اندهش الكثير ممن شاهد الحلقة الأخيرة من برنامج “المغرب في أسبوع”، الذي يقدمه فؤاد عبد المومني والثلاثة الذين هو رابعهم، من الوصفة الجديدة والتقعيد الحقوقي المتطور الذي قدمه بوبكر الجامعي للحق في التعبير المكفول للمدونين والمعلقين على منصات وشبكات التواصل الاجتماعي.
فقد “أخرس” بوبكر الجامعي كل من ينتقد“ضعف تكوينه اللغوي أو يسخر من مستواه السياسي”، وطالبه بالاستنكاف عن متابعته وإغلاق حاسوبه المحمول أو هاتفه الشخصي والانصراف بحثا عن “أم اللغة” في مؤلفات سيبويه! نعم هكذا تحدث بوبكر الجامعي عن حرية التعبير والحق في التدوين الافتراضي!!
والملاحظ أن صدر بوبكر الجامعي لم يتّسع لانتقاد بسيط نشره موقع برلمان، استعرض فيه الزلات اللغوية والانتكاسات المفاهيمية للرجل، فخرج هذا الأخير، مدفوعا بنرفزة واضحة حاول إخفاءها بقهقهة مفتعلة، ليصادر حق الناس في التعليق والتفاعل والانتقاد، مطالبا المنتقدين باستخدام “الفرامل الذاتية عند التعليق والانتقاد”.
والطامة الكبرى أن بوبكر الجامعي، الذي يقدم نفسه حقوقيا وأستاذا وناشرا سابقا، هو نفسه الذي يطالب اليوم بالحجر على حرية التعبير، وعقل الحق في التعليق، ومصادرة حرية الصحافة والنشر. بل أكثر من ذلك، أبدى الرجل “شمولية راديكالية موغلة في التطرف”، عندما طالب بسد الباب، وصد الريح، لكي يستريح هو نهائيا من التعليقات المنتقدة.
ومن مفارقات الرجل، أنه ما إن انتهى من بسط مفهومه المتطرف لحرية التعبير حتى شرع في ازدراء زملائه السابقين في المهنة. إذ وزّع عليهم بوبكر الجامعي، بدون دليل، كل التهم الجاهزة التي تحفل بها جرائم الفساد المالي، واتهمهم بأنهم “مخنوقون بالمال المسروق من المال العام ومن الشعب”.
نعم لقد تجاهر وتجاسر بوبكر الجامعي بهذه التهم الخطيرة دون أن تكون مذيلة بأي دليل مادي! فقط سمح الرجل لنفسه بإلقاء هذا الكلام على عواهنه، متمثلا في ذهنه وفي قرارة نفسه تلك الصورة الانطباعية والاسترزاقية عن الصحافة التي حاول تجسيدها عندما ولج مجال الإعلام متلهفا في “غرة” العهد الجديد.
وبدوره، لم يزغ فؤاد عبد المومني كثيرا عن الشذوذ المهني والحقوقي لبوبكر الجامعي. فقد انبرى “كبيرهم” يوزع الاتهامات نفسها على أعضاء الجمعية المغربية للناشرين، والتي لم يكن يميزها عن الفيدرالية، إلا بعدما تدخل من هم يتدثرون بلحاف “الأستاذية”. بل إن فؤاد عبد المومني تمثل هو الآخر انطباعيته للعمل الصحافي والسياسي عندما اتهم الصحافيين المغاربة ب “الكتبة المأجورين”! فالرجل اعتاد تصريف أجندات الآخرين، وظن اليوم أن الجميع يشبهه ويتحرك مثله من وراء الحجاب والستار.
لكن المؤسف حقا هو أن فؤاد عبد المومني وبوبكر الجامعي لم يستنبطا من مسودة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء المغربية سوى “ما اعتقدوا أنه مناوئ للمغرب”، وكانوا فرحين بذلك، باستثناء ما قاله بوبكر الجامعي بخصوص “العرفان الأممي بجهود المغرب في زمن الجائحة الصحية”.
فهل كان ينتظر فؤاد عبد المومني، الذي وصف مسودة المشروع بأنها كتبت بلغة “باردة”، أن يستعمل الأمين العام للأمم المتحدة الديناميت والكبريت الأصفر لكتابة مشروع تقرير أممي يخضع في الأصل لتوافقات دبلوماسية؟ أم كان ينتظر منه أن يحرر له فقرات واضحة ومباشرة يثني فيها على المغرب حتى يدرك مغزاها فؤاد عبد المومني، الذي اعترف صراحة بأنه “ليس خبيرا وإنما يراهن على ائتلاف عقول أصدقائه لفهم المستجدات السياسية والدبلوماسية”.
فعندما أشار الأمين العام للأمم المتحدة في مسودة التقرير، وبشكل عرضي وبطريقة غير مباشرة، أن الشاحنتين الجزائريتين اللتين أصيبتا في المنطقة العازلة كانتا تنقلان (الوقود)! فهذا ينسف من الأصل مسوغات ومبررات العسكر الجزائري الذي كان قد نشر بلاغا حربيا يتهم فيه المغرب ب“إرهاب الدولة”. لكن كيف تنسف كلمة “الوقود” لوحدها الرواية الحربية الجزائرية؟ لأن هذا النظام العسكري كان قد اتهم المغرب باستهداف المدنيين وحركة تجارة المواد الاستهلاكية في اتجاه موريتانيا، والحال أن الأمم المتحدة قوضت هذه المزاعم بعدما تبين أن الأمر يتعلق بتمويل لوجيستيكي ب “المحروقات والوقود”.
وعندما أشار مشروع التقرير إلى “تسجيل الأمم المتحدة لبعض المناوشات في منطقة المحبس”، فهذا يحتمل الكثير من الخلاصات الجيواستراتيجية والمتغيرات المستجدة في النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية. فهل يدرك بوبكر الجامعي وفؤاد عبد المومني أن “إقرار الأمم المتحدة بحصر المناوشات في منطقة المحبس فقط” معناه أن المغرب نجح في محاصرة البوليساريو ومنعها من ولوج كل المناطق شرق الحزام، خصوصا بئر لحلو وبئر أنزران وأم دريكة وأمغالا وتيشلة وصولا إلى شرق الكركارات.
وهل يدرك هذا الثنائي بأن “حصر المناوشات في بعض المناطق المتاخمة للمحبس”،يؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن الجزائر هي طرف أصلي وأساسي في الحرب وفي افتعال النزاع أيضا. لأن مرتزقة البوليساريو لم يعد لهم أي مكان يطلقون منه ترسانتهم المهترئة سوى الداخل الجزائري، أي انطلاقا من تندوف التي تبعد بحوالي 44 كيلومتر فقط عن مدينة المحبس.
هذه فقط شذرات مما حفل به مشروع التقرير الجديد للأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء المغربية. وما على فؤاد عبد المومني وبوبكر الجامعي، لكي يستولدا هذه المخرجات، سوى الرجوع لقاعات الدرس والتحصيل لمحاربة الأمية السياسية، وأخذ دروس التقوية اللغوية، وقبلهما نزع رداء “الغرور والعجرفة”، لأن أربعة لا يتعلمون هم أعضاء نادي “المغرب في أسبوع”.
إقرأ الخبر من مصدره