Étiquette : جنازة

  • شريط “ستة أشهر ويوم”.. فصاحة الصورة وبلاغة التقنية 

    الكبير الداديسي

    عدت في تلك الليلة من رمضان إلى البيت استلقيت أمام التلفاز أبحث عن لحظة استمتاع وإفادة … شدني شريط تلفزي مغربي بالقناة الثانية، وقفتْ فيه البطلة تعترف لثلاثة أشخاص أمامها قائلة (عندي سرطان في مراحله النهائية تعبت من الأدوية وهذا الداء الخبيث لا يزيد إلا انتشارا بذاتي … الطبيب أخبرني أنني لن أعيش إلا ستة أشهر وها أنذا أعيش يوما بعدها… زياد خديجة أتوسل إليكم إن حصل لي مكروه اعتنوا بإبراهيم عاملوه كأخ لكم … هيا ساعدوني على وضع الأواني بالسيارة) وما كدت أعدل جلستي لمتابعة باقي الأحداث حتى فاجأني آخر مشهد في الشريط يُظهر البطلين والطفل زياد داخل سيارة في جو عائلي مع بزوغ أشعة شمس تزرع أملا في طريق هذه العائلة… عرفت من جينيريك النهاية أن الأمر يتعلق بشريط (ستة أشهر ويوم) للمخرج عبد السلام الكلاعي… من يومها لم يغب عن ذهني ذلك المشهد وعشت أمنّـي النفس بفرصة تتيح لي مشاهدة الشريط كاملا ولي قناعة أنه سيحتفي باللغة ما دام اختيار كلمة “أشهر” في العنوان بدل “شهور” تنم عن اختيار واع بأهمية التمييز بين جمع القلة (أشهر) وبين جمع الكثرة (شهور)…  وكبرت الأمنية أكثر لما عرفت في ما بعد أن الشريط حصد ثلاث جوائز هي الجائزة الكبرى وجائزة الإخراج وجائزة التشخيص ذكورا في مسابقة مهرجان مكناس للدراما التلفزية…

    وتحققت تلك الأمنية لما أعادت القناة الثانية عرض الشريط ليلة السبت 14 غشت 2022، وأسعفني الوقت لأنقطع عن العالم زهاء ساعة ونصف حملني فيها الشريط إلى عوالمه، وما أن طلع جينيريك النهاية أمامي من جديد حتى وجدتني أنزوي إلى حاسوبي الشخصي أدون ملاحظات عسى أشارك القراء والمهتمين بالسينما والدراما المغربية بعض من تلك الملاحظات في هذا المقال….

    “ستة أشهر ويوم” تحفة تلفزية للمخرج المغربي عبد السلام الكلاعي صدرت سنة 2021 إنتاج القناة الثانية، بعد عدد من الأعمال تشكل ريبرتوارا متنوعا  لهذا المخرج  يجمع بين المسرح والأفلام السينمائية القصيرة والطويلة، والأشرطة التلفزية والمسلسلات، مما بوّأته لأن يكون فاعلا سينيماتوعرافيا له وزنه بالمغرب…

    يحكي شريط “ستة أشهر ويوم”  حكاية مركزية تحوم حولها حكايات فرعية تكملها، تتلخص الحكاية البؤرية في قصة شابين خريجي مدرسة الفنون الجميلة بتطوان  تزوجا عن حب، استقرا بمدينة العرائش يعيشان من مشروعهما الشخصي يبيعان فيه ما ينتجانه من أوان خزفية ولوحات تشكيلية، وقبل أن يرزقا بأبناء، تكتشف هدى إصابتها بداء السرطان وقد استشرى في جسدها، ليحدد لها الطبيب أمد حياة لا يتجاوز ستة أشهر كأقصى، تعيش خلاها معاناة أمام استحالة إجراء  عملية جراحية بعد أن تفشى الداء في الجسد، وصعوبة الاعتماد على العلاج الكيماوي لتكاليفه الباهظة بالنسبة لسيدة لا تسفيد من أي تغطية صحية وترفض بيع منزلها خوفا من تشريد زوجها إبراهيم، ورغم ما تعانيه من ألم  أصبح همّها الأول التفكير في كيف سيعيش هذا الزوج بعد وفاتها وهو الآخر  يعاني اضطراب التوحد…

    تداري هدى ألمها وتسعى عبر كل السبل الممكنة عسى تضمن لإبراهيم حياة مستقرة قبل رحيلها… ولما باءت كل محاولاتها بالفشل تسلحت بالأمل واستطاعت رغم كل المصاعب والآلام والعراقيل أن تعيش يوما إضافيا بعد تلك المدة التي حددها لها الطبيب كحد أقصى. خلال هذه الرحلة نسج المؤلف والمخرج لهذين الزوجين علاقات متباينة بين السلب والإيجاب مع شخصيات وأسر ومؤسسات نجحت في تشخيص الأحداث وتوهيم المتلقي بواقعيتها، وقد شخصت أحداث هذا الشريط ثلة من الممثلين على رأسهم أمين الناجي في دور إبراهيم، جليلة التلمسي في دور هدى، نسرين الراضي في دورة خديجة، الخنساء الشهموني في دورة صفية مراد حميمو في دور الدركي، زكرياء عاطفي في دور الجار السكير، سامي الكلاعي في دور الطفل زياد إضافة إلى ممثلين آخرين…

    ومن تلك العلاقات التي ربطت هدى وإبراهيم بالآخرين نكتفي بالإشارة إلى:

    – العلاقة بأسرة صفية زوجة والد إبراهيم الشيخ الكسيح المريض الذي لا يغادر فراشه تزوحها وهو في الخمسينيات من عمره ابنةَ 18 سنة، وها هو قد تجاوز السبعين وهي في منتصف الثلاثينيات من عمرها لم يعد لها من هدف سوى انتظار وفاته لترث شيئا يعوضها تضحيتها بشبابها معه… وهو مما خيب أمل هدى في الاطمئنان على إبراهيم إن هي أوكلت لصفية أمر رعايته.

    – العلاقة مع خديجة الشابة ابنة32 سنة عازبة تشتغل في ورشة البطلين اقترحت عليها هدى الزواج من إبراهيم لتطمئن عليه وتضمن له من يرعاه لكن خديجة هي الأخرى خيبت أفق انتظار هدى…

    – العلاقة بعائلة الطفل زياد حيث رب الأسرة سكير يعنف الطفل، ولا يحترم حرمة الأسرة مما أجبر الأم على الهروب مع عشيقها وترك الطفل فريسة عدوانية الأب، لم يجد من يخفف من معاناته سوى حضن أسرة هدى وزوجها اللذان كانا يشجعانه على الدراسة ويصقلان موهبته في الرسم…

    – العلاقة مع مؤسسة الرعاية الاجتماعية، ذهبت إليها هدى عسى تضمن سريرا يستقبل زوجها بعد وفاتها، لتعود منها خائبة بعدما كشفت الكاميرا ما يعاينه نزلاء هذه المؤسسة من إهمال ومن لا مبالاة المشرفين على تدبير أمورها…

    وعلى الرغم من كل تلك الخيبات التي صفعت البطلة وكادت تفقدها الثقة في كل من وما يحيط بها، فللشريط رسالة أمل  تنقل المتفرج من واقع متعفن مرفوض لتبشره بغد مشرق منشود (افتتح الشريط بمشهد جنائزي وانتهى بسفر مع بزوغ شمس الصباح وتطلع لغد أفضل)

    أما من الناحية التقنية فالشريط يقوم على تقنيات سينيماتوغرافية وأليات تفهم جيدا دلالة حركة الصورة، وصورة الحركة مما جعل منه شريطا مشحونا يتجاوز دور الوسيط البصري، إلى نظام تواصلي يفرض على المتلقي التفاعل معه، لما  يحمله من رسائل، وما يثيره من مشاعر، حيث الصورة تخاطبنا كلغة تحتم على المتلقي الرقي لفهم لغة التصوير -التي تتجاوز العلامة الكلمية اللفظية – لما لها من قدرة على الإيهام البليغ بالواقع، وخلق علاقة مباشرة مع المتلقي ما دامت تخاطب العين، تؤثر فيه وينسى الشاشة أمامه فيلج بطواعية عالمَ أحلام ، وينخرط في كذبة فنية متفق عليها تفقده ذاته وتحرر لا شعوره من الكوابح العرفية، فيتعاطف ويشفق ويبكي… مع شخصيات يعرف جيدا أنها تمثل…

    إن شريط ستة أشهر ويوم” للمخرج عبد السلام الكلاعي وإن كان يتناص مع عدد من الأشرطة، ويتقاطع معها في بعض الأحداث والرسائل، فلمشروع الكلاعي من خلال ها الشريط خصائص كثيرة تفرده  سنكتفي في ها المقال بعشر ملاحظات سريعة عسى يغنيها من تابع الشريط:

    1 – الارتباط الوثيق بمدينة العرائش، وهي خاصية تميز عددا من أعماله الفنية، فقد نجح  في هذا الشريط بواسطة الكاميرا الترويج للمنتوج المحلي  في الصناعة التقليدية (الخزف ) والصناعة الميكانيكية (سيارة داسيا لودجي)  وتسويق جمالية مدينة العرائش كقبلة سياحية من حيث ثقافتها كرأسمال لا مادي (الخزف، سلوك أهلها وتضامنهم في السراء والضراء، التكافل في العزاء، الفروسية…) أو من حيث حضارتها المادية (الأقواس ،الأبواب ،النوافذ ،الحدائق، المقابر، المقاهي، الكورنيش…) وغير ذلك من المظاهر الحضارية والثقافية  التي تنماز بها العرائش فكان الشريط على ما يتضمنه من مآسي فسحة سياحية ماتعة بجمالية مدينة ضاربة في القدم تقدم لوحة تختزل ثقافة وحضارة الغرب الإسلامي (الأندلس والمغرب) …

    2 –  تسليط الضوء على اضطراب نفسي قلما وقفت عليه السينما، نقصد  التوحد كاضطراب نفسي تُؤثر على قدرة الفرد في الاتصال مع المحيطين به وفي تطوير علاقات متبادلة معهم، مما يفرض تعاملا خاص مع الشخص المصاب بهذا الاضطراب، وهو ما نجح الشريط في تشخيصه بمهنية عالية، إذ استطاع إبراهيم تحت إدارة المخرج ترجمتها بدوام الحركة والحركات المتكررة، والدوران في دوائر، والتلويح باليدين. مع إتقان تشخيص حساسيته المفرطة للصوت والضوء واللمس… وهو ما خلق متاعب لهدى التي كادت أن تفقده في إحدى نوباته لما هيجه صوت منبهات السيارات وسط المدينة… ورغم ما يبدو على صاحب هذا الاضطراب النفسي من هدوء فقد يخرج عن سكينته كلما حدث تغير في وثيرة حياته أو شعر باحتقار أو تهديد، كما حدث عند دفاع إبراهيم عن زوجته في حادثة كاد يقتل فيها جاره السكير لكماً… هذه المشاهد وغيرها تبين بجلاء إحاطة كاتب النص، المخرج والممثل بخصوصية هذا الاضطراب وإلا لما نجح الشريط في توصيل الرسالة …

    3 – التركيز على أهمية اليدين في تشخيص اضطراب التوحد، وقد تجلى هذا التركيز في مشاهد كثيرة تم ال(mooz) فيها على يدي إبراهيم  وهو يوظفهما في اللمس ، في الرسم، في التفتيش عن الأشياء، في ترتيب الأغراض في نظافة الجسد وتنظيف المحيط… ويكفي الوقوف عند مشهد ردة فعله إبراهيم تجاه صوت قطرات الصنبور التي أفقدته التركيز في إتمام إحدى اللوحات، لتتضح رمزية الصورة وبلاغتها وهي ترصد تفاعل يديه مع الصنبور رصد  يصعب تصويره باللغة مهما كانت بلاغتها….

    4 – هيمنة بلاغة الصمت وتعبيرية الإيجاز على لغة الحوار في الشريط، مما يعكس مهنية كاتب الحوار وسعيه إلى إثارة العقل وتحريك ذهن المتفرج، فكثيرة هي المشاهد التي كانت خالية من الكلام ودون حوار، ومشاهد أخرى كانت بها لغة مقتضبة وكلمات قليلة مشحونة بمعان كثيرة، مما أحال بعض الجمل التي تلفظ بها الممثلون إلى حِكم، أكيد سيظل رنينها يتكرر في أذن المتلقي بعد نهاية الشريط ويكفي أن نقدم هذه الأمثلة القليلة دليلا:  (وحدها أمي كانت تعرف الكلام معي وحدها) (اليد التي ترسم لا  تضرب) (الناس لا يحبون إلا الذين يشبهونهم) (الذي يضربك يا حفصة لا يستحقك) (ضوء الشمس يمنح الحياة للطبيعة) (الأشياء الجميلة يجب أن نراها بقلوبنا وليس بعيوننا فقط)…

    5  لعل من أهم العلامات الفارقة الدالة في هذا الشريط حضور الفنون التشكيلية  كفنون بصرية تستهدف إبداع أشكال مجسمة (الخزف) أو  صورا على سطح (الرسم) ، وعدم اعتبار تلك الفنون عناصر تكميلية للمادة التي يحكيها الشريط، إذ سعى شريط “ستة اشهر  ويوم” إلى جعل الرسم والخزف بؤرة مركزية في الشريط يولد أحداثا ويساهم في تطوير أحداث، يسمو بالبطلين عن مستنقعات الواقع،  وكأن الفنون التشكيلية هي أساس العلاقة القوية بين البطلين، فالزوجة تقدر موهبة زوجها وهو ما جعلها مستعدة لفعل المستحيل من أجل راحته، ويكون بذلك التشكيل وسيلة للترفع والتسامي، وتفجير الموهبة  والتخلص من الضغط الذي يمارس على الفنان، ويسمو به فوق قتامة الواقع وهو ما عبرت عنه هدى لما أهداها إبراهيم صورة لها : (دائما ترسمني أحسن من الواقع)

    6 –  كان تكرار بعض المشاهد بطرق مختلفة إحدى علامات الجمال في شريط (ستة أشهر ويوم) كما تجلى في تكرار الجنائز ، تكرار الذهاب إلى المخبزة ،تكرار الذهاب إلى ورشة الخزف، تكرار الدخول والخروج من الباب…. وكل ذلك من مظاهر الحياة تأكيدا على التعود، وخدمة لاضطراب التوحد الذي يعانيه البطل، دون أن يشعر المتلقي بأن هذا التكرار يفقد شيئا من تطور الأحداث أو من جمالية الشريط، فقد يتساءل المتفرج مثلا ما سر تكرار شراء الخبز من المخبزة، وتكرار الجنائز؟ لكن سرعان ما يتبدد هذا التساؤل عندما نرى العبرة من ذلك التكرار في اختفاء الرجل الذي اعتادت هدى رؤيته قرب المخبزة كل يوم وهي تنتظر أجلها… كما كان اختيار آخر مشهد حول جنازة للحديث عن جنازة زوج وزوجته كانا يحبان بعضهما وتوفيا في نفس اليوم بعد 65 سنة زواج وحب بحق أهمية رسالة يمكن أن يبلعها التكرار…

    7 –  وهناك نقطة أخرى مضيئة بقوة في الشريط لا يختلف حولها اثنان تتعلق بالكاستينغ واختيار الممثل الأكثر ملاءمة للدور، وهنا لا بد من الإشادة بالكاستينغ ديريكتور السيد سمير بوتكورة (وهو الدور الذي لا ينتبه له النقاد في العادة ) على الاختيار الجيد للممثلين الذين اندمجوا مع الأدوار المنسوبة مهما كان الدور ثانويا، لدرجة يعتقد المتابع للشريط أنه لا يمكن لغير هؤلاء الممثلين أداء تلك الأدوار، إذ كان كل ممثل يوحي بأن الدور من حياته ولا يمثله، يتجلى ذلك في ملامحه حركاته تصرفاته نظراته طريقة كلامه لم تترك إدارة المخرج شيئا للصدفة  كل شيء يدل في الشخصية يشد المتلقي إليه فيتعاطف معه أو يحقد عليه… فبالقدر الذي تعاطف به المتفرجون مع هدى حتى كاد أغلبهم يقتنع أنها فعلا مصابة بالسرطان، بنفس القدر تفاعلوا مع زكريا عاطفي وحقدوا عليه لما فعله بأسرته حتى اعتقدوا أنه سكير شرير ليس مجرد نشخص للدور…

    8 – كان للطبيعة حضور لافت في الشريط، طبعا لانقصد هنا الطبيعة بمعناها الفلسفي العام (كل ماهو غريزي وبيولوجي ومشترك بين الإنسان و الحيوان، والذي يقابل  مفهوم الثقافة الدال على ما هو مكتسب من معارف ومعتقدات و أنماط عيش مختلفة. وإنما نقتصر في الطبيعة على المناظر الطبيعة التي شكلت فضاء للتصوير الخارجي، (وإن كانت الطبيعة في الذات الإنسانية بالشريط تستحق دراسة خاصة) كما أننا سنتجنب الوقوف على فضاءات الطبيعية داخل المدينة (حدائق كورنيش..) لأن الإنسان تدخل فيها وهيئها وفق رغباته، ربما لذلك لم تثر شيئا في إبراهيم ولم تحرك مشاعره، مثل الطبيعة العذراء سواء بعناصرها الحية كما تجلى في تفاعله مع الحصان فما أن رأى الحصان بجانب نخلات باسقة يحرك رأسه صعودا وهبوطا حتى لبّـى النداء في تجاوب عاطفي بينهما، ليتم  تغيير الكادراج وتكيبر (mooz) الصورة في مشهد قائم على التوازي بين البطل والحصان لا يفسده إلا من لا يتوق الفن بتدخل صاحب الحصان… أو الطبيعة بعناصره الجامدة كالأشجار والغابات والشمس والبحر… وعلى الرغم من كون العرائش مدينة بحرية بامتياز ولأن البحر يصدر صوتا قد يكون  عنصر تشويش على المصاب باضطراب التوحد فقد شكلت الغابة متنفسا حقيقيا للبطل. هكذا كان من أطول مشاهد الشريط، مشهد يعكس حلول الذات الإنسانية في الطبيعة ومشاركتها الهموم والأحاسيس هو مشهد البطل والطفل في مشهد غابوي  (مشهد ممتد على أزيد من ثلاثة دقائق) يتم فيه المقارنة بين الإنسان والأشجار ، ويتم الاستماع لصوت الشجر ومخاطبته عندما لا يجد البشر من يستمع إليه…

    9 –  الجانب القيمي في شريط (ستة اشهر ويوم) حاضر بقوة من خلال عدد من القيم الإنسانية  التي لا مسها، حتى ليكاد كل مشهد يقارب قيمة إنسانية ما…  وتبقى قيمة الحق في الاختلاف والعيش المشترك، والتنازل عن الأنانية وقبول الآخر كما هو التيمة المهيمنة على ما يعالجه الشريط، بالتنصيص على حق أولئك الذين ينظر إليهم العقل الجمعي على أنهم مختلفون إما لإعاقة جسدية أو ذهنية فيهمشهم ليعيشوا عزلة أبدية مهما كانت مواهبهم وقدراتهم، ليضعنا الشريط أمام إشكالية واضحة : أين نحن من ذوي الهمم وكلٌ منا معاق من جانب ما؟

    فعلى الرغم من كون إبراهيم فنانا تشكيليا قليل الكلام لا ينطق إلا حكمة، يحب الحياة ويحب النظافة متفوق في دارسته وكان الأول على دفعته، يحب زوجته ولم يصدر منه أي فعل مشين ضد الإنسان أو ضد الطبيعة ولا أي سلوك عنيف إلا إذا كان دفاعا عن النفس… فإن الكل ينظر إليه نظرة احتقار فقط لأنه مختلف عن الجميع…

    لذلك كان يجد راحته في الطبيعة ويتمنى لو كان الإنسان مثل الأشجار يقول في إحدى حواراته: (لا شجرة تشبه الأخرى ، كل شجرة من نوع خاص… ومع ذلك الأشجار تتعايش مع بعضها ليس مثل الناس الذين لا يتعايشون إلا مع من يشبههم  ومن لا يشبههم يعيش حياته دون أصدقاء ) وفعلا عاش إبراهيم (ومثله في الواقع كثيرون) معزولا مهمشا، يقصد الطبيعة التي تفهمه يقول للطفل زياد ( الأشجار تتكلم… عندما كنت في مثل سنك، كنت كل يوم آتي إلى هنا وأسمع ما تقوله الأشجار …) (يحضن جذع شجرة ويطلب من الطفل فعل الشيء نفسه ويسأله هل تسمعها …) لعل أهم الرسائل التي تيغيى المخرج إيصالها للمتلقي هي الدعوة إلى الإيمان بالحق في الاختلاف وحق الآخرين في العيش المشترك ونبذ الظلم والكراهية والحقد عسى نعيش في مجتمع يتسع للجميع، وتتاح فيه  الفرص حسب الكفاءات مع الدعوة إلى تقدير من يحبنا قبل ضياعه منا كما فقدت حفصة زوجها الذي كانت تعيش معه على مضض وقبلت بزوج يعنفها

    10 –  نقطة أخيرة لا تخطئها العين، وهي إيجابية المرأة، فبخلاف عدد من الأشرطة التي  تقدم صورة سالبة عن المرأة (عاهرة، خادمة، معنفة، مطلقة ،أمية… ) إن شريط (ستة اشهر ويوم) يقدم صورة إيجابية عن المرأة الصبورة القانعة المضحية والفاعلة… هكذا قدم كل النساء إيجابيات: (صفية ضحت بشبابها مع مسن تعتني به لا تخونه قانعة بقدرها… خديجة شابة عاملة طموحة مخلصة لخطيبها  وعلى نفس الصورة قدم الشريط كل النساء من بائعات الخبز وزبائن الورشة التي كانت واحدة منهن خريجة مدرسة الفنون الجميلة تقدر الفن والفنانين…  وتبقى البطلة هدى نموذج للمرأة الإيجابية المتعلمة القوية العاملة القائدة… تحمل في حوانها جبالا من الهموم دون أن يؤثر ذلك على عملها ولا على علاقاتها الاجتماعية… تُوثِر زوجها على نفسها … وحتى في مقر رعاية المسنين ظهر كل الرجال بصورة سالبة  سواء كمرضى أو كمسؤولين لا يقدرون المسؤولية فيما كانت صورة المرأة بهذه المؤسسة الصورة الإيجابية الوحيدة تجيد الإنصات لا تتجاوز الصلاحيات المسموح بها…

    أمام هذه الصورة الإيجابية للمرأة ظهر الرجال وإن كانوا نماذج لما هو في المجتمع أقل إيجابية فتوزعوا في الشريط بين الرجل المتسلط الذي يضرب ابنه، والرجل المريض المقعد (والد إبراهيم، الشاف المدني بدار العجزة، الرجل المقعد أمام المخبزة … ليكون الرجل الإيجابي الوحيد إلى جانب البطل هو الطفل زياد الذي يعشق الرسم ويحب الحياة ولا يعرف قلبه حقدا أو ضعينة في إشارة إلى عقد الأمل على الأجيال القادمة لبناء مجتمع يتسع للجميع

    في الختام نقول إن شريط ستة أشهر ويوم شريط يتوفر على كل مقومات النجاح سواء في موضوعه وما يقاربه من تيمات اجتماعية، أو في جوانبه التقنية مما لا يتسع المجال للوقوف عندها كلها سواء على مستوى التصوير والإخراج والمونتاج الماكياج والملابس، والصوت دون نسيان مناسبة الموسيقى التصويرية للمشاهدة مما أضفى على الشريط مسحة رومانسية تحببه للنفوس، وتترك هامشا للمتلقي لبناء موقفه من القضايا المعروضة عليه مثل تعنيف الأطفال والنساء، تهميش ذوي الهمم… وهو ما يفسر نسب المشاهدة العالية التي حققها الشريط.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بفضل الذكاء الاصطناعي.. امرأة تتحدث للمعزين في جنازتها

    فوجئ عدد ممن حضروا جنازة في بريطانيا، مؤخرا، بامرأة رحلت عن الحياة وهي تتحدث إلى المعزين، من خلال تقنية “الهولوغرام” التي تعتمد على خاصية الذكاء الاصطناعي.

    وتعتمد الفكرة على تصوير مقطع فيديو للشخص قبل وفاته، وبعد ذلك، يتم عرضه عبر الشاشة كما لو أنه يتحدث مع الناس ويتجاوب مع أسئلتهم، اعتمادا على بيانات مدرجة مسبقا.

    وبحسب صحيفة “ديلي ميل” البريطانية، فإن مارينا سميث، التي توفيت عن 87 سنة، ظهرت على الشاشة أمام المعزين، بعد حرق جثمانها بمنطقة نوتنغهام في بريطانيا، في التاسع والعشرين من يوليو الماضي.

    وكانت سميث، التي عملت أستاذة ونشطت في الأعمال الخيرية، قد توفيت في يونيو الماضي، ثم تحدثت بفضل “الهولوغرام” عن حياتها وجوانب روحانية، كما أجابت على أسئلة من أفراد العائلة الذين حضروا العزاء.

    والتقنية المستخدمة متاحة في بريطانيا، بدءا من الأسبوع الجاري، وهي من تطوير ابن المرأة الراحلة، ستيفن سميث، الذي يشغل صفة مؤسس ومدير تنفيذي في شركة “ستوري فايل” المختصة في الذكاء الاصطناعي، ومقرها لوس أنجلوس بالولايات المتحدة.

    وفوجئ الحاضرون بأن المرأة الراحلة تتجاوب مع الأسئلة التي تطرح من قبلهم وبعضها متعلق بطفولتها وما عانته في الحياة، وذلك بالاعتماد على تقنية الذكاء الاصطناعي.

    ويقول ستيفن إن الأجوبة تكون على قدر كبير من الصراحة، موضحا أن التقنية تستخدم نحو 20 من الكاميرات المرتبطة فيما بينها لتسجيل مقاطع للأشخاص قبل الوفاة وهم يجيبون على عدد من الأسئلة.

    وفي المرحلة التالية، يقوم الخبراء بمعالجة تلك الصور والفيديوهات، وتحديد المقاطع، فيستخدمونها لأجل تدريب الذكاء الاصطناعي على إجابة الأسئلة المطروحة بشكل يبدو طبيعيا.

    وعقب ذلك، يتم تحميل المنتج على منصة الشركة، وعندما يتوفى الشخص المعني، يمكن عرضه أمام من يحضرون الجنازة، فيما توهم التقنية من يتحدث إلى الراحل بأن هناك ما يشبه التجاوب.

    وفي حال أراد شخص ما أن يستفيد من الخدمة، فإن عليه أن يجيب على 75 سؤالا من بين مجموعة تضم 250 ألف سؤال محتمل، ومن خلال أجوبة في مقطع فيديو من دقيقتين، يتم تحويلها إلى صيغة رقمية.

    وفي حال لم يكن ثمة جواب لدى الشخص الراحل وهو يظهر على الشاشة، فإن “الهولوغرام” يشجع على طرح أسئلة بشأن مواضيع أخرى.

    سكاي نيوز

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الفنانة المصرية رجاء حسين تودع الحياة بعد صراع مع المرض

    أعلن نقيب الممثلين في مصر أشرف زكي، صباح الثلاثاء 9 غشت، وفاة الفنانة رجاء حسين عن عمر يناهز الـ83 عاما، حيث نعى زكي، الراحلة رجاء حسين عبر تغريدة بحسابه الشخصي على موقع “تويتر” كتب فيها: “الفنانة الكبيرة رجاء حسين في ذمة الله”.

    ومن المقرر أن تشيع جنازة الفنانة عقب صلاة ظهر الثلاثاء، من مسجد الشرطة بمنطقة الشيخ زايد في مدينة السادس من أكتوبر غرب العاصمة القاهرة، بحسب تصريحات لزوج ابنتها.

    ورجاء حسين فنانة مصرية ولدت في الـ7 نونبر 1937 في محافظة القليوبية المصرية، وتعتبر واحدة من أقدم الفنانات العربيات، إذ كانت بدايتها الفنية بدور طالبة من خلال فيلم قلوب الناس عام 1954، وسنوات عملها السينمائي تجاوزت 68 عاما.

    وكانت آخر مشاركة فنية للفنانة الراحلة رجاء حسين، في مسلسل “واحة الغروب” عام 2017، كما حظيت بتكريم في يونيو الماضي في المهرجان القومي للسينما في مصر، لكنها غابت عن التكريم بسبب أزمتها الصحية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عندما نجح الفيلسوف وليام جيمس في توقيف الزمن !!! – الجزء الثاني

    سعيد سونا – باحث في الفكر المعاصر

    يقول الإمام علي كرم الله وجهه ” الإنسان إما أخ لك في الإسلام أو نظير لك في الإنسانية ” … لذلك أسس الإسلام بحزمة من النصوص الشرعية ، وعبر قطعياته لمنظومة من المبادىء في التعامل مع الآخر ، تحفظ له خصوصيته الشخصية والدينية وتضمن له كامل حقوقه اذا كان في بلاد الإسلام ، أما مع حلول النكبة أو ماسمي بمرحلة الانكسار التاريخي ،،،، حيث تم تهشيم مفهوم الأمة وتغول القطرية … ظهر في بلاد الإسلام مايسمى بالدولة المدنية العلمانية ، التي تعطي الشرعية لمفهوم المواطنة وتلتف على الدين وتجعله حرية فرضية لامصدرا للحكم والتشريع ،،، وأصبح الدستور والقوانين التنظيمية هي الفيصل في بسط أركان الدولة المدنية … فإذا قال نيتشه ” الجحيم هو الآخر ” ،،،، فالاسلام يعتبر الآخر مشروع مسلم وإن لم يكن كذلك ،،، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عندما مرت عليه جنازة يهودي ، سقط مغشيا عليه على ركبتيه ، وقيل له لماذا تبكي على يهودي ،،،، قال عليه صلوات ربي وسلامه ،،، كنت أتمناه أن يموت مسلما حتى أعتقه من النار ،،، فداك نفسي وكل ما أملك ياحبيبي أيها النبي والمفكر ، ورئيس الدولة الأمة ، والمشرع ، والقائد العسكري ، والقاضي الأمين ،،، فهذا الرسول بعثه الله للكون كله ، حتى يجعله واحة سعادة ، تبدأ من الدنيا ، وتمر على القبر ، وتنتهي بجنة أبدية…

    هذا الإستهلال كان ضروريا ، حتى يهنأ أهل الجنابة ، ممن تؤزهم الشياطين أزا ،،، مصداقا لقوله تعالى ” أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِين عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزّهُمْ أَزًّا ” أن الإقبال على انتاجات الآخر ينطلق مما أشرنا إليه من أرض صلبة ، في كل أبحاثنا السابقة واللاحقة … فمقولتي المقدسة في تمنيع الذات من أي قراءة اندماجية هي كالتالي ” ..

    ”لا تَتكِل على إيمَانكَ …
    ولا تَركن إلى يَقِينكَ …

    ‏ تَبرأ مِن حَولِكَ وقُوَّتِكَ …
    واستَعِن بربّكَ ليعصِمكَ …
    وخَاصَةً في أزمِنَة الفِتَن …

    فَأنتَ بِدونِ عَون الله وتَوفِيقه هَالِك!
    اللهم انا بك ومنكم واليك ولك ابدنا بك وردنا إليك …

    نعم اخترنا أن نمضي إلى الآخر، في مطارحة الموسوعة الفلسفية التي تمشي على الأرض ،،،، وليام هنري جيمس ،،، وخصوصا في شطحة خيال جميلة قام بها بلا قعر … فلا بأس من الخيال اذا كان يشعرنا بالسعادة !!!

    وليام جيمس هذا نادى في الكون ، وأراد أن يتحدث مع الزمن لأنه تقدم به السن ولايريد أن يموت … فحضر الزمن في صفة رجل طويل القامة رأسه في عنان السماء ،،، بعصا طويلة غليظة يدب بها في الأرض … والبشرية كلها تنظر إليه !!!

    وقال بصوت جهوري : أحدكم طلبني ؟
    رد وليام جيمس : أنا
    قال : ماذا تريد ؟
    قال : لماذا تمشي أيها الزمن أريدك أن تتوقف ،،، لا أريد أن أموت ؟؟؟
    قال : نعم سأتوقف لن تموت ،،، ولكن اعلموا أن الرجل الذي يشرب الدواء لن يشفى ، لأنه سيبقى يتألم ، وانت لن تضعي مولودك ستبقين حاملة … وهذا الطفل لن يكبر سيبقى هكذا …
    وأضاف قائلا : أنا لست مسؤولا عنكم إذا تجمدتم

    وحينذاك تسمر وليام جيمس في مكانه وقال للزمن :

    لماذا لاتعود إلى الوراء نريد شبابنا الذي ضاع ؟؟؟

    قال : سأعود للوراء ولكن ؟؟
    فدب الرعب في قلب وليام جيمس وقال : ولكن ماذا أجيبني؟!

    قال الزمن : انت سترجع شابا ثم طفلا ثم رضيعا ثم تعود لبطن أمك … وأنت الذي زوجك ميت ووعدتيه ألا تتزوجي بعده ،،، سينهض من قبره ويجدك متزوجة !!! وأنت أيها الشاب سينهض والدك من قبره ، ليسألك عن ثروته التي ضيعتها يمينا وشمالا ….

    وفجأة استسلم وليام جيمس للزمن قائلا :

    حدثنا أيها الزمن : هل أنت مظهر أم جوهر … أم ماذا ؟؟؟

    قال الزمن : اعلموا جيدا ،،،، أن الحياة تتجدد ولا تتجمد ،،، الحياة تتخلد في النوع وليس في الأفراد ، النوع يبقى والأفراد يموتون، أوراق الشجر تسقط ، ثم تخلفها أوراق أخرى ، الآباء يموتون ثم يأتي الأبناء … وهكذا

    فعلا إنها ثنائية الحياة والموت ، ويالها من شطحة خيال ، تشعرنا بالاطمئنان ، لكن ماهي أهم محطات فكر وليام هنري جيمس ؟؟؟

    كان الفيلسوف ويليام جيمس أول معلم يقدم دورة عن علم النفس في الولايات المتحدة ، واستطاع عن جدارة أن يحصل على لقب ” والد علم النفس الأمريكي …
    كان هذا العبقري مفكرا في العديد من التخصصات مثل علم وظائف الأعضاء ، وعلم النفس ، والفلسفة ، كما أنه صاحب مبادئ علم النفس  1890 ، الذي أعطى مزيج غني بدون شك في مجال علم النفس وأثر على أجيال من المفكرين في أوروبا وأمريكا ، وكانت كتاباته منذ البداية فلسفية بقدر ما كانت علمية …

    من هو الفيلسوف وليام جيمس ؟؟؟

    كان فيلسوفًا وعالمًا في علم النفس وأحد كبار المفكرين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، وبعد انتهاءه من الدراسة في كلية الطب ، ركز جيمس على النفس البشرية ، وكتب تحفة فنية حول هذا الموضوع وهي مبادئ علم النفس ، واشتهر بالعديد من المقالات في الفلسفة الشعبية …

    – حياة الفيلسوف وليام جيمس المبكرة :

    وُلد وليام جيمس في مدينة نيويورك في 11 يناير 1842 ، وكانت عائلته عائلة فكرية ، وكان هو أكبر أبناؤهم الخمسة ، وتعلم على يد مدرسين في مدينة نيويورك وأوروبا ، وفي وقت مبكر تطلع جيمس أن يكون إما فنان أو عالم  ، وبالفعل درس الرسم مع وليام موريس هانت لأكثر من عام ، وبعد ذلك ترك حلمه في أن يصبح فنانًا ، والتحق بجامعة هارفارد لدراسة الكيمياء وعلم وظائف الأعضاء ، وذهب بعدها للدراسة في كلية الطب بجامعة هارفارد في عام 1864 ، وفي عام 1865 أخذ جيمس استراحة من التعليم وأراد الانضمام إلى بعثة لويس أغاسيز التي كانت ذاهبة إلى حوض الأمازون ، ثم ذهب إلى ألمانيا في عام 1867 للعلاج حيث أنه عانى من بعض المشاكل الصحية ، بما في ذلك آلام الظهر ومشاكل البصر والاكتئاب …

    حياة وليام جيمس المهنية

    قضى الفيلسوف معظم حياته الأكاديمية في هارفارد فبعد أن أنهي دراسته تم تعيينه مدرسًا في علم وظائف الأعضاء و علم التشريح عام  1873 ، وأستاذًا مساعدًا في علم النفس في عام 1876 ، وأستاذا مساعدًا للفلسفة في عام 1881 ، وأصبح أستاذًا رسميًا في عام 1885 ، ثم تدرج في السلم الوظيفي حتى أصبح أستاذًا فخريًا للفلسفة في عام 1907 …
    وبالرغم من أن جيمس درس الطب وعلم وظائف الأعضاء و علم الأحياء ، إلا أنه استمد كل هذه الدراسات العلمية من العقل البشري نفسه ، وبدأ يتشكل علم النفس كعلم منفصل بذاته ، وعمل مع شخصيات معروفة مثل هيرمان هيلمهولتز في ألمانيا وبيبر جانييت في فرنسا ، وقدم دورات في علم النفس العلمي في جامعة هارفارد …

    الفيلسوف وليام جيمس ونظرية المعرفة

    كان جيمس صاحب النظرية الواقعية حيث كانت مزج بين نظرية المراسلات الحقيقية ونظرية التماسك من الحقيقة ، فقد أثبت أنه يمكن التحقق من الحقيقة إلى الحد الذي تتوافق فيه الأفكار والعبارات مع الأشياء الفعلية ، وكذلك تحقق من مدى تماسكها، حيث قد توافقت قطع اللغز معًا ، وتم التحقق منها بدورها من خلال النتائج المرصودة لتطبيق الفكرة على الممارسة الفعلية …

    نظريات أخرى لوليام جيمس

    هناك العديد من مساهمات جيمس في علم النفس حيث كان له العديد من النظريات ومنها :

    – النظرية البراغماتية :

    وكتب عنها جيمس بشكل كبير حيث عرف مفهوم البراغماتية ، ووفقًا للواقعية قال إنه لا يمكن إثبات حقيقة الفكرة أبدًا ، واقترح أن نركز بدلاً من ذلك على القيمة النقدية أو الفائدة لفكرة ما …

    – النظرية الوظيفية :

    عارض فيها وبشدة التركيز المبني على التأمل ، وتفتيت الأحداث العقلية إلى أصغر العناصر ، وبدلاً من ذلك ركز على مدى فعالية الحدث ، مع الأخذ في الاعتبار تأثير البيئة على السلوك …

    – نظرية جيمس-لانج العاطفية :

    وهذه النظرية توضح أنه أذا حدث ما يؤدي إلى رد فعل فسيولوجي والذي نترجمه بعد ذلك وفقًا لهذه النظرية ، تحدث العواطف بسبب تفسيراتنا لهذه التفاعلات الفسيولوجية …

    – وليام جيمس والإرادة الحرة :

    في بحثه عن الحقيقة والمبادئ المتنوعة لعلم النفس ، طور نموذجه على مرحلتين للإرادة الحرة فقد كان يحاول أن يوضح كيف أن الناس يتوصلون إلى اتخاذ قرار ، وما هي العوامل التي ينطوي عليها هذا القرار ، وكان يريد أن يحدد أولا القدرات الأساسية على اختيار الإرادة الحرة ، ثم حدد عاملين لدى كل شخص وهما الفرصة والاختيار …

    – حياة وليام جيمس الشخصية :

    تزوج جيمس من أليس هاو غيبنز في عام 1878 وأنجبوا خمسة أطفال ، وتعرض للاكتئاب الشديد تحديدًا عندما فقد هو وزوجته ابنهم هيرمان بسبب مضاعفات السعال الديكي في سن الثانية …

    – حياة وليام جيمس اللاحقة :

    خلال الفترة المتبقية من حياته ، ركز بكل طاقته على تطوير فلسفته الخاصة ، و كتابة المقالات ، والمحاضرات التي تم جمعها لاحقًا ونشرها في أربعة كتب ، واستقال من جامعة هارفارد عام 1907 ، فقد شعر بالقلق من أن يموت سريعًا قبل أن يستكمل فلسفته ، وكان وليام جيمس يعاني من العديد من الأمراض كالذبحة الصدرية وضيق في التنفس ، وكثيرا ما تعرض للاعتداء الفكري من قبل الفلاسفة السائدة بسبب معاملته البراغماتية للحقيقة ، والتي دافع عنها في مجموعة من المقالات المنشورة له حيث كان يتحدث عن معني الحقيقة …

    وفاة وليام جيمس … فمن الواريث ؟؟؟

    وفي عام 1910 أصيب بمشكلة في القلب وتعب تعبا شديدا ، ولم يتمكن من عمل أي أنشطة عادية ، وحاول جاهدا أن يستكمل كتابه حول مشكلات الفلسفة ، ولكنه توفي في 26 أغسطس  1910 ، وفي عام 1911 تم نشر كتابه الذي كان يعمل على كتابته حيث قام أبنه هنري بنشر ذكرياته ودراساته بعد وفاته ، وقام بعدها بتجميع كل المقالات والاستعراضات وخطابات  وليام جيمس وتم تحريرهم في مجلدين ، ولقد لاقت كتاباته الكثير من الإعجاب حيث كان يتميز بالأسلوب النابض بالحياة والمفعم بالحيوية ، فقد مارس وليام جيمس التفكير التلقائي ونضارة التعبير ….

    يتبع ….

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بمناسبة الترحم على شهيدة الصحافة الشجاعة .. شيرين

    بقلم : حسن بويخف

    استوقفني نقاش فايسبوكي يستشكل الترحم على الصحافية الشجاعة شيرين أبو عاقلة، ويجعله محرما شرعا لأنها ماتت وهي مسيحية. وفي المقابل يطالب البعض، كبديل، التضامن معها!

    وليس اغتيال شيرين وحده ما أثار مثل هذا النقاش، والذي يتخذ أحيانا أبعادا حادة تصل حد تبادل التهم المختلفة، بل يثار في كل مرة يموت فيها شخص غير مسلم يكون قد قدم للمسلمين وقضاياهم أو للإنسانية بشكل عام خدمات عظيمة، وينخرط مسلمون في الترحم عليه.

    ولن نناقش مطلب التضامن، لأنه بكل بساطة لا معنى له، فالتضامن يكون مع الأحياء، وإذا كان المراد هو التضامن مع عائلة شيرين ومعارفها، فهذا أمر مختلف تماما.

    وثقافة الترحم على غير المسلمين اليوم أصبحت أكثر انفتاحا مما كانت عليه في العقود السبعة الأولى من القرن الماضي وما قبلها، وأصبح من العرف الشائع، خاصة في ظل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، الترحم على موتى غير المسلمين.

    وقد ساهمت العديد من العوامل في انتشار ثقافة الترحم على غير المسلمين، نجملها فيما يلي:

    الاعتبار الأول: وجود اختلاف فقهي قديم حول المسألة، حسب ما يفيده معتز الخطيب، أستاذ فلسفة الأخلاق في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة، في مقال مطول تحت عنوان ” الدعاء لغير المسلم بالرحمة والمغفرة “، منشور على موقع “الجزيرة نت” لمن أراد التوسع في القضية. وقد ناقش فيه دعوى الإجماع بعدم جوازه ومتعلقاته، وتبوث ما يخالفه.

    الاعتبار الثاني: دور المؤسسات الدينية الرسمية في العالم الإسلامي التي تنخرط هي أو بعض رموزها، بين الفينة والأخرى في الترحم على غير المسلمين، ويمكن التوقف عند نموذج الأزهر الشريف. حيث نجد ضمنهم، حسب مصادر إعلامية، الشيخ الأزهري خالد الجندي، ورمضان عبد المعز، ونجد أيضا مفتي الديار المصرية السابق علي جمعة الذي استثنى الملاحدة من قائمة غير المسلمين الذين يجوز الدعاء لهم بالرحمة وكذا الشيخ محمد الفحام، شيخ الأزهر الأسبق، الذي ترحم على بطريرك الكرازة المرقسية البابا كيرلس السادس.

    وهؤلاء يرون أن الرحمة تجوز إذا كانت من منطلق العُرف وكلام الناس العادي، بدون اعتبار الحكم الشرعي للمسألة، وهو ما يذهب إليه مستشار مفتي الجمهورية مجدي عاشور، الذي يرفض عدم الترحم، ويقول إن الترحم ممكن على أي شخص، لأننا لا نعرف ما ينطوي عليه قلبه من إيمان حينما مات، وهذا هو موقف دار الإفتاء المصرية، التي تُفتي تصريحا بجواز الترحم على غير المسلمين.
    الاعتبار الثالث: بعض الرموز الدينية الإسلامية التي أعلنت الدعاء بالرحمة مع غير المسلمين، ويمكن على سبيل المثال الإشارة إلى دعاء العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في سنة 2005 مع بابا الروم الكاثوليك يوحنا بولص الثاني، قائلا: “ندعو الله تعالى أن يرحمه ويثيبه؛ بقدر ما قدَّم من خير للإنسانية وما خلّف من عمل صالح أو أثر طيب”. وبالطبع، حسب مقال الخطيب، لم يمر دعاء القرضاوي دون أن يثير ردودا غاضبة من بعض شيوخ السلفية وكثير من العامة ضده.

    الاعتبار الرابع: الأساس الفكري لـتسامح المسلمين: حيث يقول الشيخ القرضاوي، أن أساس النظرة المتسامحة التي تسود المسلمين في معاملة مخالفيهم في الدين يرجع إلى الأفكار والحقائق الناصعة التي غرسها الإسلام في عقول المسلمين وقلوبهم، وأورد في سياق بيانها عدة أمثلة نتوقف عند واحدة لها دلالة خاصة، وتتعلق بما رواه البخاري عن جابر بن عبد اللّه: أن جنازة مرت على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقام لها واقفًا، فقيل له: يا رسول اللّه إنها جنازة يهودي! فقال: “أليست نفسا؟!” وعلق القرضاوي: بلى ولكل نفس في الإسلام حرمة ومكان، فما أروع الموقف، وما أروع التفسير والتعليل!

    فقيام الرسول الكريم لجنازة يهودي، له دلالات عظيمة تستحضر ليس الاخلاف العقدي بل المشترك الإنساني كما بين صلى الله عليه وسلم، وقد يدخل الدعاء بالرحمة لغير المسلمين ضمن هذه الخانة الإنسانية، والله أعلم.

    والدعاء بالرحمة مع غير المسلمين ممن لم يحاربوهم ولم يخرجوهم بل خدموهم ودعموهم وناصروهم، سيكون ضمن ثقافة التسامح الإسلامي ورد الجميل، إذا حررت النيات من خطأ اعتقاد غياب الاختلاف العقدي معهم.

    الاعتبار الخامس: هو أننا اليوم أمام انتشار ثقافة إنسانية، وثقافة التعايش بين الأديان والمتدينين، وثقافة حقوق الإنسان، وثقافة التسامح، فأقل ما يطلب من المسلمين تجاه غيرهم ممن لم يعادوهم ولم يؤدوهم بل يناصرون قضاياهم ويدعمونهم، أقل شيء أن يُتعامل معهم بالرحمة أحياء وأمواتا، وهذا لا يؤثر على المعتقد في شيء.

    وموضوع الترحم على غير المسلمين يختلف عن إطلاق وصف الشهيد عليهم، ذلك أن الشهادة لمن لم يشهد له بها الله ورسوله قد تجعل الناس يتطاولون على الله ورسوله، بالحكم بدخول الجنة لميت الله وحده أعلم بخواتم أعماله حتى بين المسلمين أنفسهم. رغم أن إطلاق عبارات مثل “شهيد القضية الفلسطينية” أو “شهيد الصحافة” لا يقصد به أن الميت شهيد في سبيل الله، بقدر ما يتعلق بقاموس لغوي جديد بمضمون سياسي وإنساني يروم الاستفادة من قيمة الشهادة التي يتميز بها الاسلام. أما الدعاء لغير المسلمين فهو لا يعني الجزم لهم بشيء، فالدعاء موجه لله في حقهم وهو وحده أعلم بحالهم ومدى استحقاقهم لما دعي به، وقد تبث أن غير المسلمين يكون لهم من صالح أعمالهم في الآخرة حظ. وهو لا يعني الجزم لهم بصفة أو مكانة عند الله، بل يعني أن أعمالا لهم في الدنيا شفعت لهم عند المسلمين ليطلبوا لهم الرحمة عند الله. والله أعلى وأعلم.

    إقرأ الخبر من مصدره