Étiquette : عرب

  • الفلسفة الجديدة والفلاسفة الجدد بالمغرب

    من هو الفيلسوف؟

    حين نطرح سؤال: من هو الفيلسوف؟ نشعر بالرعشة لأنه سؤال متغطرس. لكننا نريد أن نفلت منه كيفما كان الثمن. وغالبا هذا الثمن يكون الرجوع إلى القواميس الاشتقاقية التي تطرح أمام أعيننا شرحاً للمفهوم بالأساليب الأكثر بساطة. تقول القواميس إن الفيلسوف هو «صديق الحكمة» و«محب الحكمة». نعم، بالتأكيد، ولكن ما هي الحكمة التي وقع في حبها رجلنا؟ هل هي القياس والطمأنينة والطاعة؟ أم الحكمة والحذر والاعتدال؟ ما لم يكن يسعى إلى التمييز والحس السليم والهدوء؟ أو أنه لا يتردد على الحقيقة والعقل والمعرفة الصحيحة للأشياء؟

    أفلاطون وأرسطو وأبيقور والقديس أوغسطين وابن رشد وابن سينا وديكارت…عندما تنفجر هذه الأسماء في تاريخ الأفكار نتذكر الشخص المستنير، المبتكر، الهادئ، الحائر والحذر. وفي بعض الحالات يكون هذا الفيلسوف نفسه رجلا مجنونا وخطيرا يجب إسكاته. لننظر، بهذا الخصوص، إلى ما حدث لسقراط وابن رشد، في مواجهة بداياتهما الفلسفية غير الواعدة. هذا على الأقل بالنسبة للذخيرة القديمة. ولا ننسى إضافة الهوس بالشك، والسياسة والحب والموت. وطبعا هناك نواد فلسفية كثيرة: الأفلاطوني، الأرسطي، الأبيقوري، الساخر، المتشكك، الرواقي…..

    محمود عبد الغني:

    ما هي الفلسفة؟

    ما هي الفلسفة؟ السؤال فلسفي في حدّ ذاته. على أي حال يمكن أن يكون كذلك، «لا يوجد سؤال فلسفي في حد ذاته: إنه فلسفي فقط داخل مشكلة معينة، مما يعطيها معناها ونطاقها»، حسب أندري كونت سبونفيل. وذلك يفسر سبب وجود العديد من الإجابات المختلفة، أو القليل، من الفلسفات المختلفة. لكن كل واحد منا يحلم باستجابة كونية، حتى لو كانت أكاديمية، والتي يمكن أن تنير عامة الناس دون إرضاء المتخصصين أكثر من اللازم. لكن أي معنى يمكن أن يشفي غليلنا ويقربنا من المعنى البسيط والحقيقي للفلسفة. أصل الكلمة الإغريقي لا يكفي. سواء كانت الفلسفة، باللغة اليونانية، تعني الحب أو البحث عن الحكمة، فهذا ما لا يجهل أحد أمره. ولكن ما هي الحكمة؟ وماذا يثبت أصل الكلمة؟ دعونا نفكر بدلا من ذلك بالطريقة الأرسطية: دعونا نبحث عن «النوع التالي» و«الفرق المحدد». في أي فئة أكثر عمومية يمكن تضمين الفلسفة؟ نشاط؟ ممارسة؟ انضباط؟ لا شك، ولكن إنه يأخذ المشكلة إلى آفاق أبعد مما نتصور. معرفة؟ هذه إجابة تقليدية عفا عليها الزمن. يمكن أن تشير كلمة «الفلسفة» أو «الحكمة»، حتى القرن الثامن عشر، إلى جميع المعارف العقلانية، سواء في اليونانية القديمة (على سبيل المثال في حالة أرسطو) أو في اللغات الحديثة (على سبيل المثال في حالة ديكارت). هذا ما يبرر الاستعارة الشهيرة للمبادئ: «وهكذا كل الفلسفة مثل شجرة، جذورها ميتافيزيقيا، والجذع هو الفيزياء، والفروع التي تخرج من هذا الجذع هي جميع العلوم الأخرى، التي تختزل في ثلاثة علوم رئيسية، وهي الطب والميكانيكا والأخلاق.

    نطمح، في هذا الملف، إلى الاقتراب من هموم الفلاسفة الجدد بالمغرب، الذين هم من سلالة محمد عزيز الحبابي، ومحمد عابد الجابري، وطه عبد الرحمان، ومحمد سبيلا، وعبد السلام بنعبد العالي، ومحمد وقيدي، وسالم يفوت…ومن غير الممكن التوقف عند هذه الأسماء فقط، لأن شجرة أنساب الفلسفة بالمغرب وارفة وسامقة.

    محمد نور الدين أفاية والصورة في الفكر البَصري

     

    م.ع

     

    يعود محمد نور الدين أفاية إلى الصورة والمتخيل في عام 2021، عبر كتابه «معرفة الصورة في الفكر البصري، المتخيل، والسينما» (المركز الثقافي للكتاب)، بعد أن كان أصدر في المفهومين معًا عدة كتب تلقاها الباحثون العرب بالتحية والتقدير، نذكر منها: الخطاب السينمائي بين الكتابة والتأويل (1988)، المتخيل والتواصل (1992)، الغرب في المتخيل العربي الإسلامي (1997)، الغرب المتخيل، صور الآخر في الفكر العربي الإسلامي الوسيط (2000)، الصورة والمعنى، السينما والتفكير بالفعل .(2019)

    «إن اهتمام الباحث بالصورة، التي هي في عُرف حقل دراسات الصورة «برادايمًا أيقونيًا»، يعود إلى كون الإنسانية انخرطت منذ مدة طويلة في «البرادايم البصري» الذي «تحتل فيه الصورة السينمائية مكانة مركزية». يركز الباحث على النظر «بوصفه أكثر الوساطات التي تسعف الذكاء في الاشتغال، إلى حد ذهب فيه البعض إلى القول بأن النظر يشكل الأداة الرئيسية للفكر». أما عن المجال الذي حصر فيه أفاية بحثه فهو السينما، كحقل للتفكير «يمتلك إمكانيات تعبيرية هائلة للتأثير على المتلقي: سلبًا أو إيجابًا». أما عن الفئة المتلقية التي تتوجه إليها الصورة فهي ذات وضع اجتماعي معين، وخاضعة لشروط ثقافية وتاريخية».

    إن اهتمام أفاية بالصورة، التي هي في عُرف حقل دراسات الصورة «برادايمًا أيقونيًا»، يعود إلى كون الإنسانية انخرطت منذ مدة طويلة في «البرادايم البصري» الذي «تحتل فيه الصورة السينمائية مكانة مركزية، مسنودة في ذلك بالتلفزيون، وبالوسائل الرقمية الجديدة، بحكم امتلاكها قدرة هائلة على الإظهار وإنتاج المعنى».

    كيف نمسك بالروح حين نمسك بالصورة؟ من يمكنه فعل ذلك من بين جميع الناس؟ يرى أفلاطون، في محاورة «فيدون»، أن المرء إذا أمسك بالصورة تمكن من الإمساك بالروح. لكن هذه العملية ليست في متناول أي أحد. إن هذا الباب مفتوح على غير المشدودين إلى العالم الحسي. وبهذا، فإن الصورة التي تتأسس على المخيلة، تُعطى لها أهمية كبيرة في فكر أفلاطون، «الذي أفسح المجال للمخيلة وللقدرة التخيلية على خلق عوالم غير مرئية بشكل محسوس». وذلك بعكس الفلسفة التي اعتبرت المخيلة عنصرًا يشوش على عمل العقل، حسب ديكارت. لقد بقيت المخيلة منحصرة في مجال نظرية الأدب أو النقد الفني. غير أن عصر الحداثة ومفاهيمه، مند القرن التاسع عشر، غيّر النظرة إلى إنتاجات المخيلة والصورة، مثل الصورة الفوتوغرافية، السينما، التلفزيون… مما خلخل صرامة الخطاب العقلي المضاد للمخيلة، الديكارتي على الخصوص. في هذا السياق يؤكد المؤلف أن «الصورة في الزمن المعاصر هي روحه الوحيدة بالضرورة (…) بل وأصبحت أداة حاسمة من أدوات التواصل، سواء اعتمد هذا التواصل على العقل، أو على غيره من الملكات التي يحوزها الإنسان».

    «إن عصر الحداثة ومفاهيمه، منذ القرن التاسع عشر، غيّر النظرة إلى إنتاجات المخيلة والصورة مما خلخل صرامة الخطاب العقلي المضاد للمخيلة، الديكارتي على الخصوص. في هذا السياق يؤكد المؤلف أن «الصورة في الزمن المعاصر هي روحه الوحيدة بالضرورة».

    بعد أن تناول المؤلف حدود المفاهيم الإجرائية التي كرسها تطبيقيًا في الفصل الثاني من الكتاب؛ وهي مفاهيم المخيلة، التخييل، المخيلة والوعي، والمخيلة الرمزية، وذكاء الإدراك البصري… ومفاهيم أخرى من حقل الفلسفة والأدب والفن، عاد لتفكيك ظاهرة الصورة، التي اقترب من شكلها، ومضمونها، وخلفياتها، وتجلياتها الرمزية، وأبعادها التوصيلية والتواصلية؛ من جماليات وعلم النفس، مرورًا بالنقد الأدبي والفني، إلى ما ينعته ريجيس دوبريه بالميدولوجيا، وما يربط عالم الصورة بتعبيرات المتخيَل.

    إلا أن الباحث أفاية يدافع عن ضرورة اجتناب فهم هذه القضايا سالفة الذكر انطلاقًا من منظور واحد، فالعالم متغير وتعبيراته اللغوية والأيقونية بالتعدد نفسه أو أكثر. لذلك على الباحثين، بحسب أفاية، تبني اختيار «متداخل الاهتمامات لمحاولة الاستفادة من الانفتاحات المنهجية والفكرية لكل اهتمام، من أجل الاقتراب من فهم الأبعاد الدلالية والرمزية الكثيفة للصورة وللمتخيل، سيما وأن كلًا منهما يكتسب، في كل مرة، مظاهر وأشكالًا وتجليات ومعاني جديدة قياسًا إلى تطور المجتمعات والثقافات والتقنيات والسياسات».

    إن ذلك راجع، بالدرجة الأولى، إلى كون الصورة تمتلك إمكانيات تفعيل وتحيين وتأثير لا حد لها، «منها ما يتوجه إلى الحواس، ومنها ما يعبئ مخزونات الذاكرة، ومنها ما يخاطب العقل». كيف لا ونحن نعيش «زمن الصورة»، وتجلياتها التي غزت العالم أجمع.

    يجد الإنسان نفسه أمام الصورة طيلة حياته اليومية. فللصورة، حسب تعبير أفاية، «طبيعة اجتياحية» في الحياة اليومية للناس. فالمجال العام صور، والشاشات الكبرى، والصغرى، كل شيء صورة يضطر الإنسان إلى الدخول إلى عوالمها. وإن الطبيعة الاجتياحية التي يركز عليها الباحث، هي مزدوجة؛ فالصورة تجتاح الإنسان، والإنسان يجتاح عالمها. هذا الاجتياح المتبادل، المتوازي، هو ما ينتج تعدّد الدلالة والتأويل. وهدا التدفق الهائل واللامتوقف للصور، لا يقابله، بالضرورة، فهمٌ مناسب لرهاناتها ومضامينها وخلفياتها المعلنة والمتسترة. الشيء يجعل من الضروري، بل والحتمي، طرح أسئلة من قبيل: ما هي الوسائل الكفيلة بفهم الوقائع البصرية الجديدة واستيعابها؟ وكيف يمكن توفير ما يلزم من جاهزية فكرية لجعل قراءة الصور أداة نقدية للحاضر؟

    للصورة، حسب تعبير أفاية، «طبيعة اجتياحية» في الحياة اليومية للناس، وإن الطبيعة الاجتياحية التي يركز عليها الباحث، هي مزدوجة؛ فالصورة تجتاح الإنسان، والإنسان يجتاح عالمها. هذا الاجتياح المتبادل، المتوازي، هو ما ينتج تعدد الدلالة والتأويل.

    كل من يقف أمام صورة ما يحتار في اختيار الكيفية التي يعتمد عليها لتكوين «نظرة» دقيقة أو صائبة. فهناك الاقتصار على المحاولة الذاتية، أو تلك التي ترتهن للانفعالات العاطفية. في هذا الإطار يرى جورج ديدي- هوبرمان «أنه يتعين جعل أدوات المعرفة التي يقترحها تاريخ الفن مجرد محطة ضرورية لمقاربة الصورة». ويرى أنه لا مناص من إجراء ما يسميه بـ«انعطافة نقدية» لنظرية إيرفين بانوفسكي حول الصورة. وبانوفسكي، الذي حاول باعتباره فنانًا- مفكرًا اقتراح مقاربة لمعالجة الصورة الفنية أدخلها ضمن ما سماه «الإيقونولوجيا»، وقد «أرادها مقاربة منهجية عقلانية للعمل الفني». وبموجب هذه المنهجية على الناظر للصورة اتباع مسار تعاقبي من خلاله تطرح الصورة عدة أسئلة على من يلقاها.

    خاض نور الدين أفاية مغامرة تفكيك اللقاء بين الفلسفة والسينما، من أوجه اللقاء المختلفة، من خلال مفاهيم ومدارس، بينت كيف أن الصورة أغرت الجميع: (الباحثون والفلاسفة والفنانون)، ما أفرز عدة رؤيات ونظريات، كل حسب تصوره للعالم والواقع والإنسان والتقنية والفن. إنه كتاب في الاقتراب الحارق من النقد، والتفلسف والفن بمستويات عالية جدًا، وربما قل نظيره في المؤلفات العربية التي عالجت الموضوع نفسه.

    حتى لا ننساهم

     

    محمد وقيدي.. السؤال نسغ الفلسفة

     

    محمد وقيدي (1946-2020)، اسم مزدوج لعقل وقلب يلتمعان داخل جسد واحد. رحل عنا فجر يوم 7 غشت 2020. أفاد الباحثين والطلبة المغاربة والعرب كنموذج، كحكيم. وأفاد فيلسوف فلسفة العلوم غاستان باشلار وفيلسوف التربية جان بياجي، حين ترجمهما وأنجز بحثًا عنهما، الأول عنوانه «فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار» المنشور لدى دار الطليعة ببيروت سنة 1980، والثاني «الإبستمولوجيا التكوينية عند جان بياجي» سنة 2010. ومنذ ذلك التاريخ ووقيدي يقدم سبيلًا لاستمرار البحث الفلسفي في الجامعات المغربية، والعربية. لذلك، ومنذ اليوم، على كل من يكتب عنه، أو يتذكره بشكل عابر، أن يقول في حقه أكثر مما يجب.

    كان محمد وقيدي، وسيبقى دومًا، كثير التداول رفقة فلاسفة وأساتذة من جيله، وجلهم درس بشعبة الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، منهم: محمد سبيلا، عبد السلام بنعبد العالي، سالم يفوت، كمال عبد اللطيف، سالم حميش، علي أومليل… وقد نالوا كلهم شهرة عربية منقطعة النظير، بعد معلمهم الأول محمد عابد الجابري، لأنهم يميلون إلى طريقة في التفكير، والتدريس والتأليف قريبة من زمن الفلاسفة الكبار، بفضل ما يمكن أن نسميه سلامة العقل، وسلامة الموهبة والمنهج. كانوا يشكلون حلقة، لكن يمكن تخيل أنهم لا يشكلون دائرة بل محورًا فقط لا محيط له، لذلك أمكن للمحور أن يتسع، ويتمدد ويتخذ الشكل الذي يريد.

    يظهر وقيدي يوميا في صورة الفيلسوف الذي لا يستطيع أن يضبط نفسه، دومًا ينزلق انزلاقات لا يستطيع آخرون القيام بها، كأنه شخصية في رواية «الفيلسوف وقشرة الموز». إنه جوهر له أبعاد كثيرة: اختفاء، تدريس، الكتابة للصحافة، الولوج إلى النوادي، كأس في يد الفيلسوف، ضحك صاخب… إنه صوت عتيق «عجز الكثيرون عن سماعه».

    تدريس الفلسفة عند محمد وقيدي رديف للحديث عن الأفكار الجيدة. وعليك تحمل المسألة طيلة سنوات عديدة، حتى تصبح أيامك نوعًا خاصًا من الحياة العلمية التي لن تتوقف إلا بتوقف القلب. فأنا نفسي سمعته يصب نقمته على الأساتذة الذين لا يسيرون على درب «الحديث عن الأفكار الجيدة». كنت أندم دومًا حين أحدثه في قضية ما. وكثيرًا ما تساءلت عما دفعني إلى التورط في الحديث معه حول القضايا الفلسفية، لكنه سرعان ما يفطن لورطتي ويبدأ في الحديث معي عن مجال تخصصي: الأدب. وله في ذلك مداخل كثيرة، فهو يرى أن الإبستمولوجيا والأدب شقيقان كبيران وخالدان. وأذكر مدخلًا آخر: نظرية الأدب. وما كان يهمه فيها هو مفهوم «النظرية»، الشقيقة الصغرى للفلسفة. فيبدأ الرجل في وضع شروطه كي تكون النظرية والفلسفة معًا مقبولتين (عند طلبتنا طبعًا): أول تلك الشروط: الوضوح، الذي يليه التعقيد الفكري بالضرورة. ونقلتنا هذه الفكرة، على قشرة موز رائعة، إلى الحديث عن الأدب، وخصوصًا القصيدة، الجنس الأدبي المسكين الذي ظل تاريخيًا يخوض معركة مزدوجة: الغموض/ الوضوح. كانت تلك تذكرتي المعتادة إلى آفاق وقيدي. وأذكر جيدًا ذات لقاء معه وصولنا إلى خلاصة فريدة: على أستاذ الفلسفة وأستاذ الأدب (الذي يراه وقيدي مدرسا لنظرية الأدب) أن يعملا على رفع حديثهما عن مجال تخصصهما (أمام الطلبة)، عن طريق بذل جهد مقصود، إلى مرتبة الفن الرفيع.

    محمد الشيخ: العرب أهل حكمة

     

    م.ع

     

     

    على طريقة القدماء في التأليف، اختلق الباحث المغربي محمد الشيخ صديقين له: أحدهما أجنبي والآخر عربي. عذلاه عندما تناهى إلى مسامعهما أنّه عازم على أن يخصّ «حكمة العرب» بكتاب. الأجنبي تعجّب من هذا الكلام، فما سمع أغرب منه. هل للعرب حكمة؟ وعدّه أنه يريد أن يلحق الحكمة بمن لا حكمة له. العرب – كما قال بصريح الكلام وأبلغ البيان – ليست الحكمة بضاعتهم. هي ضالّة لا توجد عندهم. وكل ما في الأمر أنّ الزمن «انخدع لهم بريهة وهنم لهم هنيهة»، فشاع الاعتقاد بأنهم أهل الحكمة وبأن الحكمة أهلهم. وأنهى الأجنبي قوله بنبرة متأسّفة على المؤلّف: «يا طول تعب الباحث عن الحكمة عند العرب، ويا بعد وصوله». ونصحه بأن يضع مصنّفاً سيكون مفيداً له ولهم في «الحمقة العربية» يُضَمِّنه كل الأعمال الخرقاء التي اقترفوها تحت لافتة مسمّيات عدة: العروبة والإسلام والأمة والاشتراكية والوطنية وغيرها من العناوين.

    وعندما انتهى صديق المؤلّف الأجنبي من خذله، تناوب على الكلام صديقه العربي، فكان كلامه واصلاً لكلام صنوه. قال مؤكداً ومثبتاً أن العرب لم يبرعوا في الحكمة براعتهم في الحماسة. وبذلك حريّ بالمؤلف اللبيب أن يضع مصنّفاً في الحماسة العربية، ما دام العرب ليسوا أمّة حكمة. والدليل على ذلك هو ما ورثه عرب اليوم من عرب الأمس، وما استحدث من كلامهم اليوم وخطبهم الحماسية ورسائلهم الوعيدية ومواعظهم الإنهاضية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس. وهو في ذلك ذو كلام صائب لا قول موارب: «العرب اليوم، يا إلفي، صرعى في حالهم، حيارى سكارى، مرضى أضنياء… قوم موتى بغير لحود، كأنهم في رقدة أهل الكهف». واسترسل مستشهداً بقول شاعر منهم أجاد في وصف حالهم: «أماتهم الدهر قبل المنون/ فهم ميتون ولم يقبروا». هكذا، حاول العربي ثني الشيخ عن الاستمرار في فكرة تأليف كتاب «الحكمة العربية» حاشراً في عقله الشاهد تلو الشاهد على أن العرب ليسوا أهل حكمة بل هم من الحكمة صفر. وما فاخروا به ليس إلّا حكمة الأمم التي اختلطوا بها في الزمن القديم، فأفادوا منها واقتبسوا، وما كانوا على شيء. وهذا الجاحظ الذي لا بد من إشهاده في الأمر. فهو يرى أن ثمار الفرس والعجم أفاد منها العرب من دون جهد ولا اجتهاد. وهذا صاعد الأندلسي الذي شهد بلسانه: «أما علم الفلسفة فلم يمنحهم (أي العرب) الله عز وجل شيئاً منه، ولا هيّأ طباعهم للعناية به… ».

    أما المؤلف العازم على وضع كتابه، فقد أشهر سيف التوحيدي القائل: «الأمم كلها شركاء في العقول، وإن اختلفوا في اللغات» أو «في الجملة، الحكمة مشاعة بين الخلق». واسترسل المؤلف بأنّ العرب أكبر أمّة اهتمت بفن الكتابة والخط، وبمفاهيم أخرى كـ: الإنسان والغير والصداقة والغربة والانفراد والحرفية والحيرة والحواسّ والقراءة والترجمة والشهرة والموت. وهي كلها مفاهيم قدّم فيها المؤلف شواهد كثيرة من فلاسفة ومتصوّفة ومؤرخين ومترجمين عرب، وضعوا كتباً ومصنّفات ومعاجم ومجلّدات ومواعظ تفوق قصر قامة كل جاهل ينكر عنهم ما وضعوه وما اجترحوه في تلك الأبواب. ومن هنا، تبدأ حيرة الجاهل النافي لكل جهد أو مسعى.

    جاء كتاب «الحكمة العربية… دليل التراث العربي إلى العالمية» (الشبكة العربية للأبحاث والنشر ـــــ بيروت) مصنّف تأكيد لحقيقة العرب العقلية المذهلة في شتى الأصناف والمفاهيم. كأننا بالمؤلف قاضياً يسمع بأذنين لكل حجة أو دليل. فيكفي أن نشهد التوحيدي في مفهوم «الغيرية» لنسمعه يقول: «إنما أنا أنت». أو ذلك القول الذي نسب لمجهول: «ظننت أنك إني». أو ذلك المجهول الآخر القائل ببراعة لسان نادرة: «أخذ مني أنا، فبقيت بلا أنا». يكفي أن نعود إلى مقولات قيلت في الترجمة، وما زالت نضرة طازجة حية كأنها قيلت هذا الصباح، مثل حكم الجاحظ على الترجمة الذي ما زال يحكمنا إلى اليوم في باب ترجمة الشعر: «والشعر لا يُستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل… ». وهي مقولة ـــــ رغم إنكارها الفادح لدور ترجمة الشعر، ورغم ظلمها للمترجم وعدم سدادها ـــــ ما زلنا نسمعها مراراً في المدرّجات الجامعية وخلال الندوات والمؤتمرات المختصّة.

    لقد نجح محمد الشيخ المؤلف الفعلي، وصنوه وشبيهه المؤلف الضمني، في إقناع العرب بحكمتهم التي أدلوا بها في شتى ضروب المعرفة.

    الواجب والحق هما النفع الكبير الذي تقدمه الفلسفة للناس

     

     

    حاوره: محمود عبد الغني

     

    يُعد إدريس كثير من المشتغلين الجدد والجادين بالفلسفة في المغرب. باحث قلق ينتج في الفكر الفلسفي والبحث الجمالي والترجمة. ولد بوجدة وأقام بفاس التي درس فيها الفلسفة وشغل مهمة الكاتب العام للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة. صدر له: أسئلة الفلسفة المغربية، مدخل إلى فلسفة جاك ديريدا (ترجمة بالاشتراك مع عز الدين الخطابي)، درس الفلسفة (جاك ديريردا ترجمة)، الحريم وأبناء العم، تاريخ النساء في مجتمعات المتوسط (ترجمة)، إضافة إلى أعمال أخرى في الفكر الجمالي والفن التشكيلي والصورة.

    عن الفلسفة ووضعها الحالي ودورها في المجتمع والفلاسفة الجدد أجرت معه «الأخبار» الحوار التالي:

     

     

     

    ـ كيف يعرّف إدريس كثير الفلسفة؟

    ـ الفلسفة هي، منذ الأصل الإغريقي، محبة الحكمة. فيتاغورس كما هو مشهور القائل أنا محب (فيليا: محبة وصداقة) للحكمة (صوفيا). أنا لست صوفوص إنما فيلوصوفوص. حافظت الفلسفة في كل اللغات عبر العالم على هذا الجذر اللغوي اليوناني وعرفت به. إلا أنها عبر تاريخها (25 قرنا) تغيرت ملامحها وموضوعاتها وعرفت بأسماء عدة.. منها الميتافيزيقا، وما زالت تعرف بها إلى الآن، ثم الأنطولوجيا (دراسة الوجود من حيث هو وجود. أرسطو) ثم غيرت من جلدها فأصبحت أنطو ـ تيولوجيا (تمزج بين التيولوجيا المسيحية والأنطولوجيا الإغريقية أو بين علم الكلام الإسلامي والفلسفة). ثم انتهت إلى المباحث الفلسفية الكبرى: مبحث المعرفة أو الغنوصيولوجيا ومبحث الوجود أو الأنطولوجيا ومبحث القيم أو الأكسيولوجيا. وقد تتغير هذه الأسماء فتصبح الغنوصيولوجيا هي الإبستمولوجيا، خاصة حين تتخصص في نقد المعرفة العلمية. ثم تنهال أسماء الاتجاهات الفلسفية معبرة عن فلسفة هذه المرحلة أو تلك: الوجودية والشخصانية والترنسندنتالية والتحليلية والوضعية والفينومنولوجيا والبنيوية والتفكيكية وما بعد الحداثة….

    ورغم هذا التنوع وهذا الاختلاف ستبقى الفلسفة موحدة في خصائصها وأدوات تفكيرها: النقد الجذري والمساءلة الماهوية والاستشكال والشمولية.. ورغم كل هذا تبقى الفلسفة هي الفلسفة. هناك دوما هذا القلق وهذا العسر في ولوج روح الأشياء وماهيتها ووجودها لفهمها وإدراكها أكثر وأحسن. الفلسفة هي «البحث عن الحقيقة بصورة مطلقة» وهي «صناعة واختراع المفاهيم» وهي «الروح التراجيدية لأمة من الأمم» وفعل التفلسف هو «استنباط المجهول من المعلوم بالقياس البرهاني».. هل عرفنا وحددنا الفلسفة؟ لا أبدا.. ستبقى الفلسفة عصية على كل تعريف وخارج كل تحديد لأنها هي العصارة الروحية لعصرها وبالتالي لكل العصور.

     

    والفيلسوف، من هو؟

    الفيلسوف ليس هو صوفوص (الحكيم) إنما هو محب للحكمة أو صديق لها. فالمحبة والصداقة في الحكمة هي الراجحة. عكس الحكيم الشيخ الذي جرّب الحياة واستخلص حكمها من أغوارها وامتلك الحكمة ونطق بها في أمثاله وعبره وأحكامه. مقابل صوفوص هناك صوفيست السفسطائي، لكن بينهما خلاف جذري. الأول متواضع لا يدّعي الحكمة وإنما يطلب ودّها وصداقتها (سقراط: كل ما أعرف هو أني لا أعرف شيئا)، والثاني متحذلق مدّع يخوض في كل الموضوعات ويثبت الشيء ونقيضه (جورجياس مثلا: الإنسان مقياس كل شيء. مقياس ما يوجد منه وما لا يوجد). لكن خارج هذا الاشتقاق اللغوي الفيلسوف هو أيضا طبيب الحضارة الذي يملك مقياس تقدير أمراضها وأعراضها (نيتشه) وهو «صديق المفهوم» مثلما النجار صديق الخشب (دولوز). الفلاسفة هم الآن مفكرون ننعتهم بهذه الصفة ـ يقول هايدجر ـ لأن الفكر يستعرض تاريخه في الفلسفة أساسا. كل الفلاسفة الذين طرح عليهم السؤال: هل أنت فيلسوف؟ أجابوا بالنفي أو بكثير من الحيطة والتريث. كان فوكو يفضل تقديم نفسه مؤرخا بدل فيلسوف وكان ديريدا يعتبر الفلسفة جنسا من الأجناس الأدبية… في مقدمة كتاب هايدجر «أبحاث ومحاضرات» غاليمار 1958 يسوق جون بوفري هذا التصريح لهايدجر: «ليس هناك من فلسفة لهايدجر. وحتى لو كان يجب أن يكون هناك شيء من هذا القبيل فلا تهمني هذه الفلسفة». اعتقد القوم أنه يقصد مزحة من وراء قوله هذا أو ربما يقصد أنه لا يتوفر على نسق فلسفي متكامل. فكان توضيحه كالتالي: «لا يتعلق الأمر بالمزحة ولا بالنسق. ولكي أكون أكثر وضوحا: فإني لحد الآن لم أشيد نسقا ولن أشيده أبدا. ذلك أن السؤال الذي أضعه ليس سؤالا من الفلسفة التقليدية. ولا أقصد  بهذا أنه سؤال استثنائي يدّعي اختراع فلسفة ما، إنما هو السؤال نفسه الموسوم في «مدخل إلى ما هي الميتافزيقا؟» بكونه صعودا إلى تخوم أسس الميتافزيقا.. في هذه الإشكالية يوجد موقف يتجاوز الميتافزيقا بمعنى من المعاني، لا بمعنى أن الميتافزيقا كانت خاطئة لكن في حدود أن شيئا ما يبقى في داخلها منسحبا وخارج السؤال، بالمعنى الذي تشير إليه كلمة «الكينونة» «اليونانية». معنى هذا أن الفيلسوف المبدع هو ذاك الذي يستطيع اكتشاف قبس في أفق فلسفي أو فجوة في مساحة ما داخل الميتافزيقا السائدة ليبلور قولا فلسفيا.

     

    هل هناك تقارب بين المفهومين في الثقافة العربية والغربية؟

    من حيث اللغة والنطق «فلسفة»، «فيلسوف» و«فيلوصوفيا» يملكان توافقا تاما في الثقافة واللغة العربية ومثيلتهما الغربية، اليونانية. لكن من حيث الإشكالات والوضعيات هناك اختلافات بارزة. فالفلسفة في الثقافة العربية الكلاسيكية تسمى الحكمة مقابل الشريعة (الدين) والفيلسوف يدعى الحكيم مقابل الفقيه أو المتكلم أو المتصوف. الحكمة العربية الإسلامية واجهتها منذ مرحلة الكندي أبو يوسف إسحاق (القرن 9م.) صعوبة مضاعفة. من جهة فهي تملك حقيقة سرمدية سماوية لها إجابات صارمة عن كل الأسئلة الميتافزيقية الكبرى «من أين جئنا؟ من نكون؟ وإلى أين نؤول؟ ومن جهة أخرى وبعد مجهودات «دار الحكمة (المأمون) صارت تملك تصورات فلسفية أفلاطونية ـ أرسطية أفلوطينية.. لها مواقف وأجوبة مختلفة عن أجوبة الشريعة. من هنا ارتسمت في الأفق الفلسفي العربي ملامح التوفيق بين العقل (اللوغوس) والنقل (الميتوس). طبعا لا داعي للتذكير أن الكندي كان في حقبته حقق حلقة وصل بين الشريعة (التيولوجيا) والحكمة (الأونطولوجيا) فمحاولته فلسفة مصادرة» الخلق من عدم كانت مبادرة فلسفية جريئة إلا أن التقليد الفلسفي لم يطورها بعده. ويبدو لي هذا الجحود وهذا اليتم سيكون عنوانا عاما لكل التطورات الفلسفية التي عرفها تاريخ الفلسفة العربية.

    قمة هذه الإشكالية الوسيطية عرفت مع ابن رشد (القرن 10م.) الشارح الأكبر للمعلم الأول، وصاحب مواقف فلسفية متميزة سواء في التوفيق بين الحكمة والشريعة (فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال) أو في الاجتهادات الفلسفية الأونطولوجية التي بثّها طي شروحه وتلخيصاته على فلسفة أرسطو. كقوله بوجود صلة بين السماء والأرض أو بلغته بين العقل الفعال والعقل الهيولاني «فكل الذين اعتبروا أن ديكارت هو أول من قام بثورة كوبرنيكية حين أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض وعلى رأسهم هايدجر جانبوا الصواب» (جان باتيست بروني. أنا أتخيل. ابن رشد وفضاء المقدرة. ترجمة عز الدين الخطابي. دار توبقال للنشر.2020).

    بعد ابن رشد عرفنا الانكسارات من كل الجهات.. إلى أن جاء محمد عزيز الحبابي في المغرب وظهور أسماء أخرى مساوقة له في مصر (مصطفى عبد الرازق) وفي الشام…

    من الجهة الأخرى الثقافة الغربية، عانت الفلسفة من الإكراهات نفسها في صراعها أو تواطئها مع الكنيسة.. (القديس أوغسطين، بونافنتورا، طوما الإكويني…) إلى حدود بزوغ الحداثة الغربية.

     

    ما دور الفلسفة في حياة الإنسان؟

    ما حاجة الناس إلى الفلسفة؟ ليس هناك ظاهريا من حاجة ماسة ولا ضرورية للفلسفة في ما يبدو. لم يكن هايدجر يملّ، في كل كتاباته، خاصة حينما يتوغل في المساءلة، من القول: أليست هذه أسئلة اعتباطية؟ ألسنا بهذه الأسئلة خارج القول والمعقول؟ أعداء الفلسفة الغزالي تمثيلا وبادئ الرأي والعامة كانوا يعتبرون الفلسفة تهافتا وإلحادا وحاربوها من هذه الزاوية. ما حاجتنا إلى الفلسفة؟ إن هذا السؤال الذرائعي حول المنفعة لا يشكل سوى حصة ضئيلة في تاريخ الفلسفة، والتيار الأمريكي النفعي، جون ديوي، مثلا، وتأثيره في الممارسة الفلسفية لا أهمية له تذكر لأن الحقيقة لا تتحدد بما هو نفعي حصرا قدر تحديدها بمعايير أخرى، منها النزعة الإنسية. فتركيز الفلسفة على الإنسان وعلى قدراته في مجابهة مجهول مصيره ومآله، وتركيزها على الإنسان كمواطن في سلوكه وانتمائه وتنظيم عيشه وفق قيمتي الواجب والحق ليعدّ النفع الكبير الذي تقدمه الفلسفة للناس، ومنها النزعة العقلانية. إذا كانت أعدل قسمة مشتركة بين الناس هي العقل، فإن الغرائز، رغم اندفاعها ورعونتها، ستخضع لا محالة في الأخير لسلطة العقل. فالحوار والتسامح والاختلاف مسلكيات لا معنى لها دون العقل، ومنها النزعة النقدية. مزية هذه الأخيرة أنها كحذر تقينا شرّ الدوغمائية والوثوقية المستتبة في المجتمع. وتوقظ همّتنا التساؤلية والتشكيكية في بلورة الرأي الحر والمستقل وفي الحوار والاعتقاد. منافع هذه اليقظة بادية للعيان في كل المجتمعات المتنورة والحداثية. هذا إضافة إلى تخليصنا من براثين الدوكسا والإمّعة. تنبهنا الفلسفة، بخصائصها هاته، إلى الوضع السيّئ للرداءة في الذوق وفي السلوك وفي التفكير، وتحيل عنا غشاوة الاتباع والزلفى وترفع عنا ثقل الأوثان والوحشية المرافقة لها.

     

    ما وضع الفلسفة في العالم اليوم، في العالم العربي والمغرب؟

    لا يمكنني تلخيص هذا الوضع لشساعة حجمه وتعدده وتباينه، كما لا أستطيع الحديث عنه بدقة لغياب الأنسكلوبيديات والدوريات المتخصصة، ولاستحالة الاطلاع على ما يجري فلسفيا في العالم برمته. لكن إذا اقتصرنا على مؤلف «مائة عام من الفلسفة» من 1900 إلى 2000 وحاولنا إحصاء الإشكالات التي برزت بشكل ملفت للانتباه طيلة هذه الحقبة في أوربا، سنلاحظ حضور الميتافزيقا والسؤال عن إمكانية تجاوزها وكذا حضور موضوع الأخلاق والإيتيقا وبزوغ الدراسات الهيرمنوطيقية والفينومنولوجية وفلسفة اللغة والدراسات الإبستمولوجية وتاريخ الفلسفة الوسطوية والماركسية والتحليل النفسي.. هذه هي آفاق الفلسفة الغربية الآن، ساهم في تحليلها وتأويلها فلاسفة باتوا مرموقين في ثقافتنا العربية كيورغن هابرماس وألان دي ليبيراو بول ريكور وكارل أوطو آبل….

    وكذلك الأمر بالنسبة لوضعية الفلسفة في العالم العربي الآن. فإذا اكتفينا بكتاب «الفلسفة في الوطن العربي» في مائة عام الندوة التي أشرف على جمع أعمالها الفيلسوف المصري حسن حنفي 1900 إلى 2000، وهي الحقبة نفسها التي حددت للفلسفة الغربية، سنلاحظ أن الفلسفة العربية اهتمت بخمسة إشكالات هي:

    1 ـ التقليد والحداثة

    2 ـ العقل والعقلانية

    3 ـالحرية والفكر الفلسفي

    4 ـ الأخلاق

    5 ـ الفلسفة السياسية.

    شارك فيها أكثر من ثلاثين باحثا ومفكرا. إذا قارنا بين الوضعيتين سنلاحظ أن الفترة الغربية تعدت تاريخ الفلسفة إلى الفلسفة ووصلت إلى التفلسف في حين ما زالت الحقبة العربية في مجملها تراوح نفسها في تاريخ الفلسفة.

    وضعية الفلسفة في المغرب لا تختلف كثيرا عن الوضعية العربية المشار إليها أعلاه، الإشكالات نفسها، إلا أنه يمكن إثارة الانتباه إلى أمرين أو ثلاثة؛ أولا يمتاز المغاربة بامتلاك حس قوي بالمنهجية وصقل أدوات البحث، وثانيا بوجود تيار عام للترجمة إلى حد القول مع محمد سبيلا إن هناك مدرسة قائمة الذات للترجمة عامة وللفلسفة خاصة. مع الانتباه إلى تنوع تكوينات الماستر في الجامعة المغربية وأطاريح الدكتوراه في قسم الفلسفة. هناك خميرة يمكنها أن تثمر أشكالا أخرى من الفلسفة غير التي دأبنا على رؤيتها وقراءتها.

     

    هل هناك خصوصية فلسفية وتاريخية للفلسفة المغربية؟

    في اعتقادي الحديث عن الخصوصية المغربية أو الاستثناء المغربي أو حتى «تمغربيت» لا معنى له في التقويم الفكري لبلد من البلدان، في ذاتية وهوية معطاة لكل جهة جغرافية أو فكرية من حيث هي جهة لها قوام وكيان وحدود وذاكرة.. لكن الحديث عن الاختلاف والتميز لا ينفي التشابه والنمطية، هذا أمر جائز ومحمود. في هذا السياق يمكن الإشارة إلى الضجة التي خلقها محمد عابد الجابري يوم قال «بالقطيعة الإبستمولوجية» بين فلسفة المغرب والأندلس (ابن رشد) وبين الفلسفة المشرقية الإشراقية (ابن سينا)، مؤكدا على تصور آخر مختلف للفلسفة العربية الإسلامية هنا بدل هناك. القطائع نفسها يمكن الإشارة إليها الآن.. وهي تحدث باستمرار بين ما يفكر فيه الفلاسفة المغاربة وما يفكر فيه غيرهم. لقد استوطنت لدينا الشخصانية كفلسفة تهتم بالشخص وكرامته ثم تحولت في لحظة ما إلى فلسفة الغدية المؤمنة بالمستقبل. ووجدت البنيوية والماركسية من يطوّعها بالمغرب لدراسة التراث وإعادة النظر فيه أو دراسة التاريخ وتأويله. وحضر نيتشه وهايدجر لا في الترجمة فقط بل في التأليف والتوليف.. ناهيك عن الدراسات التراثية، خاصة الدراسات الرشدية منها. والآن الجامعة المغربية منفتحة على كل التيارات الفلسفية الغربية السائدة من فينومينولوجا وهيرمنوطيقا وتفكيكية وحداثية وما بعد حداثية.. ويصعب، اللحظة، تكوين صورة مركبة تعطينا المنطق المتحكم في سير وتطور وترحال هذه الاجتهادات الفلسفية.

     

     

     

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سعدون.. قصة أسير عاد من الجحيم بوساطة الأشقاء

    الدار/ تحليل

    لم تكن الوساطة السعودية لإطلاق سراح الطالب المغربي إبراهيم سعدون ومعه مجموعة من الأسرى من بلدان مختلفة مجرد بادرة دبلوماسية عادية وعابرة، إنها لحظة أكدت مرة أخرى متانة العلاقات المغربية السعودية، والدور الدبلوماسي الإنساني الذي تلعبه المملكة العربية السعودية وولي العهد محمد بن سلمان. نتذكر جميعا صور وتصريحات الطالب إبراهيم سعدون بعد توقيفه في أوكرانيا واتهامه من طرف السلطات الروسية بالانتماء إلى جماعة مرتزقة مقاتلة إلى جانب أوكرانيا، وما عناه ذلك من مصير قد يصل حسب القوانين الروسية إلى تطبيق عقوبة الإعدام عليه. بدا هذا الشاب في تصريحاته وهو يتمتع برباطة جأش استثنائية لا يمتلكها الكثيرون في مثل هذه المناسبات، لكن قصته كانت في الوقت نفسه درسا ينبغي التوقف عند عِبره.

    لقد تملّك اليأس في البداية كل من تابع قصة إبراهيم سعدون، لم يكن أحد منا يتصور أنه يمكن أن يسترجع حريته ويعود إلى أحضان الوطن والأسرة. الأوضاع الأمنية المتردية في أوكرانيا وشراسة القتال في بداية الحرب وإصرار السلطات الروسية على حسم الحرب كلها كانت مؤشرات لا تبشر بمصير إيجابي لهذا الشاب. وحده والده الذي كان يتنقل بين كاميرات التلفزيونات والمواقع الإلكترونية وبين مصالح الخارجية والقنصليات بحثا عن مخرج، احتفظ بدرجة عالية من التفاؤل بإمكانية عودة هذا الشاب من جديد إلى وطنه واسترجاع حريته. لقد كان إبراهيم سعدون مخطئا عندما قرر البقاء في أوكرانيا بعد اندلاع الحرب والانضمام لأحد أطرافها في الوقت الذي لا تعنيه هذه المسألة في شيء.

    بدأت ملامح التفاؤل والأمل تلوح في الأفق عندما تبين أن السلطات الروسية قررت الاحتفاظ بالأسرى أحياء لديها حتى بعد محاكمتهم وإدانتهم بالإعدام لتوظيفهم في عمليات استرجاع أسرى مماثلين من الطرف الأوكراني. هذا هو المدخل الوحيد الآمن الذي يعطي باستمرار لأسرى الحرب آمالا بقرب الحصول على الحرية والعودة إلى الوطن. استمر هذا التفاؤل الحذر لفترة طويلة، وهي الفترة التي كانت فيها المبادرة السعودية تتبلور وانطلقت خلالها المفاوضات من أجل التوصل إلى حل بخصوص هذه المجموعة من الأسرى التي تشمل إبراهيم سعدون. هذا الطالب الذي ذهب لأوكرانيا لدراسة تخصص علمي دقيق في مجال الفضاء لينتهي به الأمر أسيرا في حرب هي الأخطر والأكثر تهديدا للاستقرار العالمي منذ عقود.

    لقد أفرزت قصة الطالب إبراهيم سعدون لنا كمغاربة دروسا وعبرا للداخل والخارج. الدرس الأول هو أنه لا يمكن لك أن تعوّل إلا على الأشقاء والحلفاء المقربين من أجل حلحلة مثل هذه القضايا الشائكة. الدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية وولي العهد محمد بن سلمان دور لا يمكن أبدا نسيانه ولا نكرانه، وهو إنما يعكس هذه المكانة الكبيرة التي يحملها الرجل للمغرب والمغاربة، بعد أن قرر التقدم بهذه المبادرة، من واجهة إنسانية وعربية للإفراج عن هؤلاء الأسرى ومن بينهم إبراهيم سعدون. ولا يمكن في هذا السياق إلا أن تقابل عائلة هذا الأسير وكل المغاربة المبادرة السعودية بالشكر والامتنان الكبيرين، ويتأكد لنا جميعا أن لنا أخوة وأشقاء عرب يمكن أن نعتمد عليهم في مثل هذه الظروف.

    الدرس الثاني وهو في غاية الأهمية، ينبغي أن يستوعبه كل الطلبة المغاربة بل وكل المهاجرين الذين يمثلون بلدانهم في الخارج. إن النأي بالنفس عن مثل هذه النزاعات هو السلوك الأنسب والمنطقي لكل من أوقعته الظروف في سياق ملتهب كسياق الحرب. ليس من مصلحة أي مهاجر أو طالب مغربي في الخارج أن ينضم إلى هذا الطرف أو ذاك، خصوصا إذا كانت بلاده وسلطاتها قد نهجت نهج الحياد الإيجابي ونأت بنفسها عن التموقع إلى جانب هذا الطرف ضد ذاك. عندما تندلع الحروب على المهاجر أو الطالب أن يحمل حقيبته وينجو بنفسه ويعود إلى وطنه حتى تهدأ الأوضاع مثلما فعل آلاف الطلبة المغاربة الذين عادوا آمنين إلى بلدهم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • إبراهيم سعدون.. قصة شاب مغربي أنقذه ولي العهد السعودي من حبل المشنقة

    أطلقت روسيا، الأربعاء، سراح الطالب المغربي إبراهيم سعدون، إلى جانب 9 معتقلين آخرين كانت قد أسرتهم قوات انفصالية موالية لروسيا في مناطق الشرق الأوكراني خلال الحرب الدائرة هناك، وذلك بعد وساطة سعودية قادها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

    وأعلنت وزارة الخارجية السعودية، عن نجاح مبادرة ولي العهد السعودي بالإفراج عن 10 أسرى من مواطني المغرب والولايات المتحدة وبريطانيا والسويد وكرواتيا، من بينهم المغربي إبراهيم سعدون، والتي أنقذت الطالب المغربي من حبل المشنقة بعد فقدان الأمل في إمكانية العفو عنه.

    من هو إبراهيم سعدون؟

    إبراهيم سعدون هو شاب مغربي بالغ من العمر 21 عاما، اعتقل وتم الحكم عليه بالإعدام من قبل محكمة تابعة للانفصاليين الموالين لروسيا، بتهمة الارتزاق ضمن الجيش الأوكراني.

    وكشف تقارير روسية أن الشاب المغربي أكد خلال استجوابه أنه يعمل ضمن البحرية الأوكرانية بموجب عقد (لم يكشف تفاصيله).

    وكان الشاب الذي اختار “القتال” إلى جانب الجيش الأوكراني، يتابع دراسته في كلية الأيروديناميكية وتقنيات الفضاء في معهد كييف للفنون التطبيقية، وتم اعتقاله رفقة “طلبة” عرب آخرين.

    والده محاميا له

    اعترفت محكمة دونيتسك الانفصالية بوالد الطالب المغربي إبراهيم سعدون المحكوم عليه بالإعدام ابتدائيا، كمدافع عنه في المحاكمة.

    ووفق ما نقلته وكالة “ريا نوفوستي”، فإن المحكمة العليا بجمهورية دونيتسك الانفصالية “اعترفت بأحد أقرباء المواطن المغربي سعدون إبراهيم، وتحديدا والده، كمدافع”.

    وكان والد الطالب المغربي إبراهيم سعدون، المعتقل من طرف قوات انفصاليي دونيتسك، قد قال في تصريح لجريدة مدار21، إن محاكمة نجله إبراهيم المحكوم ابتدائيا بالإعدام “مستمرة”، مؤكدا أن العطلة القضائية أخرت جلسات الإستئناف.

    وأوضح طاهر سعدون أن ابنه مازال في سجن الدونيتسك، وأن العائلة “تتفاءل خيرا بالأحداث القادمة”.

    ورفض الأب المغربي، والذي كان ابنه حديث وسائل الإعلام المغربية والدولية، كشف المزيد من التفاصيل، مبررا ذلك برغبته في أن تبقى “مستجدات ملف ابنه سرية”، تفاديا لأي سوء فهم من الأطراف المعنية.

    وفي نفس السياق، كان والد الطالب المغربي قد كشف في الخامس من غشت الفارط ل”مدار21″، أن ابنه نقل قبل فترة من زنزانة انفرادية لأخرى جماعية، وأنه خضع لفحوصات طبية جسدية ونفسية “والتقارير جاهزة لتقديمها في جلسات الاستنئاف”.

    جهود لإطلاق سراحه

    طاهر سعدون والد الطالب المغربي إبراهيم سعدون المحكوم بالإعدام في دونيتسك الانفصالية، راسل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، للتدخل من أجل العفو عن فلذة كبده، مؤكدا أن “الجيش الروسي غرر بابنه”، معتبرا أن الأخير “ضحية التلاعب بالعقول السليمة ذات الصفحات البيضاء”.

    وجاء في نص الرسالة التي وجهها أب الطالب المغربي عبر سفارة روسيا بالرباط، وكذا جمعية حقوقية روسية، وتوصلت جريدة “مدار 21” بنسخة منها: “أتشرف سيدي، أنا الطاهر سعدون، والد الطالب المغربي إبراهيم سعدون الأسير بين يدي القوات المسلحة لجمهورية دونيتسك الشعبية، والذي تم أسره في إحدى المعارك قرب مدينة ماريوبل”.

    وأضاف “سيدي، إن ابني المغربي والبالغ من العمر 21 سنة، انتقل إلى أوكرانيا في سنة 2019 لأجل متابعة دراسته فقط وليس لأمر آخر، ونظرا لصغر سنه وعدم تجربته في الحياة وسوء اختياره لمحيطه بعيدا عن المتابعة المباشرة من طرفنا، كما كان الشأن دائما في بيته في المغرب، وبالتالي طيلة الثلاث سنوات التي قضاها بأوكرانيا كان يتنقل بين عدة مدن حسب متطلبات شعبته الدراسية”.

    من جهتها دخلت هيئات حقوقية ومدنية مغربية على خط ملف الطالب المغربي ابراهيم سعدون المعتقل من طرف الجيش الروسي والمحكوم بالإعدام رميا بالرصاص.

    ووجهت جمعية الصداقة المغربية الروسية واللجنة المغربية للسلم والتضامن، رسالة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لوقف تنفيذ إعدام الطالب المغربي “لاعتبارات إنسانية”.

    وفي نفس السياق، وجه “الائتلاف المغربي ضد عقوبة الإعدام” وشبكة المحاميات والمحامين ضد عقوبة الإعدام وشبكة الصحافيات الصحافيين ضد عقوبة الإعدام رسالة لرئيس الحكومة المغربية ورئيس مجلس النواب ووزراء الخارجية والعدل ورئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان ورئيس النيابة العامة لطلب التدخل”لإنقاذ حياة المواطن المغربي إبراهيم سعدون المحكوم بالإعدام من قبل سلطات دونيتسك الموالية لروسيا، والمطالبة بضمان سلامته النفسية والبدنية وإطلاق سراحه وضمان حقه في التوجه للبلد الذي يرغب فيه”.

    وقال والد سعدون، في خروج إعلامي حصري مع مدار21، إن ابنه المعتقل من طرف قوات انفصاليي دونيتسك، إن محاكمة نجله إبراهيم المحكوم ابتدائيا بالإعدام “مستمرة”، مؤكدا أن العطلة القضائية أخرت جلسات الإستئناف المرتقبة.

    وأوضح طاهر سعدون، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن ابنه مازال في سجن الدونيتسك، وأن العائلة “تتفاءل خيرا بالأحداث القادمة”.

    ورفض الأب المغربي، والذي كان ابنه حديث وسائل الإعلام المغربية والدولية، كشف المزيد من التفاصيل، مبررا ذلك برغبته في أن تبقى “مستجدات ملف ابنه سرية”، تفاديا لأي سوء فهم من الأطراف المعنية.

    وفي نفس السياق، كان والد الطالب المغربي قد كشف في الخامس من غشت الفارط ل”مدار21″، أن ابنه نقل قبل فترة من زنزانة انفرادية لأخرى جماعية، وأنه خضع لفحوصات طبية جسدية ونفسية “والتقارير جاهزة لتقديمها في جلسات الاستنئاف”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • القمة العربية.. محك للنوايا الجزائرية 

    مصطفى المريني

    حسنا صنع المغرب بالاعلان عن استعداده لاستقبال مبعوث الرئاسة الجزائرية لتسليم السلطات المغربية دعوة الحضور الى القمة العربية، المقررة مطلع نوفمبر المقبل، وذلك بانتظار مساعي الساعات الاخيرة علها تنبثق عن (اختراق) ولو بسيط ، كأن تعلن الجزائر عن فتح مجالها الجوي أمام الطيران المدني المغربي، كخطوة( ودية )، و (رمزية )، قد تحفز صانع القرار في المغرب عن اعلان حضوره، وربما رفع تمثيليته في القمة  الى اعلى مستوى، مثلما  قد  تحفز ايضا قادة عرب لم يحسموا بعد حجم ومستوى تمثيلتهم ..وقد تحفزهم هذه الخطوة في حال اتخاذها على رفع مستوى تمثيليتهم، ما قد  يفتح آفاق متفائلة بامكانية حصول (توافقات) داخل القمة، أو على هامشها، وبالتالي انقاذها من مهددات الفشل التي تتربص بها.

    ويحبذ ان تأتي الخطوة الجزائرية قبيل، أو بتزامن مع زيارة المبعوث الجزائري الى المغرب ،لكي تؤتي ثمارها المفترضة، لأن قبول المغرب استقبال المبعوث الجزائري، وإن انطوى على امكانية حضور المغرب الى القمة، بحسب مراقبين، فإنه ترك الباب مواربا أمام اكثر من احتمال، سواء بالحضور، ومستواه وحجمه، أو حتى بعدم الحضور في حال قدرت الرباط ذلك، أو صدر من الجزائر ما يخل ب “التوافقات” التي قد يكون تم اقرارها في اطار لقاءات وزراء خارجية الجامعة العربية الاخيرة، أوعبر وساطات عربية. لذا، فإن كل شيء مرتهن بالاشارات التي سترسلها الجزائر في غضون الاسابيع المقبلة،  وحَسْبُ المغرب انه عبر عن حسن نيته باستقبال المبعوث الجزائري، بما أعاد الكرة الى مرمى الجزائر، التي يتعين عليها اثبات حسن نيتها بترجمة شعار (لم الشمل العربي)، الذي رفعته عنوانا للقمة المفترضة، و ذلك عبر المزيد من (الاشارات) و (الرسائل) و المواقف الدالة..

    إن حديث بعض وسائل الاعلام الجزائرية عن كون الدعوة الجزائرية اختبار/تحد لنوايا المغرب بالمصالحة، ليس هذا سياقها، فالدعوة الموجهة الى المغرب، تأتي في سياق الجامعة العربية، والبلد المستضيف للقمة ملزم وفق المقتضيات المنظمة للقمم العربية بتوجيه الدعوات الى جميع اعضاء الجامعة، ولكن إن أرادت الجزائر أن تجعل من مناسبة احتضانها للقمة العربية سياقا لاختبار نوايا المغرب بالمصالحة، فيلزمها ان تردف دعوتها له بالمشاركة في القمة العربية باجراءات معبرة تخفف بها من حدة الاحتقان والقطيعة القائمة بين البلدين، وأقل هذه الاجراءات فتح مجالها الجوي امام الطيران المغربي..

    اذن، فالجزائر هي من توجد في وضع الاختبار ازاء النوايا المعلن عنها من جانبها، وهي من وضعت نفسها في هذا “المازق”، ويتعين عليها ان تثبت للرأي العام العربي انها فعلا معنية بمبادئ العمل العربي المشترك، وفي رأس هذه المبادئ احترام استقلال وسيادة  الدول المدرجة في جامعة الدول العربية التي تشكل وعاء العمل العربي المشترك، والاعتراف بحدود الدول الاعضاء في الجامعة، والمحافظة على أمن المنطقة العربية وسلامتها في مختلف المجالات، والعمل على ترسيخ مبادى التعاون والتضامن والوحدة.. ولاشك ان اعلان الدول العربية، بل معظم الدول العربية، بما فيها المغرب على المشاركة في القمة امعان في تمحيص نوايا الجزائر واختبار جديتها..  وأمام الاختبار يعز المرء او يهان !

    *رئيس مركز الحوار المغربي العربي للدراسات والأبحاث

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رغم قطعها للعلاقات مع المغرب.. الجزائر تبعث وفدا خاصا للملك محمد السادس لإنجاح القمة العربية

    يسابق نظام الكابرانات بالجارة الشرقية الزمن لإنجاح القمة العربية المزمع تنظيمها بالجزائر شهر نونبر المقبل، والتي تم تأجيلها سابقا لثلاث مرات، بعدما أظهرت كل المؤشرات فشلها، بسبب محاولة الجزائر فرض أجنداتها لاستغلال هذه القمة لتصفية حساباتها مع جيرانها.

    وبعدما تنازلت الجزائر عن فكرة مشاركة سوريا وإرجاعها لمقعدها بجامعة الدول العربية، خدمة لإيران، عادت الجزائر لتؤكد عبر إحدى أبواقها الإعلامية، جريدة “الشروق” الجزائرية، أنها ستقوم بإرسال مبعوث خاص إلى المغرب، رغم قطع العلاقات معه من جانب واحد، من أجل توجيه الدعوة إلى الملك محمد السادس لحضور أشغال هذه القمة العربية.

    وأكدت جريدة الشروق أيضا أنه “وفقا للتقاليد المعتمدة في مثل هذه المواعيد، ستقوم الجزائر بإرسال مبعوثين خاصين باسم الرئيس عبد المجيد تبون، إلى كل الدول الأعضاء من أجل تسليم الدعوات إلى جميع الملوك، ورؤساء الدول والأمراء”.

    وأوضحت ذات الصحيفة، “أنه وفق القاعدة المعمول بها، سترسل الجزائر مبعوثا خاصا للمملكة المغربية وهو ما يعتبر واجبا أخلاقيا وسياسيا يستلزم معاملة جميع الدول الأعضاء على قدم المساواة، لأن الأمر لا يتعلق بالعلاقات الثنائية بل بعلاقات متعددة الأطراف”.

    ويبدو أن كابرانات قصر المرادية تيقنوا جيدا بأن نجاح القمة التي ستحتضنها بلادهم رهين بحضور المغرب، باعتباره دولة عربية قوية ومؤثرة في المنطقة، لذلك سارعوا للترويج عبر أبواقهم الإعلامية لهذا الأمر، في محاولة منهم لإيجاد العذر لتبرير أي غياب مرتقب لملك البلاد وزعماء عرب آخرين عن هذه القمة، والتي تعرف نتائجها حتى قبل انعقادها.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • صحيفة جزائرية : مبعوث من تبون سيحمل دعوة شخصية للملك محمد السادس لحضور القمة العربية بالجزائر

    زنقة20ا الرباط

    في محاولة منه لاستباق أي تغيير مفاجئ أو مقاطعة مرتقبة من الدول الأعضاء سارع النظام العسكري الجزائري، اليوم الثلاثاء، في إرسال دعوات الحضور إلى الدول الأعضاء، عبر مبعوثين خاصين، بداية برئيس دولة فلسطين محمود عباس ورئيس الجمهورية المصرية عبد الفتاح السيسي اللذان تسلما دعوة الرئيس تبون من وزير الشؤون الخارجية رمطان لعمامرة، دون وجود تأكيدات بحضورهما.

    ورغم القطيعة التي تطبع العلاقة بين البلدين،كشف موقع الشروق الجزائري، أن “الجزائر ستوجه دعوة للمغرب لحضور القمة عبر مبعوث خاص وفق القواعد المعمول بها”.

    ويرى متتبعون أن إقدام الجزائر على إرسال مبعوث خاص للمغرب لتسليم دعوة الحضور للقمة، وهي تعلم أن المملكة المغربية سيكون لها موقف صارم من الحضور في القمة ستعلن عنه خلال الأيام القادمة، تحاول من خلال هذا الدعوة إحراج المغرب بشتى الوسائل بين الدول الأعضاء.

    من جهة أخرى أكد محللون وسياسيون عرب ووسائل إعلام عربية أنه من المتوقع أن تقاطع دول مجلس التعاون الخليجي القمة المفترض عقدها بالجزائر وذلك تضامنا مع المغرب الذي طالما دعا إلى تو حيد صفوف الشعوب العربية، بسبب خطوة الرئيس التونسي الأخيرة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • القضاء الألماني: إقالة “DW” صحافية بتهمة معاداة السامية “غير مبرر قانونيا”

    حكمت محكمة ألمانية لصالح الصحفية الفلسطينية الأردنية، فرح مرقة، بأن إقالتها من محطة “دويتشه فيله” الألمانية، المملوكة للدولة، بتهمة معاداة السامية “غير مبررة قانوناً”.

    تم طرد الصحافية المذكورة، مع ستة موظفين عرب آخرين في DW في فبراير 2022، بتهمة “معاداة السامية”.

    في بيان نشره المركز الأوربي للدعم القانوني جاء فيه: “نأمل أن يبعث هذا برسالة واضحة مفادها أنه ينبغي عليهم وقف ممارساتهم الرقابية”، مضيفا أن “التراجع – بما في ذلك من خلال الإجراءات القانونية – فعال وضروري من أجل دعم هذه الحقوق”.

    سيكون أمام DW مهلة حتى منتصف شتنبر الحالي، لاستئناف قرار المحكمة الصادر أمس الإثنين، أو القبول به والاعتذار علناً عن إقالة الصحافية المذكورة والتراجع عن الادعاءات.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الإنقلابيون المزورون.. الدولة المغربية لا عمق معلوم لها!!

    إدريس بنيعقوب 

    أغرمنا، إلى درجة الهوس، في زمن مضى بالممثل السينمائي الهندي الشهير أميتاب باشون. تعرف عليه جمهور سينما الزمن الجميل في المغرب، أكثر مما تعرفوا على ممثلين مغاربة أو عرب أو حتى على رؤساء دول وغيرهم. كانت أفلامه تعبر عن حجم معاناة البسطاء المهمشين والفقراء والمظلومين، وتغول المافيات والمفسدين النافذين. أفلام جسدت “إيديولوجيا” التنفيس الجماهيري العظيم. كانت أدواره التمثيلية وهو يصرخ ضد الظلم، تنفس عن ضغط و غبن عميق لدى مقهوري المجتمع المغربي، وكانت تمتص غضبهم الواقعي القابل للإنفجار، فلم يكن هناك فيسبوك حينها يقوم بالمهمة. فمغبونوا الأمة خبزيا أو سياسيا أو ثقافيا، كانوا لا يغادرون فرصة تتاح لهم، دون أن يتغابنوا بشكل جماعي، خصوصا أثناء استهلاك أفلامه التي كانت فرصة لتمرير أفكار يقاس عليها الوضع المغربي حينها.

    مغبونون لم يجدوا طريقهم للانتقام من القهر، فوجدوها في أميتاب باشون الهندي، الذي تبعد بلاده آلاف الكيلومترات عن المغرب، لكن أفلامه فعلت مفعولها في حس الرعية وقتها.

    لازلت أتذكر فيلمه السياسي الشهير “انقلاب”. عرض عندنا في سينما المغرب بشارع بركان بمدينة أحفير الحدودية ذات شتاء من سنة 1988، والذي اعتبر عرضه آنذاك حدثا تاريخيا بكل المقاييس، كاد أن يخلد رفقة الأيام المجيدة، بل وثقت به حقبة وذكريات فأصبح يقال عام فيلم انقلاب.

    إبن الخامسة عشرة آنذاك، كنت أيضا رفقة زملائي في إعدادية سيدي محمد بن عبد الرحمان بالمدينة كباقي كل سكانها  والمداشر المحيطة بها، من عشاق السينما الهندية وتحديدا البطل والفارس أميتاب باشون في أهم أفلامه، فقد كانت العدوى كبيرة وقوية ولربما أصابتنا منذ كنا في بطون أمهاتنا من كثرة ما سمعنا، ونحن أجنة، من كلام عن الهنود.

    طبعا لم يكن هناك لا نتفلكس ولا انترنيت، فقد كانت السينما المتنفس الوحيد والأوحد خارج الدراسة والعمل. معلمون، مياومون ومأجورون وتجار وموظفون وغيرهم، كان همهم هو تأمين مبالغ لشراء تذاكر السينما، حينها عندنا كانت أجرة عمل مأجور يومي لا تتعدى 25 درهما ليوم عمل، بعد سنوات جفاف عجاف.

    جغرافيا المنطقة اختار لها الله مجاورة الشقيقة الجزائر. في ذلك الزمن فعل الإعلام الجزائري فعلته العميقة في ثقافة ساكنة المنطقة، بما كانت تتميز به التلفزة الجزائرية من تجديد وحوارات سياسية وثقافية وبرامج دينية مختلفة عن ركن مفتي ثمانينيات القرن البائد، الذي كانت تبثه تلفزة البصري آنذاك. فقد كان في تلفزة العسكر الجزائري الشيخ محمد الغزالي في دروس وأحاديث أسبوعية، لعبت هي أيضا دورها الذي لايستهان به.

    إلى جانب ذلك، تمتع سكان المنطقة حينها برفاهية إعلامية، من خلال ما تعرضه القناة الجزائرية من مسلسلات مصرية وعالمية جديدة، ورسوم متحركة غنية جدا، وأفلام هوليوود وغيرها حديثة الصدور.

    حدث كل هذا في ظرف زمني، كانت فيه التلفزة المغربية تعيش ما قبل تاريخ الإعلام، رغم أن البصري أطلق حينها حملة ما عرف “بالتلفزة تتحرك’ غير أنها لم تتحرك كثيرا!

    وأذكر أننا، شاهدنا مسلسل رأفت الهجان الشهير في نفس السنة التي انتج فيها وعرض في مصر. لفد تعرف جيلنا على الراحل المهدي المنجرة، من خلال مشاركته في بعض برامج وحوارات وندوات تلفزة الجزائر، وتعرفنا عليه حينها بأنه مغربي. التحليلات السياسية والعسكرية لاسيما لحرب الخليج وحضور قادة عسكريين كبار كالراحل سعد الدين الشاذلي، وغيره في التلفزة الجزائرية حينها. تأطير إعلامي قوى ثقافة الشباب، وفتح لهم مسارات نظر أعمق بكثير مما كانت تقدمه التلفزة المغربية، مما يشكل أحد أخطر وأكبر أعطاب الإعلام العمومي المغربي، الذي ترك مهمة تأطير الرعية اليافعة أساسا، إلى قنوات إعلام أجنبية مؤثرة في الذهنيات والسلوك.

    عودة إلى سينما أحفير، أتذكر أننا كأطفال، كان علينا المغامرة في لعبة قمار شعبية شهيرة في المنطقة (الشكشاكة)، بحوالي عشرين سنتيما في إحدى خانات طاولة اللعبة، حتى نتمكن من جمع حوالي درهم ونصف لكل واحد منا، للتمكن من الدخول للسينما. كانت بوابتها الوحيدة مكتظة ومزدحمة إلى الشارع. حضور غفير وصراع في الباب من أجل الظفر بكرسي مريح للمشاهدة. نحن الصغار لم نلج إلا في آخر الحشد، فكان لزاما بل و مفروضا أن نجلس في الرتبة “أ”، أي في مقدمة قاعة العرض الوحيدة بالسينما، حيث المشاهدة صعبة بعنق ممدود للأعلى بشكل متعب، والنظر إلى شاشة طويلة لا يرى منها الشيء الكثير بوضوح.

    الفيلم الهندي الذي حجت إليه الركبان، كان يروي قصة شخص نزيه، عمل في الدولة بصدق وأمانة وتعرض للمؤامرة وللظلم والاضطهاد، فكافح عن طريق بوابة السياسة والأحزاب والانتخابات من أجل الإنتقام، إلى أن صار رئيس حكومة بلاده. طبعا البطل هو أميتاب باشون معبود الجماهير. عندما تقلد المنصب، عقد أول اجتماع لحكومته على وقع الرصاص والدم. في ذلك الاجتماع بوزرائه، خطب فيهم خطبة مفعمة بمشاعر وشعرية السينما. فضح كل واحد منهم وعرى عن فسادهم وخذلانهم للشعب كل في القطاع الموكول له تسييره، ثم أصدر حكمه عليهم بالاعدام على يديه.

    عندما أنهى تنفيذ العملية بواسطة رشاش أسود، سلم نفسه لرجال الأمن الذين قاموا بتكبيله. غير أن الجماهير كانت تحبه فحاولت الصدام مع الأمن من أجله. هنا امتطى أميتاب باشون سطح  سيارة الشرطة ليخطب في الجماهير عن الفساد وعن ضرورة التغيير. ختم خطابه بصرخة مفعمة بالتمثيل بأعلى صوته يوجهها كدعوة للشعب ” انكلااااااااب”، أي انقلاب، وليس انكلاب من الكلب.  حينها اهتزت سينما المغرب بأحفير بصوت رجل واحد، وبحماسة عسكرية مجلجلة مدوية، اهتزت لها أركان السينما المهترئة أصلا، رددوا، بشكل لغوي سليم، وراء الممثل على الشاشة كلمة انقلااااب عدة مرات، حتى أصبنا بقشعريرة الممسوس، أو الذي أصابته الجذبة الربانية، كان ذلك في زمن “أثثه” جيل النضال وأجيال اليسار المتعطشة إلى الحريات و الديمقراطية.

    لازلت أذكر بل وأسمع صدى ذلك الصوت الرهيب المهيب في كلمة انقلاب. تلك الكلمة كانت تشكل عقدة للمخزن، وكانت توقظ في خياله ذكريات محاولات قلب النظام الفاشلة وانقلابات السبعينيات المؤلمة والمخيفة في نفس الوقت، كان مآلها الفشل لأن الدولة لها جذور وفروع في كل مكان.

    وأنت تنصت إلى ذلك الصوت المرعب، تخال نفسك وسط جيش يستعد للخروج للشارع، للسيطرة على الإذاعات و الشوارع ومفاصل أهم المدن والطرقات، استعدادا لإصدار البيان رقم واحد.

    ترددت كلمة انقلاب على نفس الإيقاع والحس،  فقد تقمص جهمور أحفير المغربي شخصية الممثل المأجور عن دوره في الفيلم، وأصابته هستيريا الكلمة الغامضة المفعمة بحلم الشجاعة والبطولة في محاربة الظلم، إلى أن أشعلت أضواء قاعة العرض فخفت وهج الحماس وطلب من الجمهور، الذي تباطئ في مغادرة القاعة، الإنصراف إلى مثواه المعتاد مع منتصف الليل تقريبا.

    على بوابة السينما كانت “المفاجئة” المعتادة. شرطيان من الحرس القديم، رفقة عنصرين من القوات المساعدة للزمن نفسه، بصحبة شيخ أو عون السلطة وموظف عن الشؤون العامة، الذين كلهم كانوا يشكلون فريق أمني لضبط الحركة مع بداية الليل. أولى أوامر الشرطة في البوابة الوحيدة هي إظهار بطاقة التعريف الوطنية. البطاقة كانت عملة نادرة حينها، من يملكها أو يملك المبلغ المالي لإنجازها فقد كان من الشجعان القادرين على دخول الكوميسارية بل ومن علية القوم.

    صفع وركل ورفس لكل من لم تكن معه البطاقة. بل حتى بعض ممن كانوا يحملونها تعرضوا لدفعة مذلة إلى الشارع أو لكمية معتبرة من السب والشتم، وفق قواميس أعدت بشكل خاص ووفق معايير الانتماء الطبقي والمهني آنذاك، خصوصا رجال التعليم وما عرف عن نشاطهم السياسي والنقابي وقتها.

    كان هناك من تعرض لنوبة تبول لا إرادي حادة، هناك من بكا بكاء المكلوم في أمه، وآخر استعطف والتمس وقبل اليدين، وآخر توسل بالأنبياء وبالرسول الكريم وصحابته الكرام، وآخر زج به إلى سيارة إسعاف كان يستعملها “المخزن” في نقل المشتبه بهم التوفر على أضعف الإيمان المحتمل للإخلال بالأمن العام.

    أما نحن أصحاب الجثث الصغيرة جدا، فقد ساعدنا الرب الرحيم للقيام بعملية دقيقة ومدروسة بعناية، وتكتيك محكم لهروب كبير  بأعجوبة، من تحت الأرجل نحو الشارع. ومع ذلك فإنه بعد تفرق الحشد السينمائي، الذي لم يفرح بالفيلم، يطارد المخزن الانقلابيين المفترضين في الأزقة المظلمة لإتمام عملية إدخالهم إلى بيوتهم عنوة، لإزالة الشك المستحيل في إنشاء خلايا فوضى مسيسة.

    من عاش تلك الفترة يعي جيدا حجم هوامش الحرية الذي تعيشه الأجيال الجديدة، ويرى بأم عينيه ما تقوم به الدولة من إصلاحات، تهدف إلى القطع مع زمن القمع والتسلط، ويبقى الأمر غير مرتبط فقط بإجراءات وقرارات إدارية أو قانونية، بل مرتبط بالأساس بالاشتغال المعرفي على تغيير الذهنيات.

    سنوات ضوئية كثيفة تفصل بين جمهور سينما المغرب بشارع بركان بمدينة أحفير الحدودية، الذي وقف ذات لحظة حلم، وقفة رجل واحد بصوت واحد وبحركة واحدة صارخا انقلااااب، وبين تلك الأجساد البشرية المرتجفة أمام صولة وهالة “المخزن” الذي لم يجسده سوى خمس عناصر من موظفي الدولة. ذلك الجمهور البئيس المثير للشفقة، إنهارت دفاعاته ومعنوياته أمام أول همس ونميمة عن إحتمال وجود المخزن في باب السينما، انهارت قواه قبل أي اشتباك جسدي أو لفظي أو حتى وهمي. أتذكر كم كان الشعب شجاعا داخل القاعة، بل حطم جميع أرقام القياس في الصراخ داخلها، وكم كان جبانا خائنا لنفسه مرتعبا خارجها، محطما أرقاما قياسية جديدة أخرى في الخوف.

    أتذكر ذلك كله وأنا أشاهد الحجافل والصراخ في كل مكان في مغرب اليوم، حول قضايا كثيرة اجتماعية وسياسية وثقافية وغيرها. صراخ بطولي في الشتاء أو في شباك التواصل الاجتماعي، لا يكاد يصل مداه إلى عطلة الصيف المريحة وإلى شواطئه الجميلة، رغم أزمات الغلاء. ينسى وينسى كما نسيت صرخات قبله. صراخ استهلاكي مزعج ليس له عمق أو قرار أو فروع.

    المفارقة الوحيدة بين المشهدين هي أن “مخزن” اليوم لم يعد يبذل مجهودا عنيفا مخيفا خارجا عن المألوف، لإيقاف الصراخ في البوابات أو مطاردته في الليالي، قبل تحوله إلى فعل اجتماعي، فقد أدرك  أولا أننا نملك  ذاكرة ذبابة، وأن كثيرا من الصراخ لا يستحق الرد لأنه وهمي وافتراصي، وأنه سيتلاشى لوحده في الأثير كسابقه، فهو ربما صراخ من قبيل العادات المغربية العريقة، ربما يشبه نواح الأرملة على بعلها، أو لعله ناتج عن وعي حقيقي بمسؤولية الانتماء إلى قيمة الاستقرار الجماعي.

    ولمن يريد أن يتعلم من تاريخ الدولة المغربية، فعليه أن يعي أنها لا تملك دولة عميقة بالمعنى السائد، لأن الدول العريقة كالمغرب لا عمق لها، أو لنقل أنه ليس لها أي عمق معلوم الحدود، وأن كل مؤسسة ظهر رأسها على سطح الدولة، حتى أصبح معلوما عند العامة، فهي مؤسسة لا تنتمي إلى عمق الدولة الحقيقي!

    *باحث في العلوم السياسية
    إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • صدمة في الجزائر بعد تعيين سينغالي ورفض ترشيح بوقادوم لمنصب مبعوث أممي إلى ليبيا

    زنقة 20. الرباط

    أنهى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيرس،المساعي الجزائرية في تعيين وزير خارجيتها السابق صبري بوقادوم مبعوثا امميا في ليبيا، حيث تم تعيين السنغالي عبد الله باتيلي ممثلا خاصا له في ليبيا ورئيسا لبعثة الأمم المتحدة للدعم فيها “أونسميل”.

    وكانت مصادر دبلوماسية، قد تحدثت بان واشنطن ومجموعة من الدول الكبرى ،قد اعترضت بشدة على تعيين الوزير الجزائري صبري بوقادوم باعتباره، شخص مقرب جدا من اطراف ليبية متصارعة وبالتالي لن يقود المهمة الأممية بنجاح.

    كما تحدثت ذات المصادر، ان دول عربية إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية قد ابدت رفضها القاطع لتعيين بوقادوم في منصب مبعوث لليبيا لقرب النظام الحاكم ببلاده من “موسكو” المتهمة بدعم حركات يتزعمها مرتزقة بليبيا.

    وأشارت المصادر إلى أن الأمين العام انطونيو غوتيرس سبق وان عرض ترشيح باتيلي شفويا، ولم تعترض أي من الدول الأعضاء بالمجلس عليه،حيث عرب الأمين العام، أنطونيو غوتيريس، عن امتنانه لخدمة للمنظمة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية الثلاثاء المقبل

    أعلنت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية عن عقد الدورة ( 158 ) لمجلس الجامعة على مستوى المندوبين الدائمين يومي 4 و 5 شتنبر الجاري وعلى مستوى وزراء الخارجية يوم 6 من نفس الشهر.

    ومن المقرر أن تعقد على هامش الدورة عدة اجتماعات وزارية منها اجتماع تشاوري مغلق لوزراء الخارجية، واجتماع للجنة الوزارية العربية المعنية بالتحرك لوقف الاجراءات الاسرائيلية في مدينة القدس المحتلة، واجتماع اللجنة الوزارية العربية المعنية بمتابعة تطورات الازمة مع ايران.

    ويتضمن جدول اعمال الدورة، بحسب بيان للجامعة اليوم الجمعة، ثمانية بنود رئيسية تتناول مختلف قضايا العمل العربي المشترك، السياسية والأمنية والقانونية والاجتماعية والمالية والادارية.

    ويتصدر جدول الاعمال تقرير الامين العام للجامعة العربية عن نشاط الامانة العامة واجراءات تنفيذ قرارات المجلس بين دورتي الانعقاد ؛ والتقرير نصف السنوي لهيئة متابعة تنفيذ القرارات والالتزامات.

    كما يتضمن بندا حول القضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي ودعم موازنة دولة فلسطين وتقرير حول الامن المائي العربي وسرقة اسرائيل للمياه في الاراضي العربية المحتلة ؛ والجولان العربي السوري المحتل .

    ويبحث وزراء الخارجية العرب كذلك بندا حول الشؤون العربية والامن القومي ؛ والتضامن مع لبنان ؛ وتطورات الوضع في سورية وليبيا واليمن ؛ واحتلال ايران للجزر العربية الثلاث فى الخليج العربي ؛ وامن الملاحة وامدادات الطاقة في منطقة الخليج العربي ؛ واتخاذ موقف عربي موحد ازاء انتهاك القوات التركية للسيادة العراقية ؛ ودعم السلام والتنمية في السودان والصومال وجزر القمر المتحدة وغيرها.

    إقرأ الخبر من مصدره