Étiquette : قاسم حول

  • رئيس وزراء العراق لا على التعيين!.. قاسم حول

    الإعلام الإعلام الإعلام، الذي ينقذ العراق وينجيه، أو ينهكهه ويشظيه. وفشلت كل نظم العراق على مدى قرن من الزمان، في تنظيم العملية الأعلامية الأخطر في مسيرة الوطن سياسيا، إقتصاديا، إجتماعيا، وثقافيا، ذلك بسبب غياب المنهج الإعلامي العلمي والموضوعي، وعدم إدراك الأبعاد السيكولوجية والفيزيائية وتأثيرها على المستوى الجمعي والفردي.

    يتصدر الإعلام اليوم بكل أدواته المسموعة والمقروءة، وبشكل خاص المرئية أخطر أداة تدميرية لشعوب العالم من أجل الهيمنة على كنوز الثروات الطبيعية والمواقع الستراتيجية في تنظيم خرائط الإتصالات وتكريسها لصالح القوى التي تهيمن على تطور الشعوب وحرياتها!

    كل الحكومات التي تعاقبت على منبر السلطة تجعل الرئيس تائها في عالم سيطرت عليه الصورة من خلال القنوات الفضائية، والهواتف النقالة ومواقع التواصل الإجتماعي الإلكترونية، وصولا إلى الآتي في هيمنة الذكاء الإصطناعي وأنظمة الروبوت على العالم الذي يوصف بالجديد.

    لعل العراق هو الدولة الوحيدة التي لا توجد فيها “مدينة الإعلام” تاركة الحرية للشركات التي تعبث بها شركات الهاتف النقال، والقنوات الفضائية ممثلة في الصحون التي يطلق عليها “الطبق” الفضائي” وجهاز البث الـ “أس أن جي” ومراسلي القنوات التي تبث من خارج حدود الوطن، متمتعين بتقاسم حرية العبث بحياة المواطن ومستقبله، بين القنوات الخارجية ومراسليها وبين القنوات التي تبث من داخل حدود الوطن.

    هنا تشكل مدينة الإعلام المؤسسة الضامنة لحرية التعبير بما لا يسيء إلى قيم المجتمع وتاريخ الوطن العراقي مؤسس أول الحضارات الإنسانية دون الإستهانة بحرية التعبير “المشروطة بمعنى الحرية” وليست الفوضى المقصودة. وبالتالي تهيمن الدولة العراقية من خلال قمرها الإصطناعي، أوالأقمار الإصطناعية الرديفة، وتحول دون العبث بحرية المجتمع في جانب، وفي جانب آخر، عدم الإعتداء على أسرار الدولة وسياج الوطن.

    الإنسان الذي يضعف سمعه ويستعمل سماعة الإذن التي تحتوي على جهاز الإستقبال بحجم رأس الدبوس، يستطيع أن يلتقط البث الإذاعي، ويلتقط المكالمات اللاسلكية عبر “الووكي توكي” التي تستخدمها أجهزة الأمن والمخابرات بين عناصرها ومواقعها الأمنية، فكيف بالأطباق العملاقة في مراكز المدن وفي العاصمة؟ ذلك ما سهل على منظمة داعش الإرهابية من إقامة الحواجز المتحركة، وكانت تعتقل رجال الأمن وتعرفهم بالأسماء وبرتبهم العسكرية والأمنية والمهام التي كلفوا بها! لذلك عمدت الدول التي تحترم واقعها وسلطتها إلى تأسيس المدن الإعلامية خارج مراكز المدن وخارج العواصم بمسافة قدرت بعشرين كيلو مترا، ويفضل أكثر. وعندنا في هولندا مدينة الإعلام في مدينة “هلفرسم” تبعد عن العاصمة السياسية “لاهاي” بمسافة ما تقرب من مائة كيلو متر. وقد وفرت في المدينة كل وسائل العيش والتعليم والصحة من المراكز الطبية والمستشفيات والمدارس والمعاهد والجامعات، ومن خلال هذه المدينة يتم التحكم بالعملية الإعلامية وفق قوانين صارمة وخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها. في وقت يعيش فيه الوطن العراقي فوضى إعلامية ممثلة بعدد الفضائيات وعدد المراسين ومكاتب القنوات الخارجية وحريتها في التحرك والعبث بأسرار الوطن وتوزيع المعلومات لقوى لا تريد السلام للوطن العراقي.

    والسؤال وفق أي منهج قانوني يتم تأسيس الفضائية؟ وما هي الكفاءة الأكاديمية والوطنية لمؤسس القناة، وهل ثمة مجلس إدارة للقناة الفضائية يقع تحت طائلة المسؤولية الوطنية والأخلاقية ومسؤولية بناء الوطن، وليس الأستهانة ببناء الوطن الذي تعرض سياجه للهدم مرات ومرات، فكيف إذا ما عرفنا التأثير الفيزيائي للصورة المتحركة على سلوك وسيكولوجية الفرد والمجتمع، حين تحتفظ العين بأقل من عشر الثانية قبل أن يتم توليفها مع الصورة الآتية، وكيف إذا عرفنا بأن الثانية المتحركة تحتوي على أربع وعشرين صورة سينمائية وخمس وعشرين صورة في الثانية التلفزيونية؟! فكم من التاثيرات التي تنقلها العين للعقل الباطن الإنساني، ناهيك عن تأثير الصوت، ونحن نشاهد بمائة وثمانين درجة ونسمع بثلثمائة وستين درجة! 

    تحفر الفوضى الإعلامية وعدد الفضائيات وعدد شركات الهواتف النقالة مستقنعا مريضا في كل جسد العراق، ناهيك عن الهدر الإقتصادي، والفساد المالي والواجهات الفضائية لهذا الخلل الإجتماعي والفساد المالي والأخلاقي، والهيمنة على أسرار الدولة ومؤسساتها الأمنية والمخابراتية..!

    تقع قناة شبكة الإعلام العراقية في واجهة الخلل الإعلامي على كافة الصعد. وتضم القناة ما مجموعه خمسة آلاف منتسب، فيما العدد العامل في القناة العراقية في شتى الإختصاصات لا يتجاوزون الثلثمائة وخمسين منتسبا! ويمكن معرفة ذلك من خلال صالات وغرف الشبكة ومخازنها وبلاتوهاتها. إذ من غير المعقول أن تستوعب البناية ما مجموعه خمسة آلاف منتسب! وتتسلم القناة من ميزانية الدولة العراقية أكثر من مائة مليون دولار، تصرف على مرتبات ما يسمى بالفضائيين، وهم مليشيات تابعة لعدد من التنظيمات السياسية، ويكون ذلك على حساب البرامج الممتعة والموجهة لبناء المجتمع والإنسان العراقي، هذا إضافة إلى تفشي الأمية السياسية والثقافية والإعلامية لمديري شبكة الإعلام ومجالس أمنائها التي تتأسس على مقاس الطوائف والقوميات، وهو أمر مخجل للغاية في بناء مسار وطن بعد أن عمد الإحتلال على تحويل الدولة الفاشية إلى نظام اللا دولة!

    لو تساءلنا عن سبب وجود فضائية كوردية وإخرى تركمانية وثالثة آشورية تابعة لشبكة الإعلام العراقية، قنوات لايشاهدها مشاهد كوردي ولا تركماني ولا أشوري واحد، لوجود سبعة قنوات كوردية تبث من شمال الوطن وقناة تركمانية وقناتين آشورية تبث بلغاتهم وتعبر تراثهم ومشكلاتهم وصراعاتهم السياسية، فتشكل هذه القنوات الثلاثة عبئا إقتصاديا على ميزانية شبكة الإعلام العراقية، التي هي مرهقة أساسا برواتب لأكثر من أربعة آلاف وخمسمائة منتسب يطلق عليهم “الفضائيون” فهي بلاتو للتصوير ومقدمات ومقدمي برامج وإستهلاك كهرباء ومعدات إضاءة ومونتاج وكاميرات ومعدات تقنية.. ولا أحد يشاهدها. وشبكة الإعلام هذه لعبت لجان الأمناء دورا في تخريبها، لعدم حاجة القناة إلى لجنة الأمناء تلك، والصحيح أن يتشكل مجلس أدارة الشبكة من رؤوساء الأقسام مع رئيس الشبكة لأنهم الأعرف بمشكلات القناة ومعالجتها.

    لقد عاش العراق أصعب وأخطر حقبة إعلامية في ظل النظام البعثي ونزعته الفاشية، فهيمن على وسائل الإعلام وأدلج أدواته الإعلامية ومنع ظهور أية وسيلة من وسائل الإتصال خارج نظامه الشمولي! فقمع كل أصوات التعبير خارج مسطرة المنهج الإعلامي وعمد إلى تصفيات قدرات إعلامية بأشكال مرعبة في بيوت الأشباح وخارجها “وثمة قائمة طويلة من الأسماء الثقافية والإعلامية التي إختفت من الحياة”. وعندما سقط النظام الدكتاتوري فاشي النزعة، عمدت قوى الإحتلال لدعم تأسيس أكثر من خمسين قناة فضائية وعدد من الإذاعات وشركات الهواتف النقال، في خطة مدروس إستهدفت خلط الأوراق لأكثر من هدف:

    1 – زرع أطباق البث والإستقبال “الساتلايت” في المدن العراقية وبشكل خاص العاصمة بغداد حيث تتمكن من التنصت على مؤسسات الدولة ومجلس الوزراء وأجهزة الأمن والمخابرات ومعرفة أسرار الدولة وإستخدامها لأغراض ذات أبعاد تستهدف تشظي وحدة الوطن. وكانت مؤسسات وأحزاب وطوائف تستثمر تلك الأسرار دون إعتبار وطني وأخلاقي.

    2 – التأثير السيكولوجي والفيزيائي على بناء الإنسان وبنية المجتمع، إذ تحولت الشخصية العراقية إلى شخصية عدوانية وإنتهازية ونفعية وقتلت في روح الفرد وروح المجتمع العراقي منظومة القيم الإجتماعية والإقتصادية والثقافية التي عرف بها العراقيون من خلال إعلام موجه يستهدف الشعب بمجمله، وتهديم روح الفرد العراقية.

    3 – عملت القنوات الفضائية، على إضفاء الشرعية على عمليات النهب والفساد المالي وعرض اللصوص على شاشات التلفزة، وجعل عمليات نهب أموال الوطن متاحة أمام رؤوساء الأحزاب والمنظمات والمليشيات تحت شعارات يطلقها الفاسدون من أمثال “رجال اللي يعبي بالسكله رقي” أو “تقاسمنا الكيكة” أو كما عبر أحدهم بالقول “حين أعود إلى المنزل حاملا حقيبة السمسونايت، فإن زوجتي حين تجدها خالية تصفني بناقص الرجولة – مو زلمه”!

    4 – ساعدت القنوات الفضائية على ترويج المخدرات والدعارة والشذوذ الأخلاقي، تاركة معالجة موضوعات ملحة مثل الماء والكهرباء والزراعة والصناعة، وإغراق المجتمع بالمطاعم والمقاهي والمولات وإستيراد الهواتف النقالة، وإبقاء الوطن في عتمة الحياة وعدم مقاومة التحولات المناخية وجفاف أنهار بلاد ما بين النهرين وجفاف الأهوار وتدني مستوى التعليم وعدم بناء دور العلم وتهديم المستشفيات والعناية الصحية وتدني كفاءة الدراسة الأكاديمية في الكليات العلمية وقد تدنى مستوى الأمية إلى تسعين بالمائة بأشكالها المختلفة، الأمية في القراءة والكتابة والأمية في اللغة العربية وقواعدها، والأمية في الكفاءات السياسية والأمية في “الوطنية”.

    5 – تخضع القنوات الفضائية لدعم مادي من قوى خارجية تضعها تحت المراقبة الدائمة، والخروج عن الخط والخطة المرسومة لهذه القناة أو تلك، فإن الدعم المالي يتوقف، والذي يشرف عليه الشخصية البريطانية الخطيرة الملقب بـ “ساجي” وهو يهودي من يهود العراق، ولقبه “ساعجي” وهو يشرف على كافة القنوات العربية ويتلقى بنود إعلان الشركات العملاقة وبشكل خاص الشركات الأمريكية، ويشترط تقديم البرامج برعاية تلك الشركات، وكثير من القنوات الفضائية تتلقى الدعم الخارجي المشروط!

    توشك حقبة رئيس الوزراء الحالي على نهايتها وهي مثلها مثل الذي سبقها منذ سقوط النظام الدكتاتوري.. فهل يستيقظ رئيس وزراء قادم قبل أن يعقد أول إجتماع “شكلي” وأسبوعي لوزرائه الذين يختارهم عادة بعبودية مسبقة.. أم يدرك خطورة القنوات الفضائية وخطورة الفوضى الإعلامية على الصعد السياسية، الإجتماعية، الإقتصادية، الثقافية، والأخطر الأمنية والفيزيائية.!!؟
      قاسم حول – سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الخرتيت.. والخرتتة..!.. قاسم حول

    “الخرتيت” هو وحيد القرن “الكركدن”. هو أيضاً إسم لمسرحية كتبها “أوجين يونسكو” الكاتب المسرحي الفرنسي أحد رواد مسرح اللامعقول. تعتبر “الخرتيت” أهم مسرحياته وأشهرها. ترجمت للعديد من اللغات ومنها العربية.

    تدور فكرة المسرحية حول إشاعة سرت في المدينة بأن خرتيتاً وحيد القرن قد دخلها. بدأ الخوف يساور الناس من أن الخرتيت قد يهاجم المواطنين في أية لحظة، وقد يقتل أطفالهم. وقد ينطح بيوتهم فيهدمها.

    فكرة المسرحية تقول أن المدينة ليس فيها غابة ولا حديقة حيوان، ولم تعرف المدينة عروض السيرك التي تلعب فيها الحيوانات مشاهد مع المهرجين.. فمن أين يا ترى دخل الخرتيت تلك المدينة؟ 

    فكرة الخرتيت هي “الوهم” الذي ينسج الواقع.. الوهم الذي يتسرب إلى عقول الناس ويحولهم بالضروة بسبب عامل الخوف والقناعة الزائفة، يحولهم إلى خراتيت.. الخرتيت هو “هتلر” وهو الفكرة التي حولت بالعامل السيكولوجي شعب ألمانيا بأكمله إلى خراتيت وصاروا يصرخون باللا وعي “هايل هتلر – هتلر العظيم” ويسحقون كل كائن لا يصرخ بهذا الصوت ولا يرفع يده مثلما ترتفع يد الخرتيت “هتلر”.. حقبة من تاريخ الشعب الألماني حولتهم إلى خراتيت حين أصبحت “الخرتتة نظرية وإيديولوجيا”. نفس الظاهرة تسربت إلى إيطاليا، ودخل المدينة الإيطالية، ذات المدينة الألمانية الخالية من الغاب والسيرك وحديقة الحيوان، خرتيت آخر إسمه “موسوليني” وحول الشعب الإيطالي إلى خراتيت وتسرب المرض المخيف إلى أثيوبيا في شخص “منغستو هيلا ميريام” وإلى “باتستا” في كوبا وإلى “أنور السادات” في مصر، وإلى البلدان العربية دونما إستثناء وبأشكال صغيرة وكبيرة منفوخة أو شبه ميتة وجافة، حتى إستقر بهم المقام في العراق في خرتيت هائج مائج مريض معذب ومعقد ومخبول، ينطح بيوت الناس ويكسر زجاج نوافذ بيوتهم ويقتل الذي يحبه مثل الذي لا يحبه أو يكرهه ويتساوى الجميع أمام همجية الخرتيت، وهو البشع المشوه الذي لايعرف إسم شبيه لإسمه عراقيا “صدام بن أبيه” مثل “زياد بن أبيه” في التاريخ الإسلامي، وهذا الإسم الفريد الكريه سرعان ما إنتشر بقايا بلاد ما بين النهرين، موسوم بالولادات التي نفقت بعد السابع عشر من شهر تموز 1968 بدافع الخرتتة..!

    أحد مثقفي المدينة الذي يمثل الوعي في المسرحية يناقش الناس ويقول لهم، أن ما يحصل في مدينتا لا أساس له من الصحة فهو ليس سوى وهم في رؤوسكم. إذ لا يمكن أن يدخل الخرتيت مدينتا وعليكم مقاومة هذه المخاوف، لأن إستمرار الحديث عن الخرتيت يعني صناعته. وهو غير موجود سوى في رؤوسكم وفي ذواتكم المرعوبة! 

    يشير “أوجين يونسكو” بذلك إلى النازية دون أن يذكرها بالإسم. هو يرمز ليس فقط للنازية، إنما إلى أية فكرة طارئة فاشية أو دكتاتورية أو أية حركة تسير بعكس إتجاه حركة الواقع كما حصل في العراق في الحقبة ما بين السابع عشر من تموز 1968 وحتى التاسع من أبريل 2003 والتي لن يوقفها عن النخر في المجتمع سوى الوعي. لذلك يبقى بطل المسرحية يقاوم هذه الإشاعة وحده، ضمن شعب خائف مرعوب، “إنسان” واحد يرمز إلى الوعي. الناس وبغياب الوعي تساورهم المخاوف وتبدأ فكرة الخرتيت تسيطر عليهم ليل نهار، وتتحول إلى أحاديث في بيوتهم وفي محلات عملهم. ومع الوقت يتحولون فيه إلى خراتيت، بمعنى ينتمون إلى هذه الفكرة الغريبة وتصبح المدينة كلها مكتظة بالخراتيت ويطلبون من المثقف الذي يرمز وحده إلى الوعي، أن يتحول هو الآخر إلى خرتيت مثلهم، فيرفض محتفظاً بإنسانيته ويبدو غريباً بينهم. يحقدون عليه ويخافون منه لأنه نقيضهم. فهم الخوف وهو الشجاعة. هم الإنتهازية وهو التوازن. هم التخلف وهو الوعي. كان بطل المسرحية يؤمن بأن الوعي هو الضمانة الوحيدة للحياة. يتجمع أهالي المدينة ويحيطون بداره ويبدأون بنطح داره وتهديمها مستهدفين قتله والتخلص منه، وكان يتقدم جموع الخراتيت، كتاب قصيدة الشعر ومنشدو الغناء، وشغيلة الصحافة ومهرجو المسرح والتلفاز والسينما!

    هؤلاء ما يطلق عليهم الماركسيون شغيلة الفكر، قد خرجوا من حديقة الحيوان التي سيجها الدكتاتور الخرتيت لهم، كي يدبكوا الجوبية ويرقصوا الهجع، وحين شعروا بأن السياج قد تهدم وتهدمت أسوار حديقة الخراتيت العراقية، إنتشرت الخراتيت بعد سقوط الخرتيت خرافي الشكل والمضمون، وإنتشرت جحافل الخراتيت وصغارها في شوارع المدينة. وتناثرت دواوين شعر الخرتتة في شارع المتنبي وتسربت أناشيد الخرتتة إلى منصات الإنترنت، وبقيت تلوح لهم ويختفون في جلباب الخراتيت الخرافية المتكاثرة والمتناسلة وهم كما الحيوانات الهجينة المتناسلة حين يتم إقتران القرود بوحيد القرن أو العكس، فينتج حيوانا جديداً لا هو بالقرد ولا هو بالخرتيت، ويبقى الإنسان الوعي واقفا فوق سطح داره في بلاد الفرنجة ينظر من البعيد إلى الحيوانات الغريبة، وهم في جلباب الخراتيت الهجينة، يمشون كما السائر في نومه وأمامهم أطفال فلسطين يموتون في غزة من البارود والعطش والجوع والبرد وعواصف الطبيعية وجاوز عددهم ربع المليون، وهم يستغيثون ولا من مغيث عربي واحد، ينحرهم خرتيت الخراتيت “نتنياهو وزمرته أحفاد الخرتيت هتلر وموسوليني وستالين ومنغستو هيلا ميريام وباتستا وأنو السادات وصدام حسين ومن لف لفهم تنتظرهم مزبلة التاريخ الخرافية..في يوم ليس ببعيد!
    قاسم حول – سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

    إقرأ الخبر من مصدره

  • في مكمن الخطر..! قاسم حول

    خمسة وثلاثون عاما عاشها الشعب العراقي بين الأعوام 1968 وحتى 2003 تحت وطأة رعب مجموعة من أولاد الشوارع والساقطين أخلاقيا ومن سقط المتاع الذين ارتدوا الزي “الزيتوني”، وكان عددهم يوم وصلوا إلى السلطة (243) عنصراً بين مدني وعسكري، أسكتوا العراقيين جميعا، بإذاعة ما يسمى “البيان الأول” وهيمنوا على العملية الإعلامية ومنعوا الإعلام خارج أطر سلطة الدولة وسلطة الحزب الفاشي الحاكم، وحسمت الدولة بحساب البلدان الشمولية كي تبعد عن نهجها النزعة الفاشية، وتنسي بعض من كان قابلا للنسيان دموية الثامن من شباط – فبراير عام 1963.

    عندما سقطت الدولة العراقية الفاشية من قبل قوى عالمية جمعتها المصلحة السياسية في العام 2003 مستهدفة الهيمنة على مصادر الثروات في العراق من البترول والكبريت والزئبق الأحمر، لتحريك تركز وتمركز رأس المال في مجموعة المصارف الأمريكية والأوربية، وبعد أن عجزت ما سميت المعارضة العراقية من إسقاط النظام، تقرر دولياً تخريب نظام شكل الدولة العراقية بواسطة أخطر وسائل التهديم المتمثلة بالعملية الإعلامية لإحلال نظام الدويلات العرقية والطائفية والعشائرية والمليشياوية بديلا عن الدولة وبنائها مكانا على الخارطة الجغرافية، وهذا ما حصل من خلال نظام الإعلام المحسوب في عشوائيته القائمة على خلط الأوراق بطريقة منظمة واعية. لا أحد يدرك مخاطر الإعلام “الأمنية والفيزيائية” إضافة إلى المخاطر السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسيكولوجية. فالمخاطر الأمنية تتمثل في التنصت عبر وسائل الاستقبال والبث، والمخاطر الفيزيائية تتمثل في علاقة الصورة بالعين فيزيائيا “الصورة الواحدة تبقى فيزيائيا في العين أقل من عشر الثانية” وانعكاس ذلك على السلوك الاجتماعي والسيكولوجي والأخلاقي. فيتحول المجتمع لمجتمع هجين الملامح، يلعب الإعلام أدواراً ليست ملموسة ولا محسوسة، إنما تسري في أوصال المجتمع بأشكال ملونة وبعمليات تجميل باذخة “على كافة الصعد” عبر شاشات الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي، مستفيدين من نظام الكانتونات ونظم العشائر وجمعيات التواصل الديني، وتأسيس الأحزاب بصيغ جديدة تسمى دوليا بـ”المليشيات” وهي تنظيمات ليست مؤدلجة بالعقيدة السياسية أو الفكرية، إنما مؤدلجة بفكر “الروبوت المبرمج والذكاء الإصطناعي!”.

    تسود الفوضى الإعلامية الآن في الدولة العراقية بأعلى أشكالها.. الفوضى المنظمة والمخطط لها والممولة من قبل مؤسسات ترتبط بالعقل المركزي للصورة، وهي مؤسسات حقيقية وغير مرئية، لا أحد يستطيع الإمساك بخيوطها التي تنظمها شبكات معقدة نظمت بناء على توصية من توصيات مؤتمر بال الذي انعقد في سويسرا عام 1897 أي بعد ثلاثة أعوام من تحريك الصورة الثابتة، إنعقد “مؤتمر بال أو بازل” الذي قاده “ثيودور هرتزل” بدعم من طغم المال المصرفية الممثلة بالتكوين اليهودي الذي هرب من أسبانيا واستقر في إيطاليا منذ القرن الخامس عشر على أثر الصراع الديني الكاثوليكي اليهودي. 

    في منطقة الشرق الأوسط وحدها توجد ما يقرب من ألف وخمسمائة فضائية تسبح حولها منصات التواصل الاجتماعي التي تتسارع في تطورها شكلا تقنيا وقياديا بأعلى أشكال المراقبة الأدائية، قسم كبير منها موجه لبلدان بحد ذاتها من بينها وربما في المقدمة منها الدولة العراقية التي أصبحت أقرب إلى الدويلات المؤهلة للانهيار وما سوف يتبعها من الحروب الأهلية التي إذا ما اندلعت شرارتها فسوف لن تنطفئ نارها..!

    منذ سقوط النظام الفاشي الدكتاتوري في العراق، لم يصعد على منصات دولة رئاسة الوزراء في العراق عقلية متنورة في ثقافتها الأكاديمية والوطنية “نبيلة في شرفها الوطني والاجتماعي” قادرة من خلال “كارزما” حضور شخص رئيس الوزراء، على إيقاف التدهور الحاصل في كل مفردات الحياة، وقادر على إيقاف تجاوز الفوضى الإعلامية التي سادت الحياة العراقية، وانعكاسها على الواقع الاجتماعي والإنساني والتغير السلوكي الأخلاقي بسبب التأثير الأمني والفيزيائي للعملية الإعلامية، شخصية، رئيس حكومة قادر على حسم الموقف الوطني بما يعبر عن عبقرية التاريخ الحضاري الثقافي المتطور في بلاد ما بين النهرين الذي وسم بإسم العراق الذي نعيشه الآن منكسراً متدهورا مفتقدا حتى لبرق من ضوء بعيد..!

    مضطر هنا أن أورد مثالين بين نظامين..! في جلسة مجلس الوزراء التي يديرها الطاغية الدموي صدام حسين، وهو يقظ الحساسية، لمح وزيراً قد حرك يده اليسرى المستندة على الطاولة قليلا وشاهده يمر بنظرته في أقل من ثانية نحو ساعته. قال له “روح لبيتكم” وشاهده ولم ينهض لمغادرة الاجتماع، فكرر القول ألم تسمع ما قلته لك روح البيتكم.. أجابه الوزير سيدي لا أستطيع النهوض. ساقاي يرتجفان.

    ما بعد سقوط النظام وفي جلسة مجلس الوزراء المحددة كل ثلاثاء. قال رئيس الوزراء إن وردة النيل قد انتشرت في الأنهار العراقية دجلة والفرات وشط العرب وهذه الوردة تعدم الحياة في مياه العراق فمن يا ترى رماها في أنهارنا.. والسؤال موجه لوزير الموارد المائية. أجاب الوزير وزارتنا ليست معنية بأنهار العراق، إنما الأنهار تابعة لوزارة المواصلات!! لم يطلب رئيس الوزراء من وزير الموارد المائية أن يغادر الاجتماع وهو يتقاضى راتبا مقداره خمسة وعشرين ألف دولار من مصدر خارجي بتمويل عراقي.

    هكذا تعمل الدولتان “الدولة الفاشية والدولة السائبة.. وهكذا يديرها وزراء العراق!”

    فما هو التحول الذي انعكس على الشخصية العراقية بين نظامين مصابين بالخلل المسلكي؟

    بسبب طبيعة النظام الدكتاتوري وما بعد سقوطه، تحولت الشخصية العراقية إلى شخصية عدوانية لا أبالية في عدوانيتها ساهم النهج الإعلامي السائد في عدوانيتها، ليست عدوانية في سلوكها مع الآخر، بل حتى عدوانية في إبتكاراتها التقنية في إيذاء أبناء مجتمعها، وهي ظاهرة وليست استثناء، وتدعو للتأمل وبحث الأسباب الكامنة وراء بناء الشخصية العراقية. ودراسة هذه الظواهر وتأثير شكل الدولة ونظمها القسرية المخيفة في المجتمع سواء الحقبة السوداء المتمثلة بالفترة من السابع عشر من تموز 1968 حتى التاسع من أبريل 2003 أو الحقبة التي أتت بديلا قسريا وليس عبر ممارسة سياسية ذات نهج حر وديمقراطي، فجاء نظام هجين فرض نفسه على دولة عريقة في التاريخ ومجتمع طيب وحضاري بنى الأسس النموذجية للحياة الإنسانية والثقافية.

    بعد سقوط حقبة الدكتاتورية السوداء، أحاط برأس الدولة وزراء وأعضاء برلمان معظمهم يحملون شهادات مزورة سواء من جامعات عراقية أو عربية وإسلامية تعاني من أزمات اقتصادية في واقع عربي وإسلامي متدهور، صارت تمنح أعلى الشهادات الأكاديمية لتجاوز الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تلك الجامعات، مستفيدين من أسراب الأميين الذين ينتمون لمليشيات يطلق عليها مجازاً تعبير “الأحزاب”، تشكلت في العراق من حطام شعب أتانا من ظلمات سجن كبير ومخيف في كل ممراته وساحاته وصحاراه وبساتينه، أتانا من بيوت الأشباح غير المدونة والمعرفة، أتانا بضحاياه من المسجونين وجلاديهم من الأشباح السجانين الذين دخلوا أفوجا في مؤسسات المليشيات التي تسمى مجازاً أحزابا، وبينهم كل العاملين في صفوف المؤسسة الفاشية التي سقطت.. وأتانا شعب مهشم الروح والجسد يعيش نهاياته، يولد من رحمه جيل مريض متوتر عدواني لا يعرف الرحمة، لم يسمع من وسائل إعلامه شيئا من حضارته، ولا يرى في كل مناهج الإعلام التي تستهدفه من خارج حدوده من القنوات الفضائية غير المصرح بها، والتي تجاوزت الألف وخمسمائة فضائية ناهيك عن وسائل التواصل الإجتماعي المبرمجة عالميا، وكذلك من داخل حدوده من القنوات الفضائية التي تجاوزت الخمسين فضائية إلى جانب منصات التواصل الاجتماعي التي بمجموعها “من القنوات والمنصات” تستطيع تحريك الشارع العراقي، وتحديد شكل التحريك وتزويد الحراك بكل وسائل التخريب لمجتمع يعيش هو حالة الخراب. تضطلع بها قنوات خارجية موجهة نحو العراق مكمن الحضارة الأولى والكتابة الأولى والقوانين الأولى وخزين ثروات الطبيعة، فيما تستثمر الفضائيات العراقية التي تأسست بتخطيط مبرمج وبتكليف مسبق من قبل الحاكم المدني العسكري “بول بريمر” ليس فقط لتشظي الوطن العراقي وزراعة بذور الخراب التي نمت متسارعة أشجاراً شوكية يابسة، بل لخلق طبقة ثانية مترفة وبطريقة فوضوية ممثلة بالصحفيين، فتحت لهم أبواب الشهرة وما ينتج عنها من الغنى والثراء والفساد بديلا عن المهمة النبيلة للصحفي والصحافة وللأدب والثقافة وسعة الأفق السياسية في بناء المجتمع. ولقد ظهر على شاشات التلفزة وأحيانا في منصات التواصل الإجتماعي نفر من الإعلاميين والمتواصلين الذين لا تلزمهم قوانين المجتمع المتوارثة تاريخيا وقيميا، بل يصار إلى بناء فئات تبحث عن زلات إجتماعية صغيرة تحيلها إلى سمات اجتماعية وثقافية سائدة من سمات المجتمع العراقي. 

    بات الخراب يسري في جسد وروح الوطن العراقي، وباتت العملية الإعلامية معولا هادما لقيم المجتمع وتماسك بناء المجتمع وتشظي كيان الوطن وتناقص مساحته وضياع حدوده ومحو بعضها أو انسحابها من أمكنتها وحتى إعادة رسمها على الخارطة الورقية واعتمادها بديلا عن حدود المسافات التي أقرتها المؤسسات الدولية المعنية برسم خرائط الأوطان. بل أصبح الإعلاميون بحاجة إلى إعلاميين لإصلاحهم وإرشادهم لدرب الوطن السوي، حين سرى الفساد المالي والأخلاقي على الجميع وغاب عن درب الإضاءة في عتمة الحقب السياسية التي تمر بها الأوطان في الظروف الاستثنائية الصعبة تلك المصابيح التي كثيرا ما تحولت إلى أمثلة ورموز للشهادة الصعبة، فيما الإنسان يحيا مرة واحدة في الحياة، ومن الصعب عودتها. 

    وأمامنا في غزة مثال حي، فحتى كتابة هذه الكلمات، كان قد سقط أربعمائة من الصحفيين والإعلاميين تحت عنوان “الشهادة” فدية لبناء وطن محاط بكل صنوف السفلة، ومن بينهم عدد لا يستهان به من الحاكمين العرب! 

    لم تعد في الوطن العراقي فضائية نظيفة، حين سرى خراب الضرورة بضمنها شبكة الإعلام العراقية الرسمية التي نفخ كادرها بما يسمى الفضائيين، وتاه نظام الحساب والمحاسبة والبحث عن الحقيقة في المجتمع والماضي والحاضر وقراءة الحاضر بعين المستقبل. لقد أصبح نظام الفضائية العراقية نموذجا للفساد والخراب يمكن اعتماده نموذجا لفضائيات الخراب أو تلك المؤهلة للخراب!

    يجب وينبغي وبدون تردد، إلغاء العملية الإعلامية وإلغاء قوانينها التي جيء بها برانيا مستهدفة تشظي الوطن وزرع بذور الفتنة والخراب، ووضع قوانين جديدة ومتميزة يكتبها نخبة من الوطنيين والأكاديميين، وفي المقدمة من تلك القوانين، قانون مدينة الإعلام مثل كل البلدان المتحضرة، كي نحمي وطننا حتى نتحاشى الحروب الأهلية ونحن نعيش في وطن التنوع.. والإعلام في العراق يشكل “مكمن الخطر” إذا لم يتأسس وفق وعي الضرورة الإبداعية والوطنية! 
      قاسم حول – سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

    إقرأ الخبر من مصدره

  • خبزة الله..! بقلم // قاسم حول

    جلست الأم الفلسطينية تطلب من الله “خبزة” بعد أن هدها الجوع والعطش وفقدت أولادها كلهم ومعهم الأب، جلست تبكي وتطلب خبزة من الله، وسط ركام غزة فلسطين وجحيم غزة فلسطين، وجريمة غزة في فلسطين كجريمة تاريخية، المدينة الفلسطينية التي فلشتها صواريخ النبي موسى وإلى جانبه الخضر العربي الذي رافقة وهو في مملكة الحجاز، كي يدله على مستقبل درب الجريمة المنظمة مستقبلا وكيفية التمهيد لها توراتيا، ليستهدفا شعباً صنع أجمل وطن في التاريخ المقيت الملتبس وهو “شعب فلسطين”، فاغتاظ النبي “الألثغ موسى” ومعه الخضر” اغتاظا من النبي محمد، وهما يشهدان رسول المسلمين في رحلة البراق حلما من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فجلسا يحيكان المؤامرات ضده وينسجان خيوطها وهما في زورق انحدر من ساحل البحر الأحمر من قلب الجزيرة العربية يبحثان عن وطن ليس لهما ولا لأتباعهما، فعثرا بعد رحلة مئات السنين على “هرتزل” مجتمعا مع صيارفة اليهود في مدينة “بازل” في سويسرا عام 1897 ليشرعا ما أسموه “وطنا قوميا لليهود” على الأرض الفلسطينية المقدسة، وهي ليست وطنا لهم.. ذلك الوطن هو فلسطين.. وفلسطين هو ذلك الوطن وطن الفلسطينين تأريخيا ووجوديا! منذ ذلك التاريخ تحركت أسراب الجوارح ووحوش الغاب لتصطف مع المتصهينين من كافة الآديان للإنتقام من أجمل شعب خلقه الله.. شعب جميل الطلعة وجميل الروح هو الشعب الفلسطيني. 

    كان نبيهم “موسى يلثغ في لغة الكلام” فطلب من ربه قائلا “وأحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي” وكان نبيهم موسى وهو منذ صغره وقحاً ونشأ وقحا، قد نتف شعر لحية الفرعون فغضب منه، وأراد عقابه فقالت له أمرأة الفرعون هو صغير ولا يفقه شيئا وجاءت له بتمرة وجمرة في إناء، فأكل موسى الجمرة بدلا من التمرة ولسعته الجمرة في لسانه فصار يلثغ القول.. ولذا جاء صهاينة اليهود والمتصهينين من قتلة المسيح ومن أدعياء الأديان زيفا لينتقموا من أجمل خلق الله على الأرض.. شعب فلسطين.. فإن أبادوهم فسوف تفرغ الأرض من طيبتها وأفراحها وكرمها وخيرها وجمالها، وتعم كل شرور وحوش الأرض قانونا للبشرية بديلا لقوانين العدالة البشرية والإلهية.

    كل منزل وكل بيت وكل مزرعة زيتون وبرتقال هو فلسطين، ومطلوب زراعة الحقد والكراهية والموت بديلا عن زيتون فلسطين وبديلا عن برتقال يافا وبديلا عن بيوت غزة والناصرة وحيفا وشعراء ومبدعي كل المدن الفلسطينية.. مطلوب موت قسري للأطفال والأمهات والآباء والأخوة.. موت حتى وهم ميتون، موت دفنوا أحياء، موت وهم ينزفون دما في مستشفيات المدن الفلسطينية موت وهم يلعبون في مدارس النشأ وفي رياض الأطفال اليتامى. موت وهم في مقهى بدون كباية شاي ولا فنجان قهوة، موت وهم يرتجفون من البرد على ساحل البحر، موت من الجوع والعطش! موت وهم ميتون في قبورهم حين فتح أتباع النبي الألثغ المقابر الجماعية ليفرغوا حقدهم بعد حقدهم يشوهون أكفانهم أو الذين ليس لهم كفن.. والأم وحدها تطلب خبزة من الله بعد أن هدها الجوع والعطش!

    ما يحصل في غزة فلسطين، لم يحصل في تاريخ جريمة المجرمين في التاريخ، التي ارتجفت لها قلوب شبيبة العالم وأمهات العالم وأفريقيا العالم وفي أمريكا اللاتينية، وحتى في جامعات أمريكا نفسها.. كل العالم نددوا بالإبادة، إبادة الشعب الفلسطيني عدا الشعوب العربية والإسلامية إذا ما استثنينا شعب اليمن العظيم الذي بقي وحده مدافعا عن شعب الله في أرض الله.. فلسطين.

    جلست الأم الفلسطينية وسط ركام غزة بعد أن أغلقوا أبواب المدينة حتى لا تمر حبة قمح مع معبر رفح وسألت الله وهو متربع على كرسيه الذي وسع السموات والأرض، سألته بصيغة الواقع وليس بمجازه.. إلهي هب لي من لدنك رغيف خبز واحد! بقيت صرختها تدوي عبر شاشات الأقمار الإصطناعية هب لي من لدنك رغيف خبز يا إلهي!

    سيدتي أن الله ليس ثمة تنور في جنته.. ولا سنابل قمح في جحيم ناره !! فمن أين يرمي لك برغيف خبز، وليس بين أمواته خبازون، فلقد نسي الخبازون مهنتهم وهم متكئون على الآرائك ينتظرون إستعراض حور العين بعد أن يسقيهم النبيذ اطفال من غزة الشهداء الأبرياء مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلواً منثورا.. بجوارك سيدتي عبر معبر رفح فقط مائة وستة مليونا وخمسمائة وستة وخمسين ألفا ومائة وأربعة وسبعين مواطنا عربيا ومسلما، وفي الجانب الآخر، وفقط حين تعبرين جسر اللمبي ستجدين عشرة ملايين وأربعمائة وثمانية وعشرين ومائتان وواحد وأربعين مواطنا عربيا وسلما. ولو أسمعت صوتك بعيدا قليلا بشمرة عصا ستجدين خمسة وثلاثين مليونا من المسلمين يشهرون بنادقهم ويلعلع الرصاص فرحا وإبتهاجا في صحرائهم، يوم إعتلى بعيرهم ظهر ناقتهم، وأولج سالبه في موجبها، ولا تسألي عن الدويلات المتناثرة هنا وهناك، إذ يحكم في بلدانهم الهنود واليهود، ولا تفكري بالعراق وشعبه البالغ عددهم ستة وأربعين مليونا، فلقد رتب أوضاعهم بول بريمر وإنتهت حكاية ما بين النهرين، وفي الجماهيرية الليببة تولى ساركوزي الفرنسي أمر دمار ليبيا، ولم يسلم السودان من جرائم فرنسا ومن تآلف معها في تمزيق وحدة الشعب السوداني، وأنت تنتظرين يا سيدتي خبزة الله ولا تدرين بأن الخبازين بعد موتهم قد نسوا مهنتهم وهم “متكئين على الآرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريا”!

    أيتها الأم الحنون.. فلسطينة الأحزان والدمع فلسطينية القلب الموجوع.. تستلفين الكفن من طفل شهيد لتلفي فيه طفلا شهيدا ثانيا وثالثا ويتداول الكفن الواحد ما يقرب من مائتي الف شهيد من خيرة الأطفال الذين أنجبتهم أمهات العالم.. أناديك حبيبتي الأم الفلسطينية أن لا تنتظري خبزة الله.. بل باركي بصوتك الشجي الباكي أبناء أفريقيا السوداء الأكثر نصاعة من بياض الإعراب “العربان” وسوف يخالف الهدهد تعاليم الملك سليمان ويغادر مدينة سبأ طائرا محلقاً نحو فلسطين، مغرداً وهو يصيح في سماء فلسطين الحبيبة، دون أن تسقط الخبزة من فمه.. وجئتك من سبأ بنبا يقين!
      قاسم حول – سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المسيحي عراقيا..! بقلم // قاسم حول

    هكذا ولدنا وهكذا عشنا وكبرنا صبية ورجالا، وبقينا صورتين متجانبتين، وكانت مدينتنا ومدننا العراقية بأكملها ينظر سكانها للشخصية المسيحية مثل أيقونة الحياة الجميلة.. الشخص المسيحي كان شخصية ودودة بغير ادعاء مسالمة بغير افتعال حنونة بصدق، وكانوا دائما يرتقون المواقع الإجتماعية في مراتبهم الوظيفية، وكانوا زينة شوارع المدن ومؤسسات المدن ومدارس المدن وكنائس المدن. 

    ومذ حل كابوس المؤسسة البعثية، فايروس وسرطان الحياة العربية والعراقية، وما ساد من فوضى الحياة بسبب الاحتلال الأمريكي البريطاني بغطاء شرعية الأمم المتحدة، الاحتلال الذي لم يرفضه أحد يومها بسبب رغبة الناس في الخلاص من رعب الدكتاتور المعتوه وإسقاطه دون التفكير فيمن يأتي بعده « وإن كان الشيطان بديلا »، فأتى من المعتوهين والنهمين في شفط ثروات البلاد وخيرها من أحالوا العراق إلى أرض يباب مخيفة لليوم وللغد المجهول.

    في خضم الرعب الجديد، فرغت المدن العراقية أو تكاد، من جمال الشخصية المسيحية وهاجر الكثيرون إلى بلدان اللجوء وهناك في المنافي بات المسيحيون يبكون العراق. كان المسيحيون العراقيون أو العراقيون المسيحيون تزهو الحياة بهم في الجامعات وفي المصارف والوزارت وفي صالات السينما، حيث تعرض أفلام المجتمع الأمريكي، وكانت أغاني الحب تزدهر بالمرور صوبهم « وأنتي على دينكي وأنا على ديني ». والبنت المسيحية سواء لبست العباءة التراثية العراقية التي تزهو بها المرأة العراقية جمالا، أو بدونها سافرة  تمشي في ممرات الجامعات والكليات العراقية والكل فرحان ونشوان ولا أحد يعرف أو يسأل عن المذهب والطائفة!

    منذ سقوط جدار الرعب، هجرنا الكثير من المسيحيين العراقيين وكان أن هجر العراق كل من إستطاع الهجرة من العراقيون، وكثر المهاجرون مثلما كثر « الأنصار » المقيمون، وإلتبست مواقع الرئاسات وتقسمت الولاءات وصارت ثمة حواجز لا مرئية تسيج ما يسمى الأقاليم معلنة أو غير معلنة من مواقع المذاهب والملل ورفرفرت أشكال الرايات الدينية والإجتماعية وما يطلق عليهم المليشيات، صارت الرايات ترفرف في سماء ملوثة بغبار التصحر بعد أن كانت ترفرف راية واحدة دون عليها الدكتاتور المعتوه صرخته المدعية « الله أكبر » ولا تزال ترفرف مكتوبة بدماء الأبرياء دماء شهداء الحروب المجنونة، وصارت سلاحف الأهوار تمشي باكية على مياه اليابسة أو يابسة المياه، التي إختفت أهوارها، ونفقت أسماك الأهوار ومنها تلك التي إنقرضت وأنقرض جنسها ولا نعرف إلى أين هو ماض جنسنا بدون كهرباء ولا ماء وسمعنا إسم « توماس أديسون » مخترع الكهرباء للإنسانية وقديس الشعب الأمريكي يشتم من على منابر الإمام الحسين. ونحن لا نعرف إلى أين نحن ماضون نتوضأ ببقايا مياه التصريف التي تدلق من البيوت والجوامع نحو بقايا خنادق كانت تسمى فيما مضى أنهاراً!   

    الحالة الديموغرافية اليوم ملتبسة في العراق ومشكوك في أمرها. والأصول العراقية لم تعد صافية! انطفأ الفرح المسيحي في الكنائس، مثلما انطفأت أحزان السيد المسيح التاريخية. وحين أصبح الوجود المسيحي رمزيا في العراق، لم يعد العراق عراقاً!

    تناوبت مليشيات على سدة الحكم صعوداً ونزولاً، وأسوأ ما فيها استحقاق الرئاسة، ليس معيباً أن يكون الرئيس كرديا، ولكن بجدارة أن يكون رئيساً، ولم لا يكون أيضا مسيحيا، فيمنح المسيحيين وكل شرفاء العراق ثقة النهوض بالبلاد من جديد، ولم لا يكون مندائيا، كي يبعث الفرح في نفوس الصابئة المندائيين أصفياء يحيى زكريا،  مثلما يكون مسلما، أو إزديا أو تركمانيا، ألمهم أن يكون جديرا بالرئاسة وجديرا بالرمز والتاريخ الشخصي الذي لا تشوبه شائبة ولم تمتد يده على المال الذي يبني الحياة الكريمة للعراقيين، وبذلك يحق الاستحقاق للمكان المناسب كرئيس للعراق « الغالي ».

    بهذا الصدد، صدد الخوف من المجهول، وصدد النهب المخيف الذي تضفي الفوضى عليه الشرعية، لعب الإعلام وبشكله الفضائي وبطريقة مدروسة في أضفاء الشرعية على فوضى الحياة التي سادت المجتمع العراقي وبات يحمل صفة التجهيل وصفة الفاقة وصفة القتل والخطف وفي غياب القانون، ما يستدعي إعادة النظر في العملية الإعلامية برمتها وفق قانون وطني يسمو بالروح الوطنية وبالسمة المتحضرة التي لا تشوبها شائبة العنصرية أو النزعة الشوفينية. إعلام يقوده إعلاميون وطنيون وأكاديميون بعيداً عن المدن، وفي مدينة أعلام عراقية تؤسسها عقول نيرة لا تعرف المحاصصة بل تعرف الوطن بكامل أراضيه وسمواته، وطن  تقوده العقول الثقافية، الوطن بحاجة إليها حقاً. وطن لا يهرب منه العراقيون ولا يترك المسيحيون كنائسه خالية من الصلوات والمحبة.

    نشرت وسائل الإعلام العالمية قبل فترة وجيزة تقريراً مخيفاً عما يحصل في مدن أوربا بسبب غموض الموقف السياسي والعسكري وبسبب الحرائق والتحول البيئي والحروب العلنية أو غير المعلنة. وبرغم الفاقة الإقتصادية التي تجتاح أوربا، إن المفاعلات النووية إذا مستها صواريخ المعارك المحتدمة وتسرب منها الغبار النووي فإن أوربا قد تصبح قارة غير قابة للعيش!

    نحن الآن نعيش بدايات حرب عالمية ثالثة وقد يدخل العالم هذه الحرب من أوسع أبوابها، وستحرق الكثير من الأسلحة التقليدية وصولا إلى الأسلحة النووية.

    إن لنا وطنا، وما يقرب من شعب يشكل بتعداد نفوسه شعبا مهاجرا، وصار ينجب جيلا من الأحفاد الأصحاء وأصحاب المعرفة .. وحين تصبح أوربا قارة غير قابلة للعيش، فأين سيذهب المهاجرون العراقيون، أن لم نعد لهم وطنا جديرا بالحياة وبأهله، وطنا يستقي من روح الدولة السومرية وتاريخها مجداً حضارياً مجيداً، وطنا أكثر جمالا، وقد حباه  الله ذهبا في أرضه المقدسة، وطنا يسري فيها الفراتان والشاطئ مياها سهلة عذبة، تروي نخيل العراق وأهوار العراق، وينتج للوافدين إليه من أحفاده رطباً جنيا..؟!
    قاسم حول – سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

    إقرأ الخبر من مصدره