اشتهرت بليونش منذ القديم بوفرة مائها واطراده، وأكسبها ذلك خضرة دائمة وتنوعا قل نظيره في الغطاء النباتي والأشجار ذات الفواكه والثمار المختلفة، وقد استثمر أهل بليونش منذ القديم وفرة مياه القرية في السقي والزرع وإدارة الأرحاء وأنشأوا حولها مصانع وصهاريج لتدبير السقي وضبط منسوبه، وطوروا تقنيات البستنة والفلاحة والري وحفر الماء ومد مياه العيون والسواقي في بحار تمر بين الجنات والغراس، وقد يوضع لها أحيانا ممر مدفون في الأرض)، وتفنن الناس في أساليب ذلك ومناحيه، فأصبحت القرية مكانا جميلا مزدانا بحدائق غناء وبساتين نبيهة وأنظمة للري في غاية الإتقان والإحسان.
و “كل المصادر التي تحدثت عن بليونش أجمعت على أن غنى وجمال وشهرة بليونش تعود إلى غزارة المياه التي تنبع من سفوح جبالها وتتدفق من سطح أوديتها، بل إن مياها عذبة تنبع من تحت رمال شواطئها كعيون قريبة من مياه البحر المالح”.
وقد ذكر الأنصاري أن عدد العيون والأنهار التي بها ستة وثمانون. وهذا العدد شامل للأنهار والعيون العامة والخاصة داخل البساتين، فأما الأنهار فأولها وأعظمها نهر أمزار، وهو نهر كان مجراه شرق بليونش عند خندق رحمة، وهو كما يقول الأنصاري: «أرفع أنهار بليونش قدرا وأشهرها في النفع ذكرا»، ويبدو من مجراه الذي بقي إلى الآن أنه كان نهرا كبيرا، وكانت جريته تنتهي إلى البحر عند ساحل الزيتون، وكانت على جوانبه بيوت الرحى والجنات والمصانع، وقد جف هذا النهر الآن وأقيمت مكانه الحدود الفاصلة بين سبتة وبليونش.
ويليه نهر عنصر اللوز، وهذا النهر كما يقول الأنصاري: «من الأنهار المعدودة في أنهار القرية»، وهو يمر عن يسار المسجد العتيق الآن مخترقا حومة الغروس ويمضي متعرجا إلى جهة الحويمم شرقا، وهناك يصب في خندق كبير يفضي منه إلى البحر. و لم يبق من هذا النهر الآن سوى جدول صغير.
وقد تم استثمار مياه هذا النهر وتوزيعها من خلال بناء مجموعة من الصهاريج والمصانع والسواقي التي امتدت على جانبيه مشكلة شبكة من القنوات التي كانت معدة لسقي الجنات والبساتين المجاورة له، وكانت على جنبات هذا النهر في القديم مجموعة من الأرحي التي تعمل بالماء، وما ذكر من الفتاوى التي تتعلق بالماء في بليونش جرت كثير من احداثها وجنبات نهر عنصر اللوز وفي حومة الغروس. كما أن الحمام الواقع عند نهاية النهر كان يتزود بمائه منه. ولا زال بعض هذه الآثار ظاهرا إلى اليوم يلاحظها من يسير بجانب مجرى النهر، بعضها قد غمرته السيول وغيرت معالمه وبعضها الآخر تعرض للإهمال والتخريب .
وثمة نهر آخر كان موقعه غرب بليونش عند الخندق الذي يمر غرب مسجد الجون. وكانت عليه الأرحاء أيضا في الزمن القديم، وقد أدركه على حالته محمد بن يوسف الرواق عندما مر ببليونش في منتصف القرن الرابع الهجري. وقد جف وذهب أثره. أما الأرحاء فقد اشتهرت المنطقة عموما بكثرة أرحائها منذ القدم، وبلغ عدد الأرحاء في بليونش الطاحنة بمياه تلك الأنهار في زمن الأنصاري حمسين رحى. ولم يبق منها سوى بيوت تعد على رؤوس الأصابع. منها بيت رحى على يمين النازل إلى ساحل الزيتون.
وكانت الأرحاء تتخذ على مصب المياه وكان ينفق عليها أحيانا مال كثير، قد كتب القاضي عياض يستفتي شيخه ابن رشد في مسائل متعلقة بالجنات والأرحية. أما عدد العيون بالقرية فكثير جدا، وهذه العيون منها ما كان عاما كعنصر اللوز ومنها ما كان خاصا بحيث كان كل واحد يحفر عينا في جنته.
ومن مياه العيون المشهورة قديما ماء السياج، وكانت غزيرة الماء تؤمن السقي والري للجنات المجاورة لها، كما كانت تؤمن عمل الأرحى، ولكن لارتفاع الطلب عليها تم التنازع بين أصحاب الجنات والأرحية في حصص السقي مما اقتضى استفتاء الفقهاء في ذلك.
ومنها عنصر اللوز وهو المعروف الآن بالماء الأبيض، «وهو أكبر مناهل بليونش على الإطلاق، وصف بالبياض لما يخالطه من زبد في تدفقه وهيجانه ويبدو وكأنه اللجين المذاب» وسمي بعنصر اللوز لأن الماء ينبع من حجر يشبه اللوزة حسب إفادة بعض أهل القرية، ويحتمل أيضا أنه بذلك لكون اللوز والرمان ينبت بجنبه. وكان على مقربة من عنصر اللوز رحى تطحن بقوة المياه، وكانت تمتد من عنصر اللوز إليها قناة رخامية، يمر فيها الماء ليحرك الرحى، وكان هذا إلى عهد قريب إلى أن بنيت الطريق الجديدة فوقها.
ومنها العين الحمراء، وموقعها في الساحل الرملي تحت برج السويحلة، ولا زالت جارية إلى اليوم، ومن عجائبها، أنها كانت متصلة بحائط الجبل، ولما وقع الزلزال في بليونش انفصلت العين عن الجبل وبقي الماء جاريا منها.
ومنها عين الماء التي توجد بجانب برج المنية، ولا زالت جارية إلى يوم الناس هذا، وإليها أشار الحضرمي بقوله: «ولما قفل السلطان الأشهر أبو عبد الله محمد بن يوسف بن الأحمر من المغرب، حين رجوعه إلى بلده مع قاضي حضرته غرناطة أبي الحسن علي بن الحسن المعروف بالنباهي شيخنا، ووزيره أبي عبد الله بن الخطيب، صنع له أبو العباس ضيافة ملوكية بالمنية من قرية بليونش، حيث القصر هناك الماء المختص بها».
وذكر الأنصاري أن بالقرية مصانع ملوكية، والمصنع أحواض يجمع فيها الماء، وفي الغالب تكون مبنية على الماء، وفي ترجمة الشريف أبي العباس الحسيني صاحب جنة الحافة ومنية العبا أنه كانت له مصانع وبساتين يدير عليها من يرد عليها من الضيوف. وقد كانت هذه المصانع مزدهرة في عهد السلطان أبي الحسن المريني قال الفقيه أبو الحسن اليعمري: «ما مررت في بلاد المغرب بسقاية ولا مصنع من المصانع التي يعسر فيها تناول المياه للشرب والوضوء فسألت عنها إلا وجدتها من إنشاء السلطان أبي الحسن». ومن المصانع التي بقيت على حالها تقريبا؛ المصنع الذي بني على جانب نهر عنصر اللوز وأما الصهاريج فقد توزعت على بساتين القرية وجناتها، وكان يستعان بها على حفظ الماء وتجميعه وتوزيعه من أشهرها الصهريج الكبير التابع لجنة الحافة الذي كان يقوم بحاجة أهل البستان من سقي وري وكانت تتفرع منه سواق ممتدة على جنباته. وموقعه قرب المدرسة الابتدائية إزاء بابها. ويعرف عند الناس الآن بالصهريج. وقد بقي قسم كبير منه.
ومن صهاريج القرية صهريج آخر كان تابعا للمنية، لكنه مدفون تحت الأرض، أخبرني بذلك الحاج الهيشو أنهم عندما كانوا يحفرون وسط المقبرة التي تقابل المسجد العتيق وجدوا صهريج ماء، وهذا الموضع كان تابعا لمنية أبي العباس الحسيني. وثمة صهريج لطيف كان من مرافق المنية المرينية يقع قرب برج السويحلة.
وصهريج كان تابعا للحمام العام المعروف اليوم بالحويمم، تصب فيه قناة من الحمام فإذا امتلأ الصهريج أفرغ في ساقية أخرى تصب في بئر قريب منه.
أما السواقي والقنوات المائية التي كانت تخترق القرية وتتوزع على مساكنها ودورها، فلم يبق منها إلا الفخار الأحمر المنتشر على جنبات لهر عنصر اللوز، وعند التأمل يتضح أنها وضعت بإحكام موازاة مع مجرى النهر، لكن ما تعرضت له القرية من السيول والتخريب أتى على ذلك كله.
وقد عرفت تقنيات توزيع الماء وضخه وبناء القنوات تقدما ملحوظا في عهد الموحدين، وقد سلف أن من المشاريع الضخمة التي عرفتها بليونش زمن الموحدين ما قام به ثالث خلفاء الموحدين أبو يعقوب المنصور حيث أمر سنة 580ه/1184م بجلب الماء إلى سبتة من قرية بليونش المذكورة على 6 أميال من سبتة في قناة تحت الأرض حسب ما جلبه الأوائل في قرية قرطاجنة وغيرها. وشرع العمل فعرضت أمور أوجبت التربص إلى حين يأذن الله تعالى بذلك.
ولم يكتب لهذا المشروع الضخم أن يتم رغم استمراره سبع سنوات، ومما يدل على ضخامة هذا المشروع أن هذه القناة كانت ستدفن في الأرض وسيحفر لها في خط ينحدر من جهة حومة الغروس في مصب مستقيم مسافة 6 أميال إلى أن يصل سبتة. ولا شك أن هذا مشروع ضخم استدعى صناعا وفعلة. وقول صاحب الاستبصار: بأنه شرع في العمل فعرضت أمور أوجبت التربص إلى حين يأذن الله تعالى بذلك. يحتمل أن يكون العمل قد توقف في هذا المشروع بسبب صعوبات ميدانية تمثلت في وعورة التضاريس وعدم استجابتها لما يؤمل من هذا المشروع. كما يحتمل أيضا أن يكون العمل قد توقف نظرا لظروف سياسية وعسكرية اقتضت صرف النظر عنه إلى وقت لاحق، ولعل الثاني هو الراجح والله أعلم. ومما يرحج ذلك ما امتاز به المهندسون المغاربة في زمن الموحدين بمقدرة فائقة في عمليات تسريب المياه في أجواف الأرض حسب أصول حسابية مدققة، ويدل على ذلك كثرة المشاريع المائية في هذا العصر، فمنها إجراء الماء من عين غبولة في سرب تحت الأرض حتى وصل إلى قصبة المهدية (الرباط)، ومنها إجراء الماء لسقي البحيرية بداخل إشبيلية وجلب الماء لميضأة
جامع القرويين وغير ذلك. وهذا يدل على معرفة عميقة بأصول الهندسة المائية وما تقتضيه من تدبير ومعالجة، مما يجعل مشروع بليونش قد توقف لأسباب سياسية والله أعلم.
ورجح حرمان عياش أن يكون هذا المشروع قد تم إنجازه بعد انقطاع الأعمال، أو عوض عنه بمشروع آخر شبيه به يعتمد فيه على مياه بليونش، ودليله على ذلك وفرة المياه التي عرفتها سبتة في القرن الثامن الهجري وكثرة استهلاك المياه بما مع اتساعها وتزايد الطلب على الماء، خصوصا وأنها كانت تشكو قلة الماء قبل ذلك بأزيد من قرنين وهي ما زالت متواضعة الاتساع، وليس لهذا تفسير سوى أنهم وجدوا حلا جذريا لمشكلة الماء، مما أن مشروعا ضخما كهذا الذي ذكره صاحب الاستبصار قد تم إنجازه فعلا. وقد علق صحة ذلك على ما ستثبته الحفريات والتنقيب، وهو الأمر الذي لم تؤكده الأعمال المنجزة في بليونش. والله أعلم.
وقد توج المرينيون ما سبقوا إليه من تقنيات وطوروها وأضافوا إليها، فكانت بليونش على عهدهم أنموذجا فريدا لقرية ملوكية تخترقها شبكة مائية منظمة وقنوات مياه وصهاريج ومصانع وتمتد على جنباتها أنابيب من رخام وسواق تمد المنازل والبساتين والمنيات والأرحاء بما يلزم من الماء، كما تم تطوير تقنيات ضخ الماء بحيث يصعد الماء إلى مستويات أعلى بالحيل الهندسية العجيبة كما يقول الأنصاري. كما عرفت سبتة خلال منتصف القرن الثامن الهجري شبكة للمياه قام بها الشريف أبو العباس الحسيني خصوصا بحي الميناء، فقد جرت قنوات الماء إلى حدائق المدينة وأوصلت إلى سقاية القبة ذات الأعمدة مع أواخر العهد الإسلامي، وقد حل مشكل الماء في سبتة بصورة نهائية بكل أنحاء المدينة وعلى جميع المستويات.
وبالقرية مياه غزيرة كأنها أنهار تحت الأرض، ولكن الإسبان طغوا عليه وافتاتوا على أربابه فجلبوه إلى سبتة في قنوات كبيرة متقنة الصنع، ومنه تشرب مدينة سبتة ومن ماء الخلوط. وقد حاول الإسبان الاستحواذ عليه أيام دولة مولاي عبد العزيز رحمه الله لكنهم لم ينجحوا). وهذا النفق يقع في أرض السيد العدل محمد المجاهد حفره الإسبان في الخمسينات لتفجير عيون بعيدة الغور، قال الأستاذ عبد العزيز القادري: والنفق أو الغار طويل رهيب ومهيب، دخلناه بخطو حذر متقارب، فكأنما ندخل عالم الجن والعفاريت، يسعى بين أيدينا دليل يحمل مصباحا، وبمحاذاة الممر الحندس وعلى طوله ساقية يجري فيها الماء بقوة عظيمة، حاولت أن أغترف غرفة بيدي لأشرب والماء فرات كما وصفوه فرماها التيار بعيدا وما أمسكت شيئا.
الكتاب: سبتة وبليونش “دراسة في التاريخ والحضارة”
للمؤلف: د. عدنان أجانة
منشورات تطاون أسمير/ الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية
(بريس تطوان)
يتبع…
إقرأ الخبر من مصدره