وهي التي يسميها الأنصاري بالقصر وتعرف عند الناس بقصر ابن سوسان، ولا أدري وجه التسمية الآن. والراجح أنها بنيت في موضع القصر الذي شيده الرومانيون في وسط كروم بليونش وبساتينها وأطلقوا عليه اسم اکسلیسیا-Exilissai. وهذا القصر منية مرينية ترجع إلى زمن السلطان أبي الحسن المريني، ولعلها بنيت له أو لأحد أعيان دولته على غرار القصر الملوكي الذي أعده ملوك بني مرين في أفراك وهي مبنية على طراز المنية الأندلسية. والموضع الذي بنيت فيه من أجمل الأماكن في بليونش، حيث يوجد فيها قصر تحوبه سواقي المياه في كافة أطرافه.
وموقعها غرب برج السويحلة، وأكدت التنقيبات عن الأطلال الموجودة اليوم قرب برج السويحلة على أنها تنتمي لمجموعة من البنايات التي شيدت في العصر المريني قرابة القرن الرابع عشر. في الأسفل قرب شاطئ البحر تبدو آثار بناية لها قيمة كبيرة تعاون في هدمها الإهمال وعوامل الطبيعة، مملوءة بأحجار كلسية كبيرة قادمة من جرف قريب تسببت في إخفاء معالم تلك البناية تجتازها مجاري المياه المتجولة بكل حرية غرفها حتى تجد طريقا لها إلى الشاطئ مخلفة وراءها مجموعة من الأعشاب والأشجار التي تساهم في تدمير أحجار تلك البناية، كبعض أشجار التين ذات الجذوع القوية المفتولة التي تحتضن تلك الجدران وتسحقها مع مرور الأيام والسنوات، ويوجد قربها جدران سميكة ومسبح طوله 18 مترا وعرضه 5.40 متر وعمقه 0.65. ظلت هذه البنايات متناثرة في الوادي الكبير وهي تعود للحقبة المرينية في القرن الرابع عشر. كما كشفت التنقيبات الأثرية عن أطلال مجموعة سكنية توجد بمحاذاة برج السويحلة، وهي عبارة عن غرف من بينها قاعة يفترض أنها كانت مصلى خاصا بأهل القصر، ودون مستوى المجموعة المذكورة نجد مجموعة ثانية من الغرف يتوسطها فناء يشتمل على حمام صغير وبستان ومطحنتين، وتعكس الأطراف المتبقية من الجدران طلاء شبيها بذلك الذي تم اكتشافه بشالة، وهو طلاء يرجع تاريخه إلى عهد السلطان أبي الحسن المريني (731هـ-1350/0751-1330م) وتوجد بنفس هذه المجموعة كذلك أحواض أو فسقيات تسهم في زخرفة المكان وتجميله.
ويعتبر هذا المسكن الفريد من نوعه أول ما عثر عليه بالمغرب من أنموذج سكن المنية، وهو يقوم دليلا أركيولوجيا على أن الضفة الجنوبية للبوغاز، قد عرفت هذا النمط السكني الموصوف بكامل الدقة من قبل ابن ليون التجيبي بالنسبة للأندلس. وكانت هذه المنية على غاية من الزخرفة وحسن الموضع وروعة العمارة، بحيث كانت تتقاسم الصدارة مع منية أبي العباس في بليونش، وقد بنيت في النصف الأول من القرن الثامن الهجري حين وصل فن العمارة إلى القمة وبلغ الزخرف المريني أوجه. وقد امتدت هذه المنية على مساحة كبيرة، وتظهر بعض الصور القديمة بعض مرافقها التي كانت في الجهة الجنوبية لبرج السويحلة لكنها الآن مطمورة مغمورة.
وفي زيارة لبليونش عام 1979م. يقول الأستاذ عبد العزيز القادري: وشاهدنا أسفل هذا البرج بساتين ملأت أعيننا بروائها تتخللها قنوات تنساب عليها المياه كالحيات تبرز في العراء مرة وتختفي بين الأشجار أخرى. وقد ذكر أن في هذا المكان أطلال جنة قبة الحافة، وهو يقصد بذلك البستان الموسوم بجنة الحافة، والذي كان يتوسطه قبة منيفة، وموضعه في حومة الغروس كما سيأتي تحقيقه وليس قرب برج السويحلة. وقد اشتملت المنية على مدخل وفناء رئيس ومصلى خاص وبرج لتخزين المؤونة وحديقة وطواحين مائية وغرف سكنية وممرات مغطاة وأحواض للغسيل ومسار مائي ومنشآت بستانية وتقنيات هيدروليكية وغير ذلك. كما يظهر ذلك التصميم التالي.
وقد بقي من مرافق هذه المنية: المسجد، وهو الذي يعرف الآن بمسجد الرندة، وقد سلف الحديث عنه والحمام وهو على يمين الدرج النازل إلى البحر، وقد تهدم و لم تبق منه سوى أرضيته وبعض جدرانه، وصهريج صغير يقع فوق الحمام، وجدران غرف وبيت الرحى، عند الدرج النازل إلى المرسى. تنظر في ملحق الصور.
وكان للمنية درج ينزل منه إلى المرسى يجنب برج السويحلة، لا زال مستعملا إلى اليوم، وهو الذي يتزل منه الآن من أراد النزول إلى الساحل، وقد رممت بعض درجاته، ولا زال بعضها على وضعها الأول،
وكان نظام توزيع المياه في المنية يتم وفق هندسة دقيقة، بحيث تصل المياه إلى جميع المرافق، وقد سجل الأنصاري إعجابه بذلك وهو يتحدث عن برج السويحلة الكائن جنب القصر: «في أعلاه قصر يصعد الماء إليه بالحيل الهندسية العجيبة». وتشير عبارة الأنصاري بأن المياه تصعد إليه، إلى أن القصر كان يعتمد على المورد المائي الواقع أسفل الحافة حيث العين الحمراء التي لا زالت إلى الآن معروفة بهذا الاسم، ومن هذه العين كان يتم ضخ الماء ليصعد إلى المنية ويتوزع على مرافقها.
وقد بقي من المنية المرينية اليوم رسوم وأطلال، وطالها الإهمال ونالها التضييع، فكثرت فيها الأزبال والعشب المسترسل كأنها لم تكن غانية بالأمس.
الكتاب: سبتة وبليونش “دراسة في التاريخ والحضارة”
للمؤلف: د. عدنان أجانة
منشورات تطاون أسمير/ الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية
(بريس تطوان)
يتبع…





