Étiquette : يكاد

  • بعد 20 عاما .. فيلم “علي زاوا” يعود إلى القاعات السينمائية

    إكرام بختالي

    بعد 20 عاماً على إصداره، تحتضن القاعات السينمائية بالمغرب، ابتداء من 26 أكتوبر المقبل، عرض فيلم “علي زاوا” أو “أمير الشارع”، وهو أحد أول أعمال المخرج نبيل عيوش، الذي يتناول واقع أطفال الشوارع المشردين في شوارع البيضاء.

    وذكر بيان لإدارة الفيلم، أن “هذا العمل سيعرض بتقنيات حديثة، وهي تجربة غير مسبوقة حتى بالنسبة للأشخاص الذين سبقوا أن شاهدوه على الشاشة الكبيرة آنذاك، وكذا فرصة للأجيال الشابة لاكتشاف الفيلم في ظروف جيدة”.

    وإلى جانب هذا، يسعى المخرج نبيل عيوش، من خلال إعادة طرح “علي زاوا”، إلى خلق نقاش مجتمعي حول قضية أطفال الشوارع، فضلاً عن توعية جميع الجهات الفاعلة بهذه الفئة، التي تعتبر جزءا من المجتمع المغربي.

    وقال نبيل عيوش “السينما بالنسبة لي هي عنصر تغيير حقيقي وأنا أؤمن فعلاً بقدرتها على حلحلة الواقع بطريقة ما، هذه قناعتي، وحين أخذت قرار إخراج فيلم علي زاوا حول أطفال الشوارع وجعلهم أبطالا للفيلم، فقد كانت لي رؤية تهدف إلى رفع القناع عن وضعية لا تليق بمجتمعنا”.

    “وبعد مرور عشرين سنة”، يضيف عيوش، “أرى أن الوضع يكاد يكون نفسه وهذا يجعلني أحس بالأسف والسخط ذاته الذي أحمله جراء هذه الظاهرة منذ ذلك الحين”، معتبرا “إعادة عرض الفيلم، ليس حدثا فنيا ثقافيا، فهو أيضا خطوة نضالية ترمي إلى إذكاء الوعي بخصوص الظاهرة”.

    وأشار ذات البيان إلى أن “جميع عائدات عرض الفيلم ستعود إلى الممثلين الرئيسيين للفيلم، بالإضافة إلى جمعية “بيتي” التي تعمل على إدماج الأطفال في وضعية صعبة”.

    وحاز فيلم “علي زاوا”، الذي نال استحسان الجمهور والنقاد، على 44 جائزة من أكبر المهرجانات السينمائية الدولية والوطنية، أبرزها الجائزة الكبرى لأفضل فيلم في مهرجان ستوكهولم السينمائي الدولي عام 2000، وجائزة الجمهور في فيلم البحر الأبيض المتوسط ببروكسل عام 2000.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أين الدولة.. أين الرئيس

    صلاح الدين الجورشي

    غموض شديد يلف الوضع التونسي. الجميع يبحثون، والجميع يتساءلون. يبحثون عن الدولة التي غابت عن أنظار التونسيين الذين يشعرون، يوما بعد يوم، بأنهم أصبحوا متروكين لمصيرهم. ويتساءلون عن الرئيس الذي يرى ولا يُرى. يشاهدونه عبر نشرات الأخبار المسائية بالقناة الوطنية، ويسمعون توجيهاته إلى رئيسة الحكومة المعروفة بالمرأة الصامتة، لكنهم لا يشعرون بأنه يعيش معهم في العالم نفسه، ويعمل من أجلهم، يحزن لحزنهم ويقلق لقلقهم.

    مشهد رتيب، يتكرر يوميا، ومع تقدم الزمن يزداد المشهد غموضا وكآبة. لعل أهم دليل على ذلك وسائل التواصل الاجتماعي، وبالأخص «فيسبوك». إذ بقطع النظر عن الكوارث التي تحملها يوميا وسيلة التواصل هذه، إلا أنها تبقى بمثابة المرآة العاكسة بوضوح شديد آراء المواطنين، وأولوياتهم وهمومهم. وما لوحظ، في الفترة الأخيرة، تزايد عدد المواطنين الذين يضعون هواتفهم أمامهم، ويتوجهون برسائل مصورة إلى الرئيس قيس سعيّد. ويسألونه بوضوح: أين أنت، يا سيدي الرئيس؟

    هم مواطنون عاديون، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. هم في الغالب يحبون الرئيس، وصوتوا له في الانتخابات الرئاسية، وأيدوه في كثير من قراراته، وخرجوا إلى الشارع في ليلة الخامس والعشرين من يوليوز 2021، للترحيب بإزاحته رموز المشهد السابق. لكنهم بقوا ينتظرون، وطال بهم الانتظار، ولم يلمسوا جديدا ذا قيمة من شأنه أن يحسن أوضاعهم. على العكس تراجعت قدرتهم الشرائية، وانخفضت درجات مطالبهم وطموحاتهم، وتعدددت المخاطر التي أصبحت تهدد استقرارهم الاجتماعي والنفسي ومستقبل أبنائهم. كانوا من قبل يعانون من ضيق الحال، وتنازع الأحزاب وتفاقم فائض الحرية حتى بدت لهم البلاد كأنها تتجه نحو الفوضى، فإذا بهم اليوم يتعرضون لإعصار يكاد يقتلعهم من جذورهم، ويغمرهم إحساس شديد بالضياع والحيرة القاتلة.

    كل هؤلاء الذين قرروا مخاطبة رئيسهم من خلال هواتفهم النقالة، لهم سؤال مركزي يتكرر على ألسنتهم: ماذا تفعل يا رئيس؟ هذا السؤال فرضته المقارنة التي يقوم بها المواطنون بين المشكلات الفعلية التي يحترقون بنيرانها، وجدول أعمال النشاط اليومي لرئاسة الجمهورية.

    ما يلاحظه التونسيون عموما أن قيس سعيّد يحلق بعيدا عن شعبه، وعندما يضطر أحيانا إلى العودة، بصفة وقتية، إلى الواقع المعيش الذي يتخبط فيه مواطنوه، تبدو عليه علامات العجز والضياع، لأن معظم المشكلات المطروحة لا يملك لها حلا، فهي لا تندرج ضمن الأولويات التي وضعها لنفسه، عندما قرر الترشح لرئاسة الجمهورية. ما يشغله حقا هو تغيير النظام والمنظومة. المقصود بذلك إلغاء النظام السياسي الذي أقرته الأحزاب في 2014، إلى جانب المنظومة الدستورية والقانونية التي جرى الاستناد إليها. وعندما تبرز في الأثناء مشكلات أكثر خطورة تتعلق رأسا بحياة ومعاشهم، ولا يمكن معالجتها اعتمادا على الأدوات القانونية التي يعتقد الرئيس أنها الحل السحري لتغيير جميع الأوضاع، ليس فقط في تونس، ولكن في العالم كله كما يبشر بذلك، عندها يقول أنصاره إن الرئيس ليس مطالبا بتقديم الحلول. الحلول تنبع من الشعب، لأن الشعب يفعل ما يريد، ولا يقبل الوصاية عليه. عندها يجد الشعب نفسه حائرا أمام «الفزورة» يبحث عن تفكيك اللغز. وتكون المحصلة النهائية لهذا الدوران في حلقة مفرغة أن الدولة تتحرك في أجواء ضبابية كثيفة، وتتجه بنسق متسارع نحو نقطة شديدة الغموض، قد تصطدم بها في كل لحظة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • قانون المالية وفلسفة العدالة

    الحديث عن المال يكاد يكون مجردا من أية فلسفة أو رؤية أخلاقية، ويبقى مجرد أرقام ومداخيل ومصاريف، لكن إذا كان هذا “معقولا” بالنسبة لرجال الأعمال فإنه ضار بالدول. في المجلس الوزاري، الذي ترأسه جلالة الملك محمد السادس، تمت مناقشة التوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2023. هذه التوجهات مبنية على أربع ركائز مترابطة، وبدونها ستخرج الدولة عن مفهومها وطبيعتها التي ارتضتها لنفسها.
    اختار المغرب قولا وعملا “الملكية الدستورية الاجتماعية” كنمط للحكم وصيغة لهذا التلاحم، لكن لا ننسى أن المغرب مؤطر بإمارة المؤمنين، التي يعتبر العدل أحد خصائصها الرئيسية، ولهذا تأتي توجيهات جلالة الملك دائما في سياق تأكيد الدولة الاجتماعية دون الدخول في نمط هيمنة مؤسساتها على الإنتاج.
    أربع ركائز تمثل التوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية الجديد. في أولاها ترسيخ ركائز الدولة الاجتماعية، من خلال تنزيل مختلف مكونات الورش الملكي لتعميم الحماية الاجتماعية، لاسيما استكمال تعميم التغطية الصحية الإجبارية لكل الفئات الاجتماعية، والتعميم التدريجي للتعويضات العائلية، وذلك عبر مقاربة جديدة للاستهداف المباشر للفئات الهشة، ترتكز على إعمال السجل الاجتماعي الموحد، وتسريع تعميمه على جميع جهات المملكة. وثانيتها، إنعاش الاقتصاد الوطني من خلال دعم الاستثمار، عبر تنزيل ميثاق الاستثمار الجديد، وتنفيذ الالتزامات المقررة في إطار مشاريع الاستثمار الصناعي.
    وفي ثالثة الركائز يأتي تكريس العدالة المجالية، عبر مواصلة تنزيل الجهوية المتقدمة، وبرنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. وفي الختام استعادة الهوامش المالية من أجل ضمان استدامة الإصلاحات، من خلال تعبئة كل الموارد المالية المتاحة، والحرص على عقلنة نفقات تسيير الإدارة، وتفعيل الإصلاح المتعلق بالصفقات العمومية.
    في صياغة أي مشروع ليست هناك مصادفات ولكن هناك آليات تحكم ذلك، وفق توجيهات جلالة الملك، وهي هنا تمثل فلسفة وروح هذا المشروع. قد تكون الحكومة مشكلة من “تجمع المصالح الكبرى”، وبالتالي لن يكون همها سوى الاستثمار والربح، دون أن تكون لهذا الاستثمار فائدة وعائدات اجتماعية، لكن جلالة الملك بما هو راعي البلاد وحامي فئاتها الاجتماعية مهما تنوعت، ينطلق من فلسفة تدبير الدولة، لا حماية المصلحة، وبالتالي تشكل هذه الركائز الأربع فلسفة واضحة للرؤية المالية لدى جلالة الملك.
    وينبغي التنبيه، كما نفهم من خلال التعامل مع الوثيقة، هو أن الصياغة ليست اعتباطية، والترتيب ليس نافلة كما أن العبارات والمفاهيم المستعملة ليست للتعبير ولكن لتحديد ما ينبغي فعله، وهكذا جاء مفهوم “ترسيخ الدولة الاجتماعية” في المبتدإ باعتباره المبتدأ والخبر في أي عملية مالية، وأي قانون مالية لا يستهدف الفئات الاجتماعية يبقى قانونا لخدمة الكبار، لكن هذا لن يضمن استقرارا اجتماعيا، الذي لا يمكن أن يبنى سوى على أساس العدالة الاجتماعية.
    ولا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية إلا بالعدالة المجالية، التي تعني توزيع الثروة بالتساوي على الجهات حتى يستفيد كل أبناء المغرب من الفرص المتاحة في الاستثمار والشغل على حد سواء.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • في الحداثة والرغبة فيها ..محمد بنيس ..كافق لا أقل ولا أكثر!

    في الحداثة والرغبة فيها ..محمد بنيس ..كافق لا أقل ولا أكثر!

    كل اسئلة بنيس عن  » الحداثة  » متعلقة بالافق التاريخي وبالفضاء الاجتماعي الذي يمارس فيه الكاتب عمله ؟ وهذا بمعنى من المعاني (في رأيه واجتهاده الغير المملّ كما هو الشان عند آخرين)

    ان الشعر الفرنسي مثلا شكلاني كما ان العربي غير خطابي (وكذلك يجب ان يكون) .لربما تميزت ردود بعض الشعراء وبعض المتحدثين فيه وبه، بردة فعل نسبية على موضوعة أو اصطلاح  » الحداثة » .كان هذا حال سعدي يوسف الذي سبق ان اقترح مصطلحا للتحديث ، الذي لايجب ان يتعارض مع المحاولات التنظيرية للفعالية الشعرية وتلقي القصيدة .غير انه (وهذا هو الأهم ) ، ابدى بعض التحفظ امام التنظيرات  » الحداثية » التي حملت (ولا تزال) فهما عدميا للثرات واحدثت بعض الانقطاع عن معيش الناس .لم يكد بعد ان ابتدأت  » اليقظة  » الشعرية ، أن تحول الى حوار حول  » الحداثة » ، معمقا بين الاطراف المعنية به شعريا،وليس ثقافيا او سياسيا . ولهذا الاخير كلام آخر، بالرغم من اشتقاقه من هذين الأخيرين.

    سيكون على محمد بنيس ، وهو شاعر مرهف الإحساس(هكذا بدا لي يوم التقيته بقاعة الافراح بالحارثي بمراكش في احدى سنوات الثمانينات ، وقد افصح لي بالاسم عمن كان يتعرض على نشر مقالاتي بالمجلة  » الثقافة الجديدة). قلت لدى بنيس ، القابلية الذكية التي ابعدته عن نوع من الجمهور الذي يصفق لكل ما يقرأ عليه بمجانية تبعث على السخرية،هو بخلاف ، شعراء لهم الباع بهذا المجال ،بدءا من سعدي يوسف، انسي الحاج، ادونيس ، اللعبي وغيرهم كثر، كان يعتبر جميع التّحلقات ، اماكن للتنوع والرهافة ، يجب ان تنم عن متابعة وجدية في كل مايصدر في الساحة الثقافية العربية وليس فقط المغربية ، من ابداعات وتراجم، وما يعتمل فيها من أسئلة؟

    أين نحن إذن من هذا الشاعر الذي لم يتنكر قط لمغربيته ،الم يكن لصاحب  » الشعر العربي الحديث » الحق في أن يرشح هو بالاحرى لجائزة نوبل في الشعر؟ عوضا عن بعض التائهين والتافهين ،بعاصمة الأنوار، بين  » الكونكور » و » كاتارى » وغيرها،

    وقبل ان نختم ، لمحمد بنيس مواقف ايجابية تعارك في سبيل اقرارها ، بدءا من انخراطه المبكر في صفوف اليسار الجديد بالمغرب ، وغير انتهاء بمواقفه في اطار  » اتحاد كتاب المغرب » (يوم كان اتحادا) ، على سبيل دمقرطة هذا الأخير، حتى يكون اطارا واضحا وحقيقيا لكل الكتاب والمبدعين المغاربة بعيدا عن العشائرية والقبلية الحزبوية وغيرها.

    **)) هامش لابد منه:

    في الكلام الآخر، كما قلنا سابقا ، وفي معنى العلاقة التّعسفية للسياسي بالثقافي، يجب ان نذكر بدون مضاضة ، ان محمد بنيس هو من أقر اليوم الوطني للشعر بالمغرب، بل واليوم العالمي للشعر الذي تبنته اليونسكو بعد ذلك.اليس هو مؤسس بيت الشعر بالمغرب؟ على أي (ذكرني بهذا أحد الاصدقاء العزيزين على قلبي) ، فما يهم هو أن محمد بنيس بعد العام 82( سنة انعقاد مؤتمر اتحاد الكتاب بالحديقة العربية على ما أذكر) وبعد صموده ضد الحصار الذي ضرب عليه وعلينا ايضا وكان قائده محمد برادة ، كان دشن لالية واضحة جدا ، مفادها افتراق السياسي عن الثقافي بالمرة بالمغرب.واحتفال هذا الاخير باستقلاليته التامة تحصينا للفكر المستقل وللا بداع الحصين.

    لربما كانت هذه الآلية ، وقد تمت الآن، بلا علم أفراد كان على لا وعيهم أن يكون مكبوتا كحال الغرض الذي تكبته.

    وهو الهيمنة على الثقافي بدون اي اقتدارغيرتكريس فكر لاواعي وتحويل أداته الى سيء مشيّء ريعي( اليس هذا هو حال اتحاد كتاب المغرب بعد ان تسلط عليه وعلى قيادته نفر سياسي من الدرجة الثانية تنظيميا؟) .

    طبعا ومن دون مبالغة ، كان لمحمد بنيس هذا السبق في تعرية هذا اللاوعي ، وتعرية سياقاته كأصل ، وأداة افتقدت الشفافية امام نفسها ، بل كجزء من الازمة التي يعاني منها المجتمع المغربي ، أو بتعبير أصح، الكيان المغربي الاجتماعي لافراده،الذي يحتاج الى عدم الشفافية ، ليعيد ذاته المتأزمة، ويعيد إنتاجها.

     » هدأت ريح الليل ، لم يحن الموعد

    الفجر، والشبح القمري لم يعد يؤثر في

    المياه ، العمارات ، الاشجار

    ضوء مختلط بعتمة الغرفة

    التي يكاد يلاطفها ويصبغها قليل من النهار. » محمد بنيس.

    سيحين الموعد ولوطال الانتظار كريح الليل.

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الإيموجي .. هل انتهى دور الكلمة؟

    حسن بويخف

    ترسل إبهاما، أو وجها ضاحكا، أو وجها بقلوب في عينيه، أو وجها باكيا أو غاضبا، أو غير ذلك فتكون قد بلغت رسالة!

    لا شك أنها طريقة سريعة وبسيطة، بل وفعالة أيضا. فقد ولى زمن كتابة النصوص التي تتطلب جهدا فكريا في اختيار الأسلوب والعبارات، وحلت محلها تلك الرموز التي يحاول مبتكروها أن تستجيب لمختلف المواقف وأنواع المشاعر، ونصبح اليوم أمام أزيد من ثلاثة آلاف رمز تواصلي مختلف، ويوم عالمي للإيموجي في 17 يوليوز من كل سنة، وهو غير رسمي، للاحتفال بالرموز التعبيرية.

    ومن المهم التذكير بالنقلة القوية لتداول الإيموجي عالميا عندما توافقت المنصات المختلفة سنة 2010 على “معايير توافق” موحدة تجعل الرموز التعبيرية مقروءة فيما بينها، وأصبحت أنظمة التشغيل المختلفة -مثل أندرويد وأجهزة آبل- قادرة على تبادل الإيموجي فيما بينها، وتصبح الإيموجي “لغة عالمية”.

    بالطبع لا يمكن لشيء أن يكون بديلا عن الكلمة البليغة، لكن الممارسة أثبتت أن الإيموجي فرض نفسه في ساحة التواصل وحل مشكلات تقنية كبيرة واجهت شركات تكنولوجيا التواصل من قبل، كما اقتصدت جهد ووقت المتواصلين، كوسيلة سريعة ومختصرة للتعبير عن المشاعر والمواقف، وقد تمكنت من كسر حواجز اللغة بين البشر بعد أن “تعارف” العالم حول دلالاتها. ولا شك أنها بذلك قد ساهمت في دينامية التواصل إلى درجة طرح معها سؤال: هل نحن أمام لغة عالمية جديدة؟

    بالطبع لا يتعلق الأمر بلغة، بل بكتابة تصويرية على غرار ما اعتمده البشر قبل عام 3000 قبل الميلاد في سوريا والعراق لحل مشكلات التواصل بين الشعوب التي تتحدث لغات مختلفة، وحلوا تلك المشكلة التواصلية التي شكلت عائقا في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، باختراع “الكتابة التصويرية” التي كانت تعتمد نقش صور الأشياء على ألواح من الطين أو المعادن أو الشمع وغيرها من المواد.

    كانت الكتابة التصويرية بُرعم الكتابة بعد أن تحولت من صور الحياة اليومية إلى رموز، لتفتح الباب للتطور من ترميز الأشياء نحو الأبجدية التي تترجم الصوت وتحمل الأفكار والمشاعر، ويتمكن البشر بذلك من تحويل لغتهم إلى رموز تنطقها، وتنفجر ثورة اللغة في كل الاتجاهات.

    اليوم يبدو أننا نسير في الاتجاه المعاكس، نتخلى عن الكلمات لصالح الرموز!

    في هذا المستوى لا يتعلق الأمر بنعي اللغة، أو نعي الكتابة الأبجدية، ولكن بقلق فكري حول مضمون التواصل نفسه، والذي أصبح تقنيا، ليس فقط بوسائطه التي يتم من خلالها عن بعد، بل بمفرداته التي غزتها الرموز.

    لا شك في أن الكلمة يحكمها سياقها اللغوي والتواصلي، لكن الرمز يكاد يفقد هويته التواصلية كضحية لذلك السياق التواصلي. فالتعليق بالإبهام مثلا، يحمل الكثير من المعاني تجعل المتوصل به لا يدري هل المقصود أتفق معك، أو أساندك، أو فقط “أريد أن انهي التواصل معك بسلام” وغير ذلك من المعاني.

    صدمت مرة، قبل سنوات مضت، حين بعثت لصديق تهنئة بحلول عيد الفطر، صغت عباراتها المختصرة بعناية، وأجابني بالإبهام! كان ذلك أول ما نبهني إلى ظاهرة تعويض الكلمة بالرموز، وعشت حيرة مريرة لم أفهم حينها معنى ذلك الرد.

    كتبت مرة تدوينة في حسابي على فايسبوك تتطلب قراءتها دقيقتين تقريبا، لكن فوجئت أنه في اللحظة التي نشرتها تلقت تعليقا بالإبهام من صديق فايسبوكي من المستحيل أن يكون قد قرأ جملتها الأولى. هذا السلوك فهمته بعد الاطلاع على بعض الأبحاث حول سلوك نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تصبح التعاليق أحيانا مجرد تعاطف مع الشخص لا مع الفكرة.

    ويعتبر الإبهام أكثر رموز الإيموجي استعمالا عبر العالم، كما تؤكد بعض الأبحاث والدراسات، لكنه يفقد في سياق الاستعمالات المختلفة هويته الرمزية، فقد تعلن في حسابك على فايسبوك نبأ وفاة أحد أقاربك، فتجد الكثير من التعليقات تكتفي بالإبهام، ولا يتغير شيء من الظاهرة حين تعلن أنك نلت شهاد الدكتوراة، أو أنك تتعرض للتنمر، أو تضع صورة لك على شاطئ البحر، أو تعلن أنك حزين، أو أنك في أسعد لحظاتك، أو تنشر صورة قطتك، …

    وهذه الفوضى في المعنى، هو ما يجعل الإيموجي بعيدا عن أن يكون “لغة”.

    لو تلقيت رمز قلب مشع من شخص مثلا، فهو يختلف اختلافا جوهريا، من حيث الوضوح على الأقل، عن تلقي كلمة “أحبك”. قد تعطي لرمز القلب نفس هذا المعنى، لكن لن تكون أبدا متأكدا أنه نفس المعنى الذي يقصده الطرف الآخر، خلاف كلمة “أحبك”.

    وهنا تبرز قوة الكلمة التي لا يمكن تعويضها أبدا برموز إيموجي.

    الكلمة فيها بذل الجهد، في اختيار العبارة، وفي بناء الأسلوب، مما يعطيها قيمة أعلى مما لرموز إيموجي، التي، وإن كان هناك جهد تقني في انتقاء الرمز المناسب، إلا أن قيمته “رخيصة” جدا، إذ لا يعبر عن خصوصية المُرسل بما أن نفس الرمز متاح للجميع، ولم يبذل فيه جهد أكثر من النقر عليه، هو رمز تقني، يتم التعبير عنه بشكل تقني أيضا، وذلك عكس كتابة النص.

    القوة في جمالية العبارة، والعمق في المعنى تجعل للكلمة ألوانا مختلفة، في المقابل تضل الرموز التعبيرية تقنية وجامدة، لكنها مع ذلك تكون مفيدة.

    هذا على الأقل قد يكون نوعا من العزاء أننا مهما استعملنا الرموز التواصلية، لن نستغني عن الكلمة، فهي عالم واسع من الجمال والمعنى لا يمكن للرموز أبدا أن تعوضه، ما دام التواصل في حاجة إلى عمق وجمال.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الإيموجي ..هل انتهى دور الكلمة؟

    ترسل إبهاما، أو وجها ضاحكا، أو وجها بقلوب في عينيه، أو وجها باكيا أو غاضبا، أو غير ذلك فتكون قد بلغت رسالة!

    لا شك أنها طريقة سريعة وبسيطة، بل وفعالة أيضا. فقد ولى زمن كتابة النصوص التي تتطلب جهدا فكريا في اختيار الأسلوب والعبارات، وحلت محلها تلك الرموز التي يحاول مبتكروها أن تستجيب لمختلف المواقف وأنواع المشاعر، ونصبح اليوم أمام أزيد من ثلاثة آلاف رمز تواصلي مختلف، ويوم عالمي للإيموجي في 17 يوليوزمن كل سنة، وهو غير رسمي، للاحتفال بالرموز التعبيرية.

    ومن المهم التذكير بالنقلة القوية لتداول الإيموجي عالميا عندما توافقت المنصات المختلفة سنة 2010 على “معايير توافق“ موحدة تجعل الرموز التعبيرية مقروءة فيما بينها، وأصبحت أنظمة التشغيل المختلفة -مثل أندرويد وأجهزة آبل- قادرة على تبادل الإيموجي فيما بينها، وتصبح الإيموجي “لغة عالمية”.

    بالطبع لا يمكن لشيء أن يكون بديلا عن الكلمة البليغة، لكن الممارسة أثبتت أن الإيموجي فرض نفسه في ساحة التواصل وحل مشكلات تقنية كبيرة واجهت شركات تكنولوجيا التواصل من قبل، كما اقتصدت جهد ووقت المتواصلين، كوسيلة سريعة ومختصرة للتعبير عن المشاعر والمواقف، وقد تمكنت من كسر حواجز اللغة بين البشر بعد أن “تعارف” العالم حول دلالاتها. ولا شك أنها بذلك قد ساهمت في دينامية التواصل إلى درجة طرح معها سؤال: هل نحن أمام لغة عالمية جديدة؟

    بالطبع لا يتعلق الأمر بلغة، بل بكتابة تصويرية على غرار ما اعتمده البشر قبل عام 3000 قبل الميلاد في سوريا والعراق لحل مشكلات التواصل بين الشعوب التي تتحدث لغات مختلفة، وحلوا تلك المشكلة التواصلية التي شكلت عائقا في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، باختراع“الكتابة التصويرية” التي كانت تعتمد نقش صور الأشياء على ألواح من الطين أو المعادن أو الشمع وغيرها من المواد.

    كانت الكتابة التصويرية بُرعم الكتابة بعد أن تحولت من صور الحياة اليومية إلى رموز، لتفتح الباب للتطور من ترميز الأشياء نحو الأبجدية التي تترجم الصوتوتحمل الأفكار والمشاعر، ويتمكن البشر بذلك من تحويل لغتهم إلى رموز تنطقها، وتنفجر ثورة اللغة في كل الاتجاهات.

    اليوم يبدو أننا نسير في الاتجاه المعاكس، نتخلى عن الكلمات لصالح الرموز!

    في هذا المستوى لا يتعلق الأمر بنعي اللغة، أو نعي الكتابة الأبجدية، ولكن بقلق فكري حول مضمون التواصل نفسه، والذي أصبح تقنيا، ليس فقط بوسائطه التي يتم من خلالها عن بعد، بل بمفرداته التي غزتها الرموز.

    لا شك في أن الكلمة يحكمها سياقها اللغوي والتواصلي، لكن الرمز يكاد يفقد هويته التواصلية كضحية لذلك السياق التواصلي. فالتعليق بالإبهام مثلا، يحمل الكثير من المعاني تجعل المتوصل به لا يدري هل المقصود أتفق معك، أو أساندك، أو فقط “أريد أن انهي التواصل معك بسلام” وغير ذلك من المعاني.

    صدمت مرة، قبل سنوات مضت، حين بعثت لصديق تهنئة بحلول عيد الفطر، صغت عباراتها المختصرة بعناية، وأجابني بالإبهام! كان ذلك أول ما نبهني إلى ظاهرة تعويض الكلمة بالرموز، وعشت حيرة مريرة لم أفهم حينها معنى ذلك الرد.

    كتبت مرة تدوينة في حسابي على فايسبوك تتطلب قراءتها دقيقتين تقريبا، لكن فوجئت أنه في اللحظة التي نشرتها تلقت تعليقا بالإبهام من صديق فايسبوكي من المستحيل أن يكون قد قرأ جملتها الأولى. هذا السلوك فهمته بعد الاطلاع على بعض الأبحاث حول سلوك نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تصبح التعاليق أحيانا مجرد تعاطف مع الشخص لا مع الفكرة.

    ويعتبر الإبهام أكثر رموز الإيموجي استعمالا عبر العالم، كما تؤكد بعض الأبحاث والدراسات، لكنه يفقد في سياق الاستعمالات المختلفة هويته الرمزية، فقد تعلن في حسابك على فايسبوك نبأ وفاة أحد أقاربك، فتجد الكثير من التعليقات تكتفي بالإبهام، ولا يتغير شيء من الظاهرة حين تعلن أنك نلت شهاد الدكتوراة، أو أنك تتعرض للتنمر، أو تضع صورة لك على شاطئ البحر، أو تعلن أنك حزين، أو أنك في أسعد لحظاتك، أو تنشر صورة قطتك، …

    وهذه الفوضى في المعنى، هو ما يجعل الإيموجي بعيدا عن أن يكون “لغة”.

    لو تلقيت رمز قلب مشع من شخص مثلا، فهو يختلف اختلافا جوهريا، من حيث الوضوح على الأقل، عن تلقي كلمة “أحبك”. قد تعطي لرمز القلب نفس هذا المعنى، لكن لن تكون أبدا متأكدا أنه نفس المعنى الذي يقصده الطرف الآخر، خلاف كلمة “أحبك”.

    وهنا تبرز قوة الكلمة التي لا يمكن تعويضها أبدا برموز إيموجي.

    الكلمة فيها بذل الجهد، في اختيار العبارة، وفي بناء الأسلوب، مما يعطيها قيمة أعلى مما لرموز إيموجي، التي، وإن كان هناك جهد تقني في انتقاء الرمز المناسب، إلا أن قيمته “رخيصة” جدا، إذ لا يعبر عن خصوصية المُرسل بما أن نفس الرمز متاح للجميع، ولم يبذل فيه جهد أكثر من النقر عليه، هو رمز تقني، يتم التعبير عنه بشكل تقني أيضا، وذلك عكس كتابة النص.

    القوة في جمالية العبارة، والعمق في المعنى تجعل للكلمة ألوانا مختلفة، في المقابل تضل الرموز التعبيرية تقنية وجامدة، لكنها مع ذلك تكون مفيدة.

    هذا على الأقل قد يكون نوعا من العزاء أننا مهما استعملنا الرموز التواصلية، لن نستغني عن الكلمة، فهي عالم واسع من الجمال والمعنى لا يمكن للرموز أبدا أن تعوضه، ما دام التواصل في حاجة إلى عمق وجمال.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الغدر والدم بالتاريخ الإسلامي

    في عام 1975 اتفق الشاه وصدام في الجزائر على مسألة الحدود، ووقع الطرفان على وثيقة دولية في جو من العناق. وبعد خمس سنوات تبين أن الاتفاق لا يساوي قيمة الورق الذي كتب عليه، وأن الغدر سيد الأحكام، وأن السيف أصدق أنباء من كل المواثيق الدولية، وأن القواعد تستخدم لخرق القواعد. وفي معظم بلدان العالم العربي يتم الاحتفال بأعياد وطنية، فتغلق المؤسسات العامة، وهي ذكريات أيام الغدر والانقلابات. ويخطئ من يظن أن هذا المرض حديث، فالمتتبع للتاريخ العربي يكتشف مسلسلا محموما من قنص السلطة الدموي والغدر المتصل، ثم محاولة شرعنته على يد وعاظ السلاطين. وظاهرة الغدر بدأت منذ أن صادر البيت الأموي الحياة الراشدية، مثل مرض الإيدز الاجتماعي. ونحن نعرف من مرض فقد المناعة المكتسبة، أن الخلل هو في تسلل الفيروس إلى الشيفرة الأصلية للتكوين. والمرض الأموي أصبح مقدسا محصنا ضد أي مراجعة. وأصل البلاء ليس أنه مرض عارض جاء، ثم تعافت منه الأمة، كما يحدث لأي واحد منا يصاب بالأنفلونزا فينهار، ثم يستعيد عافيته، بعد أسبوع. ولكن مسلسل الانهيار الذي دشنه معاوية لم ينته بعد، وما فعله الشيعة باسم الحسين والحسن وذو النفس الزكية بعده أشنع، أما الخوارج فقد خرجوا من كل الأمة واستباحوا دماء المسلمين، وقتلوا أعدل الناس عليا كرم الله وجهه.

    نحن نقدس أسلافنا مثل مشركي قريش لأسلافهم، فلا يمكن رؤيتهم في صورة بشرية، وإنا على آثارهم مقتدون. وسفينتنا الغارقة ما زالت تغوص إلى القاع مثل التيتانيك، ولم تستقر بعد في قاع المحيط. وإذا كان للسفن الغارقة قاع ترسو عليه، فإن المجتمعات تمضي في رحلة الانهيار إلى درجة الموت والتفسخ، ثم التحلل الكامل، عندما تتمزق شبكة المجتمع، وينقلب من نشاط مشترك على أنغام موسيقى جميلة، إلى كائنات بيولوجية فوضوية لا يضمها خيط. يبحث كل فرد عن خلاصه الفردي في جو من التيه والخوف، ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها.

    وإذا كان الأمويون قد أنتجوا على نحو شاذ صالحا مثل عمر بن عبد العزيز قضوا عليه بالسم، بعد سنتين من حكمه، فإن النموذج العباسي أنتج السفاح وأبو مسلم الخراساني، الذي حمل توصية خاصة بقتل كل من رابه أمره، ولو كان طوله خمسة أشبار.

    ومضى تاريخ الخلفاء العباسيين بعد ذلك على  نحو أدهى وأمر؛ فقد قتل جعفر «المتوكل» على الله، وهو الخليفة العاشر، وقتله من قتلوه متوكلين على الله. كما قتل الخليفة الحادي عشر «المنتصر بالله»، فلم ينصره أحد. أما «المستعين بالله» فقد خلع، ثم قتل ولم يعنه أحد، وكان الثاني عشر. كذلك قتل الخليفة «المعتز بالله» بدون أي عز وكان الخليفة الثالث عشر، وكذلك كان مصير «المهتدي بالله»، الخليفة الرابع عشر. أما الخليفة الثالث والعشرين، «المستكفي بالله»، فقد سملت عيناه، ثم سجن حتى مات. أما الراضي بالله وهو رقم 19 بين الخلفاء، وهو «عبد الله بن المعتز» فقد حكم يوما واحدا ولم يكن راضيا مرضيا. وفي النهاية خرج آخر خليفة عباسي سمين حاسر الرأس، ليقابل الجزار هولاكو، فيسأله بخبث: أين مخبأ بركة الذهب الخالص؟ ثم حكم الخلفاء العباسيون في مصر بدون أن يحكموا، ولم يكن مصيرهم بأفضل وكان عددهم 17 .

    وأما المماليك فكانوا ثلاثة أجيال: البحرية والبرجية والشراكسة، فأما البحرية فقد حكم منهم ستة، انتهت حياة خمسة منهم بالقتل. وأما المماليك البرجية فقد حكم منهم 21 واحدا، خلع منهم 11 وقتل 4. أما المماليك الشراكسة فقد حكم منهم 25، خلع منهم 12 وقُتِلَ اثنان وخنق واحد وشنق واحد. وكان أعقلهم المدعو «جقمق»، فقد استقال بعد أن تحول كرسي الحكم إلى كرسي الإعدام. ولكن ما معنى هذه الرواية الحزينة من التاريخ؟

    لا ننس في النهاية من تتويج هذه السلسلة الذهبية بأقبح تقليد دشنه محمد الفاتح، بقتل الإخوة مع اعتلاء السلطان العرش. بدأه بقتل أخيه الرضيع، ليلحقه مراد الثالث بقتل إخوته الخمسة، حين تولى العرش، أما محمد خان الثالث فقبل دفن أبيه، قام بخنق 19 أخا له، فاكتمل نصاب الموتى عشرين، فدفنوا في جنازة سلطانية لائقة.

    نحن كما نرى في حالة استعصاء كاملة، بعد أن تحول المجتمع العربي إلى مهزلة للعالمين. ويفرك الإنسان عينيه، ولا يكاد يصدق عندما يجتمع عقلاء القوم في أكثر من بلد عربي، فيغيروا الدستور في دقائق، فيرفعوا أو يخفضوا في عمر المرشح مفصلا على القياس، كما حصل مع الأسد الابن البراميلي. وإذا كان الحكم الملكي الوراثي يجعل الوريث ملكا، ولو كان في المهد صبيا، فإن أنظمة العالم العربي اتخذت درجة فهرنهايت سياسية، قد توصل عمر المرشح من 14 عاما إلى 104 أعوام، بحيث إن الحاكم يضمن ولايات الترشيح مفتوحة في ملك لا ينبغي لأحد من بعده عطاء غير مجذوذ. إلى حين انقضاض جنرال جديد يشكل لجنة حجر على عقل الحاكم، فيرسله إلى مصح أمراض عقلية، أو حبل المشنقة.

    وهذا المرض تكرره باكستان التي ترضع من نفس معين الثقافة المريض، فتتكرر المهزلة تحت التظاهر بثوب إسلامي لا يسر الناظرين. إنها أزمة ثقافية وأخلاقية تروي روح الغدر المتفشية. وإذا استطاع الطب فك كامل الشيفرة الوراثية، بحيث يمكن معالجة الأمراض التي كانت في حكم المستحيل، فإن جراحة اجتماعية متقدمة هي بحكم الضرورة للتخلص من هذا المرض الاجتماعي، ولكن أين الجراحون وأين الأدوات؟  

    نافذة:

    يخطئ من يظن أن هذا المرض حديث فالمتتبع للتاريخ العربي يكتشف مسلسلا محموما من قنص السلطة الدموي والغدر المتصل ثم محاولة شرعنته

    إقرأ الخبر من مصدره

  • “الفاو” تحذر المغرب من تراجع إنتاج القمح

    أفادت منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” أن إنتاج الحبوب في المغرب تراجع بـ68 في المائة خلال عام 2022 بالمقارنة مع العام الماضي، وبينما بلغت المحاصيل 10.5 مليون طن خلال 2021، لم يتجاوز حجم الإنتاج هذا العام سوى 3.3 مليون طن.

    وقال تقرير “توقعات المحاصيل والغذاء: الربع السنوي الثالث 2022” إن الظروف الجوية السيئة كانت الجوية السيئة وراء الانخفاض المتوقع في إنتاج الحبوب في أفريقيا في عام 2022 إلى حد كبير، ثم أضاف: “إن تأثير ظروف الجفاف على محاصيل القمح في شمال إفريقيا ، وخاصة في المغرب ، هو المسؤول عن الجزء الأكبر من انخفاض الإنتاج على المستوى القاري.”

    وأوضح التقرير أن محاصيل القمح في المغرب بلغت 7.5 مليون طن في عام 2021، لكنها انخفضت إلى 2.5 مليون طن هذا العام، في حين بلغ انتاج الحبوب الخشنة، بما فيها الشعير والذرة 2.9 مليون طن العام الماضي، وشهد انخفاضا حادا هذا العام إلى 800 ألف طن، أما إنتاج الأرز فلا يكاد يتجاوز 100 ألف طن، وقد حافظ على استقراره.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • فهم معجزة الحب

    عند المسيحيين الله هو المحبة، وفي علم النفس أعظم المشاعر الحب، والإيمان هو حب الله كما في الآية: «والذين آمنوا أشد حبا لله». ومن أجمل الكتب التي قرأتها من تراثنا «فقه اللغة وسر العربية»، للإمام أبي منصور إسماعيل الثعالبي النيسابوري (429 هـ ـ 1038 م)، وهو يقوم بتقسيم وتفصيص الكلمات، فإذا أنت في مواجهة خرائط نفسية عجيبة للمصطلحات، وهكذا فالحب غير العشق وغير التيم. ويبدو أن هذا المركب أعني الحب يدخل في مراحل، ولقد قرأت قبل فترة قصيرة بحثا مثيرا في مجلة «دير شبيغل» الألمانية عن ظاهرة علمية تدرس عن الحب من النظرة الأولى. وفي فيلم «شاب إلى الأبد» بقي الفتى يحفظ الحب حتى بلغ الثمانين، بعد أن حيل بينه وبين حبيبته، ووضع في قالب مجمد مبرد نصف قرن من الزمان، ليخرج من الأجداث الجليدية وهو يرتعش بردا وعجبا، وفي النهاية اجتمع بمن يحب، فتجرأ وقال لها: هل تتزوجينني؟ ولكن الإمام الثعالبي يأخذ بيدنا بالتدريج في تفهم الآلية التي يدخل الحب معراجها، فيقول: إن أول مراتب الحب «الهوى»، فإذا سيطر درجة أصبح اسمه «العلاقة»، وهي الحب اللازم للقلب. فإذا اشتدت فوعته أصبح «الكلف»، وهو شدة الحب. فإذا زاد على ذلك أصبح اسمه «العشق»، يقول الثعالبي: «ثم العشق وهو اسم لما فضل عن المقدار الذي اسمه الحب»، ولعله يقصد من تعشق الشيء، أي شدة الالتصاق، وسبحان من جعل بينهما مودة ورحمة. فإذا بدأ صاحبنا يحترق من لواعج الحب، دخل مرحلة خطيرة اسمها «الشعف»، وأعترف بأنني أقرأها للمرة الأولى، ويعرفها أنها «هو إحراق الحب للقلب مع لذة يجدها»، أي هو الاكتواء بنار الحب. بعدها يدخل المبتلى المسكين في الدرجة السادسة، وهي «اللوعة» و«اللاعج»، ويعرفها على النحو التالي: «وهذا هو الهوى المحرق». فإذا زاد الأمر على ذلك استولى على القلب من داخله، يقول: «ثم الشغف، وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب وهي جلدة دونه». ونحن نعرف اليوم طبيا أن القلب مغطى بورقتين، من الخارج اسمها التامور ومن الداخل واسمها الشغاف، فمرحى للجمع بين علمي التشريح والغرام. ولكن هل يمكن أن يزيد على هذا؟ يقول: نعم يبدأ صاحبنا بالمرض فعلا، فلا يكاد يتلفت إلا ويرى صاحبته على نحو ما أمامه. يقول الثعالبي: «ثم الجوى وهو الهوى الباطن». عند هذه المرحلة تبدأ حالة المرض والسقام، وتستولي الحالة على صاحبها فلا يملك لها دفعا ولا هم ينصرون، ويقع في حالة انهيار، وأنا أعرف رجلا من هذا الصنف كاد أن يموت ويذوي عشقا وانهيارا وانحلالا، فكانت أخبار المعشوقة إذا وصلته يصاب بنوبات إغماء، والحمد لله الذي نجانا، حتى سارعت فتدخلت فأنقذته من الموت، وهو أمر يحدث وليس للنكتة. ويومها كنا نقرأ رسائله فنبكي معه، حتى تحول البيت عندي إلى لطم حسيني وعزاء، فقلت لزوجتي: زوجيه على أية صورة، ثم فرج الله عليه فتزوج وأنجب، فإذا قابلته سألته: أين وصل الحب؟ قال: زاد أضعافا! وأنا لا أصدقه كثيرا، فقناعتي أنه متى حصل الزواج ذهب المرض وانطفأت اللوعة، بل قد يدخل الملل بعد حين، مع إنجاب عشرة أطفال وضيق اليد. ويجب أن لا نستخف بهذه القصص، فسور الصين انهار فاجتاحته الذئاب البشرية المنغولية من وراء قصة حب، وأسرار الجيش الفرنسي طارت للألمان على يد الرقاصة المشهورة الهولندية «ماتا هاري»، في الحرب العالمية الأولى، ثم أعدمت. وأكثر من قيصر روماني وقع في هوى كليوباترا، لدرجة أن المؤرخ كار يكتب عن فلسفة التاريخ تحت لغز أنف كليوباترا. وهناك عشق من النظرة الأولى، وهناك كما يقول ابن حزم عشق بالسماع، ومن أراد أن يعرف عجائب هذا العالم فليراجع كتابين «طوق الحمامة» لابن حزم، و«الأسرار الجنسية» لكولن ويلسن، وهذا الأمر ليس هناك من أحد محصن ضده بمن فيهم العلماء، ولقد قرأت من قصصهم الشيء المحير. والفلاسفة يحملون أمرين متناقضين، نشاط جنسي عارم وفرامل عقلية جبارة، وهناك من يصاب منهم بالأمراض والقرحات والعقد. ويقول الثعالبي متابعا درجات الحب، ثم يأتي «التيم» بتسكين التاء، وهو أن يستعبده الحب. ومنه سمي تيم الله، أي عبد الله، ومنه رجل متيم. ويبدو أن الرحلة لم تنته بعد، فيمكن لصاحبها أن يقع في أحضان الحب في القعر تماما، أي يغطس فيه حتى قراريط أذنيه، ويقول الثعالبي: بعدها تأتي مرحلة «التبل» وهو أن يسقمه الهوى، ومنه رجل متبول. فإذا غاص أكثر بدأ يفقد عقله، وهناك قصص تروى في هذا الصدد؛ فالحب فظيع عجيب، يقول الثعالبي: بعدها «التدليه» وهو ذهاب العقل من الهوى، ومنه رجل مدله. وبعد كل ما ذكرناه هل انتهت فصول رواية الحب؟ يبدو أننا لم نخلص، فبعد ذهاب العقل وتيه صاحبه على وجهه يقول الثعالبي: ثم الهيوم وهو أن يذهب على وجهه لغلبة الهوى عليه، ومنه رجل هائم. وهكذا ترانا أمام 11 درجة للحب، وبالتدرج الهوى ـ العلاقة ـ الكلف ـ العشق ـ الشعف ـ الشغف ـ الجوى ـ التيم ـ التبل ـ التدليه ـ الهيوم والهيمان على الوجه. ولكن هل فعلا الأمر هكذا، أم أنه مجرد تحكم لفظي؟ وهل يقول علم النفس شيئا في هذا؟ والجواب إن الواقع أشد مرارة مما عرضناه. ويذكر ابن حزم الأندلسي في كتابه «طوق الحمامة في الألفة والأُلاَّف» من قصص الغرام، وهو الفقيه المجتهد ما جعل المتشددين يتعجبون من هذه الثقافة التي تجمع بين الدين والدنيا، والفقه والمتعة والعلم والغرام. إن هذا الاستعار الفظيع بين الجنسين، وشدة الميل والتلهف، هو خدعة كبيرة تقوم بها الطبيعة من أجل الضحك علينا، حتى تستنبت من ظهورنا نسلا جديدا تعمر به الحياة. ويقول الفيلسوف شوبنهاور إن الطبيعة تسحق الفرد ولا تأبه بقدر ما تصون وتحافظ على النوع، فهذا هو السر خلف الطاقة الجنسية التي تقارن بالطاقة النووية، وهما أشد طاقات الكون فتكا وتدميرا. بقي أن نقول إن إمامنا الثعالبي لم يضع لنا «الغرام» بين درجاته الـ11، فأين هو يا ترى؟ وهل هناك 12 درجة في الحب؟ والجواب إن الحياة كلها تقوم على قدر من الطيف المتدرج، وليس هناك من انكسارات حادة، وإنما هي تصوراتنا وهي لا تغني من الحق شيئا. والحب لا يخرج عن هذه القاعدة.  

     

    نافذة:

    الإمام الثعالبي يأخذ بيدنا بالتدريج في تفهم الآلية التي يدخل الحب معراجها فيقول إن أول مراتب الحب «الهوى» فإذا سيطر درجة أصبح اسمه «العلاقة»

    إقرأ الخبر من مصدره

  • لا يمكن الدفاع عنهم.. القتلة السياسيون

    حسن العاصي

    كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

    صدر عن مطبعة جامعة آرهوس Aarhus Universitet في غرب الدنمارك كتاب “لا يمكن الدفاع عنه: القتلة السياسيون” De uforsvarlige: politiske massemordere باللغة الدنماركية، ويقع الكتاب في مئتين وثمانون صفحة. ساهم في تأليف الكتاب عشرون باحثاً دنماركياً، وقام بتحريره وكتابة المقدمة المؤرخ والأستاذ الجامعي الدنماركي “ميكيل ثورب” Mikkel Thorup.

    يتناول الكتاب ستة عشر من أسوأ القتلة الذين ارتكبوا جرائم القتل الجماعي السياسي في تاريخ العالم، والذين لا يمكن ولا يجب الدفاع عن أفعالهم، أمثال “بول بوت” Pol Pot السكرتير السابق للحزب الشيوعي في كمبوتشيا. و”ماو تسي تونغ” Mao Zedong الأمين العام السابق للحزب الشيوعي الصيني، ومؤسس جمهورية الصين الشعبية. و”أدولف هتلر” Adolf Hitler المستشار الألماني السابق، ورئيس الحزب النازي. و”جوزيف ستالين” Joseph Stalin الأمين العام للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي السابق. و”بينيتو موسوليني” Benito Mussolini مؤسس الفاشية، والرئيس الإيطالي السابق. “أسامة بن لادن” Osama bin Laden مؤسس منظمة الوحدة الإسلامية المسلحة ـ القاعدة.

    جاء في مقدمة الكتاب أن هؤلاء “الرجال الذين قتلوا وشوهوا وعذبوا وأبادوا الملايين من الناس. الأسماء وحدها تُشعرنا بالغثيان الحاد والصور التي تؤذي العين”

    لقد وضعهم شرهم خارج المجتمع البشري. لكن يمكننا الدخول إلى رؤوسهم وإلقاء نظرة فاحصة على تفكيرهم السياسي والأخلاقي، وعلى ودوافعهم. لأنه، حتى لو كانت أفعالهم تجعلهم وحوشاً، فإن تصرفاتهم كانت بدوافع فكرية، سياسية، ودينية، وأخلاقية. وأفكارهم جزء من تفكير كثير من الناس. فقد كانوا أناساً عاديين. لا عباقرة ولا أغبياء. يمكن فهمهم على أنهم فاعلون سياسيون يستخدمون القسوة لجعل المثل والقيم السياسية حقيقة واقعة.

    حتى لو لم يكن من الممكن الدفاع عنهم، فلا يزال يتعين علينا محاولة فهمهم. لأنه من خلال القيام بذلك، ربما يمكننا حماية أنفسنا بشكل أفضل من الاعتداءات، والقتل الجماعي السياسي في المستقبل.

    إن الستة عشر من القتلة السياسيين الذين لا يمكن الدفاع عنهم، ولا شيء يجعلهم بشراً. هذا لا يجعلهم بالضرورة أشخاصاً جيدين أو أذكياء. لكن كانت لديهم علاقة بأفكار معاصريهم – وبعضهم اخترع وطور الأيديولوجيات بأنفسهم – وفهموا أنفسهم كجزء من أنظمة وتيارات فكرية مختلفة.

    الكتاب لا يدعي بأي حال من الأحوال أنهم مفكرون عظماء أو مهمون. تكمن الفائدة في كيفية وضع أنفسهم كجزء من منظومة أكبر، سواء كانوا متساوين أم لا، أو يتمتعون بحجج موضوعية وحقيقية أم لا.

    إنها مهمة ثقيلة وصعبة لفهم أفكارهم كجزء من تفكير أكبر، وخاصة التفكير الذي يتشارك به العديد من الأشخاص المعاصرين. من الواضح أن القتلة السياسيون غالباً ما شوهوا الأفكار التي أخذوا منها ما يمكنهم استخدامه فقط لخدمة أيديولوجيتهم وتركوا الباقي.

    من الواضح أيضاً، أن المنظومات الفكرية التي كان هؤلاء جزءًا منها، لم تتأثر لا ارتفاعاً ولا انخفاضاً مع الاستخدام وإساءة الاستخدام غير المسؤول.

    من المهم مناقشة كيف يمكن استخدام وإساءة استخدام الأنظمة الفكرية والأيديولوجيات المختلفة، وكيف يمكن أن يصبح الاختلاف الفكري أساساً شرعياً للوحشية.

    في الدنمارك، بعد الهجوم على مقهى Krudttønden في كوبنهاغن يناير/كانون الثاني عام 2015، شهدنا سياسيين دنماركيين بارزين يقولون إن الأمر لا يتعلق بفهم أولئك الذين يهددوننا، ولكن الأمر يتعلق فقط بمقاتلتهم.

    هناك قول مأثور في الدنمارك، يُستخدم غالبًا في المواقف الساخنة عندما تريد إسكات خصومك في مناظرة حيث تقول “لفهم كل شيء يعني مسامحة كل شيء”.

    يمكن للمرء أن يسأل عن شروط مناهضة الإرهاب إذا اختار المرء صراحة الجهل كأساس للمعرفة، ولكن الأهم من ذلك إثبات أن الفهم والتسامح هما شيئان مختلفان للغاية.

    كتاب “لا يمكن الدفاع عنه” يدور حول فهم ما يبدو غير مفهوم. لا يوجد شيء في هذا عن المغفرة. لفهم كل شيء يعني فهم كل شيء. لا شيء آخر، وأعتقد أن هذه حكمة قوية أيضاً.

    من خلال استعراض الكتاب لستة عشر من أسوأ القتلة الجماعيين في تاريخ العالم من خلال ستة عشر فصلاً. فإنه يركز على الأفكار والأيديولوجيات والسياقات التي دفعتهم لأفعالهم، من خلال عدم اعتبارهم رجال خارقين ولا أناس عاديين. بل من خلال فهم المعقد في تعقيده.

    الكتاب ليس له هدف تكوين نظرية ولا يخطط لاشتقاق أنماط عامة عبر استحضار ستة عشر شخصاً، لكنه بشكل عام يعرض بصورة ضمنية بعض الأفكار القيمة والرائعة.

    واحدة من أكثر التجارب إثارة للإعجاب عند قراءة الكتاب هي أن جميع “الأشرار” كانوا أشخاصاً عقلانيين، ولديهم نيات طيبة لخلق مجتمعات سعيدة. كلهم يريدون الأفضل. جميعهم مارسوا نوع الشر الذي أشار له الفيلسوف النرويجي “لارس الأب سفندسن” Lars Fr. H. Svendsen في كتاباته، ودعاه الشر المثالي، وهو الشر الذي يتم تنفيذه لخدمة قضية أعظم.

    فائدة أخرى يقدمها الكتاب ككل، هي الإحساس بمدى صلابة وصمود تصور الناس عن الخير. يكاد يكون الخير في اللغة مجرد مفردة محددة. وأمام “الخير يقف “الشر”.

    غالباً ما تكون اللغة وتفكيرنا ثنائي التفرع، على الرغم من أن الحد الفاصل بين ما نسميه جيداً وما نسميه سيئاً، غالباً ما يكون شديد التفرع.

    في الممارسة العملية، تعتبر القيم الإنسانية مزيجاً شديد التعقيد، وما هو منتشر من التفسيرات والقيم يعتمد على السياق الذي جاءت ضمنه. على سبيل المثال، نحن نعتبر “القومية” قيمة مشروعة وغير واضحة، ولكن إذا أشدت بها ودعوت إلى القومية، فيجب حينها أن تكون على استعداد على الفور لمشاركة القيم مع كل من هتلر، وماو، وستالين، وبول بوت، وأسامة بن لادن، فيدل كاسترو، موغابي، موسوليني وآخرون

    لكن التعقيد الفعلي والسياق والخصوصية، هو بالتحديد الهدف من الكتاب. إذا غصنا في عالم القاتل الجماعي الفردي، يمكننا أن نرى مدى تعقيده وخصوصيته، ومدى كونه عادياً ـ جزئياً ـ في نفس الوقت. تخدعنا تصنيفاتنا اليومية ولغتنا، وتبسيطاتها تمنع فهم المركب البشري.

    ميزة أخرى قيّمة للكتاب هي الإدراك الدقيق لطموحه في نقل الفهم. القتلة الجماعيون البالغ عددهم ستة عشر شخصاً هم جميعًا شخصيات كتبوا وطوروا مبررات لرؤيتهم للمجتمع، وأنت تفهمهم وقواهم الدافعة، كشيء آخر غير الجنون اللاعقلاني السيكوباتي عندما ترى عالمهم وما يفكرون به وما قالوه.

    اغتراب الروح

    كان سفاح الثورة الفرنسية “ماكسميليان روبسبير” Maximilien Robespierre يحلم بمجتمع يتمتع بالحرية والمساواة، وحق متساوٍ للجميع في المشاركة، وبالتالي أراد تمكين جميع المواطنين من خلال إعادة التوزيع الاقتصادي، وجعل الرعاية الصحية والتعليم حق للجميع. وكانت القوة الدافعة الشائعة جداً والمعروفة لدى هتلر هي التوق إلى الوطن، والتوق إلى الحياة العصرية

    لذلك، مثّل الكمبودي “بول بوت” Pol Pot الكره الصارخ لمادية المدينة الكبيرة وتحويلها لكل شيء – حتى الحب – إلى سلع في السوق تُباع وتُشترى.

    المؤرخ الدنماركي “فرانك بيش لاسين” Frank Bech Lassen الذي كتب الفصل عن هتلر، يصفه على نحو ملائم بأنه “الوجودي السياسي”. وهكذا يمكن فهم روبسبير وهتلر وغيرهما من القتلة الجماعيين جيداً عندما تتكشف أسبابهم المنطقية وظروف حياتهم.

    في بعض الأحيان ، فيما يتعلق بالقوة الدافعة – وليس من حيث العنف والاستبداد – يمكن للمرء أن يتعاطف إلى حد ما مع “الشرير”. عندما تقرأ في الفصل الخاص بأسامة بن لادن عن استخفاف الولايات المتحدة وغطرستها. القوة في الشرق الأوسط، يمكنك المشاركة بشيء من الغضب الموجه ضد الولايات المتحدة.

    استخدام نموذجي

    الفكرة الأساسية في كتاب “لا يمكن الدفاع عنه” هي أن الإدانة الجيدة والمثمرة، هي الإدانة التي تفهم عقلانية موضوع الإدانة. وهذا هو المكان الذي تكمن فيه ميزة الكتاب العظيمة. في الكتاب يصبح الشر غير المفهوم أكثر قابلية للفهم. لا يتم التقليل من شأن الشر، ولكن يتم ثقب ما هو خارق للبشر وغامض ومبدع في سردنا للشر.

    يمكن للكتاب أن ينجح في إثبات ادعائه العام بأن الشر يمكن فهمه لأنه يكرر نفس المناورة في الفصول الستة عشر: إزالة الغموض عن الشر.

    ومع ذلك ، فإن الجانب السلبي لبعض الباحثين الذين يعالجون الشخصيات، هو ضعف الفهم الشامل للفرد. معالجة الكتاب في بعض الفصول يجعل من الصعب تحقيق طموح محرره “ميكيل ثورب” الذي كتبه في مقدمة الكتاب: فهم “أفكارهم كجزء من تفكير أكبر”.

    بعض الأمثلة: في الفصل الخاص بلينين Lenin، لا يوجد أي شيء تقريباً حول سبب وجهة نظره الحاسمة القائلة بأن الثورة لا يمكن أن تنتظر: دراساته المكثفة عن هيجل.

    في الفصل الخاص بـروبسبير Robespierre لم يُذكر الإلهام الفكري لروسو في كلمة واحدة. في الفصل الخاص بموسوليني Mussolini، لم يتضح سبب انتقاله من الاشتراكية الثورية إلى القومية الاستبدادية ومن نقد هتلر Hitler إلى احتضان هتلر.

    ومع ذلك، لا ينبغي أن يحجب هذا حقيقة أن الكتاب رائع. ما لا يمكن تبريره، هو مثال نموذجي على كيف يمكن للأبحاث أن تتحدث حديثاً ذو قيمة في أهم الموضوعات العامة، وبشكل مباشر في الأسئلة الأخلاقية والسياسية العظيمة في عصرنا، حول كيفية ارتباطنا بالإرهابيين والشر السياسي.

    لا يمكن مسامحتهم

    إن قدرة الكتاب على التواصل الجيد والمعلومات القائمة على الأبحاث، أمر يستحق الثناء. الكتاب سهل القراءة ويستحق قراءته – على الأقل من قبل هؤلاء السياسيين الذين يحبون الوقوف على المنصة الخطابية عقب أي هجوم إرهابي، ويعتقدون أنهم يعرفون كيف يجب أن نتعامل مع الشر لنمضي بحياتنا في خدمة قضية أهم وأسمى.

    ستة عشر من أسوأ القتلة السياسيين في تاريخ العالم. لا يمكننا الدفاع عنهم. لا يمكننا مسامحتهم على الإطلاق. لكن يمكننا أن نحاول أن نفهم. افهم أفكارهم ووقتهم والعالم الذي عاشوا فيه. في الكتاب ، يركز الكتاب بشدة على ما لا يمكن الدفاع عنه. الاستماع إلى ما كتبوه وقالوه وفعلوه. لأننا إذا فهمنا أفكارهم، يمكننا حماية أنفسنا من الاعتداءات والقتل الجماعي السياسي في المستقبل.

    إقرأ الخبر من مصدره