء من التاريخ والوعي المغربي لا ينبغي التنازل عنه. إن هذا السلوك بالغ الأهمية من الناحية الاجتماعية. وقد رأينا مثلا في دولة المماليك أن أحد سلاطينها قرّر أن يحلق رأسه بعد أن رأى قادة البلاد والناس يقلّدون المغول في إطالة الشعر، فأعادهم بسلوكه إلى خطّ التّوازن.

    *هل تغيرت الطريقة التي يعيش بها المغاربة معتقداتهم الدينية في الحياة اليومية؟

    بالتأكيد لا، يمكنك أن تسأل المواطن العادي في الشارع والسوق والمقهى والمنزل والفضاءات العامة، بل حتى في الجامعات، هل أنت مالكيّ المذهب، أو أشعريّ، أو صوفيّ؟ الكثيرون لن يفهموا عم تتحدث. لكن في القرن الماضي، كان بإمكانك أن تسأل تاجرا في فاس أو مراكش عن المذهب المالكي، ليجيبك بشكل عادي.

    الأسلوب الذي يمارس من خلاله المغاربة تدينهم ليس نمطا ثابتا في التاريخ. الانفتاح والتسامح الديني كان يختلف من مرحلة إلى أخرى. في بعض الفترات التاريخية، تجد المغاربة أكثر انفتاحا على أصحاب الديانات الأخرى. وفي مراحل أخرى، تجد المغاربة أقل انفتاحا تجاه الآخر. والأمر نفسه ينطبق على الالتزام الديني. ففي زمن المرابطين مثلا، كان زعيمهم الروحي، عبد الله بن ياسين، يضرب من يتأخر عن الركعة الأولى في صلاة الجماعة في المسجد عشر ضربات. ربما يُنظر إلى هذا الفعل الآن، سخريّة، على أنه نوع من « الداعشية ». لكن التاريخ طبعا لا نتعامل معه بالقوالب الجاهزة. بإمكانك أن تجد في مراحل أخرى، كثافة وحرصا من جانب المغاربة على تحفيظ أولادهم القرآن بأعداد هائلة، ثم يتراجع مستوى هذا التقليد في مراحل أخرى؛ مثل الوقت الحالي. طريقة عيش المغاربة للدين تتغير صعودا ونزولا، بحسب نوعية التعليم وطبيعة الوعي المنتشر في المجتمع.

    *كيف تنظرون إلى الثوابت الدينية المغربية وتأثيرها في تديّن المغاربة؟

    الثوابت قبل أن تتحول إلى ثوابت، كانت في البداية عبارة عن اختيارات للمغاربة، في لحظة تاريخية معينة. وعندما برهنت تلك الاختيارات على قدرتها وفاعليتها الدينية والاجتماعية والسياسية، أصبحت ثوابت للأمة المغربية. ولكي يتحول اختيار معين إلى مذهب كامل، فإن العملية تكون معقّدة، وتحتاج إلى وقت. والمذهب لا يستحقّ أن يسمى مذهبا، حتى يذهب به وإليه الناس. لكن الثوابت نفسها تحتاج دائما إلى عملية تجديد للحفاظ على فاعليتها، حتى لا تعود في لحظة انتكاسة، إلى مجرد اختيار لبعض المجموعات، وتفقد صيغتها الشمولية السابقة، خاصة في ظل ارتفاع أسهم مفهوم الحريات الخاصة والعامة.

    بالتأكيد، فإن إمارة المؤمنين تجدّد نفسها باستمرار، لكن باقي الثوابت المذهبية الأخرى في حاجة إلى فاعلية أكثر، لتستمر في كونها ثوابت في سلوك المغاربة. فما معنى أن نعتبر مذهبا أو فكرة من الثوابت، إذا لم تكن جزءا أساسيا من السلوك الجمعي؟

    لنكن أكثر صراحة، عندما نتحدث عن أفكار ومفاهيم المغاربة حول قضايا الإنسان والله والكون، فالأمر صادم بدرجة كبيرة. لابد أن نستوعب أنه ليس من السهل وضع الناس ضمن إطار واحد في عالم منفتح ومتعدد، يسيطر فيه مفهوم التفاهة، ويعرف سيولة فكرية ما بعد حداثية، ونزوعا نحو تجاوز البنى الثقافية. وهذا ما يستدعي ضرورة تطوير المذهبية.

    حضور الأشعريّة في التصور الجمعي للمغاربة شديد المحدودية. وسوف نلاحظ أن غالب ما يسأل عنه المغاربة من الفتاوى والاستفسارات، عند الحاجة والضرورة، يتعلق ببعض الجوانب الفقهية، ممّا له اتصال بالحدث اليومي ومشكلاته.

    وإذا أردنا معرفة حالة الإطار الأشعريّ الحالي، ينبغي أن ننظر في حجم أسئلة الناس واستفساراتهم التي تتعلق بقضايا العقيدة والكون والإنسان. وهنا قد تكون النتيجة صادمة. فذلك النوع من الأسئلة لا يخطر إلا على بال قلة قليلة. المشكلة كبيرة من هذه الناحية، ذلك أن أسئلة الناس وطلبهم للفتاوى حول قضايا القيم والاعتقاد والإنسان والكون تكاد تكون الحلقة الأضعف.

    *ما رأيك في ظاهرة التديّن الاستعراضيّ في عصر ثورة تكنولوجيا الاتصال؛ كالتّباهي بالعمرة والحج؟

    لو كانت الهواتف المحمولة وما يتصل بها من برامج وتقنيات، متاحة قبل عشرة قرون، لربما رأينا مشاهد من الاستعراض لا تختلف عما نراه اليوم. الفارق أنها موجودة بين أيدينا الآن، وتمارس تأثيرها علينا.

    إن أهم عناصر فلسفة الاتصال الآن مؤسّسة على مفهوم « نظام التّفاهة » الذي ليس تافها. وبمعنى أوضح؛ فإن المتعة التي تتيحها أدوات التواصل أصبحت تؤثر في طقوس التديّن. لكن هناك أمر غاية في الأهمية لا ينتبه إليه الكثيرون، وهو أن كثيرا من ممارسات الناس تتحول مع الوقت إلى عُرف. التقاط الصور في أماكن العبادة المقدسة لم يعد فقط خيارا نقوم به أو لا نقوم به، بل انتقل إلى درجة « العادة والعرف ». لم يكن هذا الأمر عُرفا سابقا، لكنه أصبح كذلك الآن. والعرف طبيعته الانتشار والاستقرار.

    ولنكون أكثر صراحة، فإن الاستعراض لا يقتصر على الناس العاديين، فحتى كثير من الوعّاظ الدينيين هم ضحيّة « نظام التّفاهة ». لذلك، تجد الكثيرين حريصين على تحقيق أعلى قدر من المشاهدة والمتابعة على اليوتيوب مثلا، ويعشقون زر « Like ».

    *كيف تقيمون وضعية المذهب المالكيّ والأشعريّة والصوفيّة في الواقع المغربي، ومدى تأثيرهم الحالي؟

    يخطئ من يرى أن تحديد طبيعة ودرجة التديّن المغربي، تتم فقط بناء على الإجابة على أسئلة؛ مثل كونك مواطنا مالكيّا، أو مواطنا أشعريّا، أو صوفيّا؟ إنها أسئلة هامّة. لكنها ليست كافية أو حاسمة.

    الأسئلة الجديدة المحددة للتديّن أصبحت من قبيل: ما مدى حضور القيم المادية في سلوك الأفراد والمجموعات؟ وما درجة محافظة الناس على خصوصياتهم الفكرية والاجتماعية ضمن عالم متحوّل؟ وإلى أيّ حدّ يتمتع الأفراد بوعي، ولو بسيط، بالتاريخ؟ وإلى أي حدّ تلتزم في حياتك اليومية بتعاليم المذهب المالكيّ؟

    عندما تشاهد فيلما سينمائيا من أفلام الخيال العلمي، هل لديك أفكار تعكس رؤيتك العقدية للآراء العلمية التي قد تكون شاهدتها أول مرة، تخص نشأة الكون أو نهايته؟ هذه أسئلة تساعد على تحديد وضعية التديّن ومستقبله.

    تحولات التديّن المغربي يتلخّص جانب منها، في أشعريّة بلا تجديد، وتصوّف من غير فاعلية، ومذهبية فقهية من غير اعتناق جماهيري. إن كثيرا من عناصر التديّن الأساسية لا يمكنها حاليا منافسة ما يطرحه العالم من نظريات وآراء حول الإنسان والكون.

    سوف يستمر ابتعاد التديّن الشعبي عن الإطارات العامة المنضبطة بقيود المذهب اعتقادا وفقها. ويساهم في هذا الاتجاه صعود نجم مفهوم الحريات الفردية، وتطبيقاتها السياسية والاجتماعية. سوف يستمر اختفاء كلمات عديدة كانت تعكس الوعي الديني المغربي. لقد تراجع حضور كلمات من الاستعمال اليومي. ولنقوم بقياس الحضور الاجتماعي للمصطلحات والمفاهيم الدينية، علينا أن ننظر إلى تفاصيل الوعي اليومية. سوف يستمر انحسار الكلمات الخاصة بالتصوّف. ويجب علينا أن نطرح سؤال: ما مدى وعي الصوفيّ الحالي نفسه بواقعية كلمات؛ مثل: الكرامات، المشاهدات، القطب، الفيض، الولاية؟ إنها كلمات تواصل اختفاءها.

    سوف تستمر طبقة الوعّاظ في النمو على حساب العلماء المتخصصين، وتتجه إلى أن ترث الوضع الاعتباري لطبقة العلماء المفتين، دون أن ترث قيمتهم الاجتهادية والمعرفية. يبدو أن هذه الطبقة تكتسب مساحات أكبر، كل يوم، من خلال الإعلام. إلا أنها مع مرور الوقت، سوف تميل إلى معالجة القضايا النفسية بشكل أكبر، بسبب أزمات المسلمين الروحية المتنامية.

    سوف يواصل الخطاب الديني الرسمي عدم استثمار الفراغ الأيديولوجي الذي تركه الإسلام السياسي، بسبب ضعف جاذبيته، وبشكل أكبر، بسبب الفشل في اختيار الشخصيات ذات الجاذبية. وفي هذا المقام، أتمنى من صاحب المقام، أمير المؤمنين، أن يأمر بتوسيع تركيبة المجلس العلمي الأعلى لتستوعب المفكرين الشباب، تحقيقا لمزيد من الجاذبية والتواصل للخطاب الديني مع عموم المغاربة في الداخل والخارج.

    *هل مازال بالإمكان القول إن المغرب « بلد الأولياء »؟

    هذا السؤال قد يبدو للبعض أنه بسيط، لكنه مهمّ جدا. ولا بد من التنبيه إلى أن التاريخ يخبرنا أن المغاربة كانوا يرون في سلاطينهم وملوكهم أنهم من أولياء الله. وأذكر أن الناس كانوا يتبركون بماء وضوء ولباس السلطان أبا محمد المريني، ويرجون ببركته تسهيل وضع الحوامل أطفالهن. ومازال الناس يذكرون سيدي محمد بن عبد الله السلطان العلوي الصالح، وغيره كثير. إن إمارة المؤمنين مبدئيا راعية للأولياء، وهي مختلطة بمعنى الولاية لله، والاتصال من حيث النسب بنبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم.

    هذه المنطقة لم تكن فقط بلدا للأولياء، بل منتجا ومصدرا لهم إلى المشرق بكلّ ما ملكوه من تأثير ديني واجتماعي هائل. لقد كان الأولياء يمثلون القوّة النّاعمة للمغرب، ومازالوا كذلك حتى اللحظة، ومازال الخطاب الديني المغربي يستثمر في الأولياء السابقين؛ مثل التيجاني، ويستفيد منهم في بناء الأمن القومي وامتداداته في إفريقيا.

    والحقيقة أن الأولياء والصالحين لا يقدمّون لنا البركة والدعاء المستجاب فقط، بل يقدمون لنا الأمن القومي للأمة المغربية. ما قدّمه الأولياء للمغرب لم يقدّم مثله المثقفون، وهذا أمر لابد أن نعترف به. لا يوجد مثقّف يربط المغاربة بعمقهم الإفريقي. لكن بالمقابل، مازال ولي الله التيجاني يربطنا بإفريقيا، سياسيا ودينيا وثقافيا واجتماعيا.

    الأولياء المغاربة كانوا جزءا أساسيا من صناعة السياسة في تاريخ أمتنا، ومنحها الكثير من الشرعية. السياسة المغربية الآن، في رأيي، في أمسّ الحاجة إلى وجود الأولياء. لكنّ ولادة الأولياء في المجتمع عملية معقّدة لا تتوفر كثير من عناصرها الآن.

    الأولياء رغم عدم وضوح موقعهم في المشهد، عنصر أساسي في توازن الوعي المغربي، حتى الآن. وبالمناسبة، يجب أن نعيد تصحيح فهم من هو الوليّ؟ الولي ليس شخصا قابعا في زاوية أو جبل فقط؛ فشيخ الإسلام، بلعربي العلوي، من الأولياء، وعبد الله كنون كذلك، وعلال الفاسي.

    =========

    الخطاب الديني الرسمي مُحافِظ يفتقد إلى الجاذبيّة والمغرب حقّق نضجا في التمايز بين السياسة والدين

    الدكتور حسن أوريد، المؤرخ والناطق الرسمي باسم القصر الملكي سابقا، وأحد أكبر المثقفين المغاربة المعاصرين..

    *ما هو تقييمكم لمدى نجاح السياسة الدينية المغربية؟

    تقييم السياسة الدينية المغربية ليسَ بالأمر السّهل. لكن هناك محطات يبدو فيها أنها استطاعت أن توفّق بين مقتضيين؛ مقتضى الارتباط بالتاريخ والتقاليد، ومقتضى مواكبة الحداثة والتطورات الدولية، أو حسب تعبير لوزير الأوقاف: « الدّين حداثة سابقة، والحداثة نوع من التقديس المحيّن ».

    هناك محطات عدّة يبدو فيها أن هذه التجربة نجحت، سواء فيما يخص مدونة الأسرة، أو فيما يخص ملفات متعددة، أو حتى فيما يخص حرية المعتقد في حدود، ثم كذلك مع هيئات أساسية، سواء فيما يخص إعادة النظر في المجلس الأعلى للعلماء، أو المجالس العلمية الإقليمية، أو حتى في مؤسسات جديدة؛ مثل معهد تكوين الأئمة.

    إذن، لحدود الساعة، يمكن أن تعتبر التجربة المغربية سابقة وفريدة من نوعها. طبعا ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار طبيعة المغرب؛ فهو ليس دولة علمانية، والسلطة السياسية تستمدّ شرعيّتها من التّاريخ ومن الدّين. لذلك، هناك سقف لا يمكن تجاوزه عمليا فيما يخص التجربة المغربية، وهو الأمر الذي يظهر جليّا، سواء فيما يخص قضية الإرث التي تثار الآن، أو فيما يخص حرية المعتقد.

    *كيف تنظرون إلى التطورات التي يعرفها الحقل الديني المغربي؟

    ما يميز التجربة المغربية هو وجود وعي عام وشامل، ظهر جليّا بالأخص بعد أحداث 16 ماي المأساوية؛ حيث حدث حينها تمايز ما بين الدين والدولة من جهة، والدين والسياسة من جهة أخرى.

    عمليا، لا يمكن، في السياق المغربي، التمييز بين الدين والدولة؛ لأن الدولة المغربية، بالنظر إلى خصوصيتها، لا يمكن أن تنسلخ عن الجانب الديني. ولكن هناك وعي لدى الدولة، أو حتى داخل الحقل السياسي، بضرورة التمايز بين الحقل السياسي والحقل الديني، وهذا ما أعتقد أنه موضوع يكتنفه نوع من التّوافق.

    أظنّ أن المغرب بلغ نوعا من النّضج الذي أفضى إلى التمايز ما بين السياسة وما بين الدين.

    *هل يمكن اعتبار أن هناك « سوقا دينية » في المغرب؟

    سوق دينية أو بضاعة دينية، أنا شخصيا، لا أحب هذه الكلمات المستمدة من السياق الميركنتيلي؛ إذ لكل مجال خصوصياته ومفاهيمه.

    طبعا أنا أفهم أن هناك شيئا يسمى بـ »التديّن »، وهو موضوع لا يدخل في دائرة اختصاصي. ما يهمّني وما اشتغلت عليه، هو توظيف الدين في السياسة، ويمكن أن ألخصه في جملة واحدة: هناك مدّ متواصل ومسترسِل نحو نوع من الدنيوية، أو ما يسميه البعض بـ »العلمانية مع وقف التنفيذ ».

    *كيف ترون تنامي حضور رموز خطاب الوعظ الديني خارج الإطار الرسمي، أمام تواضع أداء المؤسسات الدينية في الترويج لمرجعية ومكانة مؤسّسة إمارة المؤمنين؟ وهل يعتبر هذا الحضور القوي تشويشا على أدائها؟

    أظن أنه ينبغي التمييز بين الوعظ وبين الدعوة والخطاب الديني. ويبدو لي أن كل ما يدخل في الوعظ والإرشاد يقع في دائرة الدولة، من خلال مؤسساتها، إما في المساجد، أو خطبة الجمعة، أو المجالس الإقليمية، أو المجلس الأعلى.

    وأظن موضوعيا أن هذه المجالس عرفت نوعا من « البيريسترويكا » أو « إعادة الهيكلة »، وتتوفر على عناصر جيدة من حيث التكوين، ومن حيث فهم قضايا المجتمع. كما أن هناك مؤسسات انكبت على قضايا آنية؛ مثل الرابطة المحمدية للعلماء، التي تقوم بجهد جبار. لذلك، أظن أنه عمليا وموضوعيا، وعلى خلاف ما يُعتقد، التجربة المغربية الرسمية واكبت هذه التطورات من خلال مؤسسات وعناصر كفؤة، إنّما تشتغل تحت سقف معين لا يُمكن تجاوزه. طبعا في الجانب الآخر، هناك خطاب دينيّ سياسيّ، يدخل إما في دائرة الإسلام السياسي، أو أحيانا ربما في دائرة التطرف.

    هذا الخطاب الديني السياسي حاضر إعلاميا، ولكن ليس بالضرورة أنه مؤثر مجتمعيا، وهذا في اعتقادي شيء أساسي، وكمثال على ذلك، الظاهرة السلفية محدودة التأثير.

    طبعا الخطاب المتطرّف يحظى بالاهتمام، لأن له مضاعفات تمسّ الأمن بالأساس. ولكن موضوعيا، ينبغي الإقرار بأن المؤسسات الرسمية، سواء من خلال هيئات جديدة ومستحدثة ومحيّنة، استطاعت مواكبة التطورات الدورية، بشهادة الكثير من المتابعين والمراقبين.

    *لكن هناك مؤاخذات على الحضور الباهت والمتواضع للمؤسسات الدينية الرسمية رقميا، مقابل حضور قويّ للحركات الإسلامية!

    الخطاب الرسمي في أي دولة ليس له جاذبية، ثم إن الخطاب الرسمي يقع دائما في دائرة قوانين معينة ودائرة مرجعيات؛ مما يحدّ مجال الحريات. هذا واقع.

    لا أستطيع التحدث عن كل المؤسسات. لكن يمكنني الحديث مثلا عن الرابطة المحمدية للعلماء، على الأقل في الفترة التي اشتغلت عليها، والتي تقوم بعمل جبار فيما يخص قضايا آنية؛ منها تفكيك خطاب التطرف، إنما لا تحظى بمتابعة إعلامية.

    كما أستطيع التحدث عن مجلس الجالية المغربية بالخارج الذي يواكب بدوره التطورات، ويُسترشد به فيما يخص التأطير الديني، أو حتى قضايا ذات مضاعفات أمنية، كما حدث في الهجوم الإرهابي ببرشلونة، سنة 2017؛ حيث اضطلع بدور تشاوري مع السلطات الإسبانية. إنما كما قلت لك، الخطاب الرسميّ عادة لا يحظى بجاذبيّة.

    *ما الذي يجعله يفتقد إلى هذه الجاذبيّة؟

    لأنه خطاب مُحافِظ بالأساس.

    *ما المؤثر الأكبر على تديّن المغاربة، توجيه عقل الدولة أم توجيه عقل الأيديولوجية؟

    الدولة يمكن أن تستند على أيديولوجية كذلك. نحن نعيش في عالم لا يمكن أن تقوم فيه أيدولوجية واحدة أو شمولية، هذا غير وارد.

    قد تكون للدولة مرجعية عقدية أو سياسية، وهذا مشروع. ولكن شريطة ألا تكون هذه المرجعية هي الوحيدة التي تنمّط المجتمع. طبعا الحداثة هي أن نأخذ بالاختلاف في كل أوجه التوجه السياسي، وبالاختلاف الثقافي، ونأخذ كذلك بالحرية.

    والمرجعية الدينية، إن كانت، قد لا تنطبق بالضرورة مع هذه المقتضيات، لا من حيث احترام الاختلاف، إلا في حدود معينة، أو الحرية، لأن الحرية المقيدة، ليست حرية. لذلك، من المفروض أن تكون الحقول الخارجة عن الدولة، أكثر جرأة، لأنها أكثر حريّة.

    *بخصوص الأمن الروحي، هناك من يؤاخذون على المؤسسات الدينية الرسمية إصرارها على الاشتغال بمنطق ما يسمى بـ »الجزر المؤسساتية المعزولة ».. ما رأيكم؟

    ينبغي أن أكون بداخل البنية لكي أصدر حكما. كما أنني لا أشتغل على ما ينبغي أن يكون، بل على ما هو كائن. أنا خارج مرجعية الدولة. هذه المرجعية في الحقل الديني التي تقوم على تحديث الإسلام، وما يهمني أنا هو تحديث المغاربة.

    ما يمكنني قوله بهذا الخصوص هو إن جهد الدولة بالأساس، هو جهد من أجل الالتئام مع التطورات. فهو دائم جهد بَعديّ، وليس جهدا استباقيّا. لذلك، هو متأخّر عن تطور المجتمع. وكمثال على ذلك، إصدار المجلس العلمي الأعلى فتوى « قتل المرتد »، قبل أن يتراجع عن ذلك. لا يمكن عمليا قبول الحكم بالإعدام على شخص « مرتدّ ». هذا غير مطابِق لا للعصر، ولا لتوجّهات الدولة. وهذا دليل على تأخر المؤسسات الرسمية عن دينامية المجتمع.

    =========

    الفضاءات التي يعيش فيها مغاربة الخارج سوق دينية مفتوحة ونموذج التدين المغربي مستفز لأعدائه

    الدكتور عبد الله بوصوف، المؤرخ المغربي والأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج..

    *هل مازالت إشكالية الدين والتديّن على رأس مشاكل المغاربة بالخارج؟

    نعم، مازالت هذه الإشكالية قائمة؛ لعدة اعتبارات، على رأسها أن الإشكال الكبير عبر العالم الآن، هو مشكل التديّن، الذي خلق مجموعة من التشجنات الهوياتية والدينية، ما يجعل من حماية وتحصين مغاربة الخارج يبقى على رأس الأولويات. لدينا 5 ملايين مغربي، ينتشرون في 50 دولة تقريبا؛ بمعنى أنها جالية معولمة. وبطبيعة الحال، ستكون مستهدفة من طرف تيارات دينية لا صلة لها بنموذج التديّن المغربي، والتي أحصيها في أكثر من عشرة تيارات؛ كإيران وحزب الله والإخوان المسلمين والسلفيين وحزب التحرير، إلى غير ذلك من المنافسين، بالإضافة إلى استهدافها من طرف تيارات سياسية تستعمل الدين كغطاء.

    *ما الذي يجعل نموذج التديّن المغربي مستهدفا بدرجة كبيرة في الخارج؟

    لأنه يقطع الطريق على تجّار الدين، ويقف بصلابة ومتانة في وجه التطرف والكراهية والإرهاب. ونذكر هنا كيف كان الملك محمد السادس، الحاكم الوحيد في العالم، الذي قال كأمير للمؤمنين، بكل وضوح وشفافية وروح مسؤولية، بعد ذبح القس الكاثوليكي، جاك هامل، داخل كنيسة في نورماندي الفرنسية، عام 2016، على يد إرهابيين، إن من يقوم بهذه الأعمال ليس بمسلم.

    كل هذا جعل من نموذج التديّن المغربي نموذجا مستفزا لأعدائه، وعقبة لهم؛ كونه استطاع الحفاظ على استقرار ديني للبلاد، وجعله يحظى بإشادة دولية، من قامات فكرية وعلمية ودينية كبيرة. وأذكر هنا « وثيقة مراكش » حول وضعية الأقليات الدينية في بلاد المسلمين، والتي باتت من الأدبيات.

    *ما هي أبرز التحديات التي تواجه تديّن مغاربة العالم حاليا؟

    الفضاءات التي يعيشون فيها باتت بمثابة سوق دينيّة كبيرة مفتوحة لكل من هبّ ودبّ، عكس التأطير الديني داخل المغرب. في الخارج، هناك أئمة ليسوا بأئمة، لكنهم نصّبوا أنفسهم كذلك، بالإضافة إلى تيارات دينية تم التضييق عليها في بلدان عربية، استطاعت الآن أن تلجأ إلى أوروبا، وتبدأ الاشتغال داخل صفوف الجالية من أجل الاستقطاب، ومن أجل أن تتقوى.

    ولحماية مغاربة العالم، يجب أن نبلور نموذج التديّن المغربي إلى نموذج تديّن يمكن تطبيقه في جغرافية غير جغرافية المغرب؛ بحيث يكون متناسبا في القرن الـ21، مع حقوق الإنسان، والمساواة بين الرجل والمرأة، والحريات بصفة عامة، والتعددية، والتنوع. وأنا مقتنع بأنه يتوفر على كل هذا. نموذج التديّن المغربي بات الآن قابلًا لأن يطبق في أماكن أخرى، ليس بتفاصيله الفقهية، وإنما برُوحه.

    *ما هي أبرز الطرق التي يتم من خلالها استهداف تديّن مغاربة الخارج، حسبما رصدتم؟

    التيارات التكفيريّة الهدّامة تعتمد بالأساس على وسائل التواصل الاجتماعي، لاستقطاب عناصر جديدة، والتي تنشط فيها جدا للأسف، وخاصة بلغات غير اللغة العربية، مقابل ضعف الحضور الرقمي لخطابنا الديني الرسمي، وهذا ما ندعو إلى تداركه، بتطوير هذا الخطاب، من خلال جعله قابلا للرقمنة، بلغات متعددة، وبلغة بسيطة. المغرب مثلا لا ينتج خطابا حول التدين باللغات الهولندية والألمانية والإيطالية. فقط هناك خطاب باللغتين الإسبانية والفرنسية، لكنه يبقى غير كاف، رغم أن المغاربة يتواجدون بكثرة في هذه البلدان الأوروبية.

    المغاربة بطبعهم لديهم عاطِفة دينيّة؛ حيث ورثوا عن آبائهم تدينا وسطيّا سلسا خاليًا من أي تشنّج، ولا يؤدي إلى صراع مع الحياة، بل يستوعبها في كل مناحيها. فبالتالي، حينما يعيشون بعيدا عن المغرب، يسعون إلى الحصول على المعلومة الدونية. لكن ليس لهم التكوين الكافي من أجل التفريق بين الغث والسمين في هذا الباب. وهنا يأتي دورنا نحن لإمدادهم بالمعرفة الأساسية.

    بطبيعة الحال، وزارة الأوقاف مطالبة بتطوير معارفها وإنتاجاتها. كما أن الجامعة المغربية مدعوة أيضا للانخراط، من خلال تشجيع الإنتاج فيما يتعلق بالإسلام والتديّن المغربي، باللغات الأوروبية خاصة، وكذلك لدخول العالم الرقمي، بالإضافة إلى العلماء المدعوين بدورهم إلى المشاركة. وأعتقد هنا أن المجلس العلمي الأعلى يلعب دورا مهما جدا، من خلال إصدار مجموعة من الفتاوي المهمة التي يمكن أن تساعد المغاربة، حتى على الاندماج، وتقدم لهم إجابات على الأسئلة المطروحة. وأستحضر هنا فتوى « المصالح المرسلة »، بطلب من أمير المؤمنين. فتوى جميلة جدا؛ حيث أفتى المجلس بأن الدولة في الإسلام دولة مدنية، ولم تكن أبدا دولة دينية.

    أعتقد أن الصراع اليوم قائم حول هذا الأمر. فإذا كان لدينا فتوى بهذا الحجم، يمكن أن نقدمها كحلّ للعالم. لكن ما حصل هو أننا لم نسوّق لها كما يجب. نفس الخطأ حدث حينما أمر الملك محمد السادس بتعيين المرأة كعدل. ما حصل هو ثورة في العالم الإسلامي. لكن للأسف، لم يتم الترويج لذلك أيضا. هناك أيضا تراجع المجلس العلمي الأعلى عن الفتوى الخاصة بـ »قتل المرتد »؛ حيث قال فقط إن من غيّر الدين من أجل الدين، فلا شيء عليه، إن لم يكن مرتبطا بالخيانة العظمى.

    *هل يلقى مغاربة العالم بباقي القارات، نفس الاهتمام الذي تحظى به الجالية المغربية بأوروبا؟

    حينما نتحدث كثيرا عن أوروبا؛ فهذا لأنها تحتضن أكثر من 80 في المائة من الجالية المغربية، فيما تعيش 10 في المائة منهم على أراضي أمريكا وكندا. لذلك، فمن الطبيعي أنّ الإشكالات المطروحة بهذه القارة أكبر بكثير من تلك المطروحة في الأمريكيتين، أو في الدول العربية، أو الإفريقية، أو الآسيوية. كما أن الاستقطاب الحقيقي يتمّ، لحدود الساعة، فوق الأراضي الأوروبية. لكن هذا لا يعني إقصاء باقي الجاليات. جميع مغاربة الخارج يملكون الحق في التأطير، والاستفادة من المجهودات التي تقوم بها الدولة ضمن السياسات العمومية الموجهة لهم.

    وحتّى على المستوى السياسي، فاللغط الكبير الذي تابعناه مؤخرا كان بفرنسا، بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية؛ حيث كانت الجالية الإسلامية مستهدفة من طرف مجموعة من القوى؛ مثل المتطرف إيريك زيمور. لقد تم تحميل هذه الجالية كل مشاكل البلد ببساطة. لكنّها أثبتت أنها جديرة بالثقة، لأنها هي من أنقذَت وجه فرنسا. كما ساهمت في إنقاذ فكر الجمهورية والعلمانية أيضا، بوقوفها في وجه الفكر المتطرف، وساهمت في انتخاب الرئيس إيمانويل ماكرون.

    *ما هو الدور الذي يلعبه المجلس في عملية ترشيد الممارسة الدينية في أوروبا؟

    نحن مؤسسة استشارية واستشرافية تنتج الأفكار، وترصد الاختلالات، وتحاول فهم ما يقع عبر الإنصات. وهذا ما قام به المجلس منذ عام 2008؛ حيث نظّم أربعة مؤتمرات مهمة، وأصدر أربعة كتب حول الإسلام في أوروبا. وكان السؤال الأول هو: « إلى أي مدى الأنظمة القانونية الأوروبية مرنة من أجل استيعاب الإسلام كوافد جديد، باعتبار أن كل التشريعات الأوروبية تمت قبل وجوده؟ ». والجواب كان أنه ليس هناك تعارض بين الإسلام والعلمانية أو الديمقراطية؛ إذ يمكن له أن يعيش ضمن الإطار القانوني المتوفر الآن في أوروبا.

    ربما كان النقص الذي لاحظناه في بعض البلدان، هو غياب الرغبة السياسية. لذلك، نجد أن هناك عراقيل كبيرة من أجل بناء المساجد، أو من أجل الحصول على مجموعة من الحقوق، فيما يتعلق بالتأطير الديني في المؤسسات الدينية، على الرغم من أن القانون يكفُل هذه الحقوق.

    أما السؤال الثاني، فكان: « الإسلام في أوروبا دائما، أيّ نموذج؟ »؛ حيث يعيش المسلمون الآن في أوروبا باعتبارهم أقلية، بعد أن كانوا يعيشون كأغلبية في بلدانهم. فهل لدى الإسلام تلك القدرة على إحداث نوع من التأقلمات مع الوضع الجديد، والإجابة على الأسئلة الجديدة المطروحة في تلك الدول؟

    والجواب كان أنه لدى الإسلام قدرة كبيرة على التأقلم. لكن الإشكال يتمثل في غياب الكفاءات العلمية القادرة على إحداث هذا التأقلم. ولهذا، قمنا عام 2011؛ أي قبل هجمات باريس 2015، بلقاء ثالث اقترحنا فيه تكوين الأئمة التي ستمارس عملها في تلك الدول، تكوينا مزدوجا في الإسلام الكلاسيكي والعلوم الإنسانية، مع تدريس الظاهرة الدينية، من خلال تقديم مجموعة من المعارف حول الأديان، ليس من الناحية العقيدية، وإنما من الجانب المعرفي العلمي، حتى نستطيع أن نرسخ التعارف بيننا كمسلمين وبين معتنقي الأديان الأخرى؛ إذ لاحظنَا أنّ ما كان ينقصُنا هو قلة معرفة الآخر بنا وقلة معرفتنا به. وأستحضر هنا قولا للمنظر الفلسطيني، إدوارد سعيد، الذي يعتبر أن الصّدام الحاصل هو صدام الجهالات، وليس صدام الحضارات.

    وبعد ذلك، كان المؤتمر الرابع حول ظاهرة « الإسلاموفوبيا »؛ حيث استطعنا دراستها، وأصدرنا بهذا الخصوص كتابا، باللغتين العربية والفرنسية، مع الاشتغال على ترجمته بلغات أخرى حاليا.

    وبطبيعة الحال، قمنا في هذه الندوات الدولية الكبرى، بالإنصات إلى جميع الفاعلين الدينيين: الفاعلين المغاربة من المغرب، والفاعلين الدينيين من دول الإقامة، خاصة الأكاديميين، والأديان الأخرى، والسلطات المحلية في تلك البلدان. أشركنا الجميع في عملية الإنصات؛ لأن الطريقة التي يمكن أن نحلّ بها هذه المعضلة المجتمعية أو نتغلب عليها، هو النّهج التشاركيّ.

    المجلس أيضا كان من بين المدافعين عن ضرورة إنشاء معهد لتكوين الأئمة فوق التراب الأوروبي، والذي يمكن أن يخلق معه كل من معهد محمد السادس وجامعة القرويين، شراكةً علميّةً.

    كل هذه الأفكار كنا من السباقين إلى طرحها قبل أحداث 2015 الإرهابية. لكن التفاعل معها مازال لم يتحقق بالشكل الذي كنا نريده. نتمنى أن نستمر في التفكير، وإنتاج المعرفة، ومحاولة ترشيد الممارسة الدينية؛ لأننا نعتقد أن ممارسة الإسلام ممكنة في أوروبا؛ حيث لا يوجد تعارض بين الإسلام وبين الأنظمة أو المبادئ الأوروبية الكبيرة، خاصة العلمانية. كما نتمنى أن يكون الإسلام كغيره من الأديان؛ بمعنى أن تكون لنا حقوق وعلينا واجبات كغيرنا، وألا نشكل ثقلا على المجتمع.

    *ما رأيكم في التباين الحاصل بين ما يكفله القانون في هذه البلدان وما يتضمنه خطابها السياسي من تطرف بخصوص التخلي عن القناعات الدينية من أجل الاندماج؟

    هذا ما يجعلنا ندعو إلى العمل المشترك والمسؤولية المشتركة، أن القانون لا يطالب أحدا بالتّخلي عن قناعاته الدينية، في حين يتضمّن الخطاب السياسي تعنّتا وتطرّفا. المشكل الأساسي يكمُن في انعِدام الرّغبة السياسية، وليس في قانون البلد؛ حيث يحاول السياسي تجاوز هذا القانون أو خرقه. لذلك، ندعو المسلمين، بمن فيهم المغاربة، بالالتزام بالقانون، وأن تكون ممارستهم الدينية في إطاره. وأظنّ كباحث ومتابع وممارس عشت في أوروبا، أنه ليس هناك ما يتعارض مع كوني مسلما في مجتمع أوروبي.

    كما ندعو الطرف الآخر؛ أي المجتمع الغربي، إلى تطوير ثقافته ومعرفته عن الإسلام والمسلمين، خاصة بعد الذي بتنا نشاهده على مجموعة من القنوات التي تفتح الباب أمام من يتحدثون عن ديننا، دُون أن يكونوا عارفين به.

    فرنسا مثلا، لطالما كانت بلد المستشرقين الكبار؛ على رأسهم لويس ماسينيون، وجاك بيركودنيز ماسون، اللذان عملا على ترجمة القرآن. لكن الجامعة الفرنسية اليوم لم تعد تنتج مثل هؤلاء المتخصصين الكبار. بالمقابل، تحوّل بعض الصحفيين، أو بعض السياسيين، أو بعض المهتمين بالعلوم السياسية، إلى متخصصين جاهلين بالإسلام، بدل المتمرسين في معرفته، الذين لم نكن نواجه مثل هذه المشاكل معهم.

    هناك أيضا مدينة ليدن الهولندية التي كانت حضنًا للمعرفة الدينية؛ حيث أنتجت الكثير من الكتب الدينية، على رأسها الموسوعة الأكاديمية « دائرة المعارف الإسلامية »، التي تُعنَى بكل ما يتّصل بالحضارة الإسلامية، سواء من الناحية الدينية أو الثقافية أو العلمية أو الأدبية أو السياسية أو الجغرافية، على امتداد العصور، بما في ذلك العصر السابق للإسلام. مثل هذا مثلا لا يمكن مقارنته بآراء السياسي الهولندي المتطرف، خيرت فيلدرز.

    الآن، هناك شرخ إبستمولوجي مكون من عنصرين؛ عنصر يخصنا نحن كمسلمين، باعتبارنا قليلي معرفة بالمجتمع الغربي، وخاصة السيرورة التاريخية للعلاقة الدينية بالمجتمع، لفهم التطورات التي حصلت، بالإضافة إلى نقص في معرفتنا الدينية؛ حيث فَرض نمط تديّن معين نفسه؛ كالوهّابية، التي تروج لفكرة أنها النموذج الوحيد. في حين أن هناك تنوعا كبيرا في المجال؛ إذ لدينا قرابة عشرة مذاهب وأكثر في بعض الأحيان. كما أنه في المذهب المالكيّ أصول متعددة تقارب 16 أصلا، تمكّن من بناء منظومة دينية تتوافق مع العصر. في حين تتميز العقيدة الأشعريّة بعدم التكفير والعقلانية، وهي العناصر التي أعتقد أنها مطلوبة اليوم، عالميا، وأوروبيا خاصة. في حين يتميز المذهب المالكيّ بالمرونة، ويأخذ بعين الاعتبار الآخر ولا يُقصيه، بل يستوعبه؛ كأن نتحدث عن شرع من قبلنا، وعن العرف. أما التصوّف، فيهذّب السلوك، ودائما ما أُعرّفه بأنه « منطقة واصلة وفاصلة »؛ بمعنى أنه منطقة يمكن أن نلتقي فيها، تماما كالمناطق المنزوعة السّلاح.

    بالمقابل، يجب على الطرف الأوروبي أن يتعرف علينا حقيقة، ولا يكتفي بتصوره على المسلمين أو ببعض الشذرات من الإسلام. كما يجب عليه أن يرجع إلى أصوله المعرفية؛ لأن الجامعات الأوروبية، والجامعة الفرنسية بالدرجة الأولى، أنتجت معارف إسلامية كبيرة، للأسف لا تستعمل اليوم. وربما الآن هناك توجه إلى إحياء الشُعب الإسلامولوجية في الدراسات الإسلامية بالجامعات الفرنسية.

    *كيف تقيمون الآن تأثير المذهب المالكيّ والعقيدة الأشعريّة والتصوّف على مغاربة العالم؟

    هذا التأثير موجود بالتأكيد. الآن مثلا، مجموعة من الشباب يقبلون على التصوّف. قراءة القرآن الكريم في المساجد المغربية بأوروبا حسب المذهب المالكي موجودة. الالتزام بالعقيدة الأشعريّة موجود. ربما كانت الغلبة، في بعض الفترات، كما قلت، لفكر معيّن. لكن كانت هناك أيضا مسؤولية أوروبية ساهمت في انتشار هذا المذهب المعين، لأغراض اقتصادية وسياسية؛ حيث تم فسح المجال لإقامة مساجد لدول لم تكن لها جالية في البلدان الأوروبية، فين حين كان يتم التضييق على المغرب هناك. الآن، المساجد الكبيرة الموجودة في أوروبا تنتمي لدولة ليس لها ولا مواطن واحد فوق التراب الأوروبي، وإنما كان ذلك في إطار من الترضِيات السياسيّة.

    *مثلا؟

    مثلا، المركز الإسلامي ببروكسيل قُدّم كهدية من الملك البلجيكي إلى الملك السعودي، سنة 1974، بعد أزمة البترول سنة 1973؛ حيث كان ترضية، ولم يأخذ بعين الاعتبار، الواقع الحقيقي للجاليات. الواقع الحقيقي كان هو « المسلمون المغاربة ».

    وبدل أن تكون هناك مرافقة للمسلم المغربي حتى يستطيع أن يجد ذاته في مرجعيته الروحية المغربية، حصل العكس؛ حيث تم إدخال مرجعية روحية أخرى عليه، مرجعية روحية غريبة عنه, وبطبيعة الحال، وقعت اصطدامات.

    مثلا في الحرب الباردة، ساهمت الدول الأوروبية في « أفغنة الإسلام » في أوروبا. أنا الآن أتحدّث بكلّ مسؤوليّة. لقد تم استعمال الإسلام من أجل مواجهة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وتم الزّجّ بمجموعة من الشباب. أذكر أن من يسمّون بـ »المجاهدين الأفغان » كانوا يُنعتون على صفحات الجرائد الفرنسية، بـ »les combattants de la liberté »، وكان رؤساء الفصائل الجهادية يُستقبلون في فرنسا كما يستقبل رؤساء الدول. وحتى في أمريكا، هذا المصطلح نطق به الرئيس الأمريكي السابق، رونالد ريغان، آنذاك، والذي استقبل أحد كبار قوات الجهاد، برهان الدين رباني، في البيت الأبيض.

    الخميني أيضا صناعة غربية. أذكّر بأنه قبل ذهابه إلى إيران، مكث بفرنسا 112 يوما، وأجرى 140 حوارا صحفيا، وإلى جانبه كبار المثقفين الفرنسين؛ أمثال ميشال فوكو، وجون بول سارتر، وسيمون دوبوفوار، وكانوا من مؤيدي الثورة الإيرانية ضدا في حزب « تواد » الإيراني الشيوعي، خوفا من انضمام إيران إلى أفغانستان، في إطار المعسكر الشرقي. أدلجة التديّن ساهمت فيها أيضا الدول الغربية. إذن، لها مسؤوليّة.

    *بالحديث عن أدلجة التديّن، هل يمكن اعتبار أنه يتم استغلال المسلمين في الحرب الروسية الأوكرانية حاليا؟

    أكيد يتم ذلك، للأسف الشديد. عندما نلاحظ وجود ما يسمى بـ »المرتزقة »، أو حتى بين المسلمين الذين يعيشون في أوكرانيا وروسيا، نجد الآن « المفتي » الذي يتجنّد إلى جانب البلد التي يعيش فيها. نحن نخوض معارك كمسلمين، ولا ندري لماذا نخوضها.

    الكل يعرف الآن أن ما يقع بين البلدين معركة عالمية من أجل تشكيل الأحلاف؛ حيث يسعى المعسكران الغربي والشرقي لفرض هيمنتهما، والإسلام ضحية هذه المعارك السياسية والصراعات الإيديولوجية؛ حيث يُزجّ به في نار الحروب.

    الآن، يجب علينا أن نرفع أيدينا على الأديان بصفة عامة، ونتركها في مكانها، وهو المرافقة الروحية للمؤمنين، والارتقاء بالسلوك الإنساني، ولا شيء غير ذلك. هذا هو الدّين.

    *كيف تقرؤون واقعة سماح أمريكا بأداء صلاة التراويح في ميدان « تايمز سكوير »، لأول مرة؟

    قد نعتبر هذا الأمر استغلالا للصور، بشكل عاطفيّ. بصفة عامة، أنا لست مع إقامة الصلاة في الشوارع؛ لأن الصلوات يجب أن تقام في أماكنها، وهي بيوت الله. وبطبيعة الحال، يجب أن نمكّن المسلمين من التوفر على أماكن إقامة الشعائر الدينية؛ أي مساجدهم. الصلاة ليست استعراضا، بل هي عملية روحية. وحتى في اللغة، فهي تعبر عن الصلة بين العبد وربه. بالنسبة لي، هي أكثر رقيّا مما نقدمه كصورة. وما حدث لا يجب أن يُعتبر استعراضا للقوة.

    *في نظركم، هل الأدوات الحالية المتوفرة لديكم أو لدى المؤسسات الدينية الرسمية، قادرة على حماية الأمن الروحيّ لمغاربة العالم؟

    أظن أنها قادرة على ذلك، نظرا لما نتوفر عليه من ترسانة مهمة من الناحية العلمية والمعرفية، ومن ناحية النّموذج. لكن بشرط أن يكون بين كل الفاعلين، تنسيق وتفكير جماعي، وعمل على تطوير وتحيين ما نقوم به، من أجل أن نرافق التطورات التي تعرفها المجتمعات الغربية بالدرجة الأولى، وننخرط في العالم الرقمي من أجل ضمان أكبر قدر من التحصين لجاليتنا؛ إذ لا يمكن أن تقوم بهذا كلّه مؤسسة بمفردِها.

    =========

    الحديث المطلق عن تراجع « الإسلاميين » مُجازفة ومن الصعب أن يحتكر أي طرف الحديث باسم الدين

    الدكتور سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المغربية سابقا، وأحد المفكرين المغاربة..

    *كيف تنظرون إلى طبيعة تديّن المغاربة؟

    التديّن لدى المغاربة جزء من كينونتهم الجماعية، والمغاربة بمختلف مشاربهم الفكرية، متديّنون بالطبيعة، رغم ما يمكن تسجيله من ملاحظات. وهذه الميزة هي التي جنّبت المغرب عدة مشاكل وتحديات عاشتها مجتمعات أخرى. لذلك، من الصعب أن يحتكر أيّ طرف الحديث باسم الدين، لأن المغاربة كلهم يشتركون في هذا الانتماء.

    *ما ردّكم على من يرى أن التديّن يتعارض مع الإقبال على الحياة؟

    هذا القول غير صحيح، ولا شيء في الدين يمنع من الإقبال على الحياة، والتمتع بما وهب الله فيها من نعم. ونحن نقرأ في القرآن الكريم: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّـهُ لَكُمْ »، ونقرأ فيه: « قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق »، وآيات أخرى كثيرة تتضمن ترغيبا في الإقبال على الحياة والاستمتاع بها، والإبداع فيها وتنميتها، كل ذلك في إطار مبادئ الدين وأحكامه، وفي إطار الأخلاق. مع العلم أن الأصل في الدّين هو الإباحة والسّماح والتيسير. ويستطيع المسلم أن يستغني بالمساحات الواسعة من الحلال عن الحرام، وبالمجالات الفسيحة المتنوعة للطاعة عن المعصية. لكن كما هو الشأن بالنسبة لجميع الأديان والمذاهب، قد تكون هناك رؤى متشدّدة. لكنها ليست الأساس، ولا الاتجاه العام في الإسلام.

    *هل تديّن مجتمع ما مرتبط بالضّرورة بوجود حركات إسلاميّة فيه؟

    هذا سؤال غير دقيق. فبروز المجتمع المدني أو الحركات المدنية يلبّي، عادة، حاجة مجتمعية. قد تُبلي الحكومات والجهات الرسمية جيدا في العناية بشؤون البيئة، لكن هذا لا يغني عن وجود مجتمع مدني يسهم أيضا في هذا المجال. وكذلك في مجال التديّن، لا شكّ أن هناك الكثير من الجهود الرسمية، لكن هناك أيضا العديد من الجهود الشعبية؛ مثل العلماء، والزوايا، والجمعيات، وغيرها، والحركات الإسلامية – مع الإشارة إلى فضفاضية هذا المصطلح – ليست إلا جزءا من هذه الجهود. وهناك قوانين تنظم العمل المدني والجمعوي، وهي تعمل في إطارها.

    *في رأيكم، هل تراجع حضور الإسلاميين داخل المجتمع المغربي يعني تراجع مظاهر التديّن داخله؟

    « الإسلاميون » – حسب ما أرى – شرائح واسعة في المجتمع، متنوّعة ومتباينة. لذلك، فالحديث عن تراجع حضورهم بهذا الإطلاق، مجازفة. وعلى الرغم من ذلك، فربط تقدّمهم وتراجعهم بتقدّم وتراجع التديّن غير دقيق، ولم يقله أحد.

    *إلى أيّ مدى يمكن أن نعتبر أن المؤسسات الدينية الرسمية قادرة على صيانة الأمن الروحي للمغاربة؟

    المغاربة استطاعوا أن يبدعوا عبر التاريخ أشكالا معتبرة استطاعت أن تصون الأمن الروحي للمغاربة، وهكذا فقد لعبت الزوايا والرباطات دورا مهما في تأطير الجانب الروحي للمغاربة. كما أن مؤسسة إمارة المؤمنين تعتبر الحجر الأساس في تدبير الشأن الديني، وذات دور فعّال في تحصين الأمن الروحي للمغاربة. ومن هنا، فإنّ ما تقوم به المؤسسات الدينية الرسمية مهمّ جدا في هذا المجال.

    *كيف ترون مستقبل التديّن في المغرب؟

    اتّفقت عدة تقارير بحثية على رصد ارتفاع وتزايد في مؤشرات الإقبال على التديّن في المجتمع المغربي، وهذه التقارير شملت مختلف الفئات الاجتماعية، وتكاد تتفق على خلاصة كبرى هي: « استمرار تصاعُد الإقبال على التديّن وسَط المجتمع المغربي ».

    ومن أهم المؤشرات الدّالة في هذا الباب، الإقبال على المنتوج الدعوي في الإعلام، والاطراد الملحوظ في تشييد المساجد، والإقبال على تراويح رمضان، والرغبة الواسعة في الحج والأعداد الكبيرة للمسجلين، وغيرها من المؤشرات التي تدل على تعظيم المغاربة للدّين ولشعائره. لذلك، فأنا متفائل أن المغاربة قد يختلفون في أمورة عدة، لكن مظلّة الدين الواسعة، والحمد لله، تسعنا جميعا وتوحّدنا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • “قرصة أذن” أمريكية للرئيس..و”تحدي الألفية” تسير نحو إلغاء مساعدات مالية لتونس

    وجد الرئيس التونسي، قيس سعيد، أمس الثلاثاء، نفسه في وضع لا يحسد عليه وهو يدلي بتوضيحات بخصوص الأوضاع في بلاده أمام مساعدة وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط باربارا ليف عند ما استقبلها بقصر قرطاج بالعاصمة تونس.

     

    وطالبت المسؤولة الأمريكي حسب ما أوردته قناة “سكاي نيوز” بالاستماع إلى السلطات التونسية للوقوف على حقيقة الأوضاع رغم أنها لم تعد تخفى على احد بعد نجح في إيصالها إلى شفير الهاوية خلال سنتين فقط من توليه زمام السلطة ولجوئه إلى إلغاء المؤسسات وتجميع السلطات بين يديه وتنصيب نفسه حاكما أوحد بدستور فصله على مقاسه منقلبا بذلك على شرعية الصناديق التي أوصلته إلى منصب لم يكن يحلم به ولم يمارس السياسة يوما من أجل نيله.

     

    الرئاسة التونسية اكتفت بالحديث عن ما هو معلوم في الرسميات التي تلي مثل هذه اللقاءات وقال أنه تباحث مع باربارا ليف في عدة أمور متصلة بالمسار الذي تعيشه تونس، كما فند ما يتم الترويج له من ادعاءات بخصوص الأوضاع الداخلية، فضلا عن تناول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تونس والدور الذي يمكن أن تضطلع به المجموعة الدولية للمساعدة على تجاوز الصعوبات التي تمر بها البلاد.

     

    وتأتي الزيارة التي قامت بها مساعدة وزير الخارجية الأمريكي إلى تونس مع عزم مؤسسة “تحدي الألفية” الأمريكية تعليق منح مساعدات إلى تونس بقيمة 500 مليون على مدار خمس سنوات، بسبب قرارات قيس سعيد الأخيرة المتعلقة بالوضع الداخلي والدمقراطية، وذلك حسب ما أوردته مجلة “جون أفريك” التي أضافت أن السيناتور الديمقراطي من ولاية ديلاوير، كريس كونز، هو الذي أعلن عن هذا القرار في 24 غشت الجاري بعد عودته من جولة في إفريقيا، التقى خلالها بالرئيس التونسي قيس سعيد رفقة خمسة أعضاء آخرين في الكونغرس، حيث أرجعت المجلة الفرنسية هذا القرار إلى تحفظ هؤلاء الأعضاء حول سياسات قيس سعيد والنكسات الديمقراطية التي عرفتها تونس في عهده، رغم تعهدات الرئيس التونسي بإعادة المسار الديمقراطي إلى سكته انطلاقا من الخريف المقبل بتنظيم الانتخابات البرلمانية، لكن يبدو أنها لم تقنع أعضاء الكونغرس الذين قرروا إعادة موضوع هذه المساعدات إلى مؤسسة “تحدي الألفية” لمناقشته من جديد واتخاذ قرار بخصوص تعليق منح تونس هذا المبلغ أم لا ما يعني أن القرار السابق المتخذ أصبح لاغيا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب جزيرة الكنوز المخفية…!

    رشيد بوفوس
    08/27/2022
    ترجمة و بتصرف الدكتور عزيز سدراوي

    ذات مرة، قال المؤرخ الكبير عبد الله العروي، إن المغرب على مدار تاريخه كان يشبه جزيرة و مطمعا من كل الجهات ويعاني من الأخطار من كل جانب. و على هذا النحو ، على المغاربة أن يعيشوا وأن يتفاعلوا مثل سكان الجزيرة.
    الاستاذ العروي، أبدا لم يكن مخطئا.
    و يضهر جليا هذا و بشكل أكبر ، لأنه بعد المزحة الأخيرة للرئيس التونسي اتجاه المغرب ، و غضب الرئيس الفرنسي ، والعداء الذي لا يُقهر للجزائريين ، والجنوب أفريقيين ، والكولومبيين ، والكوبيين ، والفنزويليين ، وحلقات التوتر السابقة مع إسبانيا وألمانيا، قطر ، الإمارات ، موريتانيا أو الاتحاد الأوروبي بأسره ، نحن نميل إلى الاعتقاد بأن مؤامرة حقيقية يتم تدبيرها ضد بلدنا.
    ومع ذلك ، نحن ندافع فقط عن وحدة أراضينا ونسعى للعيش في سلام داخل الحدود الموروثة عن أجدادنا ، المعروفة والتي كان معترف بها من قبل العالم كله الى غاية منتصف القرن العشرين.
    لم نتدخل أبدًا في شؤون هذه الشعوب أو حتى الشعوب الأخرى، باستثناء مساعدتهم عندما كانوا يكافحون ضد الاستعمار أو الميز العنصري.
    حتى أننا اضطررنا للتخلي عن مناطق شاسعة مثل موريتانيا والغرب الجزائري كاملا ، من اجل ان نقلل من بؤر التوتر في العالمين العربي والإسلامي.
    لقد أحببت الخطاب الأخير لجلالة الملك ، حيث حدد بشكل قاطع القواعد المستقبلية لعلاقات مختلف البلدان مع المغرب ، طالبًا منهم توضيح موقفهم بكل وضوح وإلى الأبد من مغربية الصحراء.
    لم يعد هناك مجال للخطب الغامضة ، أو نصف الاعترافات ، أو التقلبات المعقمة للعبارات.
    هل تريد ان تكون صديقا لنا، للمغرب؟
    لذا ، من اللازم أن تقول “نعم” لمغربية الصحراء ، من خلال قبول خطة الحكم الذاتي التي اقترحتها بلادنا لحل هذه المسألة.
    لا تريد أن تفعل ذلك؟
    سوف نعيد النظر في علاقاتنا وفي أسوأ الأحوال ، لا يوجد لدينا ما نشاركه و نشترك فيه معك، فالعالم شاسع، و ليذهب كل واحد حيث يجد احتياجاته و يقترب من اهتماماته .
    إنها و بكل بساطة القواعد الجديدة للعبة…
    لم يعد بإمكاننا إضاعة الوقت في مطاردة الدول التي تلعب على عدة جبهات. إنه إهدار للطاقة و للجميع.
    ما يجعل قوة “جزيرة المغرب” هي ديناميكية رجالها ونسائها ، وفي ذكاء شبابها ، واستقرار نظام الحكم السياسي فيها ، وهي بلد تتعدد فيه الحضارات والقبائل ، اللهجات والأديان التي تتعايش فيما بينها، وتتعايش في سلام لقرون في ظل النظام الملكي ، مهما كانت السلالة التي تحكمها و قد تعاقبت على حكم المغرب ثماني سلالات و قد نجحت، منذ يوليوس قيصر….
    بلد ذو تاريخ غني وحضارة متعددة الأوجه ومتعددة الثقافات.
    نعم ، هناك لغز المغرب. عندما احتلت الامبراطورية التركي العثمانية العظيمة كل البلاد العربية ، كانت المغرب هي الدولة الوحيدة التي قالت لا للعثمانيين بالسلاح أو بالردع او حتى بالديبلوماسية : “لن تعبروا وادي الملوية أبدًا … !! ولم يتمكنوا من عبوره. رغم أنهم سمموا السلطان عبدالملك السعدي عام 1578 في معركة الملوك الثلاثة وقتلوا والده السلطان محمد الشيخ عام 1557 أثناء قيامه بجولة في الأطلس من قبل الضابط التركي الذي كان يقود حرسه الشخصي ، وذلك بأمر من السلطان سليمان ، إمبراطور الأتراك الرهيب ، الذي لم يكن لديه شيء من ما سمي عليه “القانوني” …
    لذا ، و بصفتنا سكان جزيرة، يتعين علينا نحن المغاربة أن نختار من يأتي أو لا يأتي إلينا. لا جدوى من أن تأتي أي دولة وترقص لنا، فقط للتجارة أو إنهاك عمالنا في حقولها وكرومها ومن ثم لا تتحلى بالشجاعة لإخبارنا أنها معنا ، لأنها تريد ان تذهب لضخ النفط وبيع الخردة المعدنية لجارنا السيئ.
    عليهم أن يعرفوا كيف تتخذ الخيارات في الحياة وقبل كل شيء تحمل تبعاتها!
    علاوة على ذلك ، نحن لا نجبر أي شخص على القدوم والتداول معنا. بفضل قوة موقعنا الجغرافي الفريد في هذا الجزء من العالم ، يأتي الناس إلينا بكل تلقائية، سواء أحبوا ذلك أم لا!
    فهم الإسبان والألمان ذلك وامتنعوا عن العبث معانا.
    عكس ذلك فرنسا مازالت مترددة، الأمر متروك لرؤسائها المنتخبين، من جهتنا تركنا ذلك يحدث، لأن الفرنسيين مرتبطون جدًا بالمغرب لدرجة أنهم دائما ينتهي بهم الأمر الى العودة باتجاهها، لأن مشاعرهم أفضل اتجاهنا.
    فالزمن دائما يؤدي الى تليين أشد الأنياب حدة. فلننظر الى تلك الايام التي كان على يقودهم الرئيس ميتران، و كيف انتهى به الأمر هو وزوجته الى العودة الى احضان المغرب رغم كل ما عانينا منهما!
    مع ماكرون ، سينتهي غضب اللحظة ، لأنه يعلم جيدًا أنه يحتاج المغرب كثيرًا للاستمرار كما يحتاجه للتواجد في إفريقيا ، ولو بالوكالة ، وقبل كل شيء يجب ألا يفوت الاستثمارات المستقبلية كالقطار الفائق السرعة الدارالبيضاء مراكش اكادير، و التي يمكن للصينيين ان يفوزوا بها.
    السياسة الواقعية تنتهي دائمًا بالانتصار.
    إنه يعلم جيدًا أن الجزائر ليس لديها ما تقدمه له. يريد إنشاء أول نموذج مدرسة 42 هناك ، فلقد أنشأ رئيس مجموعة الاتصالات “free » مدرسته في خريبكة منذ فترة طويلة وتسمى 1337 ، وهي نسخة من مدرسته 42 في فرنسا.
    كما يريد إنشاء صندوق استثمار بقيمة 100 مليون يورو.
    هذا جيد ، لكن ماذا ستفعل اليوم 100 مليون يورو؟ ما هذا بحق الجحيم ، إلا إذا قمت ببيع الحليب والزيت والسميد للجزائريين الذين يعانون من نقص شديد. وهناك فرصة جيدة أن يتم اختلاس هذا الصندوق من قبل جنرالات الجزائر حتى قبل أن يؤدي إلى أي شيء ملموس …
    لا ، ماكرون ومدام بريجيت صديقان حميمان للمغرب. الطبقة السياسية الفرنسية أيضًا. وقد أثبتوا ذلك مرارًا وتكرارًا. حتى القصة المؤسفة للتأشيرات ستنتهي في النهاية. إنها قصة مخصصة بشكل أساسي للاستهلاك السياسي الداخلي في فرنسا.
    مع الفرنسيين ، عليك دائمًا أن تترك الزمن يؤدي عمله.
    المضايقات تنتهي بسرعة و يكون مآلها النسيان. الأعمال الواقعية و الفعالة الثنائية فقط هي التي تهم ولا ينبغي قتلها …
    ومن جهة اخرى الفرنسية مازالت مسيطرة بشكل رهيب على هذا الجانب من المحيط الأطلسي، من المهم عدم طمس هذه “المحبة” ،بالنسبة للغات الأخرى ممكن ان تنتظر …
    الآن ، في ضوء التحذيرات الدبلوماسية الأخيرة ، يجب أن تلهمنا و لا يجب ان تمر مرور الكرام و ذلك لإعادة تعبئة دبلوماسيينا في كل مكان ، حتى لو كان ذلك يعني تعيين جيل جديد من السفراء والقناصل ، أكثر هجومًا وأقل جاذبية. يجب على المغرب حقا أن يتألق دوليا. يجب أن يفكر بجدية في بيع حضارته بطريقة استباقية وحازمة.
    هذه القوة الناعمة هي التي ستغير آراء الدول المترددة.
    لا يجب ان نكون على عجلة من امرنا ، بل يجب استخدام نفس الطرق التي يستخدمها الأتراك أو المصريون. هذا ينطوي بشكل أساسي وبالضرورة على الثقافة …
    يجب ألا نكتفي بعد الآن بالدفاع عن قضيتنا الوطنية. إنها مكتسبة ولن يغير أحد شيئًا ، حتى لو كانت كل أمم الأرض ضدنا. إنها مسألة بقاء بالنسبة للمغرب.
    الآن علينا أن ننتقل إلى شيء آخر ، لنجعل بلدنا معروفًا عبر تاريخه الممتد لقرون. نفعّل كل مغربينا المقيمين بالخارج الذين هم سفراء عظماء وفاعلون للحضارة المغربية. الخطاب الملكي الأخير يشير إليه بوضوح. من الواجب و الضروري تفعيل هذه الثروة البشرية الوافدة التي لا تذخر جهدا في التعريف بالمغرب دوليا و الى التمسك بمغربيتها بكل الطرق.
    لم نختر جيراننا ولا مستوطنينا ولا أعدائنا. لكننا نتعايش، و وجب علينا أن نواصل المضي قدمًا ، كما فعلنا دائمًا.
    ما سمح لنا بالمقاومة طوال هذه القرون، ثروتنا الأساسية تتجلى في حضارتنا ، الفريدة من نوعها في العالم!
    وكما هو الحال في أي جزيرة ، يجب أن نتصرف وفقًا لذلك حتى يظل بلدنا المغرب كما كان دائمًا: جزيرة من الكنوز المخفية …!

    الآن علينا أن ننتقل إلى شيء آخر ، لنجعل بلدنا معروفًا عبر تاريخه الممتد لقرون. نفعّل كل مغربينا المقيمين بالخارج الذين هم سفراء عظماء وفاعلون للحضارة المغربية. الخطاب الملكي الأخير يشير إليه بوضوح. من الواجب و الضروري تفعيل هذه الثروة البشرية الوافدة التي لا تذخر جهدا في التعريف بالمغرب دوليا و الى التمسك بمغربيتها بكل الطرق.
    لم نختر جيراننا ولا مستوطنينا ولا أعدائنا. لكننا نتعايش، و وجب علينا أن نواصل المضي قدمًا ، كما فعلنا دائمًا.
    ما سمح لنا بالمقاومة طوال هذه القرون، ثروتنا الأساسية تتجلى في حضارتنا ، الفريدة من نوعها في العالم!
    وكما هو الحال في أي جزيرة ، يجب أن نتصرف وفقًا لذلك حتى يظل بلدنا المغرب كما كان دائمًا: جزيرة من الكنوز المخفية …!

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المهدي بوعبيد..بسبب قيس السعيد تونس تدفع ثمن عزلة الجزائر الدبلوماسية

    المهدي بوعبيد

    الجزائر تعيش مؤخرا عزلة ديبلوماسية قاسية جدا على المستوى العربي و الإسلامي، و أسباب هذه العزلة على كثرتها، يمكن تلخيصه في نقطتين أساسيتين، العلاقات المشبوهة مع إيران و الأزمة الأبدية مع المغرب بكل عناوينها و تمظهراتها.

    مع مصر هناك أزمة صامتة لكن مستعرة مع عبد الفتاح السيسي، هذه الأزمة بدأت بالتدخل الجزائري الفج في ملف نهر النيل و سد النهضة بين إثيوبيا و مصر و السودان، و كلمة الفج لا تعبر حتى عن مدى غباء الديبلوماسية الجزائرية التي حاولت بمنتهى السذاجة محاباة إثيوبيا في طرحها على حساب مصر، إرضاء لأديس أبابا (مقر الإتحاد الإفريقي) لكي تستمر في اعترافها بعصابة البوليساريو الإرهابية، و هو المناورة التي لم تستسغها لا مصر و لا إثيوبيا، و إنتهت بإغلاق مقر السفارة الإثيوبية في الجزائر و سحب السفير و الإكتفاء بتمثيل قنصلي صغير، أما مصر فقد ردت بأسلوبها الخاص، فخلال زيارة عبد المجيد تبون للقاهرة و محاولته تدارك الأزمة، و قبل أن تحط طائرته في أرض مطار القاهرة الدولي، كان سفير مصر في الرباط يعلن دعم بلاده لمغربية الصحراء و عدم اعترافها نهائياً بجمهورية الوهم، و إنتهت زيارة تبون لمصر إلى لقاء خاطف مع الرئيس السيسي، قبل أن يتركه ليركب الطائرة متوجها في زيارة رسمية إلى الإمارات، بينما أخذ عبد المجيد تبون في زيارة بروتوكولية إلى ضريح الرئيس المصري الراحل أنور السادات.

    مع السعودية، شاهدنا جميعا كيف تجرأت الجزائر على رفض الوساطة الرسمية السعودية بينها و بين المملكة المغربية، بنفس الأسلوب الفج الذي تحترف ديبلوماسية العسكر لعبه في كل مرة، و من يعرف السعوديين جيدا، يعرف أيضا أنهم ينظرون لمسألة الوساطة بين الدول العربية بحساسية شديدة جدا، و تكتسي لديهم أهمية كبيرة تترجم مكانة المملكة العربية السعودية في العالم العربي, و قد كانت وساطة الملك فهد بن عبد العزيز بين الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد و المرحوم الحسن الثاني قد استمرت لسنوات طويلة بدون كلل، بداية من العام 1982 إلى شهر ماي من العام 1988 حيث تم الإعلان عن تطبيع العلاقات بين المغرب و الجزائر و إعادة فتح الحدود بين البلدين، و طيلة مدة الوساطة كان الملك فهد يصر على الحضور شخصيا للمحادثات بين الرجلين لكي يذلل الصعاب بينهما، بالإضافة إلى اللقاءات الثنائية المستمرة.

    الرفض الجزائري لهذه الوساطة السعودية الجديدة لم يكن عاديا بالمرة، إذ أصر وزير خارجية الجزائر رمطان العمامرة على التصريح أمام الصحافة الدولية و بشكل مباشر : ” بأن كل الوساطات مع المغرب مرفوضة جملة و تفصيلا، و لن نقبل أي وساطة لا اليوم و لا غدا و لا بعد 100 سنة” ، و هو ما اعتبرته المملكة العربية السعودية إهانة شخصية موجهة إليها و تم الرد عليها بخروج سفير المملكة لدى الأمم المتحدة لكي يصرح و بشكل واضح و مباشر عن دعم السعودية لمغربية الصحراء بدون قيد أو شرط، و هو الأمر الذي لم يسبق للسعودية أن قامت به بشكل مباشر في الأمم المتحدة من قبل، إذ رغم دعمها الفعلي للمغرب في قضية وحدته الترابية، كانت دوما تتحاشى إحراج الجزائر وسط جامعة الدول العربية. و رغم أن وزير الخارجية السعودي قد زار الجزائر بعدها في اطار الإعداد للقمة العربية القادمة، و نجح إلى حد ما في انتزاع تعهد منهم بتهدئة الوضع مع المغرب حتى تمر القمة العربية بسلام، و كان من المفترض أن يزور بعدها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الجزائر في إطار جولته الدولية التي أخذته إلى فرنسا ثم اليونان، ليتم إلغاءها قبل أيام فقط من التاريخ المفترض و جون اعتذار رسمي من السعودية، بعد أن أخبرتهم الجزائر بأنها على استعداد لإعادة تطبيع العلاقات مع المغرب لكن بشرط قبول حل الاستفتاء، و القبول بإرسال وزير فقط ينوب عن المغرب في القمة العربية، و هو ما أعاد إشعال الأزمة مع الرياض لكن بشكل أكثر خطورة هذه المرة، سوف ينتهي بإلغاء مؤتمر القمة المرتقب تنظيمه في الجزائر العاصمة في بداية شهر نوفمبر القادم، حيث يدور الحديث داخل جامعة الدول العربية الآن عن إمكانية إقامته في القاهرة في شهر مارس من العام القادم.

    مع الإمارات، نظام العسكر و خلال حكم بوتفليقة، وجد لدى الإمارات جنة ضريبية مناسبة جدا لمئات المليارات من دولارات البحبوحة البترولية التي تم نهبها بين عامي 2002 و 2012، هذه الرساميل الضخمة فتحت الباب أمام الإمارات لكي تستثمر بكثلفة شديدة في الحزائر، لكنها استثمارات من نوع خاص، إذ تلعب الإمارات دور الوسيط بين الصين و الجزائر في مبيعات الأسلحة، و في المقابل باعت الجزائر ميناء العاصمة لشركة إماراتية، و من يفهم معنى الوساطة في سوق السلاح، يستطيع تخيل كمية الرشاوى و العمولات التي تدخل جيوب جنرالات الكوكايين من هكذا اتفاقيات، و لهذا نرى عبد المجيد تبون يخرس و يبتلع لسانه تماما أمام التطبيع الإماراتي – الإسرائيلي النشيط و المكثف جدأ، فهو غير مستعد للعب بمليارات العسكر في بنوك دبي و أبوظبي.

    هذه العزلة الشديدة دفعت الجزائر إلى التعنت أكثر و تكثيف العلاقات مع إيران، و الدفاع عن حزب الله الإرهابي حتى داخل جامعة الدول العربية حين اعترضت على تصنيفه كحركة إرهابية، بالإضافة إلى الإصرار على دعوة سوريا لمؤتمر القمة العربية القادم، تحت عنوان لم الشمل بين العرب (الذي سوف يجعل إيران عضوة في جامعة الدول العربية)، ثم جاءت بعدها مقررات مؤتمر التحالف الدولي لمحاربة داعش الذي أقيم في مراكش قبل شهور، و بعده مؤتمر جدة قبل أسابيع لتكرس هذه العزلة بشكل صريح و فعلي.

    اليوم نرى الجزائر و بعد أن أقفلت في وجهها كل أبواب عواصم المنطقة، و باتت كل أوراق اللعب بين يديها خاسرة تماماً، تلجأ لتوريط تونس معها في محاولة تشكيل جبهة صد أمام النغرب في المنطقة (و قد حاولت مع موريتانيا طيبة الشهور الأخيرة دون أن تفلح)، لكن مهلاً، كيف سوف تصدون المغرب، بسيرك إعلامي سخيف تنزل فيه طائرة رسمية تحمل إسم الجمهورية الجزائرية و علمها، لينزل منها إرهابي ميليشياوي متهم و متابع بعمليات قتل و إبادة جماعية و اغتصاب و اعتداء جنسي و تعذيب و إعتقال في حق مدنيين، ليستقبله رئيس جمهورية تونس الذي جاءت به “ثورة الياسمين الديموقراطية” ، بينما تونس نفسها لا تعترف بدولته الوهمية.

    إذا كانت هناك نصيحة أستطيع توجيهها اليوم لقيس سعيد لكي يخرج بشيء ما من توجهه الغبي هذا، فهي كالتالي :

    ما دمت قد رضيت ببيع نفسك و بلادك إلى كابرانات الكوكايين، عملاء و صنيعة الإستعمار في شمال إفريقيا بثمن بخس، أنصحك أن تكف عن لعب دور المومس الصامتة انتظارا لتعليمات مُشغلها في المرادية، و أن تبادر فورا إلى الإعتراف بجمهورية البوليخاريو الإرهابية، في الوقت الحالي على الأقل حتى تستفيد بشيء من دولارات البحبوحة الغازية الحالية، بحلول منتصف العام القادم، سوف تعود إلى التسول من بنك التجاري وفا المغربي لكي يمنحك قرضا آخر لتسديد رواتب موظفي دولتك، كما فعل قبل سنة و نيف حين قام بضخ أكثر من 400 مليون دولار في خزينة الدولة التونسية بعد أن عجزت حتى عن دفع رواتب رجال الأمن.

    أما القصة بين تونس و الجزائر باختصار شديد مجرد واحد عيان بيضاجع فميت… !!

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مغاربة المآوي السكنية بفرنسا..المنفيون الجدد

    الأيام 24الأيام 24

     

    كما دأبنا على ذلك من قبل، نتابع التفاعل مع الخطاب الملكي في الذكرى 69 لثورة الملك والشعب، والتجاوب مع النقاش العمومي الدائر حول “مغاربة العالم”، للحديث عن شريحة اجتماعية من هؤلاء المهاجرين المغاربة (المنفيين) بفرنسا القاطنين بالتجمعات السكنية الجماعية/ أحياء سكنية يقيم بها العمال المهاجرون..يتقاسموها مع مهاجرين من جنسيات مختلفة..

     

     

    هذه الأحياء السكنية Les Foyers de Travailleurs Migrants en France / خصوصية سكنية فرنسية-فرنسية- ليست كباقي المساكن الأخرى، ولا توجد مثيلاتها في باقي دول المهجر- يرجع تاريخها لأيام فرنسا الكولونيالية.

     

    نعم، فهي تؤلف تجمعا سكنيا متعدد الجنسيات من خمس أو ست طبقات أو أكثر..توجد في كل طبق غرف منفردة صغيرة جدا ( لا تتعدى مساحتها 4.50 م2)، ومراحيض صغيرة، وأحواض استحمام مشتركة، بالإضافة إلى قاعة متوسطة الحجم للطبخ، يوجد بها مخزن صغير، لكل قاطن بالحي، لترتيب وتخزين أغراض واحتياجات المطبخ من أواني وأطعمة وغير ذلك..

     

     

    وتعتبر هذه الأحياء العمالية الذكورية 100 % ( التي أصبحت ملجأ للشيوخ Les chibanis) جزء من تاريخ وذاكرة العمال المهاجرين في فرنسا منذ عام 1945، حين وصلوا بمفردهم إلى فرنسا، بعد الحرب العالمية الثانية لتعويض النقص في القوى العاملة الذي واجهته الدولة الفرنسية أثناء “الثلاثين المجيدة” ( 1946-1975) Les Trente Glorieuses خلال هذه المرحلة، شجعت فرنسا الهجرة الأجنبية والهجرات الكولونيالية التي كانت تخضع لمؤثرات سياسية واقتصادية داخلية وخارجية، ومن بينها الهجرة المغربية المكثفة في مرحلة أولى، ابتداء من عام 1960، حين كانت فرنسا، هي الأخرى، تمر بعدد معين من الأحداث السياسية التي حصلت منذ عام 1958 (فشل انقلاب 13 ماي العسكري وعودة الجنرال ديغول للسلطة، والنزاع الجزائري الذي كان قد أوشك على نهايته في بداية ستينيات القرن الماضي). ومع نمو الهجرة بسبب الحاجة الكبيرة إلى الأيدي العاملة، واجهت فرنسا أزمة سكن حادة، امتدت بشكل خاص إلى الفئات الأكثر حرمانًا مثل العمال المهاجرين الذين غالبًا ما كانوا يعيشون في ظروف بئيسة في الأحياء الفقيرة و البراريك والأقبية وردهات الفنادق ومدن الصفيح التي رأت النور على أطراف المدن الكبرى كباريس وغيرها (مثال ضاحية نانتير).في سنة 1956، قررت الدولة الفرنسية تولي مسؤولية قضية إسكان العمال المهاجرين عبر خلق الشركة الوطنية لبناء المساكن للعمال SONACOTRA وتسمى اليوم “أدوما” ADOMA، ومع توافد العمال الأفارقة في هجرات متتالية، أنشأت أحياء سكنية جديدة مثل”أفطام” AFTAM أو “سوندياتا” SOUNDIATA خاصة بهؤلاء، كما ظهرت أحياء جديدة أخرى في مدينة ليون وفي مدن أخرى، يديرها بصرامة الضباط المتقاعدين أو مدراء من الشرطة الذين كانت لديهم وظيفة عسكرية ( السرير يجب أن يكون في غاية الترتيب و قواعد صارمة حسب القانون الداخلي).هذه الفضاءات، ظلت لأكثر من عقدين من الزمن مغلقة، تعكس الفوارق الاجتماعية القائمة بين العمّال المهاجرين و أبناء البلد، وتوحي بعدم الاستقرار والخطر وانعدام الأمن وتعكس عقلية التمييز والاهمال، إلى أن اندلعت اضرابات الغضب منذ 1970، للمطالبة بأحياء سكنية إنسانية و أكثر أماناً وانفتاحا على المحيط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وهو ما فرض على الدولة، ابتداء من 1995 الشروع في احداث اصلاحات بهذه الأحياء وتحويلها إلى إقامات اجتماعية وبناء أحياء سكنية جديدة Des Résidences sociales.

     

     

     

    ونحن نعتز بمضمون الخطاب الملكي الأخير، وما خلفه من صدى لدى الجميع، نغتنم هذه المناسبة لتسليط الضوء (من جديد) على هؤلاء المغاربة المهاجرين، الذين أجبروا على السكن في هذه الأحياء مؤقتا، لتصير غرفهم إقامة دائمة إلى حدود اليوم..فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر ويقاوم الغربة، والعزلة، والهشاشة، وسوء التغذية، والحرمان العاطفي، و الوضع الصحي والمادي والاجتماعي والنفسي الصعب، وفقدان الاستقلالية، بعد أن خاب أملهم في استئجار شقة لاستقدام عائلاتهم وأبنائهم الذين بقوا في البلاد، أو العودة لمسقط رأسهم.

     

     

    إنها أسطورة حقيقية من المعاناة، أبطالها ليسوا سوى مغاربة اختروا أو أرغموا على الاغتراب و الغياب المزدوج (لأسباب اجتماعية واقتصادية)، بحثا عن مستقبل أفضل، في الوقت الذي كان الجميع يعتقد أن هؤلاء سيعودون في نهاية المطاف إلى بلدهم الأم محملين بالنقود والهدايا، لذا حرموا من الإدماج، وظلوا على هامش بلد الهجرة والبلد الأصلي. هؤلاء لم يستطيعوا أن يصبحوا فرنسيين (لاعتبارات تاريخية واجتماعية وثقافية) ولا يشعرون أنهم مغاربة أيضا بسبب غيابهم الطويل عن مسقط رأسهم وعائلاتهم، مثلهم مثل العديد من المهاجرين من أصول مختلفة.

     

     

    إنهم “منفيون” جدد..! لم توجه لهم أي تهمة باﺭﺘﻜﺎﺏ جريمة جنحية أو جنائية، ﻭﻟـﻡ يحاكموا يوما ما..ذنبهم الوحيد أنهم حصلوا على بطاقة الإقامة، ولم تكن لديهم النية ولا المقومات للبقاء في فرنسا، فنسجوا علاقة من التبعية الاقتصادية للبلد المضيف وللبلد الأصلي. فعندما يكون لديهم إمكانيات تسمح بإرسال النقود لأفراد العائلة، فهم لا يبخلون بِما أتاهم عرق جبينهم. ورغم حياتهم الصعبة، فهم لا زالوا يعتقدون أنهم مفيدون لعائلاتهم ولوطنهم. فهم اختاروا البقاء قسرا لعدة أسباب منها: عدم التمتع بتقاعد مريح يسمح لهم بالعيش في بلادهم قرب العائلة، مسؤولية إعالة الأسرة، الاستفادة من النظام الصحي، ألفة الأصدقاء.”المنفيون” الجدد.. أعمارهم تجاوزت 70 عاما..يعيشون اليوم تحت هاجس خوف الموت بينما هم أحياء يرزقون..!

     

    المصطفى المريزق
    أستاذ التعليم العالي بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس
    أستاذ باحث في سوسيولوجيا الهجرات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية.
    فاعل مدني وحقوقي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • وزير سابق يتبرع بالمال للفنانة خديجة البيضاوية

    تفاعل مجموعة من المشاهير المغاربة، مع الحالة الصحية والمادية المزرية التي تمر منها المغنية الشعبية خديجة البيضاوية، التي تعيش أياما صعبة بسبب إصابتها بداء السرطان.

    محمد الخياري خص البيضاوية بزيارة لمنزلها للاطمئنان على حالتها الصحية والنفسية، مشيرا إلى أن العديد من الفنانين والقائمين عن القطاع الفني، تقدموا بمساعدات مادية للمغنية الشعبية، على رأسهم وزير الثقافة السابق حسن عباييا، والمنتج خالد نقري، وأيضا جمهوها الذي لم يبخل عنها.

    ولقيت المبادرة التي قام بها الخياري، تفاعلا كبيرا من طرف نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي ومشاهير الفن، الذين تعاطفوا معها ودعوا الجهات المعنية إلى التكفل بعلاجها وإنقاذها لتجاوز وعكتها الصحية.

    ووجه نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي رسائلهم إلى القائمين على القطاع الفني وتعاضدية الفنانين، لمساعدة خديجة البيضاوية التي تعيش ظروفا صحية ومادية حرجة، بسبب وعكتها الصحية.

    وكانت البيضاوية قبل أجرت قبل أشهر عملية جراحية، بإحدى المصحات الخاصة بالبيضاء، حيث ظهرت بعدها في العديد من الصور وعلامات المرض والتعب واضحة على محياها.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • فضل يوم عاشوراء وكيف نحييه في هذه الأيام ؟ 

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن من نعم الله على عباده، أن يوالي عليهم مواسم الخيرات، فما أن انقضى موسم الحج المبارك، إلا وتبعه شهر كريم هو شهر الله المحرم، الذي هو من أعظم شهور السنة. 

    شرف الله هذا الشهر بيوم عظيم، هو اليوم العاشر منه، فقد ورد في السنة المطهرة الحث على صوم عاشوراء (كما سيأتي ) وهو اليوم العاشر من شهر المحرم على الصحيح، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية، مأخوذ من العشر ، فكان أظهر في اليوم العاشر، بل يلزمه، ويختص به .

    الإخوة والأخوات :

     ميز الشرع الحكيم هذا اليوم العظيم بفضائل جليلة، وخصه بمعاني سامية ينبغي أن نحرص عليها، ونستحضرها، ونتمثلها، وخاصة في ظل الفترة الزمنية الدقيقة التي يعرفها وطننا الحبيب والعالم كله ، ومن أجلها:

    • أنه أفضل أيام شهر الله المحرم الذي هو أحد الأشهر الحرم . فعن الحسن رحمه أنه  قال: ” إن الله افتتح السنة بشهر حرام ،وختمها بشهر حرام، فليس شهر في السنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرم”.
    • أنه يوم من أيام الله المشهودة. لارتباطه بأمور عظيمة . ففيه حصل نصر مبين لأهل الإيمان ، وأظهر الله فيه الحق على الباطل؛ حيث نجّى الله فيه موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – وقومه، وأغرق فرعون وقومه .
    • أنه يوم كان معظما قبل الإسلام .كما ورد في الحديث الصحيح .
    • أنه يوم كان أهل الجاهلية من كفار قريش، وغيرهم، واليهود ، يصومونه ، وجاء الإسلام بصيامه متأكداً، ثم بقي صومه أخف من ذلك التأكد.
    • أنه يوم رغب الشرع الحكيم في صيامه ، في شهر صيامه أفضل الصيام بعد رمضان .

     الإخوة والأخوات :

     صيام عاشوراء من السنن المطلوبة ، والشعائر المحمودة ، ندب الشرع إليه ، وحث عليه ، أخرج الإمام مالك في الموطأ من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها  أنها قالت : ” كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صامه وأمر بصيامه ، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة ، وترك يوم عاشوراء ، فمن شاء صامه ومن شاء تركه”بمعنى أنه لا حق بسائر الأيام التي  لم يمنع صومها، ولا وجب.

    وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : ” أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم ، أن أذن في الناس : ” أن من كان أكل فليصم بقية يومه ، ومن لم يكن أكل فليصم ، فإن اليوم يوم عاشوراء “ رواه البخاري.

    وفي الموطأ  من حديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان، يوم عاشوراء، عام حج، وهو على المنبر، يقول: ” يا أهل المدينة! أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لهذا اليوم: ” هذا يوم عاشورا،  ولم يكتب عليكم صيامه ، وأنا صائم. فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر” . وهو في الصحيحين أيضا .

     وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: “قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء ، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح ، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه“.

    الإخوة والأخوات :

    كان من هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحري صيام عاشوراء والحرص عليه ، ففي الصحيح من حديث عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” ما رأَيت النبي صلى اللَّه عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إِلا هذا اليوم ، يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان” ومعنى ” يتحرى” أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه .

    وهو فعل السلف الصالح رضوان الله عليهم ، فعن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها قالت : ” أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: ” من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم ”  قالت: فكنا نصومه بعد ، ونصوّم صبياننا ، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار.” رواه البخاري .

    وكان الخلفاء الراشدون يهتمون به ، فهذا الخليفة الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه – فيما رواه الإمام مالك في الموطأ – : ” أرسل إلى الحارث بن هشام:أن غدا يوم عاشوراء. فصم وأمر أهلك أن يصوموا”.

    وهذا أمير المؤمنين سيدنا علي رضي الله عنه : ” كان يأمر بصوم عاشوراء ” أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بطرق .

    بل كان بعض السلف يصومون يوم عاشوراء في السفر، منهم ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي والزهري، وكان الزهري يقول: ” رمضان له عدة من أيام أخر، وعاشوراء يفوت “

    الإخوة والأخوات :

    بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما في صيامه من الثواب الكبير ، والأجر العظيم . ففي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله “.

    وعن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من صام يوم عرفة غفر له سنة أمامه وسنة خلفه، ومن صام عاشوراء غفر له سنة”.

    فما أحوجنا وأمتنا تعاني ما تعانيه في ظل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها بلادنا جراء هذه الجائحة وباء كوفيد 19- أن نغتنم هذا الموسم المبارك بفعل الطاعات من صيام ، وصدقة ، واستغفار وغيرها ، فإن صالح الأعمال ، واللجوء إلى مالك الملك ذي الجلال والإكرام في وقت الشدة من أعظم أسباب تفريج الكربة ، وفي الأثر – وفيه كلام لكن الاستشهاد به في هذا المقام سائغ ، مع توافر أدلة الشرع  في  الحث على استباق الخيرات – : ” إن لربكم في أيام دهركم نفحات ، فتعرضوا له لعله أن يصيبكم نفحة منها ،فلا تشقون بعدها أبدًا”.

    اللهم تقبل منا الصيام ، وسائر الطاعات .

    اللهم احفظ بلدنا من كل شر ، ومن كل سوء ، ومن كل بلاء .

    اللهم فرج كربنا وكرب المسلمين في كل مكان

    اللهم ارفع الوباء عنا وعن الناس أجمعين .

    والحمد لله رب العالمين 

     

    بقلم : محمد التمسماني

    عميد كلية أصول الدين بتطوان

     

    إقرأ الخبر من مصدره