«بلیونش»؛ قرية جمعت من المحاسن أعلاها، ومن المفاخر أجلاها، جمال منحوت، من عالم الملكوت، ومشهد رائع، من بديع الصنائع، الحسن فيها محصور، والإعجاب عليها مقصور، ولئن قيل: «فتى ولا كمالك» و«مرعى ولا كالسعدان»، فما أحرى أن يجري هذا الوصف في بليونش بين البلدان، إذ تضرب بينهم بسهم الريادة، كالبدر بين الكواكب الوقادة، يجمعها نسب السماء، ويفرقها التباين في الصفات والأسماء، وهي لما فيها من حسن ومجال، تغنيك عن إعمال الروية بالارتجال، وتريك من مدارك العيان، ما يغنيك عن فضل البيان، فحظ الجمال فيها يفيض على الوجود، فيأخذ منه كل حاضر موجود.
بلد؛ كأن البلاد آخذة نورها من قبسه، وهواءها من نفسه، وحسنها من طبعه، وجمالها من ربعه، ونضارتها من فيض نضرته، وغضارتها من فضل خضرته.
فما شئت من روض نضير، وخرير ماء وغدير، وتغريد طير، ومشهد نضرة وخير، وهواء نقي، وعيش رخي، ومجالس يمتد فيها البصر، ويمتع فيها النظر، وأذن تشنف بأنواع الإيقاع، وضروب النغم والإمتاع، مما تتحف به الطير في الأفنان، والماء في الغدران، والأزهار بالألوان، كأن الحواس تلتذ في مجموعها، وتتنعم بجميعها، في تناسق تام، وتناسب عام، مع اعتدال هواء، وجمال رواء، ورائحة خيري وريحان، ومرأى ليمون ورمان، ومنظر غراس وثمار، وربيع وأزهار، ونبات وأشجار، تتره عينك منها في رياض، وتسرح منها في غياض، وتكرع منها في حياض، وأنت منعم في مخضر من البساط، يبعث على الانبساط، ويشرح صدر العليل، ويشفي الصادي الغليل. يروقك ما فيها من جمال موضعها، وحسن موقعها، ويستولى على مجامع الفؤاد، ويأتى على ما في النفس من المراد. وما عساني أن أقول في موضع اقترن ذكره بالإعجاب، ووصفه بالإغراب، ومديحه بالإطناب، وثناؤه بالإسهاب، وصار مثلا سائرا، وفلكا دائرا، وغرضا شعريا، وموضوعا نثريا.
قد وافق موضعها قول الأطباء، واتفق ما فيها مع وصف الألباء، فهي فتنة المحيا، وزهرة الحياة الدنيا، ومنتهى أمل الواصف، وموضع نزول القاصف، بلدة كثر ماؤها، وانجابت سماؤها، وجاد سحابها، وكرم أصحابها، وانفسح موضعها، ولطف موقعها، مع روعة إشراق، وطيب أصول وأعراق، ومنظر غروب بديع، وزمان غض كأنه الربيع، اجتمع فيها بلا افتراق، جبل موسى وبحر الزقاق، يهولك هذا بسموه وارتفاعه، ويروعك هذا بعمقه واتساعه.
فإذا استقبلت البحر في الغدوة، متعت النظر إلى العدوة، ورأيت البواخر، وهي في اليم مواخر، ومراكب الصيد، تبحر بلا ميد، وسمعت من أنغام الطبيعة، ألحانا رفيعة، وأنت مع هذا تظلك الأشجار، وتشجيك الأحاديث والأخبار، فناهيك بمجلس اجتمع فيه مدى الطرف، وحسن الظرف، وفائدة الجليس، ومتعة الأنيس، وارتفاع الكلفة، وتحقق الألفة.
بلد فيه المشاهد تتناسق، والمحاسن تتعانق، يسلمك جمال حضرتها، إلى بهجة نضرتها، ولطف هوائها، إلى عذوبة مائها، وكرم أعراقها، إلى روعة إشراقها، فلا تزال متقلبا فيها بين أمثلة الجمال، ومنازل الكمال، وعالم المثال. ولكن لا تحمد المصيف، حتى تجرب الخريف، فرب مدع ما أحب وصلها، ولا أطاق فصلها، فكان حبه على الاجتزاء، وتفضيل بعض الأجزاء، فهذا نصيبه منها على ما احتمل، وحظه منها على ما اشتمل. فإذا الشتاء حل بأعبائه، ونزل مساقط أنوائه، رأيت سيلها جارفا، ورعدها قاصفا، وشرقيها عاصفا، وتلك منها سيئة في حسنات غامرة، وعيب في محاسن وافرة، قصر زمانها وما طال، وهان أمرها وما استطال، ينسيك ما بعدها، ودقها ورعدها، وتسليك دفقة ودقها، عن ومضة برقها، وكرم أصحابها، عن كدر سحابها، كأن ذلك تعويذة الكمال، وتميمة الجمال، بها تحرس فضائلها وتصان، ويدرك شأوها ويزان.
وربما هدر البحر وامتد، وقوي الشرقي واحتد، وعظم السيل واشتد، فأخاف بعد أمان، وتوعد بعد ضمان، حيث البرد في سطوته، يغلبك بلسعته، وله عليك سلطة واقتدار، لا يغنيك عنه لباس ولا دار، سوى أن يكون عندك من كافات الشتاء نصيب، فتأخذ منها وتصيب، وتجمع بعضها إلى بعضه، لعله يقيك من سورة البرد وعضه، وإن أعوزتك الحيلة عن هذه العدة، وبقيت فيها هذه المدة، أنكرت من صحتك ما كنت تعهده، وغاب عن قوتك فضل كنت تشهده، وبان فيك نقص واعتلال، وظهر في مزاجك اختلاف واختلال، كأن بك صبابة تخفيها، وحكاية حب ترويها، وأنت في هزالك، ومخالطتك واعتزالك، تصر المكوث بالبلد، وتظهر غاية الجلد، وتجعل ما أصابك من برده، دليل صدقك في وده.
وهذا كعتاب الأحباب، ولوم الأصحاب، بل هو كغنج الكعاب، ودلال ذات الخضاب، تريك وصلا في إعراض، وفتورا في الحدق المراض، فتبدي لك من جوها أشده، تمتحن به صفو المودة، وتظهر لك وجها عبوسا، وخلقا ملبوسا، لترى صدق انجذابك، ومدى إعجابك، حتى إذا أخذت منك الوعود، ورأت صدقك في العهود، أرتك من جمالها محاسنا، وأبدت لك من حسنها مفاتنا، تذكي بها من صبابتك أشواقا، وتذكرك عهد وصال قد راقا. وما قيل فيها من الأشعار المذكورة، والأبيات المشهورة، دال على هذا المترع اللطيف، والمقصد الشريف.
وعندما فاخر ابن سعيد المشارقة، بالمتنزهات الفائقة، وأراد أن يعرب عن متتزهات المغرب، ضرب بليونش لذلك مثلا شرودا، وجعلها موضعا مشهودا.
فإن أعجبك هواؤها في اعتداله، ولطافته وإعتلاله، فما عساك تقول في مائها الرائق، وطعمه الفائق، وجريانه المعجب بروائه، وما يتركه من الإحساس من ورائه، وما تقول في اخضرار أرضها، واعتدال طولها وعرضها، واستواء فصولها، وطيب أصولها، وما تقول في ساحلها في طرافته، وقصر مسافته، واجتماع شمله، ونقاء رمله، وصفاء مائه، وزرقة سمائه، وما فيه من المرجان والياقوت، وأنواع السمك والحوت، بل يقال في الأثر القديم، فيه نسى الحوت الكليم، وبساحله عين الماء الزلال، المشهورة في الأمثال، اجتمع فيها من فضائل الأمصار، ما تفرق في الأقطار، ينشد فيها القاصي والداني، قول الحكم ابن هاني:
وليس علـى الله بمســــــتــنكر *** أن يجمع العـالم في واحد
ثم ما تقول في منظر جبلها الأشم، ذي الحسن الأتم، كأنه الغادة الحسناء، والخريدة العذراء، لم ينل منها طول المدى، ولا نالتها يد الردى، فهي جارية ممشوقة القد، مجدولة القوام والخد، غانية بنفسها، قد فاقت بني جنسها، وترفعت عن نظيراتها بوسمها، ففي وصفها اسمها، يبعثك النظر إليها على الافتنان، ويزيدك التأمل فيها على الاستحسان، قد نحتتها يد الأيام، وصانتها من عوادي الليالي والأعوام، فلا تزيدها الأيام إلا نضارة، ولا تكسبها الأعوام إلا غضارة، كأنها شربت إكسير الأبد، فكان عمرها من عمر لبد.
قد مدت رجلها في البحر، وعطل منها الجيد والنحر، وأرخت شعرها فهو ذاهب طولا، وماطلت وعدها فلا يزال أبدا ممطولا. تلاعب البحر برجلها اختيالا، وتداعبه ببنانها دلالا، والبحر بين جزره ومده، يبوح بسره ووده، فمده إقبال، وجزره إجفال، وسكونا إجلال، وهيجانه اعتلال، وهو لا يزال مع توالي الأيام، وتواتر الأعوام، يحدوه إلى وصالها أمل يرتقب، ورجاء يرتغب.
بلد يختصر فيه تاريخ الزمان، في مدارك العيان، وترى فيه من مشاهد الآثار، ما ينبئك عن جليل المقدار، فيه من العمارة، ما تضيق عنه العبارة، فهذه جنة الحافة، وتلك منية الضيافة، وهذا قصر لبني مرين شريف، وذلك برج منيف، وهذا أثر حسن، من مآثر أبي الحسن، وتلك أرضية برخام أحمر، وذاك نقش جميل المنظر، وهذا ساقية، بالماء جارية، وهذا المسجد الجامع، وتلك الصهاريج والمصانع، مع الجنات والأرحية، والصهاريج والأبنية، بقعة سنية، ورقعة مرضية، يلتقي فيها تاريخ الأندلس والمغرب، كأنها ترجمة للبيان المغرب، صورة نحتتها يد الخلود، وأبدعتها حكمة الوجود. فلله ما انطوت عليه من أسرار، وما تضمنته من أخبار، وما اجتمع فيها من المغاني، وما احتوت عليه من المعاني، فهي في الاعتبار، كجوامع الكلم في الاختصار.
بلد ما زالت الأكابر من الناس، تتخذ به الضيعات والغراس، وكان فيه عياض، يتتره في الرياض والغياض، وابن الخطيب، يجلس فيه ويطيب، ويحيى بن رزق، في جوها يرق، منها عبر مصحف عثمان الخليفة، مع الرفقة المنيفة، ومن ساحله الأشهر، غادر الإمام الغني بالله ابن الأحمر، عندما جاء من الأندلس راغبا، وللقيا السلطان أبي سالم طالبا، ومعه جمع من الأعيان، ممن لهم يباهي الأقران، وقد كانوا في ضيافة أبي العباس، الذي صار كرمه مثلا للناس، وقد استضافتهم في المنية، فما شئت من كرم وموائد ومنية، أيام هي محاسن الزمان، وغرر الأوان، بما تشنف المسامع، وتملأ المجامع، وبها يستمال الجليس، ويسترق الأنيس. ولو ردك التاريخ إلى إبانها، ووقفت من الأنباء على عيولها، لرأيت من حسن المسالك والفجاج، ورائع القصور والأبراج، وزخرفة المساكن والعمارة، وروعة الزي والشارة، ما تعجب معه غاية العجب، ويطربك كل الطرب. وإذا نظرت في بعض أخبارها، وما وصفت لك من آثارها، ووقفت على ما أوردته من النقول، التمست وجه القول فيما أقول، وعلمت فيما علمت، أن هذا المحل الشريف، والبلد المنيف، هو جوهرة مغفلة، وصدفة على كل درة مقفلة.
فهي روضة بهار، وحديقة أزهار، ومحل أنس وسرور، وموضع انبساط وحبور، كأنها قصيدة ارتجلها الزمان، فجاءت بديعة الأوزان، وقد قيل فيها من الشعر المقطعات والقصائد، والأبيات والفرائد، وسارت بما الركبان في الآفاق، وتغنى بها الناس من سبتة إلى العراق، وهي مع اختلاف عروضها، تتفق في أغراضها، فما ثم إلا مديح واستحسان، وتغن بما فيها من المحاسن وافتتان.
ووصفها عبد العزيز القادري فقال: «ومن المناظر الفريدة العجيبة في هذه المنطقة منظر جبل موسى، سرح الطرف نحو الجبل من بعيد، وحوطه بمخيلتك يتكشف لك الطود كله على صورة حسناء عملاقة ضخمة التقطيع سافرة استلقت على ظهرها توسد السماء وتأمل الكواكب والنجوم منذ كانت الكواكب والنجوم، ومن قنة الجبل وغابتها يتشكل رأسها ووجهها وشعرها ومن فوق وسطه يتتبر صدرها قاسيا شابا وعلى مر القرون وامتداد الزمن لا يترهل ولا يتهدل، أما رجلاها فممدودتان دوما إلى مياه البحر نبتردان. هي عروس الجبال، رسمتها يد الرحمن لا تحول ملامحها ولا تسنه قسماتها».
الكتاب: سبتة وبليونش “دراسة في التاريخ والحضارة”
للمؤلف: د. عدنان أجانة
منشورات تطاون أسمير/ الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية
(بريس تطوان)
يتبع…
إقرأ الخبر من مصدره