
حميد زيد – كود//
اللغة العربية تطارد آباء التلاميذ.
يا لغرابة الخبر. ويا لعجائبيته.
العربية تلاحق الصغار.
العربية هنا وحش.
العربية هنا يخاف منها الأطفال.
العربية يجب تخيلها في نزاع قضائي. ومتهمة.
العربية غير المرغوب فيها. العربية المتجهمة. العربية اللغة الرسمية. يرفع آباء وأولياء التلاميذ دعوى ضد مؤسسة أندري شينيي. التابعة للبعثة. في مدينة الرباط. كي تعفي أولادهم منها.
العربية لا يرغب هؤلاء الآباء في أن تصير ساعات تدريسها خمسا في الأسبوع.
يا للواقع المغربي العجيب.
العربية ثقيلة ويجب تقليص ساعاتها.
وقد يحدث في أي لحظة أن يتم القبض على العربية.
قد يحدث أن تحضر الشرطة وتصفد كل حروفها. وتحقق معها حرفا حرفا.
وفي أي وقت قد يشتكي الناس منها لأنها تعتدي على أولادهم.
وتعترض طريق مسارهم الدراسي.
وتتسبب لهم في الضيق. وفي حساسية لغوية حادة. وفي الفشل. و تحول دون حصولهم على موقع في المستقبل.
وقد أنصفت المحكمة في فرنسا الآباء المغاربة. و أبعدت عن صغارهم العربية. هنا في المغرب.
وبعد أن صدر الحكم. فلن تلوم العربية إلا نفسها.
وأي حضور لها.
وأي كلام بالعربية.
وأي ساعة إضافية.
وأي تواجد لحروفها في السبورة. وفي الكتب. وفي لسان الأستاذ. فيعني حالة العود.
أي اعتقال العربية والحكم عليها بالسجن.
كي لا تنغص حياة التلاميذ في مدرسة أندري شينيي.
والمؤسف في هذه القصة. بغض النظر عن دوافع أولياء الأمور الحقيقية. أنها تؤكد على أمر واقع.
وأن هناك خوفا لدى بعض المغاربة من اللغة العربية.
وأنها تشكل عائقا أمام عدد من التلاميذ.
ومن يقدر على التخلص منها فإنه لا يتردد في ذلك. فارا من بطشها إلى مدارس البعثة.
ومن لا يقدر.
ومن لا يسعفه المال. فإنه يظل في صراع معها. تجثم عليه في القسم. وتفرض عليه أن يستظهرها. دون أن يفهم ما يستظهره.
لكن المفارقة أن حال العربية في مدارس البعثة هو أفضل بكثير من حالها في المدارس الخصوصية المغربية.
فالعربية حية في مدارس البعثة.
ويختارون أجمل نصوصها. وأكبر كتابها.
العربية في البعثة ابنة عصرها. ومنفتحة. وجميلة. وتقدم للأولاد نصوصا لعبد الرحمن منيف ولجبران ولعلاء الأسواني.
العربية تفكر. وتتفلسف. في البعثة.
العربية مبدعة. وغير منغلقة على نفسها. ومع ذلك متهمة.
بينما هي مثل طلسم في مقررات التعليم الخاص.
وكأن من يضع هذه المقررات يخاطب المفتشين والأستاذة وليس أطفالا صغارا.
العربية في التعليم الخاص متجهمة. وضاغطة. ومرعبة. وغاضبة.
وركيكة.
وغير مفهومة بالمرة. وفاشلة. ولا تستحق أن تسمى عربية.
و بسببها صارت سمعتها سيئة.
بسببها صار التلاميذ يخافون منها. ويهربون إلى أي مكان خال منها.
وصارت بعد قرون من الإبداع متواجدة في قاعات المحاكم مع اللصوص. ومع المعتدين. ومع معترضي طريق الصغار.
صارت العربية مقترنة بالفشل.
وبالفقر.
وبعدم النجاح.
صارت هذه اللغة الجميلة لغة المسحوقين
لغة من لا لغة له.
لغة من لا صوت له.
لغة الموتى.
لغة لا مصعد فيها.
لغة الذين لفظهم الواقع التعليمي في المغرب.
ولا ينجو. ولا ينجح. إلا من يهرب منها. ومن يتخلص من العربية. ولو اضطره الأمر إلى مقاضاتها.
وإلى انتزاع حكم لصالحه.
يفرض عليها عدم الاقتراب من أولاده.
ويعفيهم من أي كلام بها.
إقرأ الخبر من مصدره