Étiquette : فكر

  • مهنيو المخابز يشتكون من غياب الدعم وتفشي محلات عشوائية خارج القانون

    قرر مهنيو قطاع المخابز والحلويات التحرر من الثمن المرجعي للخبز، معتبرين أن “الخبز محرر، والمهنيين لهم الحق في البحث عن هامش الربح”، وذلك في سياق تراجع محصول الدقيق في المغرب وضعف الإمدادات الخارجية…

    وقال نور الدين لفيف، رئيس المجلس الفدرالي للفدرالية المغربية للمخابز والحلويات، إن “مهنيي المنخابز ينتظرون من الحكومة التفاتة إلى القطاع عبر مقاربة شمولية، تشمل أولا القوانين التنظيمية، بما فيها التعاريف ودفاتر التحملات وتحديد أنظمة الإنتاج والتوزيع والعرض والبيع””.

    وأضاف لفيف، في تصريح لأحد المواقع الالكتورنية، أن “هناك تسيبا يعرفه القطاع، من إنتاج للمحلات العشوائية ولمنتجين يشتغلون خارج الإطار القانوني وبعيدا عن أعين لجان المراقبة”.

    وتابع المسؤول النقابي بالقول إن “كل هذا يسبب تضخما في إنتاج الخبز، وبالتالي هناك هدر كبير لكميات هائلة من الخبز تذهب كأعلاف”، مشيرا إلى أن الدعم الذي تقدمه الحكومة لمستوردي الحبوب ويتم التصريح بتخصيصه لدعم الخبز، مجرد “مغالطة كبرى؛ لأن المستفيد منه هي المطاحن، وبعدها المواطن وأرباب معامل البسكويت والمعجنات ومصانع الخبز والبيتزا وغيرهم”.

    وقال إن “القطاع الوحيد الذي لم يستفد من أي برنامج تأهيل ومن أي درهم للدعم والمواكبة رغم إدراجه ضمن سلسلة الحبوب في إطار برنامج المغرب الأخضر، هو قطاع المخابز”.

    وختم بالقول إن “مهنيي القطاع يعانون مع تراكم متأخرات الضرائب والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولا أحد فكر في إنقاذ هاته المقاولات من الإفلاس”.

    ويتميز الدخول الاجتماعي في المغرب هذه السنة، بتداعيات أزمة اقتصادية خانقة فرضتها سياقات الخروج من الجائحة والحرب الروسية الأوكرانية، لتعود بذلك أزمة الخبز لتتصدر أولويات العمل الحكومي، مع استمرار البحث عن تحقيق التوازن في المخزون الاستراتيجي للدقيق.

    وقفزت أسعار القمح في الأسواق العالمية بعد أن حظرت الهند تصدير الحبوب الأساسية؛ حيث ارتفع مؤشر القمح القياسي بنسبة 5.9% في شيكاغو، وهو أعلى مستوى له في شهرين.

    ويتوقع أن يتراجع الإنتاج (القمح اللين، القمح الصلب، الشعير) برسم الموسم الفلاحي 2021/2022 بـ 32 مليون قنطار، أي بانخفاض بنسبة 69% مقارنة بالموسم السابق الذي سجل إنتاجا من بين الإنتاجات القياسية.

    ويستورد المغرب سنويا من الخارج، خصوصا من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وأوكرانيا وكندا، ما بين 60 و75 مليون قنطار من الحبوب (القمح اللين والقمح الصلب والشعير والذرة).

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • النقابات والشراكة مع الحكومة

    استدعى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة النقابات الأكثر تمثيلية، قصد الشروع في الحوار الاجتماعي. هذا النوع من الطاولات مفروض وأساسي من أجل سير طبيعي للقطاع. لكن؟ ما معنى الحوار الاجتماعي؟ وهل النقابات مجرد أدوات لتدبير مطالب ومشاكل الموارد البشرية؟ أم أن النقابات أكبر من ذلك؟
    استدعاء النقابات بعد الدخول المدرسي يطرح سؤالا جوهريا: هل النقابات كما قلنا مجرد أداة وظيفية لتدبير مشاكل ومطالب الهيئة التدريسية، أم أنها شريك في عملية التمدرس من أولها إلى آخرها؟
    الوزارة، وهنا ليست وزارة التربية الوطنية فقط، لا تهتم بالنقابة إلا بما أنها تجمع بشري غاضب، والنقابة هي الوسيلة لإسكات هذا الغضب وإطفاء فورته، ووسيلته الحوار الاجتماعي، لأنها لم تستشر النقابات قبيل الدخول المدرسي ولا هي أخذت رأيهم وبالدارجة البليغة “ما حاشاتوش ليهم”، ولكن بعد اتخذت القرارات التي تروقها ومر الدخول المدرسي كما تريده الوزارة بدون شركاء استدعت النقابات لعملية حوارية روتينية الغرض منها استباق الاحتجاجات والإضرابات.
    لكن، كما يقال “ما لك لك وما لغيرك لغيرك” حتى لا نقول “ما لله لله وما لقيصر لقيصر”، فما للوزارة للوزارة وما للنقابات للنقابات، فإذا كانت الوزارة تسعى من خلال تجربة الحوار الاجتماعي غير المضبوط على قواعد جيدة، وأنها تسعى من ورائه إلى مجرد ذر الرماد في العيون، كما يقال، فإن العتب ليس عليها ولكن على النقابات، التي تخلت عن دورها الطبيعي، وعن وظيفتها الأساسية، التي من بينها أن تدافع عن المصالح المادية لمنخرطيها وعموم الشغيلة.
    كانت النقابات شريكا حقيقيا للوزارة في كل ما تقوم، بالحوار ومن غير حوار، من خلال الضغط، لكن ليس الضغط الذي يسعى فقط إحراج الوزارة كي تنزل لطاولة الحوار، الذي أصبح هدفا في حد ذاته، ولكن عن طريق الوجود اليومي في الساحة، حيث كانت النقابات قوة اقتراحية، لا تجد الوزارة بدا من الأخذ بعين الاعتبار بمقترحاتها.
    كانت للنقابات رؤية في الوضع الاجتماعي للمنخرط وعموم الشغيلة، كما كانت لديها رؤية اجتماعية بسقف سياسي، ولها رؤية في القطاع وتطويره، تستفيد منه الوزارة كثيرا، ولهذا نجد أن مؤسسات الدولة استقطبت كثيرا من أطر المعارضة الراديكالية والإصلاحية في السنوات السابقة، لأنه كانت لدى الأحزاب والنقابات أطرا ورؤى، بينما هي اليوم بما أفق ولا فكر ولا تأطير ولا توجيه.
    لو كانت فعلا الحكومة جادة في عملها لأوقعت النقابات في حرج شديد، ولجعلتها تندم على اليوم الذي تسمت فيه نقابات، ولدفعتها لتصبح نقابات حقيقية، وهي أن تستدعي النقابات، وتطلب منها مفهومها للقطاع. مثلا تستدعي وزارة التعليم النقابات وتطلب منها: مفهومها للمدرسة؟ والمعايير التي نحكم بها على نجاح المدرسة وفشلها. لا توجد نقابة في أي قطاع تتوفر على تصور لمفهوم القطاع وبالتالي فإن الوزارات تتعامل مع النقابات على أنها “خبزية” تهتم بمعيش منخرطيها وملفاتهم ولا يهمها الخط الذي يسير فيه القطاع.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • دبلوماسيتنا ليست قصبة فاسدة!

    بقلم إسماعيل الحمراوي
    رئيس حكومة الشباب الموازية

     

     

    توطئة

    لعل الأزمة التي خلفها السلوك الصادر عن الرئيس التونسي قيس سعيد باستقباله لزعيم مرتزقة الجبهة الانفصالية البوليزاريو، إبراهيم غالي، على هامش احتضان تونس لقمة طوكيو للتنمية في إفريقيا “تيكاد 8″، أعاد طرح أسئلة عريضة عن الأزمات الدبلوماسية التي نعيشها اليوم، والمغرب، بأي حال من الأحوال، ليس طبعا البلد الوحيد المتواجد في هذه العواصف الدبلوماسية، بل كل الدول تعيش على إيقاع التغيرات الدبلوماسية، لكن تبقى مؤشرات القوة من الضعف مرتبطة بعدة عوامل داخلية وخارجية لكل دولة. صحيح أن الأمر جد مؤلم عندما يأتي من بلد “أخ” لكن تجري الرياح بما لتشتهيه سفننا.

     

    لايمكن إلا التنويه بالعمل الكبير لدبلوماسية المتجددة المملكة، والتي تغيرت صيغها بشكل كبير ومشهود، في العشريتين الأخيرتين عبر تبني المغرب لمواقف الصف الأمامي والابتعاد عن دبلوماسية الأبواب المغلقة، بل بات في كل الأزمات الدبلوماسية يبرز عبر قنواته الرسمية موقفه بكل جرءة وحزم ، وهو حال ما عشناه مع الأزمة الاسبانية والألمانية وقبلها الأزمة السويدية أو مع بعض الدول العربية. هذا التوجه الذي دفع مجموعة من الشركاء يحسبون لبلدنا ألف حساب ما هو إلا مؤشر يدل على قوة الدولة وعمق تاريخها، لكن هذا الأمر ينبغي أن لا يجرنا لنوع من “العزوف الدبلوماسي” كما كان عليه الحال قبل رجوعنا للاتحاد الإفريقي، بل يجب استثمار ذلك نحو تكييف الاختلافات من خلال المفاوضات، على قول وزير الخارجية الامريكي السابق هنري كيسنجر.

     

    إن الباحث والمتتبع أو حتى المواطن لربما قد يطرح مجموعة من الأسئلة عن الربح والخسارة التي يمكن أن يجنيها المغرب من المواقف الدبلوماسية ؟ وهل دبلوماسيتنا اليوم لا تحتاج إلى ميكانيزمات موازية لتتمكن الدبلوماسية الرسمية من تحقيق حضورها الدولي ؟ أم أنها تطبيق حرفي لفهم توجهات العلاقات الدولية دون الحاجة لمساهمات كيفما كانت.

     

    وبما أن قيس سعيد استقبل مؤخرا باربارا ليف مساعدة وزير الخارجية الأميركي المكلفة بالشرق الأدنى، فلا بأس أن نعطيه ماقالته باربرا، لكن ليست ليف، بل ميكولسكي، واحدة من أقدم نساء الكونجريس الأمريكي والتي قالت يوما عن الحرب الأمريكية في العراق، يجب على أمريكا أن تواصل الدبلوماسية ، حتى ونحن نواصل الحرب ، لتوسيع تحالف الراغبين في تقاسم أعباء الحرب وتقاسم المسؤولية والتكلفة الاقتصادية لإعادة بناء العراق. وهذا ليس حالنا طبعا في المغرب ولا حال تونس كذلك، بل إن دبلوماسيتنا يجب أن تستمر بقنواتها المتعددة والمتنوعة وبحكمة وهدوء ورصانة. فأزمتنا مع تونس، وإن سجل جل المتتبعين وطنيا ودوليا وحتى من الفعاليات التونسية الخطأ الفادح الذي وقع فيه قيس سعيد، من خلال فعلته الدبلوماسية غير الودية تجاه بلد شقيق وغير المحسوبة العواقب، وضربه عرض الحائط كل التفاصيل التاريخية التي سجلت فيها المملكة المغربية مواقف جد متقدمة من خلال التضامن مع الشعب التونسي الشقيق في جميع الأزمات التي تعرضت لها الجمهورية التونسية، فإننا اليوم في أمس الحاجة لنقاش هادئ ومتزن بعيد كل البعد عن السباب والشتم واستحضار قيم المهنية الإعلامية أو الأعراف الدبلوماسية والأخلاق السياسية، فربما “رمي كرة اللهب” بذكاء دبلوماسي في ملعب “قيس” قد يفيد بشكل كبير لحشد التأييد لدبلوماسية المغرب أفضل من اجترار المشاعر السلبية الناجمة عن شعورنا بالظلم. وحتى في نقاشاتي اليومية مع بعض الفعاليات التونسية أو العربية أوالافريقية، فقد سجلوا، طبعا، تضامنهم اللامشروط مع المغرب، لكن في ذات الوقت تأسفوا وعبروا عن امتعاضهم من بعض، أقول بعض، الفعاليات الإعلامية والمدنية والسياسية بسبب ردات فعلهم غير المحسوبة والمرتكنة لأساليب القذف فقط دون لغة الحجة والدليل، ولدينا في هذا الباب الكثير مما يمكننا استعماله في البيانات للحوار والاقناع. قد يكون ذلك جد مفهوم لأن الشعور بالخدش في الوطن كالخدش في الأعراض، لكن، لا يمكن التصدي لردة الفعل دون مسوغ ممنهج ومدروس بعيدا عن الانفعال الذي يمكنه أن يؤدي بتدمير كلي لمفاهيم الدبلوماسية، وهنا أستحضر قولة شهيرة للكاتب الهولندي جوزيف كونراد “ومع ذلك ، عندما يفكر المرء في الأمر ، فإن الدبلوماسية بدون قوة ليست سوى قصبة فاسدة يمكن الاعتماد عليها”، فالقوة ليس فقط بتملك السلاح أو العملة الصعبة أو غير ذلك من الرأسمال المادي، بل هو فعل قوات موازية لامادية يتملكمها البلد كي يكون حاضرا دبلوماسيا وسياسيا على الصعيد الإقليمي والدولي، وهو الأمر الذي نحتاج فيه بعض “الروتوشات” لكي لا تكون دبلوماسيتنا قصبة فاسدة بل قصبة قادرة على الأصطياد.

     

    وفي إطار نوع من المحاولة والمساهمة وفقط، لا من أجل تقديم الدروس أو شيء من هذا القبيل، بل لأنه حز في نفسي كثيرا، معالجة الشيء باللاشيء، والتحليل من دون أدوات علمية، وهو ما نقوم به اليوم، مع الأسف بنوع من ” النرفزة” ليس إلا، ولكي يكون لذلك نوع من المسؤولية الوطنية، من الواجب علينا التمعن جيدا وإدراك معاني خطب الملك حول قضيتنا الوطنية، فإننا سندرك، لا محالة، كم من مرة يؤكد جلالته أن مغربية الصحراء لن تطرح أبدا على طاولة المفاوضات وأنها قضية كل المغاربة، ومن هذا المنطق فالجميع معني بالدفاع عن الصحراء الغربية المغربية، في حدود المسؤوليات، وبهذه الدرجة من المسؤولية علينا أن نستدرك العمل على بعض النقاط التي من شأنها تطوير ومواكبة دبلوماسيتنا:

     

     

    1. تطوير جاذبية الأحزاب السياسية:

     

    هناك واقع اليوم تعيشه الأحزاب السياسية، وخير دليل على ذلك الأرقام التي تطرح في كل مرة وحين من خلال دراسات تقوم بها مراكز الدولة أو مراكز ومعاهد تفكير مستقلة، والمحصلة وحيدة وهي عدم اهتمام المواطنات والمواطنين بالاحزاب السياسية، والأسباب متعددة ومتكررة، لكننا في النهاية نجني ما نزرع من تبخيس أدوار المؤسسات الحزبية التي، ورغم كل ما يمكن أن يقال عنها، تبقى مكونات أساسية للبناء الديمقراطي الذي يحتاج أحزابا ديمقراطية قوية في سط ديمقراطي قوي ومتعدد.

     

    نحتاج لبنية حزبية قادرة على تمثيل وتأطير المواطنين ولها امتدادات فكرية وإيديولوجية دولية ومؤثرة، كما كان عليه الحال سابقا، مع الأحزاب الوطنية، لذلك يجب أن يتم الاشتغال على تقوية أحزابنا السياسية ودعمها لتتواجد مع باقي التنظيمات السياسية الحزبية الدولية، ويكون صوتها مسموعا ومؤثرا. من خلال ربط علاقات ثنائية مع أحزاب دول أخرى. لكن لن يستقيم الأمر إلى بتقاسم المسؤوليات بين الدولة والأحزاب السياسية.

     

    2. إعلام قوي ومتعدد :

     

    دون السقوط في التعميم طبعا، فمسألة الاعلام تقتضي وقفة تأمل لإصلاح قطاع الإعلام والإتصال في المغرب، وكما حال الأحزاب الذي قلنا عنها ان لديها دور مهم ينبغي ان تلعبه بالشكل الصحيح، فالاعلام أيضا يجب أن يؤسس لقواعد تعيد هبة السلطة الرابعة لما كانت عليه قبلا. فالاعلام في الحرب الدبلوماسية يجب أن يكون من أشرس الأسلحة المتوفرة في البحث والتنقيب والتوازنات في الخبر، وبنوع كبير من المهنية والمسؤولية التي لا تتقاسم مع اعلام “الجوقة” أي شيء بل إعلام مؤثر وموضوعي، يكون مدخلا للنقاش العمومي لا إعلاما للتفاهة “العمومية”. لذلك فالمغرب في أمس الحاجة اليوم إلى تعزيز المكتسبات الكبيرة التي حققتها صحافتنا الوطنية الحزبية والمستقلة، لكن في ذات الوقت لابد من تطوير “ماكينة إعلامية” لمواكبة العمل الدبلوماسي الوطني في مختلف المحافل.

     

    إن الاعلام الوطني مع كل التطورات الجيوسياسية التي أصبحنا نعيشها، مدعو لتأسيس واجهتين أساسيتين، واجهة وطنية تسمح بتأطير الرأي العام وتجديد النقاش للعمومي، وواجهة دولية مؤثرة في القضايا الدبلوماسية، وخير دليل على ذلك، نجاح تجرلة قطر الإعلامية من خلال قناة الجزيرة التي أسست لاستراتيجية تواصلية خارجية مكنتها من الحضور بشكل قوي في المحافل الدولية والإقليمية. لذلك اعتقد أن الوقت قد حان للتفكير في مؤسسة وطنية إخبارية دولية ( تطوير احدى القنوات التلفزيونية المتواجدة لذلك أو التنسيق بينهم لتكوين مجموعة إعلامية دولية ذات النفع المشترك أوربما تشكيل قناة إخبارية جديدة…). أما عودة لواجهة لإعلام الوطني الداخلية، فالكثير ما يقال عنه، فقط وبعبارة أكثر جرأة الدولة تحتاج إعلاما “تسخن بيه كتافها” إعلام موضوعي ومستقل ينصت له ويؤثر بشكل مسؤول.

     

    3. القوى الناعمة.. دبلوماسية المستقبل :

     

    عندما فكر المصريون الدخول الى قلوب العرب طوروا ثقافتهم السينمائية وفنهم، وعندما فكرة تركيا بالدخول لبيوت العرب طورت السينما، وهكذا كان مع الهند وأمريكا والصين وغيرها من الدول التي اعتمدت الفن كأدات لصناعة الرأي العام. وهنا يحق لنا أن نتساءل ما الذي يحعلنا في تخاذل مع هذا المجال الذي أصبحت تستعمله الدول للدعاية وإشهار صورتها وصناعتها للتأثير في وعي المجتمعات ووطننا غني ثقافيا وفكريا ومليء بالقصص والروايات ؟.

     

    موضوع آخر أصبح يؤثر بشكل كبير، هي الرياضة ، حيث أصبحت مجالا خصبا لصناعة الوعي لدى فئات عريضة من الشباب، أنظرو كيف هو شبابنا في صراع دائم بين من يشجع فريق برشلونة وفريق ريال مدريد، وكيف تكون المقاهي مملوءة عن آخرها، عندما يلعب هذين الفريقين، ليس في المغرب فقط بل في كل أنحاء العالم. وهناك تجربة لدينا خاضها المغرب بشكل كبير وهي تجربة الكرة النسوية، شاهدو كيف تركت أثرا إيجابيا كبيرا لدى المواطنات والمواطنين طيلة فترة المنافسات الإفريقية. وبالتالي فالرياضة هي قوة ناعمة تقوم بأدوار دبلوماسية كبيرة، وخير دليل هلى ذلك ماتقوم به جامعة كرة الفدم في إفريقيا والفيفا. هذا الحضور ينبغي تطويره ومواكبته لتقوية انديتنا الرياضية في جميع المجالات الرياضية طبعا حتى يكون حضور المغرب حضورا بصناعة فرجة وصورة مؤثرتين.

     

    ارتباط السياح والشخصيات المؤثرة كرونالدو وميتر جيمس وجمال الدبوز وغيرهم بمراكش وورزازات هو قوة ناعمة. حضور جياني إنفانتينو رئيس الفيفا لمختلف التظارهات الكروية الافريقية والعربية بالمغرب هو قوة ناعمة. جامعة القروين بفاس حسب توثيق اليونسكو وبناءً على تصنيفات كتاب غينيس للأرقام القياسية تعد أقدم مؤسسة جامعية في العالم هي قوة ناعمة. الأرض المغربية هي التربة الوحيدة التي بها شجرة الأركان هي قوة ناعمة. المملكة المغربية أول دولة تعترف بالولايات المتحدة الأمريكية هي قوة ناعمة. “الجلابة”. أو القفطان هي قوة ناعمة.

     

    فالقوة الناعمة، متوفرة لدينا بشكل كبير في وطننا، وكما تقول الصديقة شامة درشول الكاتبة والإعلامية المغربية -طبعا-، هي مقابل للقوة الصلبة التي تنهج الاختيار العسكري أوالاقتصادي. فالاختيار العسكري يستعمل السلاح الحربي وبالتالي الدمار والقتل والترهيب، وبالنسبة لقوة الاختيار الاقتصادي فهو مرتبط بالمكافئة والعقوبات، أما القوة الناعمة فهي رأسمال لامادي ولا يتم فيها استعمال لا سلاح ولا عقوبات، بل هي تأثير الفعل أو الشيء دون عنف كيفما كان نوعه.

     

    4. الاستثمار في كفاءات العالم المغربية :

     

    كفاءات المغرب منتشرة عبر العالم، لها امتدادات في كل نقطة من نقاط العالم، نجدها في العلوم والرياضة والاقتصاد والسياسة، لذلك يجب العمل على وضع “بروفايلين profiling ” وجرد للكفاءات الوطنية بالخارج والتي لديها تأثير كبير في القرارات السياسية في دول الاستقبال، هذا “البروفايلين” يجب أن يشرف عليه مجلس الجالية لتتبعه عن قرب رفقة سفارات المملكة وتشكيل “ناد للمغاربة العابرين للقارات” كالاندية العالمية المؤثرة في صمت ودون تتبع إعلامي والمعروفة دوليا “البناؤون الجدد” les franc-maçons . هذا الاهتمام سيجعل من أبناء هذا الوطن عبر العالم يعتزون بوطنهم ويفتخرون به من خلال سن سياسة عمومية مندمجه تهتهم بقضاياهم المختلفة والتي من شأنها تعزيز الروابط بين البلد الأم وبلدان الاستقبال.

     

    5. سفارات تتحرك :

     

    هناك حاجة لدينامية ونفس جديد للسفارات المغربية في مختلف الدول، لا فقط سفارات ببريستيج وبرتوكول، بل اليوم يجب على الدولة أن تعطي حركية بنتائج وأهداف في مختلف السفارات والقنصليات والبعثات الدبلوماسية للتفاعل مع قضايا الأوطان والحضور الدبلوماسي الوازن كما ونوعا، فالبعثات الدبلوماسية حسب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لسنة 1961 هي اتفاقية دولية تحدد الإجراءات والضوابط الخاصة بالعمل الدبلوماسي بين الدول وتبين الحقوق والواجبات الخاصة بأفراد البعثات الدبلوماسية ولا تقيد أبدا حضور البعثاث من خلال الأنشطة والبرامج. وبالتالي اليوم يجب إعطاء نفس جديد لسفاراتنا، لأنها الصورة المؤسساتية الرسمية للدولة وحسب اتفاقية فين التي تطرقنا لها سابقا، ففي مادتها الثالثة، تؤكد :

     

    تشمل أعمال البعثة الدبلوماسية ما يأتي:

     

    • تمثيل الدولة المعتمدة لدى الدولة المعتمد لديها.
    • حماية مصالح الدولة المعتمدة وكذلك مصالح رعاياها لدى الدولة المعتمد لديها في الحدود المقررة في القانون الدولي.
    • التفاوض مع حكومة الدولة المعتمد لديها.
    • التعرف بكل الوسائل المشروعة على ظروف وتطور الأحداث في الدولة المعتمد لديها وعمل التقارير عن ذلك لحكومة الدول المعتمدة.
    • تهيئة علاقات الصداقة وتنمية العلاقات الاقتصادية والثقافية والعلمية بين الدولة المعتمدة والدولة المعتمد لديها.
    وعلى هذه المبادئ والأهداف الجامعة والشاملة يمكن أن نجعل من سفاراتنا فضاءات بديناميكية كبيرة وتفاعلية أكثر مع دول الاستقبال ومع المواطنات والمواطنين بديار المهجر.

     

     

    6. الحاجة للنقاش العمومي :

     

    النقاش العمومي مع الأسف أصبح غائبا في الساحة السياسية، مما نتج عنه نقاشات التفاهة في مواقع التواصل الاجتماعي التي عوضت، مع الأسف، الفضاءات السياسية في النقاش العمومي بمسببات البحث عن “البوز” وتمييع الرأي وتبخيس الممارسة السياسية .

     

    الأمر أصبح يشكل خطورة على مستقبل الحياة السياسية، فإن لم نتدارك الأمر والسعي لتأطير النقاش العمومي وإشراك المواطنات والمواطنين في البحث عن حلول لقضاياهم والاجابة عن اهتماماتهم، فالاستقطاب سيكون سهلا على مواقع اجتماعية صانعة للتفاهة، لا نحتاجها أبدا في مثل هذه المعارك السياسية والدبلوماسية ، بل ما نحتاجه هو خطاب المعرفة والعلم والرصانة في التحليل والاقناع والتأثير الواعي.

     

    7. جرعات من الوطنية للناشئة :

     

    اليوم أصبح من الواجب أن نؤسس لمحطة جديدة من العمل الوطني والتفكير في بدائل للتنشئة الوطنية، من خلال مبادرات ترفع شعارات فعلية “مدرسة المواطنة” و”شارع المواطنة” وأسرة المواطنة ومواجهة “المد التافه” في الفضاءات غير المهيكلة ببرامج “المواطنة 2.0 “، كل تلك البرامج من شأنها أن تعطي جرعات إضافية للناشئة والجيل الجديد من المواطنة، المبنية على الحق والواجب، في محاولة للإجابة على سؤال هوياتي في علاقة الشباب بالوطن. كما فعلت الصين مثلا وأميريكا وروسيا وألمانيا واليابان وكوريا من خلال برامج مؤسساتية حول التربية على المواطنة والهوية.

     

    8. منظمات مدنية بامتدادات دولية :

     

    يجب ترتيب أوراق المنظمات المدنية، والعمل على تطوير أكاديمة التكوين للمجتمع المدني في قضايا الدبلوماسية الموازية، حيث يستفيذ منها قيادات المنظمات المدنية، وكل مشاركة دولية ذات بعد سياسي يجب أن يسبقها تنسيق مع الاكاديمية لأخذ تكوين سريع في مجال العلاقات الدولية والقضية الوطنية.

     

    منظمات المجتمع المدني يجب مواكبتها لتكون قادرة على صناعة الخطاب الدبلوماسي، وجزء كبير منها قادر، فقط ينقصه الموارد لذلك.

     

    9. دولة القانون والمؤسسات المواطنة :

     

    دولة القانون والمؤسسات، هي دولة راعية ودولة اجتماعية قادرة على نهج حكامة مؤسساتية تستجيب لتطلعات المواطنات والمواطنين، بالفعل وطننا قوي بتاريخه وحضارته الممتدة من مئات السنين، وفي عصرنا الحاضر فتحت أوراش كبيرة ديمقراطية وحقوقية وتنموية في عهد محمد السادس، وتمكن المغرب من تخطي مجموعة كبيرة من الأزمات ودبرها أحسن تدبير. بيد أن معركة المستقبل الدبلوماسي متجلية أساسا في تقوية الجبهة الداخلية وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة وتطوير مهامها وصلاحياتها وطنيا وترابيا، وإعادة النظر في منطق البيروقراطية المتسم في مجموعة من الإدارات حتى يتلاءم مع التصور الجديد للرقمنة وتبسيط المساطر وإضفاء الكثير من الفعالية على العمل الحكومي عبر تبني مقاربات إلتقائية دامجة لجميع الفئات الاجتماعية، وتسريع وتأهيل الإدارة وعقلنة تدبيرها، ليكون لها أثرعلى المرفق العام. وبذلك لن نترك مجال لتعليق شماعة المنظمات الدولية التي تستغلها بعض الدول لضرب المغرب، فبعض الأخطاء لا تنسى حتى وإن سامحنا على قول تشرشل.

     

    10. الحضور الاقتصادي والتجاري :

     

    تنويع العرض الاقتصادي في المنطقة العربية والافرو آسيوية والأوروبية والأمريكية وتسهيل الولوجيات الاقتصادية للشباب للاستثمار والابتكار وإنشاء مقاولات حاضنات. بالإضافة لإجراءات كثيرة كتحسين مناخ الأعمال وتعزيز القدرة التنافسية للمقاولات المغربية وتبسيط مساطر الاستثمار وتحصين مكتسبات الاستقرار السياسي ودعمها وتوطين للحكامة المؤسساتية و تنمية القطاعات الإنتاجية الموجهة للتصدير وتقديم تحفيزات ضريبية، سيطور جودة الحضور التجاري المغربي داخليا وخارجيا، فحسب مجموعة من الاحصائيات، استطاع المغرب في إطار اتفاقيات التبادل الحر تطوير المبادلات التجارية لبلادنا، حيث يعتبر الاتحاد الأوروبي أول مستهلك بنسبة 66.5% من الصادرات المغربية وأول مورد بنسبة 56,9% من السلع سنة 2017. ثم يليها الولايات المتحدة الأمريكية 5,8% من إجمالي المبادلات التجارية الخارجية لبلادنا، أما التبادل التجاري مع دول مجموعة أكادير فقد فاق سنة 2017ما يناهز 686 مليون درهم .

     

     

    وبالتالي يجب الانفتاح أكثر على استثمارات مدرة أكثر للارباح ومؤثرة، كالحضور القوي لمجموعة من الصناديق الاستثمارية الوطنية المتواجدة في دول إفريقية وعربية. كما أن الاهتمام أكثر باستثمارات المستقبل ذات الصلة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من شأنه تعزيز الحضور المغربي من خلال دعم الابتكار والاختراع وتحسين مؤشرات الابتكار الوطنية.

     

     

    كلمة الختم:

     

    إن الدبلوماسية تقتضي بالإضافة لكل تلك النقاط الأساسية نقاط أخرى لايسعف هذه الورقة طرحها، لكن علينا دائما أن نستفيذ مع معاركنا الدبلوماسية وأن نجتهد في التقاط الرسائل الدبلوماسية من خصومنا ومن حلفاؤنا أيضا، لأن مسارات الدبلوماسية ليست بساطا أحمرا كما نشاهد في استقبالات رسمية لرؤساء الدول بل هي كتلة مركبة من التناقضات ينبغي تدبيرها بعناية.
    وما أزمتنا مع تونس إلا درس من دروس قد تأتي في القادم من الأيام لذلك يجب أن نكون كلنا “حراس المعبد”، فكل ذلك يهون من أجل الوطن ومن أجل الواجب تجاه الوطن.

     

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • العولمة والاديان

    حسن العاصي

    كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

    إن أهم القوى التي تتحكم بعالمنا اليوم هما: الاقتصاد والتكنولوجيا. التكنولوجيا التي نتحدث عنها هنا هي في الأساس تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. لقد دخل العالم فترة من الاقتصاد الليبرالي العالمي، حيث المعرفة، والوصول إلى المعلومات، وإتقان وسائل الاتصال، هي عوامل حاسمة للقوة في العصر الحديث.

    أصبحت العولمة القوة التي تغير العلاقة بين الأمم، والثقافات، والمنظمات، والهويات. لم تعد الثقافات والهويات، والأديان، نقطة انطلاق ترسيم الحدود الوطنية أو الإقليمية، ولكن في السياقات الجيوسياسية يمكن للمرء على سبيل المثال، أن يشعر المرء بهوية وانتماء ثقافي مع أشخاص ومجموعات في دول وقارات أخرى، يتشارك معهم اهتمامات وأفكار وعقائد معينة، أكثر مما يجمعك مع الجيران أو أبناء الوطن.

    العولمة هي مصطلح لعملية تغيير متعددة الأبعاد، ومتعددة المراكز، تؤدي إلى زيادة التبادل الثقافي والاقتصادي بين مختلف المناطق والشعوب. العولمة مدفوعة بالتجارة والإنتاج والتكنولوجيا، وفي المقام الأول تكنولوجيا الاتصالات. يُمكن أن نقرأ التعريف البسيط للعولمة: كل شيء موجود في كل مكان في نفس الوقت.

    من جانب آخر، نجد أن كل الناس يتأثرون بالدين، حتى لو كانوا لا يؤمنون بأي شيء على الإطلاق. الأديان لها تأثير في كل مكان. ليس فقط بين المتدينين أو في الشبكات الكنسية والروابط الإسلامية الذين يحاولون إقناع السياسيين بآراء معينة. السياسيون الدين يؤثرون على طريقة تفكير جميع الناس، وبالتالي فإن اجتماعات القمم بين القادة السياسيين على الساحة الدولية هي ـ في جزء منها ـ اجتماعات بين الأديان أيضاً.

    الأديان تمتلك القوة لأنها تشكل عقولنا ببطء. على سبيل المثال: عندما يذهب الصينيون إلى العمل باجتهاد يوماً بعد يوم، فإنهم يكونوا تحت تأثير الكونفوشيوسية الصينية. عندما تؤكد المملكة العربية السعودية على أهمية الفصل بين الأجناس على سبيل المثال، فإنها تستلهم ذلك من الإسلام. وعندما تستخدم دولة مثل الدنمارك الموارد لتهيئة ظروف جيدة للموت في مأوى، فذلك لأن الدنماركيين ملهمون بالمسيحية، حيث يكون للفرد قيمة غير محدودة – حتى بعد فترة طويلة من توقفه عن إنتاج أي شيء، أي في فترة ما بعد التقاعد.

    تظهر الأديان كملاذ يمكن لجميع الناس الاعتماد عليه. هناك تكمن المعرفة والثقافة والأفكار والطقوس التي يمكنك أن تأخذها. حتى الأشخاص الذين لا يعتقدون أنهم يعرفون أي شيء عن الدين يعرفون أكثر مما يعتقدون.

    لطالما ارتبطت الأديان بحرية الحركة خارج الحدود الوطنية. إنها عالمية، وبالتالي فإن العولمة لا تتعلق فقط بالمال والتجارة والاقتصاد. إن الأديان تنتشر في جميع أنحاء العالم. طالما كان فكر المبشر عالمياً، وكان العالم كله مجالاً إرسالياً للمسلمين والمسيحيين. فالدين جزء لا يتجزأ من العولمة.

    في فرنسا، على سبيل المثال، وقبل بضع سنوات، كان هناك الكثير من الحديث عن قضية الحجاب، حيث اعتبرت الدولة الفرنسية حجاب النساء المسلمات تحدياً دينياً غير مقبول للدولة العلمانية. الأمر ذاته تكرر في العديد من الدول الأوروبية، حيث تم مناقشة الحجاب كرمز ديني في وسائل الإعلام، وفي مناقشات السياسيين. آخر هذه التداعيات ما حصل في الدنمرك الأسبوع المنصرم، حين أوصت لجنة حكومية بحظر الحجاب في المدارس الابتدائية للفتيات المسلمات.

    بالنسبة لهم يُعتبر الوشاح رمزاً دينياً لاضطهاد المرأة. بهذه الطريقة قد يعتقد البعض أن الدين والسياسة مختلطان معاً بطريقة غير مقبولة، بينما يعتقد البعض الآخر أن الأمر يتعلق بالثقافة.

    من السذاجة الاعتقاد أن جميع الناس متماثلون، نحن لسنا كذلك. يعتمد سلوكنا على التيارات التي نتأثر بها. لكن لا تزال بالطبع مسؤولية الفرد الشخصية تعتمد على ما يستمده من خزان الدين والثقافة. فالدين لا يتدخل في السياسة، بل إنه موجود بالفعل في صلبها. في ذات الوقت، تتكون الهويات والثقافات والأديان الجديدة من سمات تقليدية وحديثة، تماماً كما تتميزان بسمات المحلية والإقليمية والعرقية.

    تظهر أشكال جديدة من المواجهات الثقافية والصراعات الثقافية نتيجة لهذه التمزقات في جميع أنحاء العالم، وتتخذ أشكالاً معينة في أوروبا التي تشهد جهوداً سياسية مكثفة لتحديد الهويات والتاريخ الوطني بالرجوع إلى الثقافة، والدين، والعرق، والتي يُنظر إليها على أنها شيء مترابط في آن واحد، متوارث ولا يتغير، شيء أساسي يفصل “نحن” عن “هم”. فيما تحاول مجموعات المهاجرين الحفاظ على ثقافتهم، وهويتهم، ودياناتهم “الأصلية” في مواجهة أوروبا الحديثة والعلمانية.

    الوجوه المتعددة للعولمة

    باتت العولمة المصطلح القياسي لوصف كيف تشهد البشرية في هذه السنوات زيادة فريدة من نوعها تاريخياً في حجم الترابط العالمي بين الناس والأمم. لا يتسم هذا الترابط بالتكامل السريع الحالي للاقتصاد العالمي الذي تسهله الابتكارات والنمو في الاتصالات الإلكترونية الدولية فحسب، بل يتميز أيضاً بالوعي السياسي والثقافي المتزايد للترابط العالمي للبشرية. تعود جذور عملية العولمة إلى أوروبا إلى القرن الخامس عشر الميلادي، وقد انطلقت في الفترة من عام 1870 حتى الحرب العالمية الأولى. خلال هذه الفترة بدأ الجميع في أنحاء العالم يشعرون بتأثير الاقتصاد الدولي، وأنه لأول مرة في التاريخ كان من الممكن إجراء اتصال فوري بعيد المدى (تلغراف، راديو) بين الناس بدءًا من عام 1840.

    العولمة هي عملية تغيير تؤثر على الدول القومية، وعلى المجتمعات المحلية والشركات الصناعية والأفراد في جميع أنحاء العالم. لذلك فالمنظمات الدينية ليست مستثناة. مثل أي وكيل اجتماعي آخر، تشارك المنظمات الدينية في العولمة وتتأثر بها. ركزت المناقشات الأكاديمية الحالية للدين والعولمة على الاتجاهات نحو التعددية الثقافية، وردود الفعل التي تثيرها المنظمات الدينية. بعضهم يتفاعل بشكل إيجابي ويقبل التعددية أو حتى يؤيدها، مثل بعض الحركات المسكونية المسيحية أو البهائيين. تؤكد مجموعات أخرى على الاختلافات ومواجهة غير المؤمنين في محاولة للحفاظ على قيمهم الخاصة من التآكل بفعل العولمة. وهم ما يطلق عليهم الحركات الأصولية المسيحية، والإسلامية، واليهودية.

    يعتقد العديد من الاقتصاديين أن العولمة هي الطريق إلى الأمام لزيادة الرخاء للجميع. أن يصبح شخص ما أكثر ثراءً أمر لا جدال فيه. والعديد من أولئك الذين لا ينتمون إلى العولمة يعترضون عليها باعتبارها تدهور، حيث يرون أن العولمة تزيد من عدم المساواة.

    من الناحية الاجتماعية، يمكن أن تسبب العولمة بالعديد من المشاكل. لا يتعلق الأمر فقط بعولمة سوق العمل، حيث يتم نقل الوظائف في جميع أنحاء العالم اعتماداً على ما يتم دفعه، ولكن أيضاً حول الشعور بالتشرد وانعدام الوزن في عالم يتم فيه ـ من حيث المبدأ ـ توفير جميع الفرص، ولكن حيث لا يمكن تحقيق هذه العدالة على أي حال. يتم استنزاف العقول من بلدان الجنوب عبر الهجرة إلى الشمال.

    ثقافياً، يمكن تجربة العولمة كإثراء عندما تحصل على فرصة للتواصل الوثيق مع الثقافات الأخرى. من الناحية الذوقية، نحن جميعًا معولمون ومتعددو الثقافات. لكن يمكن أن تؤدي العولمة أيضاً إلى التنسيق، حيث تصبح نفس العروض التي يمكن تناولها من أي مكان في العالم. هذه الحقيقة يمكن أن تقود المرء إلى الاعتقاد بأن العولمة هي مجرد كلمة أخرى لهيمنة ثقافة معينة (غربية/ أمريكية). لهذا السبب يتحدث الناس غالباً عن امبراطورية ماكدونالدز، التي تفخر بحقيقة أنه لا يمكنك الشعور بالفرق حين تتذوق البرغر في كوبنهاغن، أو سيدني، أو سان فرانسيسكو. وبما أن التطويع المحلي هو الرفيق المخلص للعولمة ، فإن النتيجة غالباً ما تكون ثقافة مختلطة.

    من الناحية السياسية، تحاول العولمة التأكيد على أن الاقتصاد الحر هو الطريقة العقلانية الوحيدة لتنظيم الاقتصاد العالمي. في الوقت الحالي، لا يبدو أن هناك أي بدائل أخرى ذات مصداقية، على الرغم من أن الأزمات المالية العالمية المستعرة خدشت الليبرالية الجامحة.

    في مجتمع المعرفة العالمي، لم تعد الأرض أو العمل أو رأس المال هي القوى الإنتاجية الحاسمة، بل هي المعرفة تحديداً. أولئك الذين يستطيعون توليد المعرفة ويعرفون كيف، ويمكنهم التحرك بحرية في تدفقات المعلومات العالمية، سيكونون هم الفائزون في العولمة. وأولئك الذين لا يستطيعون، سيصبحون هم الخاسرين من العولمة.

    عادة ما تنظر دول العالم الثالث إلى العولمة كتهديد بسبب تدهور ظروفها المعيشية. لأن العولمة مصحوبة ببرامج التكيف الهيكلي، فإنها تؤثر في المقام الأول على أفقر الناس. مع تجانس الثقافة وتدمير الطبيعة، يتم التعامل مع العولمة على أنها إعادة استعمار، وهذه المرة بدون احتلال عسكري. ومع ذلك، هناك أيضاً مجموعات وحركات تحاول الاستفادة من العولمة. لذلك يعملون على زيادة الوعي بالآليات التي تدفع التنمية وتمكن السكان من الاستجابة لها.

    أصبح “التمكين” و “بناء القدرات” كلمات رئيسية جديدة لأعمال التنمية الملائمة التي تسعى إلى إقامة علاقات مناسبة فيما بين الناس، وبين الناس والطبيعة. بالرغم من أن أزمة المناخ تثير التساؤل عما إذا كان الأوان قد فات على هذا الكلام.

    يثير انعدام الأمن لدى الناس بشأن العولمة ردود فعل عنيفة. في انتفاضة ضد العولمة، يمكن للمرء أن يحاول حماية وعزل نفسه، والتركيز على الوطني، والدم، والعرق، أو الرهان على عولمة اجتماعية بديلة من خلال الحركات الشعبية العالمية.

    على المدى الطويل، يمكن أن يؤدي هذا إلى تحول في ميزان القوى. يمكن أن تتفوق الدول ذات البنية التحتية والفائض السكاني الكبير، مثل الصين والهند، على القوى العظمى القديمة الكلاسيكية التي بدأت العولمة، حيث يمكنها إنتاج السلع بتكلفة أقل. وقد شوهد هذا التأثير بالفعل في دول جنوب شرق آسيا.

    هكذا تؤثر العولمة على جميع مجالات حياتنا. إنها حقيقة لا مفر منها في عصرنا. إذا لم نهتم بهذا التطور، فلا يمكننا أن نتجاهله ونتظاهر بأنه غير موجود، لأنه ببساطة موجود ولن يزول.

    هل يمكن للعولمة “معالجة” المشكلات التي تهدد حالياً مستقبل البشرية أيضاً؟ الجواب هو: لقد أظهر الاقتصاد الليبرالي، مع السوق كمحرك مركزي، مرونته الهائلة وقدرته على التعامل مع المشكلات الناشئة حديثاً. ما قد يثير القلق هو الدور الموسع الذي سيلعبه السوق. يعتبر السوق في جوهره آلية توزيع ممتازة للسلع والخدمات. لكن إذا فكرنا في السوق في شكله الأصلي، سوق القرية، فإنه يخدم أغراضاً أكثر من مجرد توزيع البضائع. كان أيضاً مكاناً للمجتمع، حيث يتم مشاركة العديد من الأشياء بخلاف البضائع.

    الآن نجد مجتمعات تشتت السوق، وتفتت السياسة، وتعزز المنافسة الشرسة، وتستبعد الأشخاص الذين لا يستطيعون المنافسة بشروط السوق. وعندما تتعامل مع المشتقات المالية التي لا علاقة لها بالواقع الاقتصادي الحقيقي، فإن الأمور تسير على ما يرام. حيث كان السوق في السابق مكاناً للإدراج والمشاركة، فقد تطور الآن وأصبح مكاناً للإقصاء.

    لا يمكن التغاضي عن أن إحدى نتائج العولمة هي أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء آخذة في الاتساع. وهذا ينطبق على داخل المجتمعات، وبين الشمال والجنوب. قلة هم الذين ينكرون أن العولمة لها العديد من الفوائد، ولكن المشكلة الكبرى هي أن هذه الفوائد موزعة بشكل غير متساو. لماذا ا؟ بسبب السياسات السيئة والظروف السيئة والقواعد السيئة.

    إن الزيادة في الدخل الناتجة عن عولمة الأسواق هي إلى حد بعيد عبارة عن غالبية الأقلية، سواء بين الدول أو بين المجموعات السكانية. والسبب في ذلك هو ضعف سياسة الاقتصاد الكلي، حيث يتم حماية الأسواق بشكل مفرط، وحيث يتم إهمال الاستثمار في الموارد البشرية والبنية التحتية، وحيث يتم تغطية العجز الناجم عن زيادة الاستهلاك بالقروض. بالإضافة إلى ذلك، يعاني العديد من البلدان النامية أيضاً من ظروف تجارية غير عادلة. على سبيل المثال، إن هبوط أسعار السلع والديون مزيج قاتل.

    يمكن القيام بشيء ما لوقف العواقب السلبية للعولمة، على سبيل المثال يمكن مراقبة حركة التجارة ورأس المال بشكل أفضل. يمكن احتواء أسوأ العواقب وتوسيع بعض شبكات الأمان من خلال الاتفاقيات الدولية، والتي من خلالها تضمن شراكة عادلة، يمكن التنازل عن الديون والاستثمار في الفقراء والشركات الصغيرة والتكنولوجيا الجديدة. بعد ذلك، يطرح السؤال: هل يمكن إدارة العولمة؟

    تم تقديم مفهوم “الحوكمة العالمية” لاقتراح إجابة محتملة للمعضلة التي تنشأ عندما تتطلب العولمة كسر الحواجز التجارية وغيرها من الحواجز، بينما تزداد التفاوتات ويكثر الظلم.

    السؤال هو: بالإضافة إلى المؤسسات الديمقراطية الدولية، هل يمكن للمرء أن يتخيل نظام حكم لامركزي وتشاركي ومتعدد الأطراف، حيث على سبيل المثال، يمكن للمنظمات غير الحكومية، والأديان أن تلعب دوراً؟

    العولمة والديانات التبشيرية

    في ضوء البحث المستقبلي، يعتمد كل شيء على ما إذا كان الاقتصاد الليبرالي العالمي مرناً بما يكفي للتعامل مع مشكلتين حاسمتين تلوحان في الأفق: الانفجار السكاني والمشكلات البيئية.

    النمو الهائل في عدد السكان الذي أدار له العالم ظهره في القرن العشرين، هو العامل الذي حدد التطور أكثر من أي دولة أخرى. إنها خلفية الحروب والكوارث وتحركات الناس، وقد فرضت ضغطا هائلا على النظم البيئية للأرض. أدى النمو السكاني إلى أن يعيش الناس بشكل مختلف أيضاً. يعيش أكثر من نصف سكان العالم في المدن. بحثاً عن ظروف معيشية أفضل، يغادر الناس المناطق الريفية ويبحثون عن المدن، ونحقق نمواً هائلاً في المدن الكبرى التي تستوعب الفقراء في عشوائياتهم.

    نظراً لأن النمو السكاني قد أثر على التنمية ككل، فقد كان أيضاً مهماً جداً فيما يتعلق بتطور الأديان. بسبب العولمة يتحرك الناس. وعندما يتحرك الناس تتحرك ثقافتهم ودينهم معهم. عندما تأتي الأديان إلى مناطق جديدة وتختلط مع الثقافات والأديان الأخرى، فإنها تتغير.

    في هذه السنوات، تتجه المسيحية نحو الجنوب. في نفس الفترة تحرك الإسلام غرباً، وانتشرت الديانات الشرقية في كل مكان. في الوقت نفسه، تظهر الأرقام بوضوح أيضاً أن المسيحية آخذة في التدهور في الشمال. لا يمكنها مواكبة النمو السكاني على الإطلاق. لأن النمو السكاني في أوروبا الغربية ناتج عن الهجرة، حيث لا ينجب الأوروبيون الغربيون عدداً كافياً من الأطفال للتكاثر. كما تشهد الدول الأوروبية الأساسية مثل إنجلترا وألمانيا وفرنسا موجة هائلة من المسيحيين الذين يغادرون كنائسهم الوطنية القائمة.

    عندما تتحرك الأديان ، فإنها تتغير

    كقاعدة عامة، يمكن الافتراض أنه عندما تهاجر الأديان فإنها تتغير. يقدم تاريخ الإرساليات التبشيرية أمثلة على ذلك. جميع الأديان تتحور في سياقاتها المختلفة، بما ينسجم مع المحيط الذي يتم فيه الوعظ، ثبت أنها قابلة للتكيف في البيئة الجديدة، حيث تتناغم مع التغييرات نتيجة لذلك.

    للظروف السياسية والاجتماعية العامة أهمية كبيرة في حياة الأديان وانتشارها. حقيقة أن الفتوحات الإسلامية في القرن السابع ميلادي ساهمت في انتشار الإسلام، وأن حقبة الاستعمار والإمبريالية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قد وسعت المسحية. لذلك فإن زوال الاستعمار وضعف المواجهة مع الإمبريالية له تأثير حاسم على الأديان.

    مع إنشاء الكتلة الشرقية بعد الثورة الروسية والحرب العالمية الثانية، قدم ذلك النموذج دليلاً على أنه من الممكن قمع الدين والقضاء عليه.

    يمكن تفسير العديد من الظواهر التي نشهدها على الساحة الدينية هذه السنوات على أنها استجابة لتحدي العولمة. وهذا ينطبق على الحركة الدينية الجديدة والاهتمام المتزايد بالروحانية الجديدة، وهو أمر واضح بشكل خاص في أمريكا الشمالية وأوروبا. هذا ينطبق على نمو الكنائس الخمسينية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. وينطبق على حركات الإصلاح المختلفة داخل البوذية. وقبل كل شيء على نمو الأصولية داخل الأديان مثل المسيحية، واليهودية، والإسلام، والهندوسية كظواهر رجعية.

    في معظم الأديان هناك عدم ملاءمة للحداثة بطريقة ما، ليس من الصعب فهمه. عندما تعدك العولمة بالتقدم والمساواة والشمول، وبعد ذلك تواجه العكس، فإنك تبتعد عن هذا التطور، ويصبح الدين كما في كثير من الأحيان، موطناً لمشاعر أولئك الذين يشعرون بعدم الملاءمة.

    ضمن الأخلاق، هناك نمو في محاولات صياغة أخلاق عالمية (أممية). يكشف هذا النمو عن نقاش حاد حول حقوق الإنسان ووضعها. يحاول آخرون صياغة أخلاق عالمية من خلال استخلاص ما قد يكون مشتركاً بين الأديان المختلفة. نظراً لأن لديك مزيجاً من الثقافات والعبادات تستوجب ورشة عمل “الأخلاقيات العالمية”.

    أنا مؤيد لمحاولة التأثير على التنمية، بناءً على أن العولمة حقيقة لا مفر منها. لا يعني ذلك أنك ببساطة سوف نقبل كل شيء، ولكن يجب علينا الدخول في حوار مع العولمة. مثل العديد من الأنظمة، يمكن أن تبدو أنظمة العولمة أيضاً غير قابلة للتغيير. ولكن من المهم أن نتذكر أن الأنظمة تتكون من أشخاص يمكن التأثير عليهم.

    تقاطع مثمر – حرج

    إن الانخراط اللاهوتي مع العولمة ومشاكلها بظني يحتمل هذه الثنائية: اللقاء المثمر/ الحرج. الهدف من نجاح النموذج هو ما إذا كان بإمكانه “معالجة” الظواهر الناتجة عن العولمة: تجزئة المجتمع، والنسبية الدينية، والفردية. إن تأثير الدين في صنع المعنى وتفسير الاشياء مهم. يمكن للمرء أن يلاحظ أن الدين أصبح ملاذاً للأشخاص الذين يريدون أساساً إدارة ظهورهم للعولمة. دور الدين في الحياة العامة آخذ في التضاؤل. تم تراجعه أكثر فأكثر نحو المجال الخاص. تستمد المسافة الحرجة وقودها من حقيقة أنه من نواحٍ عديدة يمكن اعتبار العولمة بمثابة أسطورة العصر للأديان.

    العولمة هي أسطورة عصرنا، وبما أنها تعزز التطور الذي يتعارض من نواح كثيرة مع ما تمثله الأديان، يمكن اعتبارها أسطورة مضادة للأديان. أو يمكننا أن نقول العكس: الأديان هي الأسطورة المضادة للعولمة. حيث تعزز العولمة الانسجام، والتوحيد، والتمركز، تؤكد الأديان على الاختلاف والتنوع، وبالتالي فهي حركة عولمة بديلة.

    هل توقفت حركة عولمة الأديان إذن؟ لا. الأديان تنمو في عدد من الأماكن، خاصة في الجنوب. في إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وآسيا. هناك تدخل الأديان في تحالفات جديدة مع شعوب أفريقية، وأمريكية لاتينية، وآسيوية، وهي شعوب تم تشكيلها دينياً بالفعل. لذلك جميع الأديان تمر بتحول تحت تأثير العولمة. تعيش الأديان نفسها في ظل حركة العولمة. لذلك لا تستطيع معاندة العالم، لكنها تستطيع التكيف مع هذا العالم.

    إذا نظر المرء إلى العولمة على أنها أسطورة مضادة أو ديانة منافسة، فإن بعض الأشياء تصبح واضحة. للعولمة أيضاً عقائدها. لقد تطرقت بالفعل إلى عقيدتها الرئيسية، وهي أن النمو هو سلعة غير مشروطة. على سبيل المثال في الشكل الذي يُزعم فيه أن النمو في التجارة الدولية يعد ميزة للجميع. تقوم هذه العقيدة على افتراض حول كيفية عمل الاقتصاد، أي أن الاقتصاد يقوم على حالة توازن مستقرة. لذلك، عليك فقط السماح لها بالعناية بنفسها، وإزالة الحواجز التجارية، والسماح للسوق بالاهتمام بالتوزيع، ثم يد آدم سميث غير المرئية الشهيرة ستهتم بخلق التوازنات اللازمة وحالات التوازن، بين العرض والطلب، وبين السعر والجودة.

    ولكن ماذا لو لم يكن ذلك صحيحاً، إذا لم يكن الاقتصاد مستقراً، ثم إن الاستقرار لا ينشأ من تلقاء نفسه. أكبر مشكلة يمكن أن يواجهها المرء من وجهة نظر لاهوتية، هي الجانب الكلي للعولمة. فلم يتبق شيء خارج مخالبها. الاقتصاد هو كل شيء. والإنسان هو الحيوان الاقتصادي.

    ماذا يمكننا أن نستنتج؟

    إذا نظرنا إلى حركتي العولمة: محاولة الأديان الوصول إلى “جميع الشعوب”، ومحاولة علم الاقتصاد والتكنولوجيا المعاصرين ربط الكرة الأرضية ببعض الهياكل العالمية، يتضح أن حركتي الأديان والعولمة يمكن اعتبارهما متنافستين. يمكن بعد ذلك أن تبرر الأديان تحارب العولمة الاقتصادية والتكنولوجية باعتبارها بدعة.

    غالبًا ما يتم تصوير العولمة كما لو أنه لا توجد حدود للحوادث والمصائب التي جلبتها معها. تقوم العولمة بمهام الإرساليات الدينية، من خلال خلق مجتمعات متعددة الأديان. إنها تعمق الفجوة بين الشمال والجنوب.

    يجب أن يتعلق الأمر ببناء جسر بين العالم الديني المتنوع الحي وعقلانية العالم الواسع. إن قدرة الأديان المختلفة على القيام بذلك بالتحديد ستكون حاسمة لقدرتها على البقاء.

    تحقق العولمة الفكرة القديمة لوحدة البشرية، والتي تعود جذورها إلى عصر التنوير وكُشف عنها في الحداثة. هل تحتاج هذه الفكرة اليوم إلى أساس ديني من أجل البقاء؟ تشكك العولمة في الدور التاريخي الذي لعبته الأديان في تشكيل القيم الدينية التي بنيت عليها المجتمعات والمؤسسات. ويتمثل التحدي الآن في الجمع بين الشعوب والأمم والأعراق في آن واحد، بحيث يمكن أن تعزز مجتمعاً يتمتع بقدر أكبر من العدالة، وكذلك الاعتراف بهذه الشعوب والأمم والأعراق في خصوصيتهم واحترامها.

    نحن نعيش على هذا الكوكب مع أشخاص يعيشون بتقاليد ثقافية ودينية مغايرة، وأنظمة اقتصادية وسياسية مختلفة، ونأمل أن نعيش معهم في سلام. وبالتعاون معهم يمكننا ضمان الحياة الجيدة، والرفاهية للكوكب والبشرية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • قيس سعيد، رئيس خاضع للتأثير (موقع إلكتروني)

    قيس سعيد، رئيس خاضع للتأثير (موقع إلكتروني)

    الخميس, 1 سبتمبر, 2022 إلى 10:45

    الرباط – أبرز الموقع الالكتروني “لو 360” ، تعليقا على الاستقبال الذي  خصصه الرئيس التونسي ، قيس سعيد، لزعيم انفصاليي البوليساريو بمناسبة انعقاد مؤتمر طوكيو الدولي الثامن للتنمية في إفريقيا (تيكاد-8)،  أن هذا “القرار المثير للاستغراب” لا يمكن أن ينبع إلا من “رئيس خاضع للتأثير” ، و “بوصلته موجهة نحو جنرالات تائهين”.

    وفي مقال بعنوان “قيس سعيد أو انحرافات رئيس خاضع للتأثير” ، نُشر اليوم الأربعاء على هذا الموقع الإعلامي ، أكد كاتب المقال، جلال دريسي، أن كون  “هذا القرار المثير للاستغراب ببسط السجاد الأحمر  ل”زعيم” ميليشيات البوليساريو  المسلحين والممولين من قبل جنرالات الجزائر، والذين يقدمون لهم بالإضافة إلى ذلك الأراضي الجزائرية كقاعدة خلفية، يدفع المرء إلى التساؤل عن مرجعية شخصية قيس سعيد ”. لأنه ، كما يبرز المحلل السياسي ، “لا يمكننا فهم” طريقة عمل ” قيس سعيد إذا لم نقم بدراسة خلفية توليه الرئاسة . وبكل تأكيد هو “رضا لينين”.

    وحرص جلال دريسي على التذكير بالتاريخ الذي يشهد بأنه منذ استقلال تونس عام 1956 ، لم يُظهر رئيس تونسي مثل هذا التنازل عن سيادة بلاده مثل قيس سعيد.

    وذكر المحلل السياسي، في هذا الاطار، أن كلا من بورقيبة وبنعلي (على الرغم من انحرافاتهما الاستبدادية) والمرزوقي وقائد السبسي قد حافظوا على سيادة تونس. لقد قاوموا التدخلات والاعمال العدائية بما في ذلك تدخل الدكتاتور القذافي ، في أوج جنون عظمته، وغالبا بالتواطؤ مع جنرالات الجزائر ” .

    وفيما يتعلق بالصحراء المغربية ، حاول الرؤساء التونسيون في كثير من الأحيان الوساطة (التي تم رفضها بشكل ممنهج من قبل النظام العسكري بالجزائر) مع التأكيد على حيادهم. لكنهم كانوا مقتنعين جميعا بعدالة القضية المغربية.

    وحتى اليوم الذي قرر فيه قيس سعيد الانقلاب على هذا التقليد الحكيم في السياسة الخارجية التونسية. فإنه بالنسبة لجلال دريسي ، هناك إذن سبب للتساؤل عن “مرجعيات شخصية هذا الرئيس التي تشكل حالة شاذة، والبعض يقول أنه فقد صوابه وما هو أكثر من ذلك ، يصبح أكثر فأكثر غير مفهوم  وغامض حتى لا نقول مبهم. ليس فقط للرأي العام التونسي ، ولكن أيضا للمجتمع الدولي”.

    وتابع أنه “يجب علينا أن نتجاوز” +الصورة المتعارف والمتفق عليها+ “للرجل الذي سيكون حكيما ومتوازنا وواضحا (؟) لمعرفة ما يخفي وراءه” ، مشيرا الى أن سمعة قيس سعيد ( 64 سنة) ليست ملهمة جدا ، ولا مبدعة من حيث الفكر السياسي. تم تشكيل استراتيجيته السياسية وصورته بشكل خاص من قبل “الأب الروحي” و “معلمه” التي تقدمها الصحافة التونسية ووسائل الإعلام الدولية.

    وأوضح أن الامر يتعلق ب “رضا شهاب مكي الملقب برضا لينين” ، 66 عاما ، وهو ناشط يساري متشدد ، يقدم على أنه  مدير حملته الانتخابية ومصمم مشروعه الرئاسي. وهو “أكثر من ” عقل مدبر” إنه “أخ” و “رفيق الدرب”.

    وسجل المحلل السياسي أنه لفهم “طريقة عمل” قيس سعيد ، يتعين دراسة خلفية توليه الرئاسة، مضيفا أنهما تعارفا بكلية الحقوق بتونس في مطلع الثمانينيات. يدعي رضا “لينين” أنه كان “منذ عقود ،   أخ قيس سعيد وصديقه ورفيق دربه”. بيد أن  هذا الأخير متشدد ، أصولي ومتدين . ومن ناحية أخرى ، فإن رضا “لينين” سيكون عكس ذلك تماما. لكن الاثنان تربطهما نقاشات دائمة.

    ويعتقد كاتب المقال أن هذين الشخصيتين ، اللتين تتقاطعان في القناعات، تبرزان غياب فكر مهيكل ومتناسق على هرم الدولة التونسية .وهذا “ما فسح المجال للجزائر وطهران لبسط استراتيجية التأثير لمحاولة دفع تونس إلى حضنهما.

    وحسب جلال دريسي فإن، “هذه العدة الأيديولوجية ، الهجينة والغامضة والمرقعة ، لسعيد ورضا” لينين “، يؤسس بلا شك نهجا سياسيا يطبعه عدم الاتساق والمغامرة”.

    ولأسباب وجيهة ، يلاحظ كاتب المقال، أن “الجزائر وطهران تتربصان دائما لاقتناص نقاط  ضعف دولة ما لدفعها إلى مزيد من الفوضى ، وفقا لأهدافهما الديكتاتورية الخبيثة، فالنظام العسكري العسكري يدفع كل دول الجوار الى الخراب كما في الجزائر ، التي أضحت رهينة في يده منذ 1962، بينما النظام الملالي يسعى لاجتثاث المذهب السني واستبداله بالمذهب الشيعي. والأمر يتعلق بخارطة طريق مرسومة منذ زمن بعيد.

    وذكر  دريسي، في هذا الصدد، أن الصحافة التونسية كثيرا ما تساءلت عما إذا كان قيس سعيد “شيوعيا إسلاميا”؟، معتبرا أن هذا المسخ الايديولوجي لايمكن ان يؤدي الا الى نفق مسدود.

    كما ذكر بأن قيس سعيد الذي لم يكن أبدا شخصية بارزة في “الربيع” التونسي ،  ترشح الى الانتخابات الرئاسية في أكتوبر 2019 كمرشح مستقل و دون أي انتماء حزبي.

    والى جانب لغته الخشبية بخصوص العدالة والمساواة الاجتماعية والديمقراطية المباشرة (لإبعاد الطبقة السياسية التي يمقتها هو ومرشده ) ، يضيف جلال دريسي ، تميز قيس سعيد بصورته الرتيبة والشعبوية الخرقاء. بتنقله في سيارة مهترئة ولقائه بالناخبين في المقاهي ، ورفضه دعم وسائل الإعلام وأي تمويل عمومي أو خاص … خاض بالاساس حملة ميدانية كان فيها  على اتصال مباشر مع الشباب من المناطق المهمشة الذين شكلوا أبرز دعامته الانتخابية.

    وأكد أن شعبيته في أوساط شرائح واسعة  من الناخبين تعزى أساسا إلى رضا “لينين” الذي أطر الميدان من خلال خلايا ولجان محلية. وهي التقنيات التي لاحظ نجاعتها أثناء عمله بالبحرين في 2011 كأستاذ للتربية المدنية.

    وأشار الى أنه خلال لحظة فارقة في مساره إبان الثورات العربية وخلال مزاولته لمهنة التدريس في المنامة ، لاحظت سلطات البحرين أنه يمارس أنشطة لها ارتباط بجماعة شيعية بحرينية معارضة. وهكذا تم فسخ عقده مما دفعه للعودة إلى تونس.

    عند عودته ، أسس رضا “لينين” حركة “قوى تونس الحرة” للدعوة إلى “الديمقراطية المباشرة” ، والتي تبناها لاحقا قيس سعيد، حيث أحدث لجانا محلية وإقليمية شكلت نموذجا للحملة الانتخابية التي خاضها صديقه؛  منظمات منسقة بشكل أفقي ومستوحاة من المذهب الشيعي، القائم على الهياكل الشعبية ، مصدر ما يسمى بـ “الديمقراطية المباشرة”.

    علاوة على ذلك ، ووفق  وسائل الإعلام التونسية ، فإن قيس سعيد لم يخف أبدا  تعلقه بنظام الملالي الإيراني. ففي عام 2019 ، عين سفير تونس السابق في طهران رئيسا لمكتبه. كما عين شقيقه نوفل سعيد مستشارا له، وهو المعجب بالفكر السوسيولوجي والفلسفي الإيراني لعلي شريعتي ، الذي ألهم ثورة الملاليين.

    وأضاف الكاتب أن الانقلاب الذي  نفذه قيس سعيد في 25 يوليوز  2021  يجسد كذلك نزوعه نحو نظام رئاسي قوي  مستوحى من قوة مرشد الثورة الإيرانية.

    كل هذا يدل ، بحسب جلال دريسي، أن هذه الثنائية  (المنفصلة عن أي صلة حقيقية بالأحزاب السياسية والمجتمع المدني والقوى الحية) تغذيها رواسب ايديولوجية  تخلط  بين الإسلام والشيوعية والماركسية والسنية والشيعية والاستبداد مع واجهة ديموقراطية مزعومة ، كانت ستسقط كفاكهة ناضجة في أيدي  العسكر الجزائري.

    وتابع قائلا أن “الفارق الوحيد والكبير ، هو أن تونس، المتحضرة  (والتي لا تزال كبيرة ، على الرغم من الاضطرابات الحالية) لا تدير صراعاتها بالعنف. ولهذا السبب لا أحد يتفهم لما قبلت قرطاج (المدينة الرمزية والعريقة) الاستسلام لديكتاتورية عسكرية  متوحشة وليدة الأمس وتحديدا في 1962 ” ، مضيفا أنه اليوم ، `النظام العسكري يتحكم في تونس ، من خلال تهديده بقطع الغاز أو رفع أسعاره ، وقطع القروض الزهيدة ، ووقف تدفق السياح الجزائريين ما يعني توقف دفع رواتب الموظفين العموميين التونسيين. وفي المقابل يتعين على تونس أنة تنخرط لزاما في المشروع الوجودي للجنرالات الذي يستهدف إضعاف المغرب ”.

    وسجل أن النظام العسكري بالجزائر  لا يريد كذلك أن تعطي تونس صورة دولة ديمقراطية تنظم انتخابات نزيهة، وهو ما لا يستسيغه العسكر. ولهذا ، لا يجب أن تتوقف زعزعة الاستقرار والنظام في تونس.

    ومع ذلك ، يعتقد جلال دريسي أنه ” لو أن السلطة التونسية الحالية واعية تمام الوعي وواثقة من نفسها ، والمقتنعة بالمؤهلات الكبيرة لتونس التي لا حصر لها، لما كانت لتورط نفسها في هذه المغامرة غير المحسوبة العواقب مع الديكتاتورية الجزائرية ”. فهي تحرم نفسها من فرص هائلة من خلال ضبط بوصلتها في اتجاه جنرالات تائهين ، متسائلا “منذ متى يمكن للديكتاتورية الجزائرية أن تشكل “نموذجا” لتونس أو لأي بلد أخر؟ ”

    وتابع قائلا للأسف فإن، “الأتباع غير الشرعيين الذين يفتقرون إلى حس الدولة والذين يقودون اليوم الجزائر (والذين تطرفوا في مواجهة المغرب) يدوسون بلا مبالاة السيادة التونسية. فقد تم إعطاء ذلك الأمر البذيئ ببسط السجادة الحمراء  لدمية متواطئة بدون أي قيود، وذلك بالتضحية بالمصالح العليا لتونس، التي لا يكترت لها العسكر الجزائري”.

    وإعتبر أنه إذا لم تكن هناك استفاقة فإن تونس لن تذهب بعيدا مع رئيس إسلامي خاضع لتأثير مستشار لينيني وكل ذلك تحت أنظار الجزائر وطهران. مذكرا هذه “الاصوات التونسية المتناسية التي تزعم أن المغرب لم يقدم قط يد المساعدة لتونس، بأن اتفاقية التبادل الحر بين البلدين تصب بوضوح  في مصلحة الاقتصاد التونسي.

    وبحسب  الأرقام يوضح المحلل السياسي كان المغرب  في 2021 المستورد المغاربي الأول للمنتجات التونسية بقيمة 216.5 مليون دولار بينما لا يصدر سوى 123 مليون دولار فقط.

    وأبرز أن الواردات المغربية لها تأثيرات مضاعفة على مجمل العجلة الاقتصادية التونسية وذلك مع تأثير مباشر على سوق الشغل، كما أن “حضور مؤسساتنا البنكية في تونس يساهم بشكل فعال ونوعي في السوق المالية التونسية”.

    وتساءل في هذا الاطار،  “هل هناك مساعدة أكثر اتساقا وفعالية أكثر من هذه ، مذكرا ” أن الامر يتعلق بإنحرافات الأنظمة و بأننا نكن كل الاحترام للشعبين الشقيقين التونسي والجزائري”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ملف: « هل المغاربة متديّنون؟ ».. هكذا تحدّث قادة الفكر المغربي

    هذا سؤال خارج العادة والمألوف، لكنّه كفيل بإثارة ما يعتقد الكثيرون أنه مسلّمة لا حاجة لأي نقاش حولها؛ حيث يبدو للوهلة الأولى أن الحديث عن درجة تديّن المغاربة ونمط سلوكهم الديني، مجرّد ترفٍ ثقافي. لكن الواقع أن أسئلة الدين والتديّن بالنسبة للأمة المغربية، هي أسئلة الحاضر والمستقبل. كما أن الإجابات التي تضمنتها محاور الملف، هي إجابات تخصّ طبيعة فهم المغاربة لأنفسهم وللعالم من حولهم.

    لم يعد التديّن نقاشا فرديا، فقد تداخل هذا الموضوع مع أشدّ القضايا حساسية في المنطقة والعالم. وأصبح فهم المجتمعات للدين يحدد مستقبل الأمن القوميّ، وطبيعة العلاقات بين الشعوب والدول والديانات والثقافات.

    إن درجة الانفتاح والتّسامح، أو معدّل الانغلاق والتشدّد، كفيلة بتحديد طبيعة العلاقات بين المغاربة ومحيطهم الإقليمي والعالمي، وكيفية تأثير التديّن المغربي في الثقافة الإنسانية، ومدى مساهمته في بناء الإنسان المتوازن في المنطقة.

    إن استكشاف مجال التديّن المغربي لا يتحقق حتما من خلال طرح الأسئلة البسيطة التقليدية والباردة. فمثل هذه الأسئلة كفيلة بأن تجعل الصورة أكثر ضبابية وعتمة، وبلا ملامح واضحة، بالنسبة للأجيال الحالية. لذلك، يمثل هذا الملف الذي جمع نخبة الفكر المغربي: فضيلة العلامة مصطفى بن حمزة، الدكتور كمال القصير، الدكتور حسن أوريد، الدكتور عبد الله بوصوف، الدكتور سعد الدين العثماني، محاولة جرّيئة وجادّة لفهم تديّن المغاربة. ذلك أن عناصره من خلال الحوارات التي تم إجراؤها، تقدم إجابات لا تقلّ جرأة ووضوحا عن الأسئلة المهمة التي تم طرحها.

    لا يمكن استكشاف التديّن المغربي من خلال مقاربة واحدة. ولهذا السبب، حرص الملف على تنويع المقاربات من خلال تحقيق التنوع في مشارب الشخصيات التي ساهمت بفكرها ووقتها من أجل إنجازه، وتقديم زبدة أفكارها حول هذا الموضوع، الذي يمثّل حياة المغاربة ونمط عيشهم وتفكيرهم اليومي، ورؤيتهم لماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.

    إن الملف يضمن للقارئ والباحث أن يطلع على إجابات غير تقليدية حول موضوع تديّن المغاربة، وأن يجد نفسه بداخله، معنيا بكل الجزئيات والتفاصيل التي تم النقاش حولها.

    وتشير الصورة النهائية إلى أن تديّن المغاربة، يصنعه المغاربة أنفسهم، ويغذّونه بالماضي والتاريخ والتراث، ثم بالحاضر والمستقبل. والمغاربة في كل ذلك، يسعون إلى الحفاظ على نسخة متفرّدة من فهم الإسلام في العالم العربي والإسلامي، كما شيّدها السلطان والعالم والتاجر والإنسان العادي، منذ قرون. لكنها نفس نسخة التديّن المغربي التي تواجه تحديات عالمية ضخمة في مجال المعرفة والقيم، التي تمارس تأثيرها وضغطها على كثير من عناصره، التي تفتقِد إلى الفاعليّة والجاذبيّة وغياب التّجديد.

    =========

    البعض يُسَمّون « دعاة » لكنهم ليسوا علماء وأداء المجالس العلمية متوسط

    فضيلة العلامة الدكتور مصطفى بن حمزة، أحد كبار علماء الإسلام، وصاحب المؤلفات والمشاركات العلمية الراسخة..

    *في نظركم، هل من اليسير القول إن هناك نموذج تديّن مغربي في المنطقة؟

    هذه المسألة يقف عليها العلماء أو الذين يبحثون في تاريخ التشريع. اختيار المغاربة لمذهب معين دون مذاهب أخرى، هو جزء من الاختيار التديّني، فلماذا لم يكن حنفيا مثلا، أو شافعيا، أو شيعيا، إلى غير ذلك؟ هذا في حد ذاته تميّز واختيار، لأننا توحّدنا على مذهب واحد في الفقه، هو مذهب مالك، وعلى مذهب واحد في العقيدة، هو مذهب الأشعري، وخدمه المغاربة خدمة جليلة، وهكذا.

    هذا طبعا كل ما فيه أنه أغنانا عن الخلاف وعن الاحتراب الذي يوجد في كل مكان. أكثر الجهات في العالم الإسلامي فيها أكثر من مذهب وأكثر من اتجاه، وبعد اختيار المذاهب تبدأ الحروب. نحن نعرف الآن ما يقع بين السنة والشيعة، وهذا كان يمكن أن يكون في بلادنا، وقد حاول الناس في ذلك. ففي زمن الفاطميين، كانت هناك تمدّدات للشيعة. لكن المغاربة حسموا، لأنهم اختاروا الاتحاد والتوافق والإنتاج، بدل أن يدخلوا في صراعات إلى الآن لم تنته. مثلا، في جهات من آسيا؛ كباكستان وأفغانستان، دائما ما نسمع بتحجير المساجد، والحمد لله نحن أعفانا الله من هذا كله، بسبب اختيارنا التديّني.

    والذين يدخلون المغرب ويرون فيه بعض الممارسات، وأقصد هنا الذين لا يقرؤون، أو الذين يدركون الأشياء بعيونهم لا بعقولهم، يقولون إن المغاربة يخالفون، حينما يقرؤون الحزب قراءة جماعية، وينصرفون من هنالك مباشرة إلى أن المغاربة مبتدعة، وهذا غير صحيح.

    المغاربة اختاروا اختيارًا عن علم، والاختيار لم يكن اختيار عموم الناس؛ أي لم يكن يتم في الأسواق، بل كان يتم على مستوى المؤسسات العلمية الوازنة، التي تعرف ما تقول، وفيها كبار العلماء، خصوصا القرويين؛ حيث اختاروا المذهب المالكي من بين كل المذاهب.

    ثم في المذهب المالكي، كانت لهم تفرّدات. المالكية المغاربة خالفوا المذهب المالكي في المشرق، في أكثر من 300 مسألة، وليس في مسألة واحدة. طبعا، هذا أمر لا يراه الناس، لأنه ليس طافحا على السطح، لكنه معروف عند العلماء.

    حينما يبحث الباحثون بجد، يجدون أن هناك تميّزا مغربيّا، ليس هو الدين المغربي؛ فالدّين هو دائمًا الإسلام، وإنما هو اختيارات الناس من الدين الإسلامي، وكله مرتبط بعبقريّة وذكاء. فمثلا، من عاداتنا أن نحتفل بالطفل حين يصوم اليوم الأول، من أجل تشجيعه على الصيام، بالإضافة إلى تقاليدنا في ختم القرآن الكريم، والمشارطة مع الفقيه من أجل تأدية أجرته عبر السنة.

    هذا قد لا يجده الإنسان لو ذهب مثلا غير بعيد. إذن، فالشعوب لها طريقتها في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وهذا لا يمسّ جوهر الإسلام.

    *سبق وتحدّثم كثيرا عن أهل الاختصاص.. ألا ترون أن ضعف حضور دعاة علماء رسميين في الفضاء الرقمي، مقابل حضور طاغ لدعاة مغاربة غير رسميين ودعاة مشارقة باتوا بمثابة « النجوم »، قد ينتج عنه تسلل لأفكار غريبة على نمط التديّن المغربي؟

     أفكار غريبة أو غير غريبة، كل ذلك إنما يردّه أهل العلم. فإن كان الإنسان عليما بما يتكلم فيه، فإنه يستطيع أن يمنع عن أمته كثيرا من الأشياء الطارئة، التي تزعزع وحدتها واجتماعها على الدين. بعضهم يُسَمّون « دعاة »، لكنهم ليسوا علماء. إذا كان الإنسان داعية، فهو متحدث ككلّ المتحدثين فقط، إنما لغته لغة دينية، ولكن قد لا يقول صوابا، لأنه ليس عالما. لا يكفي أن يكون الإنسان داعية لأن يكون محقّا. وها نحن نرى بعض الدعاة تألقوا ثم انطفئوا، وبعضهم تراجع كقرار، لأنه لم يكن يتحدث علما، وهذا الأمر الذي وقع في تاريخنا الحديث؛ أي أن بعض الناس الذين ليسوا من أهل العلم أفتوا، وقدموا أنفسهم على أنهم أصحاب معرفة، ثم انتهى الأمر إلى أن وقعت اختلالات كبيرة في المجتمع، وهم الآن يتراجعُون في نهاية المطاف.

    العالِم الذي يحترم نفسه قد لا يكون كثير الكلام، لأنه يريد أن يحقق ما يختاره، وهنا يبدو أنه مقلّ فيه. وعلى العموم، بعض المواقع هي مواقع للجدال الذي لا ينتهي ولا يأتي بالشيء الكثير. لا يمكنك أن تجادل إنسانا لتصرفه عما هو فيه، فأولى لك من ذلك أن تعلّم، لأن الجدال لا ينتهي، وكل شخص تجادله لا بدّ أن ينتصر لنفسه، ولا بدّ أن يردّ، ويطول الحديث، وينتهي ربما إلى العبارات غير العلمية وغير اللائقة أخلاقيا. لذلك، يتورّع الكثير من العلماء عن الدخول في الجدالات. أما الآخرون، فإنهم لا يظهرون إلا بالجدال، فإذا تجادلوا ظهروا، لأنه ليس لهم مزية، لا يكتبون في موضوع علمي محرر، أو في باب من أبواب المعرفة مثلا. هم فقط يتحدثون حديثا عاما، ويقولون اليوم كلاما، وينقضونه غدا أو بعد غد. فهذه هي الظاهرة. ولذلك، يبدو أن الذين يتحدثون بلا ضوابط، يجب عليهم أن يرجعوا إلى الوراء قليلا، والذين ربما صمتوا وسكتوا، يجب عليهم أن يجتهدوا في تحقيق معارف، ويحدّثوا بها الناس، بدون الدخول في جدالات، وهذا هو الصواب.

    *بحديثنا عن استغلال الفورة الرقمية، هناك من ينتقد غياب دور المؤسسات الدينية الرسمية في هذا الباب، وعدم تقديمها دعاة علماء يحضرون بقوة على الساحة.. ما رأيكم؟

    الثورة الرقمية ليست كلها ثورة علمية، هي ثورة مناقشات وتيارات ومحاكاة. وفي بعض المرات، لا يكون العلماء مستعدّين للدخول في هذه الأشياء، للدفاع عن قضية من القضايا، التي يتبناها طيف ربما من أطياف المجتمع. ودخولك واستغراقك الحديث معهم، هو في الحقيقة لا يعود على الأمة بكبير فائدة، وإنما يحدث حزازات.

    دعينا نقول إن البرامج الحوارية في بعض القنوات الكبيرة انتهت كلها إلى الإخفاق، لأنها كانت تحرّض الأشخاص، وتقود نزاعات، وينتهي الأمر في بعض المرات، بالسب والشتم والضرب، وهو ما لم يخدم المعرفة، وإنما كان انتصارا للنفس والهوى والتيّار.

    تعرفون أن هناك الآن برامج حوارية صاخبة ومعروفة، لكن لم يجد لها الناس فائدة، إلا أنها أصبحت تنشر الخلاف والصراع.

    *هناك من يرى أن الدولة تحتكر المجال الديني، في ظل غياب احتواء تيارات دينية وفكرية أخرى، عن طريق تنظيم نقاشات ومناظرات معها؛ ما يجعلها تظهر بصورة المتمردة دينيا « الجذابة »، وتدعي الاضطهادية والمظلومية لنشر أفكارها.. ما رأيكم؟

    هذا كان موجودا وسيظل باقيا. للعلماء الآن مجالس على مستوى المغرب كله. وكل مجلس له نشاطه العلمي، ويعقد ندوات ومحاضرات. هذا يراه القاصي والداني، ولا أحد يستطيع أن يقول غير ذلك.

    هناك من لا يُريد الدخول في هذه النقاشات أصلا، بل يريد أن تكون له ذاتيّته وكيانه، ويريد أن يتفرد على أساس أنه هو الذي يمثّل الإسلام، وأن غيره لا يفهمه، وليس مأمونًا عليه أصلا.

    *مثل من؟

    هناك تيارات ترى أن لها مشروعها وفهمها للدين. ماذا يوجد في العالم إلّا التيارات؟ الآن، التيارات كثيرة، الأديان كثيرة. الآن، كل يومين ينشأ دينٌ جديدٌ في العالم. هذه مسألة لا تخص المسلمين فقط، بل هم أقل الناس توزعا في هذا.

    هناك تيّارات كثيرة ترفض الدخول في النقاش، حتى لا تكون محسوبة على هذه الجهة، أو تعتبر رسمية، لو نسقت أو انسجمت. بعضهم يختار هذا الاختيار، ويبقى فيه إلى أن يضعف ويتلاشى، ثم ينتهي أمره.

    أنا أقول إن العلماء يجب أن يقوموا بواجبهم، بغير النظر إلى هؤلاء؛ لأنهم ليسوا في مسابقة مع المجتمع، بل ما يجب عليهم هو خدمة هذا المجتمع. بالمقابل، على المجتمع أن يُقبِل على العلم. الإقبال على العلم ضعيفٌ إلى حدّ صحيح، وهو ليس وظيفة العلماء، الإقبال هو وظيفة الأمّة.

    *في رأيكم، ما السبب الذي يجعلنا حاليا نرى ضربا كبيرا في التصوّف، أحد رموز الهوية الدينية المغربية؟

    التصوّف مثله مثل كل التيارات، يجب أن يكون محكوما بحضور العلماء. التصوّف قدّم رسالة مهمة جدا في باب الجهاد في المغرب، وحرر كثيرا من المناطق، وخدم المعرفة في بلادنا، وفي الجزائر، وفي ليبيا حيث الزاوية السنوسية، إلخ. هذا شيء لا يمكن أن ينكره أحد، أو يغالط فيه. أمّا بخصوص الممارسات، فهناك ممارسات مختلفة. هناك تصوّف يقوم على العلم والمعرفة والالتزام بأحكام الشّريعة الإسلامية، ومن هذا الباب تصوّف الشيخ أحمد زروق، الذي كان لا يفصل بينه وبين الشريعة، والذي له كتاب اسمه « قواعد التصوّف » يجمع فيه بينهما.

    لا يمكن للتصوّف أن يخطّ لنفسه طريقا خاصا، وليس بديلا أو قسيما للشريعة. الشّريعة هي الأصل، والذي يتعاطى التصوّف ينظر إلى نفسه وإلى فعله بميزانها. فبقدر ما يزن فعله بالشريعة، يقلّ حوله الخلاف.

    في التاريخ القديم كان هذا موجودا. كانت هناك مدارس في التصوف؛ كالتصوف الفلسفي، ووحدة الوجود، وهذا تحدث فيه الناس قديما، وقالوا إنه ليس صوابا. ولكن التصوّف الذي كان معروفا ويحضره العلماء، كان في الغالب مأمونا ومفيدا، وكان عمليّا.

    *إلى أي مدى ترون أن التصوّف قادر على تأطير المغاربة؟

    المغاربة لا يؤطّرهم الآن إلا أن يتفقوا على أن يكون للدّين مكانٌ في حياتهم. لكن حينما يقوم تيّار ينبذُ الدين أصلا بتصوّفه وبغير تصوّفه، فهذه معضلة أخرى. حينما يوجد من يريد أن يجهز على أحكام الشريعة الإسلامية، وهي الحد القاسم المشترك الذي يتفق عليه المغاربة، لا يجب أن يُسمح له بذلك؛ لأنه حينما يريد أن ينقضها، يكون قد نقض المجتمع. المجتمع ليس له ما يجمعه إلا هذه العقيدة والشريعة. ولذلك، فالضرب فيها هو تفكيك أو بداية في تفكيك المجتمع.

    *هل التصوف نخبويّ، كما يعتبره البعض؟

    بل أرى أن كثيرا من العامة منخرطون في التصوّف، وليسوا كلهم نخب. كما أن هناك بعض الأشخاص الذين لهم اختيارات من نخب مثقفة، وهم أقل من ذلك بكثير.

    *ما تعليقكم على المنحى الديني الذي تكلم به أمير المؤمنين الملك محمد السادس، في خطاب العرش الأخير، خاصة حينما قال: « لن أحل ما حرم الله ولن أحرم ما أحل الله »؟ وما مدى تأثيره في الشأن الديني المغربي؟

    حينما نتحدث عن الثّوابت، فهذِه هي الثوابت؛ لأنه أولا، عند كل المسلمين، لا يمكن لأحد أن يحلّ أو يحرّم اشتهاءًا، والدين والأديان السابقة ما أفسدها إلا تدخل البشر فيها بالتحليل والتحريم.

    حينما يتحدث بهذا أمير المؤمنين، فهناك أصول أو أسس. الأصل الأول هو فهمنا أن الدين هو وضع إلهي، وليس وضعا بشريا. هناك حكم عقلي، وحكم شرعي، وحكم عادي. الحكم العادي مرجعه العادة والتجربة، والحكم العقلي مرجعه قواعد العقل، وهي قواعد مستقلة، والحكم الشرعي يتأسس على الكتاب والسنة. فلذلك، حينما تريد أن تتحدث للناس عن حكم تقول إنه شرعي، ولكن تنقض الكتاب والسنة، فمعناه أنك تكون قد اضطربت. لو قال لي شخص إنني أريد هذا على أساس أنه فلسفة شخصية، أسمع منه. لكن أن تقول لي هذا حكم شرعي، لا بد أن تمر إليه عبر المسالك التي يُمرّ منها إلى الحكم الشرعي، وهي الكتاب والسنة، ثم باقي المصادر التي يستند إليها العلماء بالاتفاق. ليس عندنا رأي في الفقه قائم على التشهي أو الاختيار. ما وقع على التشهي والاختيار كله لا قيمة له. هذا التأسيس الأول.

    التأسيس الثاني هو أن أمير المؤمنين يتحدث من موقع إمارة المؤمنين، التي من واجباتها حماية الدين. لذلك، الملك يعطي اطمئنانا على أنه يلتزِم بما يُمليه منصب إمارة المؤمنين.

    المسألة الثالثة هو أن الملك، حسب المادة 41 من الدستور، يرأس المجلس العلمي الأعلى، وترفع إليه قضايا الفتوى العامة، ويحيلها على المجلس بعد ذلك. هذا هو الجانب التنظيمي. أما حينما نفتح باب الفوضى، ويتكلم كل بما يشاء، فيجب على الإنسان أن ينتظر، سيسمع شيئا كثيرا.

    ما الذي يفيد الناس؟ إنه الأمنُ في حياتهم الدينية. قد يفتي المجلس العلمي بشيء لا يُقبل به، لكنه يضمن الوحدة. حينما يقوم في كل منطقة متحدّث، وينادي بشيء ويحلّ ويحرّم.. هذا وقع، والناس ملّوا منه. نحن لا يعجبنا أن تكون هناك هذه الفوضى. لقد جمعنا أمرنا على هذا. الفقه كما هو معروف، هو فقه ظني، ولكن الأساسي هو الإبقاء على تجمع الناس ووحدتهم. هذا هو المُراد.

    لذلك، حينما يعود أمير المؤمنين إلى هذا، ويقول لن أحلّ حراما وأحرّم حلالا، فهو يُعيد هنا حديثا نبويا، وهذا كله جميل. لماذا؟ نحن لا نتحدث عن الأشخاص، لأن هناك من لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب ولا في رمضان. هناك من لا يقبل شيئا، ونحن لا يمكن أن نضحي بأمّة من أجل آراء يقولها أناس، ثم يتراجعون عنها غدا. لذلك، نقول لا بد من التعقّل، والمغرب في هذا الباب هو رمز للاستمرار والاستقرار. ليس لدينا حروب دينية، أو خلافات، إلّا لمن يريد أن يُحدثها.

    في بعض الجهات، كانت أربعة منابر وأربعة محارب. هذه الأمور لم تكن في تاريخنا. كنّا دائما نصلي وراء إمام واحد، ونجتمع في صف واحد. الوحدة هنا أهمّ من كل شيء. ما الذي فعل الذين خالفوا؟ نرى الآن الدماء في كل المناطق وفي كل المناسبات الدينية. بسبب ماذا؟ بسبب الاختلاف، بسبب أن كل واحد يكفّر الغير، وأنه يرى أنه يسعى إلى الدين، وكذا.

    وضعية المغرب وضعية يجب أن يحافظ عليها. إذا كنا نريد الحفاظ على وجودنا وعلى أمننا وعلى اقتصادنا، يجب أن نعطي الناس الاطمئنان بأننا آمنون فقط.

    *إلى أيّ مدى حققت المجالس العلمية الأهداف التي جاءت من أجلها؟

    إلى حدّ متوسّط، وطبعا لا بد لها من مزيد دعم ومراجعة في عملها وبرامجها.

    *في نظركم، أين يكمن الخلل فضيلة العلامة؟

    في المغاربة كلّهم. المغاربة كلهم لهم جزء من المسؤولية والتقصير. والواجب أن يكون الاهتمام بالشأن المجتمعي والديني أكبر.

    =========

    المؤسسات الدينية مطالبة بتكثيف حضورها في أقاليمنا الجنوبية والإسلاميون تركوا فراغا أيديولوجيا لم تستثمره الدولة حتى اللحظة

    د. كمال القصير، مفكر وكاتب مغربي من الجيل الجديد، مررتم بتحولات فكرية كما هو واضح من كتاباتكم، وتعملون على وضع نظرية جديدة في التاريخ والاجتماع، أطلقتم عليها « قانون الفراغ »..

    *كيف ترون تصنيف المغاربة ضمن الشعوب الأكثر تديّنا؟

    أحبّ أن أصف التديّن المغربي الحالي بأنه مثل « الماء الذي يجري في الجسم، لكنه لا ينفد إلى الخلايا ». لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار عنصر « الشعور الديني »، وهو مختلف عن التديّن، فإننا سنجد أن المغاربة من بين أكثر الشعوب امتلاكا للشعور الديني وتفاعلا مع قضايا الهوية. لكن معيار الأقل تديّنا والأكثر تديّنا بين الشعوب يعتبر مقياسا نسبيا جدا، لا يمكن الاعتماد عليه.

    درجة تديّن المغاربة قد تكون مرتفعة في لحظات معينة، مثلما هو الحال في شهر رمضان؛ حيث يصبح أداء الشعائر هو الأولوية في برنامج المغاربة، ثم تنخفض درجة الالتزام في فترات زمنية أخرى، يصبح فيها المغاربة أكثر إقبالا على المتعة.

    *هل يمكن فعلا الحديث عن وجود نسخة تديّن مغربي في المنطقة؟

    بالتأكيد هناك نسخة تديّن مغربي مختلفة في عناصرها عن نماذج التديّن في العالم العربي والإسلامي. والحقيقة أن ما يساهم في اختلافها هو إمارة المؤمنين، التي تدبّر توازن العلاقة بين الدين والسياسة والمجتمع، بشكل مختلف عن عموم ما تعرفه المنطقة. إمارة المؤمنين المكون الأكثر فاعلية وتوفيرا للانضباط من بين مكونات التديّن المغربي الأساسية؛ مثل المذهب المالكيّ والأشعريّة، وعناصر أخرى أقل تأثيرا في الواقع الحالي؛ مثل التصوّف، مع أهميته في صناعة الوعي الديني في تاريخ المغرب.

    لكن هنالك عنصر آخر أكثر أهمية في التديّن المغربي لا يتحدث عنه المثقفون، وهو المغاربة أنفسهم. المغاربة على مرّ التاريخ، أغنياء وفقراء، حكاما ومحكومين، نخبا وأناسا عاديين، هم الذين صنعوا نموذجهم الخاص من خلال رؤيتهم للإسلام. نعم، بوعي أو من دون وعي، كان التاجر والعالم والسلطان والمعتكف في الزاوية يصنعون هذا النموذج الذي نشاهد آثاره اليوم. لكن علينا أن ننتبه إلى أن ضعف مكونات التديّن المغربي؛ مثل المذهب المالكيّ والأشعريّة، يخرج النسخة المغربية من حالة الخصوصية التي تميزها في المنطقة، ليصبح تديّن المغاربة عاما مفتقدا لميزة التفرد، مثلما حدث في السبعينات والثمانينات، عندما تسربت كثير من الأيديولوجيات نحو المغرب، وأضعفت الاعتناق الجماهيري للمذهبية.

    المغرب بلد متعدد المشارب من الناحية التاريخية والاجتماعية والثقافية، وهذا الأمر يفرض هندسة ثوابت التديّن المغربي، وفقا لمعطى التعدّد. نسخة التديّن المغربي قد ساهم فيها أهل الشمال والشرق والغرب، وأهل الجنوب والصحراء، وأجدني بمناسبة الحديث عن أقاليمنا الجنوبية، مضطرا للتنبيه إلى أهمية أن تنبثق لدينا رموز علمية فقهية وطنية صحراوية؛ لأن هذا الأمر أساسي في تصوّر مفهوم الوطن، ولا ينبغي أن يحدث فراغ في هذا المجال، وهذا يفرض على المؤسسات الدينية أن تكون أكثر نشاطا في الجنوب. لقد كانت الصحراء منذ قرون تصنع الرموز العلمية، ومن مصنفات وكتب علماء الصحراء، كان يستفيد باقي المغرب.

    *هل يمكن ربط « الازدواجية » التي يعيشها المغاربة، بالمؤسسات السياسية، وخاصة الرسمية منها، التي تستمد شرعيتها من الدين، وفي نفس الوقت تتبنى الحداثة والانفتاح الليبرالي؟

    ما يسميه البعض ازدواجية يرجع في الحقيقة إلى وجود حدّ أعلى للتدين وحدّ وسط وحدّ أدنى يعيش بداخله الناس، صعودا ونزولا. ويرتكب الكثيرون خطأ باعتقاد أن اختلاف درجات التديّن يعبر عن نوع من الازدواجية. والحقيقة أن صعود درجة التديّن وهبوطها مسألة معروفة في التاريخ.

    عندما تفكر المؤسسات الرسمية في وضع نموذج لهندسة الوعي المغربي، فإنها تبني رؤية قومية تستحضر عناصر التاريخ والهوية والواقع ومقتضياته، وهو ما يؤثّر، بلا شك، على طبيعة تديّن المغاربة. والكثير من المغاربة يحاولون أن يجدوا خلطة وصيغة تجمع بين الالتزام والانفتاح في آن واحد: إرضاء حدّ أدنى من متطلبات الدين ومسايرة مقتضيات سلطة العرف الاجتماعي، في نفس الوقت.

    المغاربة لا يعيشون في قرية معزولة، وهم يعيشون حالة انفتاح هائلة. العرس المغربي الذي يستدعي حفظة القرآن في اليوم الأول، ثم يستدعي مجموعة غنائية في اليوم التالي، موقف وجواب اجتماعي عن الحداثة والأصالة. العادات واللباس المغربي فيه أيضا صيغة الجمع بين رموز المحافظة والانفتاح معا. في كلّ بيت، هناك جلّابة مغربية. والحقيقة أن المغاربة متفوقون في الحفاظ على الأشكال والرموز المحافظة في المنطقة، رغم أنهم أكثر الشعوب قربا من حدود العالم الغربي.

    المحافظة على الطقوس والتقاليد السياسية والاجتماعية تبدأ من أعلى هرم الدولة وتصل إلى أصغر بيت في المغرب. يكفي أن نرى أمير المؤمنين ودرجة محافظته على اللباس التقليدي المغربي، لنفهم درجة انتشاره بين المغاربة، وتذكيرهم في كل حين، أن هذا الأمر جزء من التاريخ والوعي المغربي لا ينبغي التنازل عنه. إن هذا السلوك بالغ الأهمية من الناحية الاجتماعية. وقد رأينا مثلا في دولة المماليك أن أحد سلاطينها قرّر أن يحلق رأسه بعد أن رأى قادة البلاد والناس يقلّدون المغول في إطالة الشعر، فأعادهم بسلوكه إلى خطّ التّوازن.

    *هل تغيرت الطريقة التي يعيش بها المغاربة معتقداتهم الدينية في الحياة اليومية؟

    بالتأكيد لا، يمكنك أن تسأل المواطن العادي في الشارع والسوق والمقهى والمنزل والفضاءات العامة، بل حتى في الجامعات، هل أنت مالكيّ المذهب، أو أشعريّ، أو صوفيّ؟ الكثيرون لن يفهموا عم تتحدث. لكن في القرن الماضي، كان بإمكانك أن تسأل تاجرا في فاس أو مراكش عن المذهب المالكي، ليجيبك بشكل عادي.

    الأسلوب الذي يمارس من خلاله المغاربة تدينهم ليس نمطا ثابتا في التاريخ. الانفتاح والتسامح الديني كان يختلف من مرحلة إلى أخرى. في بعض الفترات التاريخية، تجد المغاربة أكثر انفتاحا على أصحاب الديانات الأخرى. وفي مراحل أخرى، تجد المغاربة أقل انفتاحا تجاه الآخر. والأمر نفسه ينطبق على الالتزام الديني. ففي زمن المرابطين مثلا، كان زعيمهم الروحي، عبد الله بن ياسين، يضرب من يتأخر عن الركعة الأولى في صلاة الجماعة في المسجد عشر ضربات. ربما يُنظر إلى هذا الفعل الآن، سخريّة، على أنه نوع من « الداعشية ». لكن التاريخ طبعا لا نتعامل معه بالقوالب الجاهزة. بإمكانك أن تجد في مراحل أخرى، كثافة وحرصا من جانب المغاربة على تحفيظ أولادهم القرآن بأعداد هائلة، ثم يتراجع مستوى هذا التقليد في مراحل أخرى؛ مثل الوقت الحالي. طريقة عيش المغاربة للدين تتغير صعودا ونزولا، بحسب نوعية التعليم وطبيعة الوعي المنتشر في المجتمع.

    *كيف تنظرون إلى الثوابت الدينية المغربية وتأثيرها في تديّن المغاربة؟

    الثوابت قبل أن تتحول إلى ثوابت، كانت في البداية عبارة عن اختيارات للمغاربة، في لحظة تاريخية معينة. وعندما برهنت تلك الاختيارات على قدرتها وفاعليتها الدينية والاجتماعية والسياسية، أصبحت ثوابت للأمة المغربية. ولكي يتحول اختيار معين إلى مذهب كامل، فإن العملية تكون معقّدة، وتحتاج إلى وقت. والمذهب لا يستحقّ أن يسمى مذهبا، حتى يذهب به وإليه الناس. لكن الثوابت نفسها تحتاج دائما إلى عملية تجديد للحفاظ على فاعليتها، حتى لا تعود في لحظة انتكاسة، إلى مجرد اختيار لبعض المجموعات، وتفقد صيغتها الشمولية السابقة، خاصة في ظل ارتفاع أسهم مفهوم الحريات الخاصة والعامة.

    بالتأكيد، فإن إمارة المؤمنين تجدّد نفسها باستمرار، لكن باقي الثوابت المذهبية الأخرى في حاجة إلى فاعلية أكثر، لتستمر في كونها ثوابت في سلوك المغاربة. فما معنى أن نعتبر مذهبا أو فكرة من الثوابت، إذا لم تكن جزءا أساسيا من السلوك الجمعي؟

    لنكن أكثر صراحة، عندما نتحدث عن أفكار ومفاهيم المغاربة حول قضايا الإنسان والله والكون، فالأمر صادم بدرجة كبيرة. لابد أن نستوعب أنه ليس من السهل وضع الناس ضمن إطار واحد في عالم منفتح ومتعدد، يسيطر فيه مفهوم التفاهة، ويعرف سيولة فكرية ما بعد حداثية، ونزوعا نحو تجاوز البنى الثقافية. وهذا ما يستدعي ضرورة تطوير المذهبية.

    حضور الأشعريّة في التصور الجمعي للمغاربة شديد المحدودية. وسوف نلاحظ أن غالب ما يسأل عنه المغاربة من الفتاوى والاستفسارات، عند الحاجة والضرورة، يتعلق ببعض الجوانب الفقهية، ممّا له اتصال بالحدث اليومي ومشكلاته.

    وإذا أردنا معرفة حالة الإطار الأشعريّ الحالي، ينبغي أن ننظر في حجم أسئلة الناس واستفساراتهم التي تتعلق بقضايا العقيدة والكون والإنسان. وهنا قد تكون النتيجة صادمة. فذلك النوع من الأسئلة لا يخطر إلا على بال قلة قليلة. المشكلة كبيرة من هذه الناحية، ذلك أن أسئلة الناس وطلبهم للفتاوى حول قضايا القيم والاعتقاد والإنسان والكون تكاد تكون الحلقة الأضعف.

    *ما رأيك في ظاهرة التديّن الاستعراضيّ في عصر ثورة تكنولوجيا الاتصال؛ كالتّباهي بالعمرة والحج؟

    لو كانت الهواتف المحمولة وما يتصل بها من برامج وتقنيات، متاحة قبل عشرة قرون، لربما رأينا مشاهد من الاستعراض لا تختلف عما نراه اليوم. الفارق أنها موجودة بين أيدينا الآن، وتمارس تأثيرها علينا.

    إن أهم عناصر فلسفة الاتصال الآن مؤسّسة على مفهوم « نظام التّفاهة » الذي ليس تافها. وبمعنى أوضح؛ فإن المتعة التي تتيحها أدوات التواصل أصبحت تؤثر في طقوس التديّن. لكن هناك أمر غاية في الأهمية لا ينتبه إليه الكثيرون، وهو أن كثيرا من ممارسات الناس تتحول مع الوقت إلى عُرف. التقاط الصور في أماكن العبادة المقدسة لم يعد فقط خيارا نقوم به أو لا نقوم به، بل انتقل إلى درجة « العادة والعرف ». لم يكن هذا الأمر عُرفا سابقا، لكنه أصبح كذلك الآن. والعرف طبيعته الانتشار والاستقرار.

    ولنكون أكثر صراحة، فإن الاستعراض لا يقتصر على الناس العاديين، فحتى كثير من الوعّاظ الدينيين هم ضحيّة « نظام التّفاهة ». لذلك، تجد الكثيرين حريصين على تحقيق أعلى قدر من المشاهدة والمتابعة على اليوتيوب مثلا، ويعشقون زر « Like ».

    *كيف تقيمون وضعية المذهب المالكيّ والأشعريّة والصوفيّة في الواقع المغربي، ومدى تأثيرهم الحالي؟

    يخطئ من يرى أن تحديد طبيعة ودرجة التديّن المغربي، تتم فقط بناء على الإجابة على أسئلة؛ مثل كونك مواطنا مالكيّا، أو مواطنا أشعريّا، أو صوفيّا؟ إنها أسئلة هامّة. لكنها ليست كافية أو حاسمة.

    الأسئلة الجديدة المحددة للتديّن أصبحت من قبيل: ما مدى حضور القيم المادية في سلوك الأفراد والمجموعات؟ وما درجة محافظة الناس على خصوصياتهم الفكرية والاجتماعية ضمن عالم متحوّل؟ وإلى أيّ حدّ يتمتع الأفراد بوعي، ولو بسيط، بالتاريخ؟ وإلى أي حدّ تلتزم في حياتك اليومية بتعاليم المذهب المالكيّ؟

    عندما تشاهد فيلما سينمائيا من أفلام الخيال العلمي، هل لديك أفكار تعكس رؤيتك العقدية للآراء العلمية التي قد تكون شاهدتها أول مرة، تخص نشأة الكون أو نهايته؟ هذه أسئلة تساعد على تحديد وضعية التديّن ومستقبله.

    تحولات التديّن المغربي يتلخّص جانب منها، في أشعريّة بلا تجديد، وتصوّف من غير فاعلية، ومذهبية فقهية من غير اعتناق جماهيري. إن كثيرا من عناصر التديّن الأساسية لا يمكنها حاليا منافسة ما يطرحه العالم من نظريات وآراء حول الإنسان والكون.

    سوف يستمر ابتعاد التديّن الشعبي عن الإطارات العامة المنضبطة بقيود المذهب اعتقادا وفقها. ويساهم في هذا الاتجاه صعود نجم مفهوم الحريات الفردية، وتطبيقاتها السياسية والاجتماعية. سوف يستمر اختفاء كلمات عديدة كانت تعكس الوعي الديني المغربي. لقد تراجع حضور كلمات من الاستعمال اليومي. ولنقوم بقياس الحضور الاجتماعي للمصطلحات والمفاهيم الدينية، علينا أن ننظر إلى تفاصيل الوعي اليومية. سوف يستمر انحسار الكلمات الخاصة بالتصوّف. ويجب علينا أن نطرح سؤال: ما مدى وعي الصوفيّ الحالي نفسه بواقعية كلمات؛ مثل: الكرامات، المشاهدات، القطب، الفيض، الولاية؟ إنها كلمات تواصل اختفاءها.

    سوف تستمر طبقة الوعّاظ في النمو على حساب العلماء المتخصصين، وتتجه إلى أن ترث الوضع الاعتباري لطبقة العلماء المفتين، دون أن ترث قيمتهم الاجتهادية والمعرفية. يبدو أن هذه الطبقة تكتسب مساحات أكبر، كل يوم، من خلال الإعلام. إلا أنها مع مرور الوقت، سوف تميل إلى معالجة القضايا النفسية بشكل أكبر، بسبب أزمات المسلمين الروحية المتنامية.

    سوف يواصل الخطاب الديني الرسمي عدم استثمار الفراغ الأيديولوجي الذي تركه الإسلام السياسي، بسبب ضعف جاذبيته، وبشكل أكبر، بسبب الفشل في اختيار الشخصيات ذات الجاذبية. وفي هذا المقام، أتمنى من صاحب المقام، أمير المؤمنين، أن يأمر بتوسيع تركيبة المجلس العلمي الأعلى لتستوعب المفكرين الشباب، تحقيقا لمزيد من الجاذبية والتواصل للخطاب الديني مع عموم المغاربة في الداخل والخارج.

    *هل مازال بالإمكان القول إن المغرب « بلد الأولياء »؟

    هذا السؤال قد يبدو للبعض أنه بسيط، لكنه مهمّ جدا. ولا بد من التنبيه إلى أن التاريخ يخبرنا أن المغاربة كانوا يرون في سلاطينهم وملوكهم أنهم من أولياء الله. وأذكر أن الناس كانوا يتبركون بماء وضوء ولباس السلطان أبا محمد المريني، ويرجون ببركته تسهيل وضع الحوامل أطفالهن. ومازال الناس يذكرون سيدي محمد بن عبد الله السلطان العلوي الصالح، وغيره كثير. إن إمارة المؤمنين مبدئيا راعية للأولياء، وهي مختلطة بمعنى الولاية لله، والاتصال من حيث النسب بنبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم.

    هذه المنطقة لم تكن فقط بلدا للأولياء، بل منتجا ومصدرا لهم إلى المشرق بكلّ ما ملكوه من تأثير ديني واجتماعي هائل. لقد كان الأولياء يمثلون القوّة النّاعمة للمغرب، ومازالوا كذلك حتى اللحظة، ومازال الخطاب الديني المغربي يستثمر في الأولياء السابقين؛ مثل التيجاني، ويستفيد منهم في بناء الأمن القومي وامتداداته في إفريقيا.

    والحقيقة أن الأولياء والصالحين لا يقدمّون لنا البركة والدعاء المستجاب فقط، بل يقدمون لنا الأمن القومي للأمة المغربية. ما قدّمه الأولياء للمغرب لم يقدّم مثله المثقفون، وهذا أمر لابد أن نعترف به. لا يوجد مثقّف يربط المغاربة بعمقهم الإفريقي. لكن بالمقابل، مازال ولي الله التيجاني يربطنا بإفريقيا، سياسيا ودينيا وثقافيا واجتماعيا.

    الأولياء المغاربة كانوا جزءا أساسيا من صناعة السياسة في تاريخ أمتنا، ومنحها الكثير من الشرعية. السياسة المغربية الآن، في رأيي، في أمسّ الحاجة إلى وجود الأولياء. لكنّ ولادة الأولياء في المجتمع عملية معقّدة لا تتوفر كثير من عناصرها الآن.

    الأولياء رغم عدم وضوح موقعهم في المشهد، عنصر أساسي في توازن الوعي المغربي، حتى الآن. وبالمناسبة، يجب أن نعيد تصحيح فهم من هو الوليّ؟ الولي ليس شخصا قابعا في زاوية أو جبل فقط؛ فشيخ الإسلام، بلعربي العلوي، من الأولياء، وعبد الله كنون كذلك، وعلال الفاسي.

    =========

    الخطاب الديني الرسمي مُحافِظ يفتقد إلى الجاذبيّة والمغرب حقّق نضجا في التمايز بين السياسة والدين

    الدكتور حسن أوريد، المؤرخ والناطق الرسمي باسم القصر الملكي سابقا، وأحد أكبر المثقفين المغاربة المعاصرين..

    *ما هو تقييمكم لمدى نجاح السياسة الدينية المغربية؟

    تقييم السياسة الدينية المغربية ليسَ بالأمر السّهل. لكن هناك محطات يبدو فيها أنها استطاعت أن توفّق بين مقتضيين؛ مقتضى الارتباط بالتاريخ والتقاليد، ومقتضى مواكبة الحداثة والتطورات الدولية، أو حسب تعبير لوزير الأوقاف: « الدّين حداثة سابقة، والحداثة نوع من التقديس المحيّن ».

    هناك محطات عدّة يبدو فيها أن هذه التجربة نجحت، سواء فيما يخص مدونة الأسرة، أو فيما يخص ملفات متعددة، أو حتى فيما يخص حرية المعتقد في حدود، ثم كذلك مع هيئات أساسية، سواء فيما يخص إعادة النظر في المجلس الأعلى للعلماء، أو المجالس العلمية الإقليمية، أو حتى في مؤسسات جديدة؛ مثل معهد تكوين الأئمة.

    إذن، لحدود الساعة، يمكن أن تعتبر التجربة المغربية سابقة وفريدة من نوعها. طبعا ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار طبيعة المغرب؛ فهو ليس دولة علمانية، والسلطة السياسية تستمدّ شرعيّتها من التّاريخ ومن الدّين. لذلك، هناك سقف لا يمكن تجاوزه عمليا فيما يخص التجربة المغربية، وهو الأمر الذي يظهر جليّا، سواء فيما يخص قضية الإرث التي تثار الآن، أو فيما يخص حرية المعتقد.

    *كيف تنظرون إلى التطورات التي يعرفها الحقل الديني المغربي؟

    ما يميز التجربة المغربية هو وجود وعي عام وشامل، ظهر جليّا بالأخص بعد أحداث 16 ماي المأساوية؛ حيث حدث حينها تمايز ما بين الدين والدولة من جهة، والدين والسياسة من جهة أخرى.

    عمليا، لا يمكن، في السياق المغربي، التمييز بين الدين والدولة؛ لأن الدولة المغربية، بالنظر إلى خصوصيتها، لا يمكن أن تنسلخ عن الجانب الديني. ولكن هناك وعي لدى الدولة، أو حتى داخل الحقل السياسي، بضرورة التمايز بين الحقل السياسي والحقل الديني، وهذا ما أعتقد أنه موضوع يكتنفه نوع من التّوافق.

    أظنّ أن المغرب بلغ نوعا من النّضج الذي أفضى إلى التمايز ما بين السياسة وما بين الدين.

    *هل يمكن اعتبار أن هناك « سوقا دينية » في المغرب؟

    سوق دينية أو بضاعة دينية، أنا شخصيا، لا أحب هذه الكلمات المستمدة من السياق الميركنتيلي؛ إذ لكل مجال خصوصياته ومفاهيمه.

    طبعا أنا أفهم أن هناك شيئا يسمى بـ »التديّن »، وهو موضوع لا يدخل في دائرة اختصاصي. ما يهمّني وما اشتغلت عليه، هو توظيف الدين في السياسة، ويمكن أن ألخصه في جملة واحدة: هناك مدّ متواصل ومسترسِل نحو نوع من الدنيوية، أو ما يسميه البعض بـ »العلمانية مع وقف التنفيذ ».

    *كيف ترون تنامي حضور رموز خطاب الوعظ الديني خارج الإطار الرسمي، أمام تواضع أداء المؤسسات الدينية في الترويج لمرجعية ومكانة مؤسّسة إمارة المؤمنين؟ وهل يعتبر هذا الحضور القوي تشويشا على أدائها؟

    أظن أنه ينبغي التمييز بين الوعظ وبين الدعوة والخطاب الديني. ويبدو لي أن كل ما يدخل في الوعظ والإرشاد يقع في دائرة الدولة، من خلال مؤسساتها، إما في المساجد، أو خطبة الجمعة، أو المجالس الإقليمية، أو المجلس الأعلى.

    وأظن موضوعيا أن هذه المجالس عرفت نوعا من « البيريسترويكا » أو « إعادة الهيكلة »، وتتوفر على عناصر جيدة من حيث التكوين، ومن حيث فهم قضايا المجتمع. كما أن هناك مؤسسات انكبت على قضايا آنية؛ مثل الرابطة المحمدية للعلماء، التي تقوم بجهد جبار. لذلك، أظن أنه عمليا وموضوعيا، وعلى خلاف ما يُعتقد، التجربة المغربية الرسمية واكبت هذه التطورات من خلال مؤسسات وعناصر كفؤة، إنّما تشتغل تحت سقف معين لا يُمكن تجاوزه. طبعا في الجانب الآخر، هناك خطاب دينيّ سياسيّ، يدخل إما في دائرة الإسلام السياسي، أو أحيانا ربما في دائرة التطرف.

    هذا الخطاب الديني السياسي حاضر إعلاميا، ولكن ليس بالضرورة أنه مؤثر مجتمعيا، وهذا في اعتقادي شيء أساسي، وكمثال على ذلك، الظاهرة السلفية محدودة التأثير.

    طبعا الخطاب المتطرّف يحظى بالاهتمام، لأن له مضاعفات تمسّ الأمن بالأساس. ولكن موضوعيا، ينبغي الإقرار بأن المؤسسات الرسمية، سواء من خلال هيئات جديدة ومستحدثة ومحيّنة، استطاعت مواكبة التطورات الدورية، بشهادة الكثير من المتابعين والمراقبين.

    *لكن هناك مؤاخذات على الحضور الباهت والمتواضع للمؤسسات الدينية الرسمية رقميا، مقابل حضور قويّ للحركات الإسلامية!

    الخطاب الرسمي في أي دولة ليس له جاذبية، ثم إن الخطاب الرسمي يقع دائما في دائرة قوانين معينة ودائرة مرجعيات؛ مما يحدّ مجال الحريات. هذا واقع.

    لا أستطيع التحدث عن كل المؤسسات. لكن يمكنني الحديث مثلا عن الرابطة المحمدية للعلماء، على الأقل في الفترة التي اشتغلت عليها، والتي تقوم بعمل جبار فيما يخص قضايا آنية؛ منها تفكيك خطاب التطرف، إنما لا تحظى بمتابعة إعلامية.

    كما أستطيع التحدث عن مجلس الجالية المغربية بالخارج الذي يواكب بدوره التطورات، ويُسترشد به فيما يخص التأطير الديني، أو حتى قضايا ذات مضاعفات أمنية، كما حدث في الهجوم الإرهابي ببرشلونة، سنة 2017؛ حيث اضطلع بدور تشاوري مع السلطات الإسبانية. إنما كما قلت لك، الخطاب الرسميّ عادة لا يحظى بجاذبيّة.

    *ما الذي يجعله يفتقد إلى هذه الجاذبيّة؟

    لأنه خطاب مُحافِظ بالأساس.

    *ما المؤثر الأكبر على تديّن المغاربة، توجيه عقل الدولة أم توجيه عقل الأيديولوجية؟

    الدولة يمكن أن تستند على أيديولوجية كذلك. نحن نعيش في عالم لا يمكن أن تقوم فيه أيدولوجية واحدة أو شمولية، هذا غير وارد.

    قد تكون للدولة مرجعية عقدية أو سياسية، وهذا مشروع. ولكن شريطة ألا تكون هذه المرجعية هي الوحيدة التي تنمّط المجتمع. طبعا الحداثة هي أن نأخذ بالاختلاف في كل أوجه التوجه السياسي، وبالاختلاف الثقافي، ونأخذ كذلك بالحرية.

    والمرجعية الدينية، إن كانت، قد لا تنطبق بالضرورة مع هذه المقتضيات، لا من حيث احترام الاختلاف، إلا في حدود معينة، أو الحرية، لأن الحرية المقيدة، ليست حرية. لذلك، من المفروض أن تكون الحقول الخارجة عن الدولة، أكثر جرأة، لأنها أكثر حريّة.

    *بخصوص الأمن الروحي، هناك من يؤاخذون على المؤسسات الدينية الرسمية إصرارها على الاشتغال بمنطق ما يسمى بـ »الجزر المؤسساتية المعزولة ».. ما رأيكم؟

    ينبغي أن أكون بداخل البنية لكي أصدر حكما. كما أنني لا أشتغل على ما ينبغي أن يكون، بل على ما هو كائن. أنا خارج مرجعية الدولة. هذه المرجعية في الحقل الديني التي تقوم على تحديث الإسلام، وما يهمني أنا هو تحديث المغاربة.

    ما يمكنني قوله بهذا الخصوص هو إن جهد الدولة بالأساس، هو جهد من أجل الالتئام مع التطورات. فهو دائم جهد بَعديّ، وليس جهدا استباقيّا. لذلك، هو متأخّر عن تطور المجتمع. وكمثال على ذلك، إصدار المجلس العلمي الأعلى فتوى « قتل المرتد »، قبل أن يتراجع عن ذلك. لا يمكن عمليا قبول الحكم بالإعدام على شخص « مرتدّ ». هذا غير مطابِق لا للعصر، ولا لتوجّهات الدولة. وهذا دليل على تأخر المؤسسات الرسمية عن دينامية المجتمع.

    =========

    الفضاءات التي يعيش فيها مغاربة الخارج سوق دينية مفتوحة ونموذج التدين المغربي مستفز لأعدائه

    الدكتور عبد الله بوصوف، المؤرخ المغربي والأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج..

    *هل مازالت إشكالية الدين والتديّن على رأس مشاكل المغاربة بالخارج؟

    نعم، مازالت هذه الإشكالية قائمة؛ لعدة اعتبارات، على رأسها أن الإشكال الكبير عبر العالم الآن، هو مشكل التديّن، الذي خلق مجموعة من التشجنات الهوياتية والدينية، ما يجعل من حماية وتحصين مغاربة الخارج يبقى على رأس الأولويات. لدينا 5 ملايين مغربي، ينتشرون في 50 دولة تقريبا؛ بمعنى أنها جالية معولمة. وبطبيعة الحال، ستكون مستهدفة من طرف تيارات دينية لا صلة لها بنموذج التديّن المغربي، والتي أحصيها في أكثر من عشرة تيارات؛ كإيران وحزب الله والإخوان المسلمين والسلفيين وحزب التحرير، إلى غير ذلك من المنافسين، بالإضافة إلى استهدافها من طرف تيارات سياسية تستعمل الدين كغطاء.

    *ما الذي يجعل نموذج التديّن المغربي مستهدفا بدرجة كبيرة في الخارج؟

    لأنه يقطع الطريق على تجّار الدين، ويقف بصلابة ومتانة في وجه التطرف والكراهية والإرهاب. ونذكر هنا كيف كان الملك محمد السادس، الحاكم الوحيد في العالم، الذي قال كأمير للمؤمنين، بكل وضوح وشفافية وروح مسؤولية، بعد ذبح القس الكاثوليكي، جاك هامل، داخل كنيسة في نورماندي الفرنسية، عام 2016، على يد إرهابيين، إن من يقوم بهذه الأعمال ليس بمسلم.

    كل هذا جعل من نموذج التديّن المغربي نموذجا مستفزا لأعدائه، وعقبة لهم؛ كونه استطاع الحفاظ على استقرار ديني للبلاد، وجعله يحظى بإشادة دولية، من قامات فكرية وعلمية ودينية كبيرة. وأذكر هنا « وثيقة مراكش » حول وضعية الأقليات الدينية في بلاد المسلمين، والتي باتت من الأدبيات.

    *ما هي أبرز التحديات التي تواجه تديّن مغاربة العالم حاليا؟

    الفضاءات التي يعيشون فيها باتت بمثابة سوق دينيّة كبيرة مفتوحة لكل من هبّ ودبّ، عكس التأطير الديني داخل المغرب. في الخارج، هناك أئمة ليسوا بأئمة، لكنهم نصّبوا أنفسهم كذلك، بالإضافة إلى تيارات دينية تم التضييق عليها في بلدان عربية، استطاعت الآن أن تلجأ إلى أوروبا، وتبدأ الاشتغال داخل صفوف الجالية من أجل الاستقطاب، ومن أجل أن تتقوى.

    ولحماية مغاربة العالم، يجب أن نبلور نموذج التديّن المغربي إلى نموذج تديّن يمكن تطبيقه في جغرافية غير جغرافية المغرب؛ بحيث يكون متناسبا في القرن الـ21، مع حقوق الإنسان، والمساواة بين الرجل والمرأة، والحريات بصفة عامة، والتعددية، والتنوع. وأنا مقتنع بأنه يتوفر على كل هذا. نموذج التديّن المغربي بات الآن قابلًا لأن يطبق في أماكن أخرى، ليس بتفاصيله الفقهية، وإنما برُوحه.

    *ما هي أبرز الطرق التي يتم من خلالها استهداف تديّن مغاربة الخارج، حسبما رصدتم؟

    التيارات التكفيريّة الهدّامة تعتمد بالأساس على وسائل التواصل الاجتماعي، لاستقطاب عناصر جديدة، والتي تنشط فيها جدا للأسف، وخاصة بلغات غير اللغة العربية، مقابل ضعف الحضور الرقمي لخطابنا الديني الرسمي، وهذا ما ندعو إلى تداركه، بتطوير هذا الخطاب، من خلال جعله قابلا للرقمنة، بلغات متعددة، وبلغة بسيطة. المغرب مثلا لا ينتج خطابا حول التدين باللغات الهولندية والألمانية والإيطالية. فقط هناك خطاب باللغتين الإسبانية والفرنسية، لكنه يبقى غير كاف، رغم أن المغاربة يتواجدون بكثرة في هذه البلدان الأوروبية.

    المغاربة بطبعهم لديهم عاطِفة دينيّة؛ حيث ورثوا عن آبائهم تدينا وسطيّا سلسا خاليًا من أي تشنّج، ولا يؤدي إلى صراع مع الحياة، بل يستوعبها في كل مناحيها. فبالتالي، حينما يعيشون بعيدا عن المغرب، يسعون إلى الحصول على المعلومة الدونية. لكن ليس لهم التكوين الكافي من أجل التفريق بين الغث والسمين في هذا الباب. وهنا يأتي دورنا نحن لإمدادهم بالمعرفة الأساسية.

    بطبيعة الحال، وزارة الأوقاف مطالبة بتطوير معارفها وإنتاجاتها. كما أن الجامعة المغربية مدعوة أيضا للانخراط، من خلال تشجيع الإنتاج فيما يتعلق بالإسلام والتديّن المغربي، باللغات الأوروبية خاصة، وكذلك لدخول العالم الرقمي، بالإضافة إلى العلماء المدعوين بدورهم إلى المشاركة. وأعتقد هنا أن المجلس العلمي الأعلى يلعب دورا مهما جدا، من خلال إصدار مجموعة من الفتاوي المهمة التي يمكن أن تساعد المغاربة، حتى على الاندماج، وتقدم لهم إجابات على الأسئلة المطروحة. وأستحضر هنا فتوى « المصالح المرسلة »، بطلب من أمير المؤمنين. فتوى جميلة جدا؛ حيث أفتى المجلس بأن الدولة في الإسلام دولة مدنية، ولم تكن أبدا دولة دينية.

    أعتقد أن الصراع اليوم قائم حول هذا الأمر. فإذا كان لدينا فتوى بهذا الحجم، يمكن أن نقدمها كحلّ للعالم. لكن ما حصل هو أننا لم نسوّق لها كما يجب. نفس الخطأ حدث حينما أمر الملك محمد السادس بتعيين المرأة كعدل. ما حصل هو ثورة في العالم الإسلامي. لكن للأسف، لم يتم الترويج لذلك أيضا. هناك أيضا تراجع المجلس العلمي الأعلى عن الفتوى الخاصة بـ »قتل المرتد »؛ حيث قال فقط إن من غيّر الدين من أجل الدين، فلا شيء عليه، إن لم يكن مرتبطا بالخيانة العظمى.

    *هل يلقى مغاربة العالم بباقي القارات، نفس الاهتمام الذي تحظى به الجالية المغربية بأوروبا؟

    حينما نتحدث كثيرا عن أوروبا؛ فهذا لأنها تحتضن أكثر من 80 في المائة من الجالية المغربية، فيما تعيش 10 في المائة منهم على أراضي أمريكا وكندا. لذلك، فمن الطبيعي أنّ الإشكالات المطروحة بهذه القارة أكبر بكثير من تلك المطروحة في الأمريكيتين، أو في الدول العربية، أو الإفريقية، أو الآسيوية. كما أن الاستقطاب الحقيقي يتمّ، لحدود الساعة، فوق الأراضي الأوروبية. لكن هذا لا يعني إقصاء باقي الجاليات. جميع مغاربة الخارج يملكون الحق في التأطير، والاستفادة من المجهودات التي تقوم بها الدولة ضمن السياسات العمومية الموجهة لهم.

    وحتّى على المستوى السياسي، فاللغط الكبير الذي تابعناه مؤخرا كان بفرنسا، بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية؛ حيث كانت الجالية الإسلامية مستهدفة من طرف مجموعة من القوى؛ مثل المتطرف إيريك زيمور. لقد تم تحميل هذه الجالية كل مشاكل البلد ببساطة. لكنّها أثبتت أنها جديرة بالثقة، لأنها هي من أنقذَت وجه فرنسا. كما ساهمت في إنقاذ فكر الجمهورية والعلمانية أيضا، بوقوفها في وجه الفكر المتطرف، وساهمت في انتخاب الرئيس إيمانويل ماكرون.

    *ما هو الدور الذي يلعبه المجلس في عملية ترشيد الممارسة الدينية في أوروبا؟

    نحن مؤسسة استشارية واستشرافية تنتج الأفكار، وترصد الاختلالات، وتحاول فهم ما يقع عبر الإنصات. وهذا ما قام به المجلس منذ عام 2008؛ حيث نظّم أربعة مؤتمرات مهمة، وأصدر أربعة كتب حول الإسلام في أوروبا. وكان السؤال الأول هو: « إلى أي مدى الأنظمة القانونية الأوروبية مرنة من أجل استيعاب الإسلام كوافد جديد، باعتبار أن كل التشريعات الأوروبية تمت قبل وجوده؟ ». والجواب كان أنه ليس هناك تعارض بين الإسلام والعلمانية أو الديمقراطية؛ إذ يمكن له أن يعيش ضمن الإطار القانوني المتوفر الآن في أوروبا.

    ربما كان النقص الذي لاحظناه في بعض البلدان، هو غياب الرغبة السياسية. لذلك، نجد أن هناك عراقيل كبيرة من أجل بناء المساجد، أو من أجل الحصول على مجموعة من الحقوق، فيما يتعلق بالتأطير الديني في المؤسسات الدينية، على الرغم من أن القانون يكفُل هذه الحقوق.

    أما السؤال الثاني، فكان: « الإسلام في أوروبا دائما، أيّ نموذج؟ »؛ حيث يعيش المسلمون الآن في أوروبا باعتبارهم أقلية، بعد أن كانوا يعيشون كأغلبية في بلدانهم. فهل لدى الإسلام تلك القدرة على إحداث نوع من التأقلمات مع الوضع الجديد، والإجابة على الأسئلة الجديدة المطروحة في تلك الدول؟

    والجواب كان أنه لدى الإسلام قدرة كبيرة على التأقلم. لكن الإشكال يتمثل في غياب الكفاءات العلمية القادرة على إحداث هذا التأقلم. ولهذا، قمنا عام 2011؛ أي قبل هجمات باريس 2015، بلقاء ثالث اقترحنا فيه تكوين الأئمة التي ستمارس عملها في تلك الدول، تكوينا مزدوجا في الإسلام الكلاسيكي والعلوم الإنسانية، مع تدريس الظاهرة الدينية، من خلال تقديم مجموعة من المعارف حول الأديان، ليس من الناحية العقيدية، وإنما من الجانب المعرفي العلمي، حتى نستطيع أن نرسخ التعارف بيننا كمسلمين وبين معتنقي الأديان الأخرى؛ إذ لاحظنَا أنّ ما كان ينقصُنا هو قلة معرفة الآخر بنا وقلة معرفتنا به. وأستحضر هنا قولا للمنظر الفلسطيني، إدوارد سعيد، الذي يعتبر أن الصّدام الحاصل هو صدام الجهالات، وليس صدام الحضارات.

    وبعد ذلك، كان المؤتمر الرابع حول ظاهرة « الإسلاموفوبيا »؛ حيث استطعنا دراستها، وأصدرنا بهذا الخصوص كتابا، باللغتين العربية والفرنسية، مع الاشتغال على ترجمته بلغات أخرى حاليا.

    وبطبيعة الحال، قمنا في هذه الندوات الدولية الكبرى، بالإنصات إلى جميع الفاعلين الدينيين: الفاعلين المغاربة من المغرب، والفاعلين الدينيين من دول الإقامة، خاصة الأكاديميين، والأديان الأخرى، والسلطات المحلية في تلك البلدان. أشركنا الجميع في عملية الإنصات؛ لأن الطريقة التي يمكن أن نحلّ بها هذه المعضلة المجتمعية أو نتغلب عليها، هو النّهج التشاركيّ.

    المجلس أيضا كان من بين المدافعين عن ضرورة إنشاء معهد لتكوين الأئمة فوق التراب الأوروبي، والذي يمكن أن يخلق معه كل من معهد محمد السادس وجامعة القرويين، شراكةً علميّةً.

    كل هذه الأفكار كنا من السباقين إلى طرحها قبل أحداث 2015 الإرهابية. لكن التفاعل معها مازال لم يتحقق بالشكل الذي كنا نريده. نتمنى أن نستمر في التفكير، وإنتاج المعرفة، ومحاولة ترشيد الممارسة الدينية؛ لأننا نعتقد أن ممارسة الإسلام ممكنة في أوروبا؛ حيث لا يوجد تعارض بين الإسلام وبين الأنظمة أو المبادئ الأوروبية الكبيرة، خاصة العلمانية. كما نتمنى أن يكون الإسلام كغيره من الأديان؛ بمعنى أن تكون لنا حقوق وعلينا واجبات كغيرنا، وألا نشكل ثقلا على المجتمع.

    *ما رأيكم في التباين الحاصل بين ما يكفله القانون في هذه البلدان وما يتضمنه خطابها السياسي من تطرف بخصوص التخلي عن القناعات الدينية من أجل الاندماج؟

    هذا ما يجعلنا ندعو إلى العمل المشترك والمسؤولية المشتركة، أن القانون لا يطالب أحدا بالتّخلي عن قناعاته الدينية، في حين يتضمّن الخطاب السياسي تعنّتا وتطرّفا. المشكل الأساسي يكمُن في انعِدام الرّغبة السياسية، وليس في قانون البلد؛ حيث يحاول السياسي تجاوز هذا القانون أو خرقه. لذلك، ندعو المسلمين، بمن فيهم المغاربة، بالالتزام بالقانون، وأن تكون ممارستهم الدينية في إطاره. وأظنّ كباحث ومتابع وممارس عشت في أوروبا، أنه ليس هناك ما يتعارض مع كوني مسلما في مجتمع أوروبي.

    كما ندعو الطرف الآخر؛ أي المجتمع الغربي، إلى تطوير ثقافته ومعرفته عن الإسلام والمسلمين، خاصة بعد الذي بتنا نشاهده على مجموعة من القنوات التي تفتح الباب أمام من يتحدثون عن ديننا، دُون أن يكونوا عارفين به.

    فرنسا مثلا، لطالما كانت بلد المستشرقين الكبار؛ على رأسهم لويس ماسينيون، وجاك بيركودنيز ماسون، اللذان عملا على ترجمة القرآن. لكن الجامعة الفرنسية اليوم لم تعد تنتج مثل هؤلاء المتخصصين الكبار. بالمقابل، تحوّل بعض الصحفيين، أو بعض السياسيين، أو بعض المهتمين بالعلوم السياسية، إلى متخصصين جاهلين بالإسلام، بدل المتمرسين في معرفته، الذين لم نكن نواجه مثل هذه المشاكل معهم.

    هناك أيضا مدينة ليدن الهولندية التي كانت حضنًا للمعرفة الدينية؛ حيث أنتجت الكثير من الكتب الدينية، على رأسها الموسوعة الأكاديمية « دائرة المعارف الإسلامية »، التي تُعنَى بكل ما يتّصل بالحضارة الإسلامية، سواء من الناحية الدينية أو الثقافية أو العلمية أو الأدبية أو السياسية أو الجغرافية، على امتداد العصور، بما في ذلك العصر السابق للإسلام. مثل هذا مثلا لا يمكن مقارنته بآراء السياسي الهولندي المتطرف، خيرت فيلدرز.

    الآن، هناك شرخ إبستمولوجي مكون من عنصرين؛ عنصر يخصنا نحن كمسلمين، باعتبارنا قليلي معرفة بالمجتمع الغربي، وخاصة السيرورة التاريخية للعلاقة الدينية بالمجتمع، لفهم التطورات التي حصلت، بالإضافة إلى نقص في معرفتنا الدينية؛ حيث فَرض نمط تديّن معين نفسه؛ كالوهّابية، التي تروج لفكرة أنها النموذج الوحيد. في حين أن هناك تنوعا كبيرا في المجال؛ إذ لدينا قرابة عشرة مذاهب وأكثر في بعض الأحيان. كما أنه في المذهب المالكيّ أصول متعددة تقارب 16 أصلا، تمكّن من بناء منظومة دينية تتوافق مع العصر. في حين تتميز العقيدة الأشعريّة بعدم التكفير والعقلانية، وهي العناصر التي أعتقد أنها مطلوبة اليوم، عالميا، وأوروبيا خاصة. في حين يتميز المذهب المالكيّ بالمرونة، ويأخذ بعين الاعتبار الآخر ولا يُقصيه، بل يستوعبه؛ كأن نتحدث عن شرع من قبلنا، وعن العرف. أما التصوّف، فيهذّب السلوك، ودائما ما أُعرّفه بأنه « منطقة واصلة وفاصلة »؛ بمعنى أنه منطقة يمكن أن نلتقي فيها، تماما كالمناطق المنزوعة السّلاح.

    بالمقابل، يجب على الطرف الأوروبي أن يتعرف علينا حقيقة، ولا يكتفي بتصوره على المسلمين أو ببعض الشذرات من الإسلام. كما يجب عليه أن يرجع إلى أصوله المعرفية؛ لأن الجامعات الأوروبية، والجامعة الفرنسية بالدرجة الأولى، أنتجت معارف إسلامية كبيرة، للأسف لا تستعمل اليوم. وربما الآن هناك توجه إلى إحياء الشُعب الإسلامولوجية في الدراسات الإسلامية بالجامعات الفرنسية.

    *كيف تقيمون الآن تأثير المذهب المالكيّ والعقيدة الأشعريّة والتصوّف على مغاربة العالم؟

    هذا التأثير موجود بالتأكيد. الآن مثلا، مجموعة من الشباب يقبلون على التصوّف. قراءة القرآن الكريم في المساجد المغربية بأوروبا حسب المذهب المالكي موجودة. الالتزام بالعقيدة الأشعريّة موجود. ربما كانت الغلبة، في بعض الفترات، كما قلت، لفكر معيّن. لكن كانت هناك أيضا مسؤولية أوروبية ساهمت في انتشار هذا المذهب المعين، لأغراض اقتصادية وسياسية؛ حيث تم فسح المجال لإقامة مساجد لدول لم تكن لها جالية في البلدان الأوروبية، فين حين كان يتم التضييق على المغرب هناك. الآن، المساجد الكبيرة الموجودة في أوروبا تنتمي لدولة ليس لها ولا مواطن واحد فوق التراب الأوروبي، وإنما كان ذلك في إطار من الترضِيات السياسيّة.

    *مثلا؟

    مثلا، المركز الإسلامي ببروكسيل قُدّم كهدية من الملك البلجيكي إلى الملك السعودي، سنة 1974، بعد أزمة البترول سنة 1973؛ حيث كان ترضية، ولم يأخذ بعين الاعتبار، الواقع الحقيقي للجاليات. الواقع الحقيقي كان هو « المسلمون المغاربة ».

    وبدل أن تكون هناك مرافقة للمسلم المغربي حتى يستطيع أن يجد ذاته في مرجعيته الروحية المغربية، حصل العكس؛ حيث تم إدخال مرجعية روحية أخرى عليه، مرجعية روحية غريبة عنه, وبطبيعة الحال، وقعت اصطدامات.

    مثلا في الحرب الباردة، ساهمت الدول الأوروبية في « أفغنة الإسلام » في أوروبا. أنا الآن أتحدّث بكلّ مسؤوليّة. لقد تم استعمال الإسلام من أجل مواجهة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وتم الزّجّ بمجموعة من الشباب. أذكر أن من يسمّون بـ »المجاهدين الأفغان » كانوا يُنعتون على صفحات الجرائد الفرنسية، بـ »les combattants de la liberté »، وكان رؤساء الفصائل الجهادية يُستقبلون في فرنسا كما يستقبل رؤساء الدول. وحتى في أمريكا، هذا المصطلح نطق به الرئيس الأمريكي السابق، رونالد ريغان، آنذاك، والذي استقبل أحد كبار قوات الجهاد، برهان الدين رباني، في البيت الأبيض.

    الخميني أيضا صناعة غربية. أذكّر بأنه قبل ذهابه إلى إيران، مكث بفرنسا 112 يوما، وأجرى 140 حوارا صحفيا، وإلى جانبه كبار المثقفين الفرنسين؛ أمثال ميشال فوكو، وجون بول سارتر، وسيمون دوبوفوار، وكانوا من مؤيدي الثورة الإيرانية ضدا في حزب « تواد » الإيراني الشيوعي، خوفا من انضمام إيران إلى أفغانستان، في إطار المعسكر الشرقي. أدلجة التديّن ساهمت فيها أيضا الدول الغربية. إذن، لها مسؤوليّة.

    *بالحديث عن أدلجة التديّن، هل يمكن اعتبار أنه يتم استغلال المسلمين في الحرب الروسية الأوكرانية حاليا؟

    أكيد يتم ذلك، للأسف الشديد. عندما نلاحظ وجود ما يسمى بـ »المرتزقة »، أو حتى بين المسلمين الذين يعيشون في أوكرانيا وروسيا، نجد الآن « المفتي » الذي يتجنّد إلى جانب البلد التي يعيش فيها. نحن نخوض معارك كمسلمين، ولا ندري لماذا نخوضها.

    الكل يعرف الآن أن ما يقع بين البلدين معركة عالمية من أجل تشكيل الأحلاف؛ حيث يسعى المعسكران الغربي والشرقي لفرض هيمنتهما، والإسلام ضحية هذه المعارك السياسية والصراعات الإيديولوجية؛ حيث يُزجّ به في نار الحروب.

    الآن، يجب علينا أن نرفع أيدينا على الأديان بصفة عامة، ونتركها في مكانها، وهو المرافقة الروحية للمؤمنين، والارتقاء بالسلوك الإنساني، ولا شيء غير ذلك. هذا هو الدّين.

    *كيف تقرؤون واقعة سماح أمريكا بأداء صلاة التراويح في ميدان « تايمز سكوير »، لأول مرة؟

    قد نعتبر هذا الأمر استغلالا للصور، بشكل عاطفيّ. بصفة عامة، أنا لست مع إقامة الصلاة في الشوارع؛ لأن الصلوات يجب أن تقام في أماكنها، وهي بيوت الله. وبطبيعة الحال، يجب أن نمكّن المسلمين من التوفر على أماكن إقامة الشعائر الدينية؛ أي مساجدهم. الصلاة ليست استعراضا، بل هي عملية روحية. وحتى في اللغة، فهي تعبر عن الصلة بين العبد وربه. بالنسبة لي، هي أكثر رقيّا مما نقدمه كصورة. وما حدث لا يجب أن يُعتبر استعراضا للقوة.

    *في نظركم، هل الأدوات الحالية المتوفرة لديكم أو لدى المؤسسات الدينية الرسمية، قادرة على حماية الأمن الروحيّ لمغاربة العالم؟

    أظن أنها قادرة على ذلك، نظرا لما نتوفر عليه من ترسانة مهمة من الناحية العلمية والمعرفية، ومن ناحية النّموذج. لكن بشرط أن يكون بين كل الفاعلين، تنسيق وتفكير جماعي، وعمل على تطوير وتحيين ما نقوم به، من أجل أن نرافق التطورات التي تعرفها المجتمعات الغربية بالدرجة الأولى، وننخرط في العالم الرقمي من أجل ضمان أكبر قدر من التحصين لجاليتنا؛ إذ لا يمكن أن تقوم بهذا كلّه مؤسسة بمفردِها.

    =========

    الحديث المطلق عن تراجع « الإسلاميين » مُجازفة ومن الصعب أن يحتكر أي طرف الحديث باسم الدين

    الدكتور سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المغربية سابقا، وأحد المفكرين المغاربة..

    *كيف تنظرون إلى طبيعة تديّن المغاربة؟

    التديّن لدى المغاربة جزء من كينونتهم الجماعية، والمغاربة بمختلف مشاربهم الفكرية، متديّنون بالطبيعة، رغم ما يمكن تسجيله من ملاحظات. وهذه الميزة هي التي جنّبت المغرب عدة مشاكل وتحديات عاشتها مجتمعات أخرى. لذلك، من الصعب أن يحتكر أيّ طرف الحديث باسم الدين، لأن المغاربة كلهم يشتركون في هذا الانتماء.

    *ما ردّكم على من يرى أن التديّن يتعارض مع الإقبال على الحياة؟

    هذا القول غير صحيح، ولا شيء في الدين يمنع من الإقبال على الحياة، والتمتع بما وهب الله فيها من نعم. ونحن نقرأ في القرآن الكريم: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّـهُ لَكُمْ »، ونقرأ فيه: « قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق »، وآيات أخرى كثيرة تتضمن ترغيبا في الإقبال على الحياة والاستمتاع بها، والإبداع فيها وتنميتها، كل ذلك في إطار مبادئ الدين وأحكامه، وفي إطار الأخلاق. مع العلم أن الأصل في الدّين هو الإباحة والسّماح والتيسير. ويستطيع المسلم أن يستغني بالمساحات الواسعة من الحلال عن الحرام، وبالمجالات الفسيحة المتنوعة للطاعة عن المعصية. لكن كما هو الشأن بالنسبة لجميع الأديان والمذاهب، قد تكون هناك رؤى متشدّدة. لكنها ليست الأساس، ولا الاتجاه العام في الإسلام.

    *هل تديّن مجتمع ما مرتبط بالضّرورة بوجود حركات إسلاميّة فيه؟

    هذا سؤال غير دقيق. فبروز المجتمع المدني أو الحركات المدنية يلبّي، عادة، حاجة مجتمعية. قد تُبلي الحكومات والجهات الرسمية جيدا في العناية بشؤون البيئة، لكن هذا لا يغني عن وجود مجتمع مدني يسهم أيضا في هذا المجال. وكذلك في مجال التديّن، لا شكّ أن هناك الكثير من الجهود الرسمية، لكن هناك أيضا العديد من الجهود الشعبية؛ مثل العلماء، والزوايا، والجمعيات، وغيرها، والحركات الإسلامية – مع الإشارة إلى فضفاضية هذا المصطلح – ليست إلا جزءا من هذه الجهود. وهناك قوانين تنظم العمل المدني والجمعوي، وهي تعمل في إطارها.

    *في رأيكم، هل تراجع حضور الإسلاميين داخل المجتمع المغربي يعني تراجع مظاهر التديّن داخله؟

    « الإسلاميون » – حسب ما أرى – شرائح واسعة في المجتمع، متنوّعة ومتباينة. لذلك، فالحديث عن تراجع حضورهم بهذا الإطلاق، مجازفة. وعلى الرغم من ذلك، فربط تقدّمهم وتراجعهم بتقدّم وتراجع التديّن غير دقيق، ولم يقله أحد.

    *إلى أيّ مدى يمكن أن نعتبر أن المؤسسات الدينية الرسمية قادرة على صيانة الأمن الروحي للمغاربة؟

    المغاربة استطاعوا أن يبدعوا عبر التاريخ أشكالا معتبرة استطاعت أن تصون الأمن الروحي للمغاربة، وهكذا فقد لعبت الزوايا والرباطات دورا مهما في تأطير الجانب الروحي للمغاربة. كما أن مؤسسة إمارة المؤمنين تعتبر الحجر الأساس في تدبير الشأن الديني، وذات دور فعّال في تحصين الأمن الروحي للمغاربة. ومن هنا، فإنّ ما تقوم به المؤسسات الدينية الرسمية مهمّ جدا في هذا المجال.

    *كيف ترون مستقبل التديّن في المغرب؟

    اتّفقت عدة تقارير بحثية على رصد ارتفاع وتزايد في مؤشرات الإقبال على التديّن في المجتمع المغربي، وهذه التقارير شملت مختلف الفئات الاجتماعية، وتكاد تتفق على خلاصة كبرى هي: « استمرار تصاعُد الإقبال على التديّن وسَط المجتمع المغربي ».

    ومن أهم المؤشرات الدّالة في هذا الباب، الإقبال على المنتوج الدعوي في الإعلام، والاطراد الملحوظ في تشييد المساجد، والإقبال على تراويح رمضان، والرغبة الواسعة في الحج والأعداد الكبيرة للمسجلين، وغيرها من المؤشرات التي تدل على تعظيم المغاربة للدّين ولشعائره. لذلك، فأنا متفائل أن المغاربة قد يختلفون في أمورة عدة، لكن مظلّة الدين الواسعة، والحمد لله، تسعنا جميعا وتوحّدنا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • قيس لبس كيس.. أسباب وأبعاد استقبال زعيم البوليساريو في تونس

    عبد الهادي مزراري

    تلقيت دعوات من أصدقاء ومتابعين لشرح موقف تونس من قضية الوحدة الترابية للمغرب بعد استقبال الرئيس التونسي قيس سعيد زعم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي لحضور أشغال القمة اليبانية الإفريقية، التي تستضيفها بلاده.
    وقد اثار انتباه المغاربة الطريقة المستفزة، التي خص بها رئيس تونس زعيم الجبهة الانفصالية والاستقبال الذي حضي به، فيما يبدو رسالة واضحة من الرئيس التونسي وهو يرد على الملك محمد السادس، الذي قال قبل أيام في خطاب ثورة الملك الشعب “إن قضية الصحراء هي النظارة التي بنظر منها المغرب إلى العالم”.
    وليس من تفسير للتصرف الذي أقدم عليه قيس سعيد سوى رده على الخطاب الملكي بعبارة “نحن لسنا معكم نحن مع الجزائر”.
    استقبل قيس زعيم البوليساريو بصفته “رئيس دولة”، ولكنه قادم على متن طائرة رئاسية جزائرية، فالأمر فيه التباس حتى على مستوى الفهم. ولم يجد قيس ما يبرر به فعله سوى محاولة تكيبف استقبال غالي في إطار العضوية التي تتمتع بها جبهة البوليساريو، وهي “دولة وهمية”، عضو في الاتحاد الإفريقي لحضور أشغال الدورة الثامتة للقمة اليابانية الإفريقية.
    للإشارة سبق ان استضافت اليابان أشغال القمة السابقة ورفضت حضور جبهة البوليساريو، فلم ينتظر وزير خارجية اليابان زقتا طويلا حتى أكيد خلال اشغال القمة في تونس وعلى مسمع قيس وغالي “أن اليابان لم تستدع كيانا لا تعترف به وحضوره في قمة تونس لن يغير موقفها منه”.
    انطلقت اشغال القمة اليابانية الإفريقية في تونس وهي فاشلة، انسحب منها المغرب، وخفضت عدد من القيادات الإفريقية مستوى حضورها، ولم يحضرها رئيس الوزراء الياباني بدوره، وأطلقت دول إفريقية الرصاص في قاعة الاجتماع، متهمة تونس بالتورط في إستضافة كيان موبوء ومنبود وغير مقبول كما قالت بذلك السنغال وجزر القمر وغينيا بيساو، الذي انسحب رئيسها من القمة.
    يبدو أن حظ اليابان هذه السنة ليس على ما يرام، شهدت مقتل رئيس وزرائها السابق، وتعرضت لضغط كبير بسبب الحرب الروسبة في أوكرانيا، وازداد الخناق عليها بسبب الأزمة الصينية التايوانية، والآن تحصد الخيبة في قمتها مع الافارقة في بلد (تونس) على شفا الانهيار، لأنه استضاف كيانا وهميا يستمر في خلق مزيد من المشاكل.
    نعود الآن إلى تونس، وبالنسبة لمن يريد أن يعرف سبب إقدام قيس سعيد على فعلته، فالأمر لا يتعلق بتونس كبلاد وشعب، ولم يفاجأ المغاربة بردود قيادات سياسية وفكرية تونسية هبت لاستنكار تصرف الرئيس وعارضته بقوة على ما فعل.
    إن الامر يتعلق بشخص قيس سعيد، ومن يعرف الرجل جيدا لن يستغرب موقفه، فهو انقلابي بطبعه على كل شيء طبيعي، وهو الآن رئيس غير شرعي ويعاني عزلة داخل تونس، خاصة بعد انقلابه على الدستور، ونبده الحياة السياسية، والتدخل في القضاء، وهدم كل الحدود بين السلطات التي يعمل جاهدا على جمعها في بده في قبضة من حديد.
    كاريزما الرجل من قسمات وجهه وطريقة كلامه وحركات جسمه، وأحيانا حتى من اسمه، وبالنسبة لقيس فهو يقبع في فصول قديمة من التاريخ ومن حقب تجاوزها الزمن، يحمل أفكارا مجففة ومعطرة بالقومجة ومطبوخة بشعارات شعبوية بلغة عمر وزيد، ويتصرف داخليا وخارجيا كأنه القائد الملهم وتحت يده قوة من المبادئ المدعومة بجيش وأسلحة لا نظير لها إلا في العنتريات والمعلقات.
    إنه قيس سعيد، الذي حمله طلبة في الكلية على أكتافهم إلى سدة الرئاسة، ولم يكن ليصل إليها لو لا نسيم الحرية الذي صنعته ثورة الياسمين. لكن قيس هو قيس قاس طوله وعرضه وصنع كرسيا على مقاسه، وأخذ في شفط أكسيجين الحرية رويدا رويدا.
    في ظل سطوته السياسية ومواقفه ااخارجية التي لا تستقيم مع مصلحة تونس، ناصب العداء للاتحاد الاوروبي، وهاجم مواقف أمريكية، وصب الزيت بتهور على إسرائيل، معتقدا أن تلك مواقف ستعزز شعبيته بين التونسيين.
    مقابل ذلك ومع مرور كل يوم على وجوده في السلطة تغرق تونس في الديون والأزمات، لا استقرار سياسي لا استثمارات خارحية، حتى وصل العجز بالدولة إلى عدم قدرتها على اداء رواتب الموظفين، وتدخل صندوق النقد الدولي بمزيد من الشروط لتصحيح خطوات النظام التونسي.
    في خضم معاناة البلاد الاقتصادية والسياسية، لم تتفتح عبقرية قيس على مخططات لجلب الاستثمارات وإقامة المشاريع وإنعاش الاقتصاد، وإنما تفتحت عبقريته على الارتماء في مختبر أفكاره المتسمة بالانغلاق والتزمت، وإن الفعل من جنس صاحبه.
    فكر قيس من أجل حل المشاكل التي تعانيها تونس الاصطفاف خلف الأنظمة الشمولية، ولم لا وهو يقود تونس نحو نظام دبكتاتوري حتى لقب ب”الديكتاتور الصغير”.
    توجه قيس إلى جاره الغربي النظام الجزائري العسكري، الذي لمس حاجة قيس للمال ونصب له الشراك، وفي نهاية العام 2021، وفي اعقاب دعوة وجهها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للرئيس قيس، كانت صقفة على الطاولة بقيمة 300 مليون دولار في شكل قرض لم يعلن عن أي إجراء بطرق تسليمه او تسديده.
    بالنسبة للنظام الجزائري، لا تهمه تنمية تونس ولا مساعدة شعبها، لأنه أصلا لا يهتم حتى لأمر الشعب الجزائري، وإنما همه الوحيد هو ضرب المغرب من خلال دعم البوليساريو. وليس أفضل من فرصة لاستمالة موقف تونس ووضعها تحت إبط النظام الجزائري، من تلك التي يقدمها قيس سعيد وهو في حالة شخص مفلس نصب نفسه أبا على عائلة في لحظة العزاء فيما لا يملك لا مال ولا شرعية.
    إن اصطياد موقف تونس وتأليبها ضد المغرب صيد ثمين بالنسبة للنظام الجزائري في وقت تكبد ما يكفي من الخسائر على المستوى الإفريقي والعربي والدولي، وبالتالي هو موقف يضخ بعض الأكسجين في القلب العدائي للنظام الجزائري ضد الوحدة الترابية للمغرب. وهو ايضا موقف تحتاج إليه الدول التي تقف في المنطقة الرمادية، ولها مصلحة في الإقليم المغاربي، وتحديدا فرنسا التي تلعب على اكثر من حبل، والتي ختم رئيسها ماكرون زيارته إلى الجزائر قبل ساعات.
    فعلها ثعالب العسكر بالتيس عفوا بقيس، وألزموه بالاصطفاف إلى جانبهم، وقبل أن يقيد النظام الحزائري رئيس تونس كان هو أول من قيد نفسه بأفكاره الخاطئة ومواقفه التي تفتقر الى الحنكة والتجربة، فهو على كل حال “قيس لابس كيس”، وظهر به مبتهجا في القمة اليابانية الإفريقية الثامنة التي لا تسمن ولا تغني من جوع لا إفريقيا ولا اليابان.
    طابت أوقاتكم

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بكم أبرم الرئيس التونسي صفقته المشبوهة؟!

    إسماعيل الحلوتي

    في خطوة غير مسبوقة على الإطلاق في تاريخ تونس الخضراء، لم يكن حتى أكبر المشككين في رجاحة فكر رئيسها قيس سعيد وسلامة عقله يظن أنه من الممكن أن يقدم عليها يوما ما. وهي تلك الخطوة الحمقاء المتمثلة في استقباله لزعيم جبهة البوليساريو الانفصالية المجرم إبراهيم غالي الملقب بابن بطوش، يوم الجمعة 26 غشت 2022 بمطار قرطاج الدولي من أجل المشاركة في الدورة الثامنة لمنتدى التعاون الياباني الإفريقي، المنعقدة بتونس يومي السبت والأحد 27/28 غشت 2022، في تحد سافر للعلاقات الأخوية التي ظلت تربط على الدوام بين البلدين، ودون أدنى مراعاة لمشاعر المغاربة.

    وهي كذلك خطوة تؤكد بشكل واضح وصريح التحول في الموقف التونسي والتوجه العدائي للرئيس، مما اضطر معه المغرب إلى الإعلان عن مقاطعة هذه القمة والاستدعاء الفوري لسفير صاحب الجلالة بتونس حسن طارق للتشاور، احتجاجا على هذه التصرفات غير السوية. حيث أبرزت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين في الخارج، عبر بلاغ صادر في ذات اليوم أنها ترفض ما صارت عليه تونس مؤخرا من مواقف عدائية تجاه المملكة المغربية ومصالحها العليا، ولاسيما بعد أن قررت بشكل أحادي وضدا على رأي اليابان توجيه الدعوة للكيان الانفصالي في انتهاك صارخ للأعراف والقواعد المعمول بها…

    وهي أيضا ذلك الموقف العدائي الذي أثار ردود فعل ساخطة وغاضبة ليس فقط في الأوساط المغربية، بل حتى من داخل تونس نفسها كذلك. حيث جاء أول هذه الردود من قبل الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي المعارض في تونس غازي الشواشي، الذي قال في هذا الصدد “إن الرئيس التونسي بعد تدميره لمؤسسات الدولة التونسية وتعطيله لمسار الانتقال الديمقراطي واغتصابه لكل سلطات البلاد، يتجه اليوم نحو نسف علاقات تونس مع الدول الشقيقة والصديقة والإضرار بالمصالح الدبلوماسية والاقتصادية التي تربطها بها”

    فيما تلقت الأحزاب السياسية المغربية بحنق شديد إقدام الرئيس التونسي على توجيه دعوة رسمية لزعيم مرتزقة البوليساريو من أجل المشاركة في أشغال قمة ندوة طوكيو الدولية للتنمية في إفريقيا (التيكاد)، معتبرة أنها خرق سافر لروح ومقتضيات العلاقات الثنائية والإقليمية من جهة، والتزامات الدول الأطراف في هذا اللقاء الذي يفترض أن يتم فيه اقتصار المشاركة على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة من جهة أخرى. وذلك وفق ما تم إقراره في القمم السبع الماضية، حيث سبق للمغرب أن ألزم الدول الأعضاء في المنتدى الإفريقي الياباني بضرورة طرد وفد الانفصاليين الذي كان قد تسلل لأشغال اجتماع وزاري تنسيقي، احتضنته الموزمبيق في سنة 2017.

    حيث أنه وفور تفشي الخبر أجمعت كل الأحزاب المغربية على إدانة التصرف العدائي الأخرق وانزياح الرئيس التونسي عن النهج الودي الراسخ تجاه المغرب، ومنها على سبيل المثال لا الحصر حزب التجمع الوطني للأحرار قائد التحالف الحكومي الثلاثي، الذي أعرب عن استنكاره الشديد لهذا الفعل العدائي الموجه ضد المغرب ووحدته الترابية، والذي يؤكد بالملموس مسلسل التهور الذي أدخل فيه الرئيس التونسي قيس سعيد الشقيقة تونس، من خلال اتخاذه قرارات مجانية مفرطة في العداء للدول الصديقة، وهو الفعل المدان من قبل كل القوى الحية بالبلاد، الذي سيجعل النظام التونسي يصطف مع أعداء المملكة وداعمي الميولات الانفصالية…

    وبذات النبرة الحادة من التذمر أعلن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عن دعمه الكامل واللامشروط لقرار الحكومة القاضي باستدعاء سفير المملكة بتونس والانسحاب الفوري من قمة (التيكاد). واعتبر موقف الرئيس التونسي بمثابة طعنة في ظهر المغرب الذي ظل حريصا على أمن واستقرار تونس، وكان دائما هو الداعم الأول لها إبان الظروف الصعبة التي كانت تمر منها، على إثر استهدافها من الإرهاب الإسلاموي، في تلك المرحلة من البحث عن الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي بعد ثورة “الياسمين”. فهل نسي سيادة الرئيس ذلك الدعم السياسي والمعنوي الذي قدمه ملك المغرب محمد السادس لبلاده، حين أبى إلا أن يمدد مقامه بها في تلك الفترة العصيبة، مترجما بذلك أقصى درجات التضامن والدعم؟

    كما لم يفت باقي الأحزاب وعدد من الشخصيات السياسية والإعلامية البارزة أن تشجب بشدة السلوك العدائي للرئيس التونسي، باعتباره سقطة تاريخية مدوية في التعامل مع ملف الصحراء المغربية وسلوكا خطيرا ومرفوضا بقوة، لأنه يخرق بشكل بليغ العلاقات التقليدية المتميزة والمتينة التي طالما ربطت البلدين تونس والمغرب وشعبيهما الشقيقين منذ ما قبل الاستقلال، وهو كذلك تصرف منبوذ يجسد مساسا سافرا بالوحدة الترابية للملكة المغربية وبالمشاعر الوطنية لكافة الشعب المغربي، وستكون له انعكاسات سلبية على العلاقات الأخوية بين البلدين…

    إننا ندين بشدة هذا التوجه العدائي الذي أقدم عليه الرئيس التونسي قيس سعيد، الذي اختار لنفسه أن يتحول مثله مثل ضيفه “ابن بطوش” إلى مجرد “دمية” طيعة في أيدي كابرانات الجيش الجزائري، الذين يتحكمون في خيوطها عن بعد ويحركونها وقتما يشاؤون وإلى أي اتجاه يريدون، خدمة لأجنداتهم التخريبية في المنطقة. بيد أننا نؤمن في ذات الوقت بأن هناك من التونسيات والتونسيين من هم غير راضين عن تحول بلادهم إلى حديقة خلفية للجزائر مقابل حفنة دنانير لن تسعفه في انتشالها من الأزمة الشاملة والخانقة، وقادرين على إنهاء مسلسل المهازل والخروقات المتواترة، والعمل على إعادة “القطار” إلى سكته السليمة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عندما نجح الفيلسوف وليام جيمس في توقيف الزمن !!! – الجزء الثاني

    سعيد سونا – باحث في الفكر المعاصر

    يقول الإمام علي كرم الله وجهه ” الإنسان إما أخ لك في الإسلام أو نظير لك في الإنسانية ” … لذلك أسس الإسلام بحزمة من النصوص الشرعية ، وعبر قطعياته لمنظومة من المبادىء في التعامل مع الآخر ، تحفظ له خصوصيته الشخصية والدينية وتضمن له كامل حقوقه اذا كان في بلاد الإسلام ، أما مع حلول النكبة أو ماسمي بمرحلة الانكسار التاريخي ،،،، حيث تم تهشيم مفهوم الأمة وتغول القطرية … ظهر في بلاد الإسلام مايسمى بالدولة المدنية العلمانية ، التي تعطي الشرعية لمفهوم المواطنة وتلتف على الدين وتجعله حرية فرضية لامصدرا للحكم والتشريع ،،، وأصبح الدستور والقوانين التنظيمية هي الفيصل في بسط أركان الدولة المدنية … فإذا قال نيتشه ” الجحيم هو الآخر ” ،،،، فالاسلام يعتبر الآخر مشروع مسلم وإن لم يكن كذلك ،،، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عندما مرت عليه جنازة يهودي ، سقط مغشيا عليه على ركبتيه ، وقيل له لماذا تبكي على يهودي ،،،، قال عليه صلوات ربي وسلامه ،،، كنت أتمناه أن يموت مسلما حتى أعتقه من النار ،،، فداك نفسي وكل ما أملك ياحبيبي أيها النبي والمفكر ، ورئيس الدولة الأمة ، والمشرع ، والقائد العسكري ، والقاضي الأمين ،،، فهذا الرسول بعثه الله للكون كله ، حتى يجعله واحة سعادة ، تبدأ من الدنيا ، وتمر على القبر ، وتنتهي بجنة أبدية…

    هذا الإستهلال كان ضروريا ، حتى يهنأ أهل الجنابة ، ممن تؤزهم الشياطين أزا ،،، مصداقا لقوله تعالى ” أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِين عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزّهُمْ أَزًّا ” أن الإقبال على انتاجات الآخر ينطلق مما أشرنا إليه من أرض صلبة ، في كل أبحاثنا السابقة واللاحقة … فمقولتي المقدسة في تمنيع الذات من أي قراءة اندماجية هي كالتالي ” ..

    ”لا تَتكِل على إيمَانكَ …
    ولا تَركن إلى يَقِينكَ …

    ‏ تَبرأ مِن حَولِكَ وقُوَّتِكَ …
    واستَعِن بربّكَ ليعصِمكَ …
    وخَاصَةً في أزمِنَة الفِتَن …

    فَأنتَ بِدونِ عَون الله وتَوفِيقه هَالِك!
    اللهم انا بك ومنكم واليك ولك ابدنا بك وردنا إليك …

    نعم اخترنا أن نمضي إلى الآخر، في مطارحة الموسوعة الفلسفية التي تمشي على الأرض ،،،، وليام هنري جيمس ،،، وخصوصا في شطحة خيال جميلة قام بها بلا قعر … فلا بأس من الخيال اذا كان يشعرنا بالسعادة !!!

    وليام جيمس هذا نادى في الكون ، وأراد أن يتحدث مع الزمن لأنه تقدم به السن ولايريد أن يموت … فحضر الزمن في صفة رجل طويل القامة رأسه في عنان السماء ،،، بعصا طويلة غليظة يدب بها في الأرض … والبشرية كلها تنظر إليه !!!

    وقال بصوت جهوري : أحدكم طلبني ؟
    رد وليام جيمس : أنا
    قال : ماذا تريد ؟
    قال : لماذا تمشي أيها الزمن أريدك أن تتوقف ،،، لا أريد أن أموت ؟؟؟
    قال : نعم سأتوقف لن تموت ،،، ولكن اعلموا أن الرجل الذي يشرب الدواء لن يشفى ، لأنه سيبقى يتألم ، وانت لن تضعي مولودك ستبقين حاملة … وهذا الطفل لن يكبر سيبقى هكذا …
    وأضاف قائلا : أنا لست مسؤولا عنكم إذا تجمدتم

    وحينذاك تسمر وليام جيمس في مكانه وقال للزمن :

    لماذا لاتعود إلى الوراء نريد شبابنا الذي ضاع ؟؟؟

    قال : سأعود للوراء ولكن ؟؟
    فدب الرعب في قلب وليام جيمس وقال : ولكن ماذا أجيبني؟!

    قال الزمن : انت سترجع شابا ثم طفلا ثم رضيعا ثم تعود لبطن أمك … وأنت الذي زوجك ميت ووعدتيه ألا تتزوجي بعده ،،، سينهض من قبره ويجدك متزوجة !!! وأنت أيها الشاب سينهض والدك من قبره ، ليسألك عن ثروته التي ضيعتها يمينا وشمالا ….

    وفجأة استسلم وليام جيمس للزمن قائلا :

    حدثنا أيها الزمن : هل أنت مظهر أم جوهر … أم ماذا ؟؟؟

    قال الزمن : اعلموا جيدا ،،،، أن الحياة تتجدد ولا تتجمد ،،، الحياة تتخلد في النوع وليس في الأفراد ، النوع يبقى والأفراد يموتون، أوراق الشجر تسقط ، ثم تخلفها أوراق أخرى ، الآباء يموتون ثم يأتي الأبناء … وهكذا

    فعلا إنها ثنائية الحياة والموت ، ويالها من شطحة خيال ، تشعرنا بالاطمئنان ، لكن ماهي أهم محطات فكر وليام هنري جيمس ؟؟؟

    كان الفيلسوف ويليام جيمس أول معلم يقدم دورة عن علم النفس في الولايات المتحدة ، واستطاع عن جدارة أن يحصل على لقب ” والد علم النفس الأمريكي …
    كان هذا العبقري مفكرا في العديد من التخصصات مثل علم وظائف الأعضاء ، وعلم النفس ، والفلسفة ، كما أنه صاحب مبادئ علم النفس  1890 ، الذي أعطى مزيج غني بدون شك في مجال علم النفس وأثر على أجيال من المفكرين في أوروبا وأمريكا ، وكانت كتاباته منذ البداية فلسفية بقدر ما كانت علمية …

    من هو الفيلسوف وليام جيمس ؟؟؟

    كان فيلسوفًا وعالمًا في علم النفس وأحد كبار المفكرين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، وبعد انتهاءه من الدراسة في كلية الطب ، ركز جيمس على النفس البشرية ، وكتب تحفة فنية حول هذا الموضوع وهي مبادئ علم النفس ، واشتهر بالعديد من المقالات في الفلسفة الشعبية …

    – حياة الفيلسوف وليام جيمس المبكرة :

    وُلد وليام جيمس في مدينة نيويورك في 11 يناير 1842 ، وكانت عائلته عائلة فكرية ، وكان هو أكبر أبناؤهم الخمسة ، وتعلم على يد مدرسين في مدينة نيويورك وأوروبا ، وفي وقت مبكر تطلع جيمس أن يكون إما فنان أو عالم  ، وبالفعل درس الرسم مع وليام موريس هانت لأكثر من عام ، وبعد ذلك ترك حلمه في أن يصبح فنانًا ، والتحق بجامعة هارفارد لدراسة الكيمياء وعلم وظائف الأعضاء ، وذهب بعدها للدراسة في كلية الطب بجامعة هارفارد في عام 1864 ، وفي عام 1865 أخذ جيمس استراحة من التعليم وأراد الانضمام إلى بعثة لويس أغاسيز التي كانت ذاهبة إلى حوض الأمازون ، ثم ذهب إلى ألمانيا في عام 1867 للعلاج حيث أنه عانى من بعض المشاكل الصحية ، بما في ذلك آلام الظهر ومشاكل البصر والاكتئاب …

    حياة وليام جيمس المهنية

    قضى الفيلسوف معظم حياته الأكاديمية في هارفارد فبعد أن أنهي دراسته تم تعيينه مدرسًا في علم وظائف الأعضاء و علم التشريح عام  1873 ، وأستاذًا مساعدًا في علم النفس في عام 1876 ، وأستاذا مساعدًا للفلسفة في عام 1881 ، وأصبح أستاذًا رسميًا في عام 1885 ، ثم تدرج في السلم الوظيفي حتى أصبح أستاذًا فخريًا للفلسفة في عام 1907 …
    وبالرغم من أن جيمس درس الطب وعلم وظائف الأعضاء و علم الأحياء ، إلا أنه استمد كل هذه الدراسات العلمية من العقل البشري نفسه ، وبدأ يتشكل علم النفس كعلم منفصل بذاته ، وعمل مع شخصيات معروفة مثل هيرمان هيلمهولتز في ألمانيا وبيبر جانييت في فرنسا ، وقدم دورات في علم النفس العلمي في جامعة هارفارد …

    الفيلسوف وليام جيمس ونظرية المعرفة

    كان جيمس صاحب النظرية الواقعية حيث كانت مزج بين نظرية المراسلات الحقيقية ونظرية التماسك من الحقيقة ، فقد أثبت أنه يمكن التحقق من الحقيقة إلى الحد الذي تتوافق فيه الأفكار والعبارات مع الأشياء الفعلية ، وكذلك تحقق من مدى تماسكها، حيث قد توافقت قطع اللغز معًا ، وتم التحقق منها بدورها من خلال النتائج المرصودة لتطبيق الفكرة على الممارسة الفعلية …

    نظريات أخرى لوليام جيمس

    هناك العديد من مساهمات جيمس في علم النفس حيث كان له العديد من النظريات ومنها :

    – النظرية البراغماتية :

    وكتب عنها جيمس بشكل كبير حيث عرف مفهوم البراغماتية ، ووفقًا للواقعية قال إنه لا يمكن إثبات حقيقة الفكرة أبدًا ، واقترح أن نركز بدلاً من ذلك على القيمة النقدية أو الفائدة لفكرة ما …

    – النظرية الوظيفية :

    عارض فيها وبشدة التركيز المبني على التأمل ، وتفتيت الأحداث العقلية إلى أصغر العناصر ، وبدلاً من ذلك ركز على مدى فعالية الحدث ، مع الأخذ في الاعتبار تأثير البيئة على السلوك …

    – نظرية جيمس-لانج العاطفية :

    وهذه النظرية توضح أنه أذا حدث ما يؤدي إلى رد فعل فسيولوجي والذي نترجمه بعد ذلك وفقًا لهذه النظرية ، تحدث العواطف بسبب تفسيراتنا لهذه التفاعلات الفسيولوجية …

    – وليام جيمس والإرادة الحرة :

    في بحثه عن الحقيقة والمبادئ المتنوعة لعلم النفس ، طور نموذجه على مرحلتين للإرادة الحرة فقد كان يحاول أن يوضح كيف أن الناس يتوصلون إلى اتخاذ قرار ، وما هي العوامل التي ينطوي عليها هذا القرار ، وكان يريد أن يحدد أولا القدرات الأساسية على اختيار الإرادة الحرة ، ثم حدد عاملين لدى كل شخص وهما الفرصة والاختيار …

    – حياة وليام جيمس الشخصية :

    تزوج جيمس من أليس هاو غيبنز في عام 1878 وأنجبوا خمسة أطفال ، وتعرض للاكتئاب الشديد تحديدًا عندما فقد هو وزوجته ابنهم هيرمان بسبب مضاعفات السعال الديكي في سن الثانية …

    – حياة وليام جيمس اللاحقة :

    خلال الفترة المتبقية من حياته ، ركز بكل طاقته على تطوير فلسفته الخاصة ، و كتابة المقالات ، والمحاضرات التي تم جمعها لاحقًا ونشرها في أربعة كتب ، واستقال من جامعة هارفارد عام 1907 ، فقد شعر بالقلق من أن يموت سريعًا قبل أن يستكمل فلسفته ، وكان وليام جيمس يعاني من العديد من الأمراض كالذبحة الصدرية وضيق في التنفس ، وكثيرا ما تعرض للاعتداء الفكري من قبل الفلاسفة السائدة بسبب معاملته البراغماتية للحقيقة ، والتي دافع عنها في مجموعة من المقالات المنشورة له حيث كان يتحدث عن معني الحقيقة …

    وفاة وليام جيمس … فمن الواريث ؟؟؟

    وفي عام 1910 أصيب بمشكلة في القلب وتعب تعبا شديدا ، ولم يتمكن من عمل أي أنشطة عادية ، وحاول جاهدا أن يستكمل كتابه حول مشكلات الفلسفة ، ولكنه توفي في 26 أغسطس  1910 ، وفي عام 1911 تم نشر كتابه الذي كان يعمل على كتابته حيث قام أبنه هنري بنشر ذكرياته ودراساته بعد وفاته ، وقام بعدها بتجميع كل المقالات والاستعراضات وخطابات  وليام جيمس وتم تحريرهم في مجلدين ، ولقد لاقت كتاباته الكثير من الإعجاب حيث كان يتميز بالأسلوب النابض بالحياة والمفعم بالحيوية ، فقد مارس وليام جيمس التفكير التلقائي ونضارة التعبير ….

    يتبع ….

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • نظام القوة الضارطة في الجزائر والعيش في التوهان

    يعيش نظام القوة “الضارطة” (أعزكم الله) في الجزائر، خلال السنة الأخيرة حالة من التخبط غير مسبوقة، وذلك راجع بالأساس إلى حالة التوهان التي أصبح يعيشها بسبب ذلك الكم من الصفعات التي تلقاها هذا النظام وصنيعته البوليساريو، والتي كانت أقواها تلك التي جاءته من الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن أصدرت قرارا يعترف بسيادة المغرب على صحرائه، لتلتحق بها عدد من الدول الكبرى في أوروبا، قبل أن تتوج ذلك كله إسبانيا بتغيير موقفها حول قضية النزاع المفتعل في الصحراء المغربية، إلى دعم كامل للمقترح المغربي بشأن الحكم الذاتي كحل واقعي للنزاع.

    ويتمثل هذا التوهان وضياع البوصلة عند نظام الجنرالات في الطريقة التي يعالج بها هذا النظام الجاثم على صدر الشعب الجزائري، الملفات الطارئة التي تعترض سياسيته سواء تعلق الأمر بالملفات الداخلية أو الخارجية.

    وعلى سبيل المثال، لو كان نظام الجنرالات في الجزائر يمتلك القليل من المنطق وصادق في تعامله مع المملكة الإسبانية، ويعي جيدا ما يصدره من قرارات، لعلق جميع المعاهدات والاتفاقات التي تربطه مع الولايات المتحدة الأمريكية ومعها فرنسا وألمانيا، والدول العربية وجل الدول الإفريقية، وجميعها تعترف بسيادة المغرب على صحرائه وتدعم مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب لوضع حد للنزاع المفتعل في الصحراء المغربية، وهذا الدعم هو الذريعة التي يتخذها نظام القوة “الضارطة” للقيام بما قام به تجاه إسبانيا.

    وبنفس المنطق، كان على النظام العسكري في الجزائر، أن يقطع علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية و يستدعي سفيره هناك، وذلك بسبب إعلان واشنطن نقل سفارتها إلى القدس المحتلة، هذا إذا كان بالفعل ينافح عن القضية الفلسطينية و يدود عنها كما يدعي ويزعم.

    ويمكنه أن يفعل ذلك أيضا مع الدول العربية الأخرى كالإمارات و مصر والأردن والبحرين التي لها علاقات متميزة مع “إسرائيل”، أم أن هناك حسابات أخرى لدى هذا النظام غير تلك يعلن عنها، ويستدعي ورقة القضية الفلسطينية ليتكئ عليها ويدغدغ بها عواطف الشعب الجزائري وله فيها مآرب أخرى.

    وهنا يمكننا الجزم أن إنتاج القرارات داخل غرف النظام العسكري في الجزائر، إذا ما أصبح يرتكز على الموقف من قضية الصحراء المغربية ومعها القضية الفلسطينية، فإن ذلك يعني أن هذا النظام يسير بخطى ثابتة نحو العزلة التامة، هذا من جهة.

    ومن جهة ثانية، إذا ما فكر جنرالات الجزائر التعامل مع دول العالم خاصة الجيران بأسلوب الضغط،  معتقدا أن المغرب يتعامل بهذا المنطق، فهو واهم ولا يفهم لا في التاريخ ولا في الجغرافيا ولا في السياسية مثقال ذرة.

    وذلك أن علاقة المغرب بجواره إذا ما تعلق الأمر بإسبانيا مثلا هو أكثر تعقيدا وعمقا،  ولا يتعلق بالمبادلات التجارية فقط، والمغرب لم يقاطع إسبانيا تجاريا في ظل الأزمة السياسية التي عمرت تسعة أشهر بين الرباط ومدريد.

    فما يجمع المغرب بجاره الشمالي، تعاون أمني واستراتيجي يتجاوز إسبانيا نفسها، والمغرب لم يستعمل يوما ما هذه المعطى كورقة ضغط، وإنما طالب طيلة التسعة أشهر بكل حكمة وهدوء أن يتم احترام السيادة ومبادئ حسن الجوار، وهو ما أكد عليه الملك محمد السادس، في خطاب المسيرة الخضراء، عندما شدد على أن المغرب يسعى جاهد إلى إقامة علاقات متينة وبناءة ومتوازنة، لاسيما مع الدول المجاورة، وهذا هو نفس المنطق الذي يحكم خيارات المملكة في العلاقة التي لديها حاليًا مع إسبانيا.

    الجزائر وفي ظل غياب قيادة حكيمة مع تحكم  الجنرالات في مفاصل الدولة، لا يمكنها أن تفهم هذه الأمور، وأن المواقف السيادية لا يمكن أن تتغير بالضغط الاقتصادي، لذلك فحتى الدول التي يعتبرها الجنرالات صديقة لهم لا تثق فيهم، وكمثال على ذلك الموقف الروسي الذي لا يكاد يفهم نوايا الجنرالات من الأزمة مع إسبانيا ومن ورائها الاتحاد الأوروبي ثم محاولة التقارب مع إيطاليا، مما يعني أن الدب الروسي ينظر إلى النظام الجزائري على أنه نظام غير موثوق فيه.

    رضوان جراف

    إقرأ الخبر من مصدره