بريس تطوان
أولا: (نضار الأصيل، في بساط الخليل)
ترجمته:
“شطير” أسرة تطوانية شريفة النسب أصلها من قبيلة سماتة الهبطية وقد انقرضت بتطوان. كان مترجمنا من عدول تطوان وأدبائها، وصفه الأستاذ داود بـ ” الفقيه العدل والشاب الأديب”. ولد في أواسط رمضان عام (1181هـ) بمدينة تطوان، وبها نشأ وشب وقرأ العلم على عدة شيوخ منهم محمد بن الحسن الجنوي، وولده الفقيه محمد بن محمد الجنوي، والفقيه محمد بن علي الورزيزي، والفقيه أحمد الرشي، والشيخ أحمد بن عجيبة وغيرهم. ودامت مرحلة دراسته في تطوان مدة عشر سنوات. ثم رحل إلى فاس سنة (1203هـ)، فدرس بها على أجلة علمائها وأشهر شيوخها من أمثال العلامة الشيخ التاودي ابن سودة، وابنه الشيخ أحمد بن سودة، والعلامة الشيخ الطيب بن كيران، والعلامة الشيخ حمدون ابن الحاج وأضرابهم. و لم تدم مدة الأخذ بهذه الحاضرة العلمية مدة طويلة لأسباب مجهولة، إذ قضى بها سنة (1203هـ) وبعض سنة (1204هـ)، ليعود إلى تطوان للدراسة بها على كبار شيوخها، فقد أرخ ختمه لكتاب جمع الجوامع على العلامة الشيخ محمد الورزيزي بصفر عام 1206هـ(). ليتولى بعد ذلك التدريس والعدالة بعد أن أحس أنه بلغ من العلم ما يبيح له ذلك.
كان ذا أسلوب بديع وقدرة على الكتابة والتأليف، له كتاب سماه (نضار الأصيل في بساط الخليل)، توجد نسخة منه مخطوطة في الخزانة الداودية. وكانت له مشاركة في نظم الشعر. وتوفي عام(1214هـ). وذكر الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله أنه كان مبرزا في لعبتي الشطرنج والورق. وابتكر لعبة شبيهة بالشطرنج سماها الوسيط، وترك من عقبه بنتا سماها البتول كانت تعلم النساء لعبة الوسيط التي ابتكرها والدها وكانت بقيد الحياة سنة (1800م). ويرجح الأستاذ محمد داود أن وفاته كانت في وباء سنة (1215هـ).
(نضار الأصيل في بساط الخليل):
کتاب “نضار الأصيل في بساط الخليل” عبارة عن كناش كبير ومجموع نفيس عثر عليه الفقيه داود، مكتوب كله بخط المترجم، وهو خط دقيق جيد في غاية الوضوح والإتقان، وقد جمع فيه المؤلف من الفوائد العلمية والتاريخية والأشعار والأدبيات والمواعظ والحكم واللطائف الشيء الكثير، “فهو كباقة زهور شذية انتخبها ونظمها شاب أديب له فكر ثاقب، وذوق سليم، وشعور رقيق، مع ثقافة دينية وأدبية، وعنصر طيب شريف”. وقد رتبه على أقسام أربعة: كتاب العلم، كتاب الأدب، كتاب الحكايات، كتاب الشعر. ولكل كتاب من هذه الكتب مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة وربما احتوت بعض الأبواب على عدة فصول.
ومما يلاحظ في هذا الكناش أن:
– الفقيه العدل عبد الله بن شطير قد كتبه عبر مراحل مختلفة من حياته فأحد الفصول انتهى منه ظهر يوم الثلاثاء سابع ربيع النبوي عام (1200هـ)، أي حين كان في التاسعة عشرة من عمره، وكتب الأديب خطبة ديوانه بعد عصر يوم الثلاثاء خامس جمادى الأخيرة عام (11213هـ)، أي بعد أن مضى على شروعه في كتابته نحو ثلاث عشر سنة، وكان إذ ذاك في الثانية والثلاين من عمره.
– أنه لم ينه العمل فيه، إذ يقف عند مرحلة مبكرة من حياته، وهي فترة الدراسة. وكان ما يزال لديه متسع من الوقت والكلام، وفرصة كبيرة من التذكر لإنارة الكثير من تاريخ حياته. فنحن لا نعرف عن حياة المترجم بعد فراغه من الدراسة إلا أنه كان فقيها عدلا جميل الخط، حسن العبارة، مشتغلا بالأدب معتنيا بالكتابة.
هذا الكناش يصح أن يعد تأليفا لطيفا، أو مجموعة من أنفس مجموعات الأدب العربي القديم. لضمه باقة من عيون الأدب العربي، ولا يكتفي بذلك بل يورد أشعار الملحون، والموشحات المغربية والأندلسية، وقصائد شيوخ الكلام الغارقين في بحار الغرام.
– أنه كتبه اقتداء بأصدقائه ورفقاءه الذين كانت لهم كنانيش مثله، مثل: علي بن عبد السلام بن ريسون، والمأمون أفيلال، وأحمد غيلان، وأحمد بن أحمد حجاج
وغيرهم.
– أن هذا الكناش يعتبر مثالا واضحا، للكتابة الأدبية لأدباء تطوان وأسلوبهم وتفكيرهم واتجاهاتهم في الربع الأول من القرن الثالث عشر .
– يصور لحظات طلب المؤلف للعلم في تطوان، والرحلة إلى فاس وما اكتسبه من علم وتجربة من خلال درس الشيوخ الذين لازمهم بتطوان، ومقارنة كل ذلك بما يمثله درس العلم آنذاك بفاس وما يجري به هذا الدرس بين شيوخها.
– يبرز جانب الابتكار في شخصية إذ ابتكر لعبة جديدة عام (1204هـ) سماها الوطيس، وهو متكون من رقعة الشطرنج نفسها، ومن بيادقه، إلا أن ترتيبها مخالف للعب الشطرنج الذي نعرفه.
والحقيقة أن ابن شطير حين فكر في كتابة هذا الكناش، وبالصورة الذي استوى عليها، لم تغب عن ذهنه ما عرفه التراث العربي ومنه المغربي، من كتابة فهارس العلماء، وبخاصة تلك الفهارس التي تركز على مراحل الأخذ والطلب عند طلاب العلم وشيوخه، وما قرأوه من علوم وما حصلوه من فهوم على شيوخهم في حلقاتهم العلمية ومجالس الدرس. فكانت فكرة الفهرس والحديث على مراحل الأخذ على الشيوخ، وتحصيل علوم الدراية في حلقة الدرس، حاضرة بقوة يستذكر من خلالها ما عرفه في الأمس أثناء مراحل الأخذ، ولحظات التكوين عنده.
والأمر هنا ليس مقصورا على عبد الله علي شطير، فقد كتب عدد من جاؤوا بعده مذكرات بهذا الشكل، وهم يمزجون بين ما تحمله محتوى المذكرات التعليمية في صور عرضها، وما تمثله الفهرسة من مواد الدراسة والحلقة والشيخ والكتاب والعلم والقراءة قراءة تحقيق وفهم. وهو أمر تتلاقى فيه الفهرسة وكتابة المذكرات فيتقاطعان ويتداخلان، فيكتب بذلك صورة تحتفظ بتذكر المواقف والأحداث التعليمية، وتستحضر بالمقابل بجانب من التعابير والصيغ التي تتشكل منها الفهرسة عادة.
فنموذج هذه الكناشة، وكتاب ” على رأس الأربعين” للأستاذ محمد داود، والكتابة التي سماها الأستاذ محمد المنوني ” سيرة ذاتية”، وكتاب ” الدراسة بالقرويين” للأستاذ قدور الوطاسي، وغيرها، كلها تجري في هذا السياق، لتعبر عن نوع من المذكرات التعليمية التي تعكس تطورا جديدا في كتابة الفهرسة.
فيكون هذا الكناش بذلك يتحدث عن مجموعة من المحطات الحياتية لعبد الله بن علي شطير مثل جلوسه إلى حلقات الشيوخ في مساجد تطوان وزواياها، وما تميز به هؤلاء الشيوخ في إقرائهم للعلوم، وما امتاز به الطالب بين أيديهم وهو يقرأ عليهم ويتتبع دروسهم، وما حصله عندهم من علم واستفادة.
وتجد فيه روعة السرد وأسلوب القص والوصف، وما يحكيه عبد الله بن علي شطير عن ذكرياته وهو يتنقل من حلقة علمية إلى أخرى. فنجده يجلس إلى المشيخة التي مثلت الحركة العلمية في تطوان في أواخر القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر، والتي بفضلها عاشت هذه الحاضرة ازدهارا علميا وحركة ثقافية نشيطة جعلتها من بين الحواضر المهمة في المغرب، وقرينة لمدينة فاس من حيث التأثير العلمي وحتى السياسي، ومن بين الشيوخ الذين أخذ عنهم نجد:
– محمد بن الحسن الجنوي.
– محمد بن محمد الجنوي.
– محمد بن علي الورزيزي.
– الشيخ أحمد الرشي.
– الشيخ أحمد بن عجيبة.
وقد امتدت مدة دراست في تطوان نحو عشرة أعوام، ثم رحل إلى فاس في أوائل سنة (1203هـ)، فدرس على ثلة من شيوخ القرويين أمثال:
– العلامة محمد التاودي ابن سودة: قرأ عليه الخلاصة، ومختصر خليل من القسمة إلى آخره. ومن التفسير: سورة البقرة، ومن سورة غافر إلى الفتح. كما قرأ عليه أيضا الحديث والبيان .
– ابنه الشيخ أحمد بن سودة: درس عليه النصف الثاني من مختصر الشيخ خليل عام (1203هـ).
– الطيب ابن كيران: جلس إليه في حلقة التلخيص في عام (1203هـ).
– حمدون بلحاج:
– علي بن أويس: كتاب جمع الجوامع سنة (1203هـ)
– إدريس العراقي و سليمان الحوات: قرأ عليهما الخزرجية
ولتشابه البرنامج العلمي بكل من فاس وتطوان فقد كان فقيهنا لا يطالع في الحاضرة العلمية إلا الأبواب التي يمكن من خلالها إكمال النقص الذي حصل له أثناء دراسته في مسقط رأسه أو مارأى فيه مزية خاصة إما لعلو مقام المدرس وتحقيقه وحسن صناعته وبراعة أسلوبه، أو للتبرك بما وتعميق المعرفة وملء الوطاب. ويظهر أن إقامته بفاس لم تطل وإنما قضى بها سنة (1203)هـ وبعض سنة (1204) هـ.
و تنويع المشيخة والاستكثار منها وإعمال الرحلة في طلب العلم والجلوس إلى حلقات الشيوخ، هو مجموع العلامات التي تعلن عن مقدار استفادة الطالب وحيازته للعلم وتفوقه فيه، واستعداده عند التخرج للتصدر العلمي وممارسة تدريسه والتحليق به والكتابة فيه. لذلك نجده حين عودته من فاس يعود للقراءة على كبار شيوخه بتطوان لأنه يؤرخ ختمهم لكتاب جمع الجوامع على العلامة الشيخ محمد الورزيزي بصفر عام(1206هـ).
العنوان: فهارس علماء تطوان (تطوان من خلال كتب التراجم والطبقات)
للمؤلف: الوهابي
منشورات باب الحكمة
(بريس تطوان)
يتبع…
إقرأ الخبر من مصدره